أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - اسحق قومي - مُصارَحَةٌ تَأْرِيخِيَّةٌ.















المزيد.....

مُصارَحَةٌ تَأْرِيخِيَّةٌ.


اسحق قومي
شاعرٌ وأديبٌ وباحثٌ سوري يعيش في ألمانيا.

(Ishak Alkomi)


الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 22:30
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


رأيي غيرُ مُلزِمٍ، لكنِّي أُدافِعُ عنهُ.
أرى أنَّ الاسمَ القوميَّ الذي يجمعُنا هو الاسمُ الآشوريُّ؛ لأنَّ اللغةَ الآراميَّةَ – السريانيَّةَ فيما بعدُ – ليست معيارًا قوميًّا دائمًا، رغم أنّها وُلِدَتْ من رحمِ التجرِبةِ اللغويَّةِ العالميَّةِ آنذاكَ، والتي كانت تُعرَفُ باللغةِ الكنعانيَّةِ (الفينيقيَّةِ، التي كانت تُكتب بالمسماريَّةِ). وقد استنبطتْها شعوبُ شرقيِّ البحرِ الأبيضِ المتوسِّطِ ، الذين كانوا قد اكتسبوا الاسمَ الآراميَّ منذُ زمنٍ طويلٍ، وتميَّزَ تاريخُهم بإقامةِ الإماراتِ الآراميَّةِ.
ولم يرتقِ جهدُهم السياسيُّ إلى تشكيلِ إمبراطوريَّةٍ، لكنَّ تاريخَهم اصطبغَ بالثقافةِ والأدبِ واللغةِ. وهكذا فإنَّ التسميةَ الكلدانيَّةَ لا ترقى إلى مستوى أن تضمَّ مكوِّناتِنا القوميَّةِ، رغم تأكيدِنا على احترامِنا وتقديرِنا لجميعِ تسمياتِنا، سواءٌ كانت كلدانيَّةً بابليَّةً، أم آراميَّةً سريانيَّةً، أم آشوريَّةً.
إنّ اعتمادَ اسمٍ جامعٍ يعرفُ العالمُ من خلالهِ شعبَنا، وتوحيدَ الخطابِ والعملِ والرؤيةِ، لم يعدْ ترفًا فكريًّا ولا تنازلًا عن الخصوصيّاتِ، بل شرطًا أساسيًّا للبقاءِ في عالمٍ لا يعترفُ إلّا بالكياناتِ الواضحةِ والإراداتِ المتماسكةِ.
وليسَ من المبالغةِ القولُ إنَّ شعبَنا يخسرُ كلَّ يومٍ جزءًا من حضورِهِ، لا بسببِ قسوةِ الظروفِ وحدَها، بل بسببِ عجزِهِ عن توحيدِ نفسِهِ، وتغليبِ المصلحةِ العامَّةِ على الحساباتِ الضيِّقةِ. وإن لم تُحسَمْ هذهِ القضايا اليومَ، وبشجاعةٍ ومسؤوليَّةٍ تاريخيَّةٍ، فإنَّ الغدَ قد لا يتركُ لنا مجالًا لاختيارِ الأسماءِ، ولا لتصويبِ المساراتِ، ولا حتَّى لتسجيلِ الاعتراضِ. فالتاريخُ لا ينتظرُ المتردِّدينَ، والضياعُ لا يبدأُ لحظةَ السقوطِ، بل لحظةَ العجزِ عن القرارِ.
نقولُ هذا ونؤكِّدُ أنّنا نتبنّى هذه القناعةَ لأنّها نتيجةُ جهدٍ بحثيٍّ قائمٍ على العلمِ والموضوعيَّةِ. وهنا أُؤكِّدُ أنّني لا أتَّبنّى هذا الرأيَ تحتَ أيِّ ضغطٍ أو نزوةٍ هوجاءَ، بل هذا ما أراهُ صوابًا.
إسحق قومي
أنا إسحق حنّا قومي، المولود في قرية تل جميلو التابعة لناحية الدرباسية بمحافظة الحسكة. وُلِدتُ، بحسب ما قالته لي أمّي، في تاريخ 12 / 11 / 1949م.
نزلت أسرتي إلى مدينة الحسكة، وكانت تُعرِّف نفسها بأنّها من عشيرة القصوارنة، أمّا طائفيًّا فكانت تُنسب إلى كنيسة السريان الأرثوذكس. وعندما حان وقت دخولنا إلى الروضة، أدخلوني مع أختي الأكبر منّي، نورا، إلى روضة مدرسة السريان لمدة عامين، ثم عدنا إلى قريتنا.
هناك دخلتُ مدرسة المعارف عام 1957م، وبقيتُ فيها حتى أيلول عام 1959م، حيث عدنا مرّةً أخرى إلى مدينة الحسكة. عندها دخلنا مدرسة السريان، لأنّ أعمارنا لم تكن مقبولة في مدارس المعارف في ذلك الوقت. والمهمّ أنّني تعلّمتُ في مدرسة الخابور الابتدائية للسريان، أنا وأخي الأصغر منّي إلياس، ثم أكملنا دراستنا في الإعدادية نفسها، إعدادية البحتري، التابعة للطائفة السريانية ذاتها.
في المرحلة الابتدائية تعلّمنا اللغة السريانية، الكتابيّة، كما علّمونا التراتيل الكنسيّة التي تناسب مناسبات الكنيسة وطقوسها بالسريانية. وكانت تلك التراتيل، بألحانها وموسيقاها وأوزانها، وأغلبها لمار أفرام السرياني، وعلى بحور الشعر السرياني، ذات دورٍ كبيرٍ في شحن طاقاتٍ إيجابيةٍ في عقلي الباطني، وتأجيج الموهبة التي غذّتها مطالعاتي المبكّرة.
وكان الفضل في ذلك لمعلّمي الأوّل حنّا عزيز، الذي تنبّه لموهبتي، فكان يعيرني كتبًا من مكتبة المدرسة، مثل كتاب حديث الأربعاء لطه حسين بأجزائه الثلاثة، وكتابات المنفلوطي، وكتاب الغلاييني، وغيرها من القصص والكتب. كما لا يمكنني نسيان معلّمي يعقوب توما عبدي، الذي، وأنا في الصف الرابع، تنبّه لموضوع موهبتي الشعرية، حيث كنتُ ألقي القصائد، الاستظهار، بطريقة تحريك الأيادي، وأنفعل مع المعاني. فقال يومها: إسحق، ستكون شاعرًا مُفلِقًا. وكان يأخذني من شعبةٍ إلى أخرى كي أُلقي القصائد.
1. أجل، ما أريد قوله هنا هو أنّني تربّيتُ في أسرةٍ سريانية، وبين تلاميذ وطلاب مدرسةٍ سريانية، وكانت اللغة السريانية حاضرةً على مائدة التعلّم والاكتساب. ورغم ما أصابني من نُفورٍ بسبب الملفان الذي كان يعلّمنا إيّاها، فهجرتُها، على الرغم من تقديري لها وإدراكي لأهميّتها في البناء الفكري للإنسان.
2. وبقيتُ أحتفظ بشفافيةٍ حين أُسأل، فأقول إنّني سريانيّ الطائفة، إلى أن أخذتنا المواضيع الحزبية، فابتعدتُ كليًّا عن مثل هذه المسائل. ثم قيّض الله لي، وأنا في السادسة عشرة من عمري، محبّتي للبحث والتنقيب عن معادن التاريخ، فانطلقتُ ألتهم الكتب التي تتحدّث عن بلاد ما بين النهرين، والحضارات القديمة: السومرية، والبابلية، والأكادية، والآشورية، والفارسية، والفينيقية، والكنعانية، والآرامية، والحثّية، والسوبارية، والعربية، وحضارات آسيا الصغرى بكاملها.
وأريدُ أن أعودَ حالًا إلى جوهرِ موضوعي، ألا وهو تسميتُنا القوميّةُ.
فقد تبيّنَ لي، منذُ زمن ٍ بعيد ، وبالدليلِ العلميّ، والبحثِ ، والاستنتاجِ، والاستقراءِ، أنّ اللغةَ التي نُسمّيها بالسريانيّةِ هي في حقيقتها اللغةُ الآراميّةُ، بكلِّ أبجديّتها، ومضامينها، ومعانيها. ولا فرقَ بين السريانيّةِ والآراميّةِ ، سوى في كَلمة سريانيّة وكلمة آراميّة.
وإنّ كلمةَ السريانيّةِ يقدر بعض الباحثين أنها متأتية من كلمة آشوريّة، رغم أنّ الأذنَ اعتادتْ على أنّ السريانيّةَ كيانٌ انبثقَ من إحدى اللهجاتِ الآراميّةِ، الرها. وهناك اجتهاداتٌ لملافنةِ سريانٍ كتبوا في هذا الصددِ. لكنّني، عندما أسّستُ لكتابةِ بحثٍ أكاديميٍّ عامَ 2021م، وكان البحثُ بعنوان: من اللغاتِ القديمةِ إلى السريانيّةِ، تبيّنَ لي بالدليلِ القاطعِ أنّ هناك التباسًا كبيرًا بيننا وبين ماجاء عليه بعض الباحثين.
فاللغةُ التي نقرأُ ونكتبُ بها اليوم، والتي لها لهجاتٌ وتسمياتٌ شرقيّةٌ وغربيّةٌ، هي اللغةُ الآراميّةُ، وليستِ الأكديةَ، سواءً أكانتْ بابليّةً أم آشوريّةً. بل هي اللغةُ التي سيطرتْ على بلادِ بابلَ، الكلدانيّينَ والآشوريّينَ، كما انتشرتْ في سوريةَ كاملةً، وفي مساحاتٍ واسعةٍ من العالمِ القديمِ.
ومن أجلِ ذلك، وللتوضيحِ أكثرَ، نُعيدُ هنا ما جاءَ في بحثِنا:
أ- الحقيقةُ أنّ اللغةَ التي نكتبُ ونقرأُ بها هي آراميّةٌ، أو إحدى لهجاتها الرهاوية وليستْ اللغة الأشورية وأعني اللغة الأكادية التي كان يتكلم بها أهلنا في أشور قبل دخول اللغة الآرامية إليهم.
نؤكد على أنها آرامية لأنّ السريانيّةَ تعني، في حقيقتها، آشوريّةً، بحسبِ ما أطلقَهُ الإغريقُ علينا، أو حتى بحسبِ وثائقَ مصريّةٍ قديمةٍ، أقدمَ من مجيءِ اليونانِ إلى سوريةَ، حيثُ كانوا يُطلقونَ على الأرضِ السوريّةِ، وعلى الشعبِ الذي كان يسكنُها، اسمَ السريانِ وإن كانت تسميت السريانية قد ثبتت منذ زمن بعيد.
وعلينا أن نُميّزَ بين مفهومَي الاسمِ والتسميةِ.
فالاسمُ الحقيقيّ للشعبِ ينبعُ من مبدأِ وجودِهِ وصيرورتِهِ التاريخيّةِ والجغرافيّةِ والثقافيّةِ، أمّا التسميةُ فهي ما يُطلقُهُ الغرباءُ على هذا الشعبِ أو ذاك، ولا سيّما حين لا تكونُ مطابقةً لحقيقةِ اسمِهِ ولغتِهِ. فما أطلقَهُ الإغريقُ من تسميةِ سريان على جنسٍ هو آراميٌّ، لا يُمثّلُ الآراميّينَ تمثيلًا علميًّا صحيحًا.
غيرَ أنّ المعضلةَ تكمنُ في عدمِ قبولِ الآشوريّ للغةِ التي دخلتْ على حياتِهِ تدريجيًّا، ابتداءً من نهايةِ الألفِ الثاني قبلَ الميلادِ، أي تقريبًا من القرنِ الثاني عشرَ إلى القرنِ الحادي عشرَ قبلَ الميلادِ.
وهنا علينا أن نقدم توضيحاً تاريخيا:
في القرنينِ 12–11 ق.م: بدأتْ قبائلُ الآراميّينَ بالهجرةِ من باديةِ الشامِ إلى مناطقَ مختلفةٍ من بلادِ ما بينَ النهرينِ، أعالي الفراتِ، الجزيرةِ، ثم لاحقًا الوسطِ والجنوبِ. ومع استقرارِهم انتشرتْ لغتُهم شفهيًّا، ثم كتابيًّا.
وفي القرنينِ 9–7 ق.م: أي في العصرُ الآشوريُّ الحديثُ: اعتمدتِ الإمبراطوريّةُ الآشوريّةُ اللغةَ الآراميّةَ كلغةٍ إداريّةٍ وتجاريّةٍ مساعدةٍ إلى جانبِ الأكديةِ، بسببِ بساطتِها وسهولةِ تعلّمِها وانتشارِ متحدّثيها.
ومن القرنِ السادسِ ق.م فصاعدًا: في العهدينِ البابليِّ الحديثِ ثم الأخمينيِّ الفارسيِّ، أصبحتِ الآراميّةُ، ولا سيّما ما يُعرفُ بـ الآراميّةِ الإمبراطوريّةِ، لغةَ المراسلاتِ الرسميّةِ في مناطقَ شاسعةٍ، ما رسّخَ مكانتَها كلغةٍ مشتركةٍ.
فهذهِ اللغةُ ليستْ هي اللغةَ التي نُسمّيها آشوريّةً. وعلى الرغمِ من أنّ اللغةَ التي يكتبُ ويقرأُ بها الآشوريّونَ والكلدانيّونَ في نينوى وما جاورَها من أرضِ آشورَ هي لغةٌ آراميّةٌ، وليستْ، كما يقولونَ، لغةً آشوريّةً بالمعنى التاريخيّ، أي تلكَ التي كانتْ إحدى لهجاتِ اللغةِ الأكديةِ.
ب- لِنستقرَّ على أمرٍ علميٍّ، يتمثّلُ في إعادةِ ترتيبِ حقائقِنا اللغويّةِ بتاريخيّتِها وما آلتْ إليه عبرَ مسيرتِنا، فنقولُ:
إنّ اللغةَ التي نقرأُ بها ونكتبُ هي آراميّةٌ، وليستْ آشوريّةً، ولا كلدانيّةً.
لأنّ الفضيلةَ العلميّةَ تقتضي تصويبَ خطأٍ تاريخيٍّ، أفضلَ من البقاءِ عليهِ. مع علمِنا بأنّ في هذا الأمرِ صعوبةً تفوقُ صعوبةَ بناءِ مدينةٍ في الهواءِ.
وننبّهُ إلى أنّنا سنبقى نتوهّمُ بحقائقَ ليستْ صحيحةً، ما لم نعتمدِ النتائجَ العلميّةَ للأبحاثِ اللغويّةِ، إذ إنّ الاستمرارَ في هذا الالتباسِ لهُ مفاعيلُ سلبيّةٌ، ومناكفاتٌ فكريّةٌ، ستؤدّي إلى مزيدٍ من الانشقاقاتِ.
نعم، نعلمُ علمَ اليقينِ، ومن دونِ أدنى شكٍّ، أنّ أمامَنا أكثرَ من ألفَي عامٍ من استقرارِ الاسمِ السريانيِّ، سواءً أكانَ على اللغةِ أم على الشعوبِ في المنطقةِ (اللغةُ السريانيّةُ، الشعبُ السريانيُّ،) وهو في حقيقتهِ آراميٌّ وفينيقيٌّ في سوريةَ، وآشوريٌّ وكلدانيٌّ في العراقِ الحاليِّ.
كما نعلمُ أنّ أهلَنا المنحدرينَ من بلادِ آشورَ وأرضِ نينوى التاريخيّةِ لا يقبلونَ، بل يرفضونَ، تسميةَ لغتِنا بالسريانيّةِ، رفضًا قاطعًا.
من هنا تأتي أهميّةُ المشروعاتِ العلميّةِ لترسيخِ قناعاتٍ واقعيّةٍ وعلميّةٍ، عبرَ الصيرورةِ التاريخيّةِ لانتشارِ الآراميّةِ وتبنّيها بينَ أهلِنا في آشورَ، كما بيّنّا سابقًا، وهو أمرٌ لا يمكنُ لعاقلٍ إنكارُهُ.
ولا ضيرَ، في السياقِ العلميّ والتاريخيّ، من القولِ إنّ اللغةَ الآراميّةَ هي لغةُ شعبِنا المنحدرِ من آشورَ ونينوى وسوريةَ الداخليّةِ.
نحنُ على قناعةٍ بأنّ كثيرينَ لن يقبلوا هذا الرأيَ، وسيبقونَ متمسّكينَ بآرائِهم المؤدلجةِ والمقدّسةِ، رغم أنّ أغلبَ هؤلاءِ لا يعتمدونَ المنهجيّةَ العلميّةَ في طروحاتِهم، وهم في الحقيقةِ معوّقاتٌ أمامَ وحدةِ شعبِنا أينما وُجدوا.
هذا هو رأينا الذي نتبنّاهُ بالمطلقِ، مع تأكيدِنا أنّ ملفَّ اللغةِ وتسميتِها ليسَ مكتملًا، ولا نفرضُ رأيًا على أحدٍ. ونكرّرُ أنّنا بحاجةٍ إلى أبحاثٍ أوسعَ، وأكثرَ اقترابًا من الحقيقةِ التاريخيّةِ، على أن تُمثّلَ هذهِ الأبحاثُ أطيافَ شعبِنا كافةَ.
ولهذا، فإنّ هذهِ الإشكاليّةَ تستلزمُ الدعوةَ إلى عقدِ مؤتمرٍ عامٍّ وشاملٍ، وقد كتبنا في هذا الصددِ من قبلُ، وها نحنُ نعيدُ ما طالبنا بهِ:
1=الدعوةُ إلى مؤتمرٍ لحلِّ إشكاليّةِ التسميةِ الواحدةِ، واللغةِ الواحدةِ، والعلمِ الواحدِ، والخطابِ السياسيِّ الواحدِ.
وهو رأيٌ حرٌّ غيرُ مُلزِمٍ، موجَّهٌ إلى الحريصينَ والمعنيّينَ من أبناءِ شعبِنا، على اختلافِ تسمياتِهم المناطقيّةِ، والهجويّةِ، والطائفيّةِ، والقبليّةِ.
فإذا أردنا أن نُنقذَ ما بقيَ لنا من وجودٍ على أرضِ أوطانِنا، وأن نُحييَ عظمةَ تاريخِنا وحضارتِنا التي كانتْ قبلَ آلافِ السنينِ، وإذا أردنا أن نُوقِفَ الزمنَ ليسمعَ لنا، ولقضيّتِنا العادلةِ، وحقوقِنا المشروعةِ على ترابِ أجدادِنا،
فإنّ ذلكَ لا يتمُّ بالدعاءِ وحدهُ، ولا بكثرةِ القدّيسينَ، ولا بجهودِ أحزابٍ مضى على نضالاتِها أكثرُ من سبعينَ عامًا ولم تُنجزْ شيئًا.
فلنتوحّدْ على رؤيةٍ واحدةٍ، تقومُ على أسسِ تاريخية:
فالمعطياتُ التاريخيَّةُ واللغويَّةُ تُظهِرُ أنَّ اللغةَ الآراميَّةَ ليستْ امتدادًا للغةِ الأكديَّةِ، لا في صورتِها البابليَّةِ ولا الآشوريَّةِ القديمةِ، بل تمثِّلُ فرعًا ساميًّا مستقلًّا دخلَ بلادَ ما بينَ النهرينِ منذُ أواخرِ الألفِ الثاني قبلَ الميلادِ، وانتشرَ تدريجيًّا حتّى أصبحَ اللغةَ الغالبةَ في الحياةِ اليوميَّةِ والإدارةِ والتجارةِ. وقد جاءَ هذا التحوُّلُ نتيجةَ تفوُّقِ الآراميَّةِ الوظيفيِّ، ولا سيّما اعتمادِها أبجديَّةً صوتيَّةً بسيطةً، مقابلَ تعقيدِ النظامِ المسماريِّ الذي ارتبطَ بالأكديَّةِ وبقيَ محصورًا في الأوساطِ الرسميَّةِ والطقسيَّةِ.
ومع تعاظمِ الحضورِ الديموغرافيِّ للآراميِّينَ، وتبنّي الإمبراطورياتِ المتعاقبةِ للآراميَّةِ لغةً إداريَّةً عمليَّةً، تراجعتِ الأكديَّةُ تدريجيًّا حتّى اندثرتْ كلغةٍ حيَّةٍ، في حين استمرَّتِ الآراميَّةُ بأشكالِها المتعدِّدةِ كلغةِ تواصلٍ عابرةٍ للأعراقِ والحدودِ السياسيَّةِ.
أمّا السريانيَّةُ، فلا تُعَدُّ لغةً منفصلةً عن الآراميَّةِ، بل هي تطوُّرٌ تاريخيٌّ للهجةٍ آراميَّةٍ شرقيَّةٍ استقرَّتْ في شمالِ بلادِ ما بينَ النهرينِ، ولا سيّما في الرُّها، ثم خضعتْ لعمليَّةِ تقعيدٍ أدبيٍّ ولاهوتيٍّ جعلتْ منها لغةً معياريَّةً للكتابةِ والفكرِ الدينيِّ. ويقتصرُ الفرقُ بين الآراميَّةِ والسريانيَّةِ على التسميةِ والوظيفةِ والسياقِ الثقافيِّ، لا على الأصلِ اللغويِّ، إذ إنَّ الأبجديَّةَ واحدةٌ، وإنْ شهدتْ الخطوطُ تطوُّرًا شكليًّا طبيعيًّا شأنَها شأنُ سائرِ لغاتِ العالمِ.
وانطلاقًا من هذا الأساسِ العلميِّ، فإنَّ التعدُّدَ في التسمياتِ التاريخيَّةِ لا ينفي وحدةَ الجذرِ اللغويِّ والثقافيِّ، بل يعكسُ مساراتٍ حضاريَّةً مختلفةً ضمنَ إطارٍ قوميٍّ واحدٍ. وعليهِ، فإنَّ اعتمادَ اسمٍ قوميٍّ جامعٍ يستندُ إلى هذهِ الحقائقِ يُعَدُّ مقاربةً علميَّةً متماسكةً، تُسهمُ في توحيدِ الخطابِ والهويَّةِ، من دون إلغاءِ الخصوصيّاتِ التاريخيَّةِ والثقافيَّةِ.
وفي ختامِ هذهِ المصارحةِ التاريخيّةِ، يتبيّنُ لنا أنّ البحثَ في اللغةِ والتسميةِ، وفي مسارِ تشكّلِ الهويّةِ، ليسَ مجرّدَ نقاشٍ فكريٍّ أو اختلافِ وجهاتِ نظرٍ، بل هو مسألةُ مصيرٍ تتعلّقُ بوجودِ شعبِنا نفسِهِ. إنّ إعادةَ ترتيبِ الحقائقِ على أساسٍ علميٍّ وتاريخيٍّ لم تعدْ خيارًا ثقافيًّا، بل ضرورةً وجوديّةً تفرضُها تحوّلاتُ الواقعِ، وتراجعُ الحضورِ، وتسارعُ عواملِ التآكلِ من الداخلِ قبلَ الخارجِ.
وليسَ الخللُ محصورًا في اللغةِ أو في تسميتِها، بل يمتدُّ إلى الاسمِ القوميِّ للمكوّناتِ القوميّةِ الثلاثةِ، حيثُ تحوّلَ التعدّدُ اللفظيُّ من ظاهرةٍ تاريخيّةٍ إلى عبءٍ سياسيٍّ وثقافيٍّ يُضعفُ موقعَنا ويُربكُ صورتَنا أمامَ العالمِ. إنّ اعتمادَ اسمٍ جامعٍ يعرفُ العالمُ من خلالهِ شعبَنا، وتوحيدَ الخطابِ والعملِ والرؤيةِ، لم يعدْ ترفًا فكريًّا ولا تنازلًا عن الخصوصيّاتِ، بل شرطًا أساسيًّا للبقاءِ في عالمٍ لا يعترفُ إلّا بالكياناتِ الواضحةِ والإراداتِ المتماسكةِ.
إنّ شعبَنا اليومَ يقفُ عندَ لحظةٍ تاريخيّةٍ حاسمةٍ لا تتكرّرُ، والوقتُ لم يعدْ في صالحِنا. فالانقساماتُ الداخليّةُ، مهما اختلفتْ عناوينُها وأقنعتُها، ليستْ على الإطلاقِ في صالحِنا، بل تُسهمُ مباشرةً في إضعافِ وجودِنا، وتفريغِ قضايانا من مضمونِها، وتحويلِنا إلى شتاتٍ بلا أثرٍ ولا صوتٍ.
وليسَ من المبالغةِ القولُ إنَّ شعبَنا يخسرُ كلَّ يومٍ جزءًا من حضورِهِ، لا بسببِ قسوةِ الظروفِ وحدَها، بل بسببِ عجزِهِ عن توحيدِ نفسِهِ، وتغليبِ المصلحةِ العامَّةِ على الحساباتِ الضيِّقةِ. وإن لم تُحسَمْ هذهِ القضايا اليومَ، وبشجاعةٍ ومسؤوليَّةٍ تاريخيَّةٍ، فإنَّ الغدَ قد لا يتركُ لنا مجالًا لاختيارِ الأسماءِ، ولا لتصويبِ المساراتِ، ولا حتَّى لتسجيلِ الاعتراضِ. فالتاريخُ لا ينتظرُ المتردِّدينَ، والضياعُ لا يبدأُ لحظةَ السقوطِ، بل لحظةَ العجزِ عن القرارِ.
كما أؤكِّدُ أنَّ الكلدانيَّةَ ليست اختراعَ روما الكاثوليكيَّةِ، بل إنَّ الكلدانَ جماعةٌ موجودةٌ، وكانت لها كنيستُها وتراثُها الليتورجيُّ. والكلدانيَّةُ انتماءٌ وذاكرةُ شعبٍ، وله لغةٌ وتراثٌ. وإن أكَّدنا ألفَ مرَّةٍ، فما من أحدٍ يستطيعُ أن يُثبِتَ صفاءَ نسبِهِ البيولوجيِّ، ومن حقِّ الكلدانِ الحاليِّينَ أن يعتزُّوا بتسميتِهِم، وألَّا يقبلوا تسميةً تُفرَضُ عليهم. وكذلكَ الأمرُ بالنسبةِ للسريانِ (الآراميِّينَ) أيضًا. لكنَّ الضرورةَ تَفرِضُ أن تجتمعَ المكوِّناتُ القوميَّةُ وتقرِّرَ مصيرَها: إمَّا اختيارَ اسمٍ تتوافقُ عليه جميعُها، أو أن يعملَ كلُّ واحدٍ على حدةٍ، بشرطِ أن تكونَ القضيَّةُ واحدةً، والخطابُ السياسيُّ واحدًا. غيرَ أنَّني أرى أنَّ إقرارَ اسمٍ قوميٍّ واحدٍ ونهائيٍّ هو الأصحُّ والأسلَمُ.
اَلْمُدَرِّسُ إِسْحَق قَوْمِي
بَكْلُورْيُوسٌ فِي الْفَلْسَفَةِ وَالدِّرَاسَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ
شَاعِرٌ وَأَدِيبٌ وَبَاحِثٌ سُورِيٌّ مُقِيمٌ فِي أَلْمَانِيَا
16/2/2026م



#اسحق_قومي (هاشتاغ)       Ishak_Alkomi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لسنا بحاجةٍ إلى اسمٍ واحدٍ… بل إلى مستقبلٍ واحدٍ نختلفُ في ا ...
- هل هناكَ حياةٌ بعدَ الموتِ نقدُ مفهومِ الآخرةِ في الوعيِ الد ...
- مُذَكِّرَةٌ دُسْتُورِيَّةٌ بِشَأْنِ تَكْرِيسِ الْحُقُوقِ الْ ...
- إسحق قومي والفيلسوف اليوناني هيراقليطس
- الدِّينُ وَالعِلْمُ بَيْنَ التَّعَارُضِ وَالتَّكَامُلِ: نَقْ ...
- السِّياسَةُ الخارِجِيَّةُ الأَمْرِيكِيَّةُ فِي الشَّرْقِ الأ ...
- عشتار الفصول: 11805 رأيٌ في الحقوقِ الوطنيّةِ السُّوريّة
- تغيير السيرة الذاتية
- أفكارٌ عن التراث وأهميّة إعادة قراءته قراءةً جديدةً
- إشكاليَّةُ الهُوِيَّةِ والتَّسميةِ عِندَ مَسيحيِّي المَشرِق ...
- نتائج نهاية عام 2025م صراع الأجيال بين التربية التقليدية وال ...
- دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَقْوِيمِيَّةٌ لِبَحْ ...
- قريةُ تَلِّ جَميلو:
- الدَّوْلَةُ السُّورِيَّةُ بَيْنَ الإِنْكَارِ وَالِانْهِيَارِ ...
- مَرَضُ النُّخَبِ الثَّقَافِيَّةِ (الإِبْدَاعِيَّةِ) فِي المَ ...
- مدينةُ الحسكةِ: التسميةُ والنشأةُ
- الوَثِيقَةُ التَّأْسِيسِيَّةُ لِـ (مَدْرَسَةِ الوِلادَةِ الإ ...
- تَارِيخُ الْمَنْهَجِيَّةِ النَّقْدِيَّةِ الْعَرَبِيَّةِ وَآف ...
- إِعَادَةِ قِرَاءَةِ فَلْسَفَةِ اِبْنِ رُشْدٍ فِي ضَوْءِ مَدْ ...
- دراسة تحليليّة–نقديّة–تقييميّة لِبَحْثِ «الْجَهْلِ الْمُقَدّ ...


المزيد.....




- هل ستلقي خطاب حالة الاتحاد حتى لو استمر الإغلاق الحكومي؟.. ت ...
- استشهدت برواية -1984-.. قاضية تأمر إدارة ترامب بإعادة -معرض ...
- لماذا يجب أن تبدأ إفطارك بتناول التمر في رمضان؟
- لبنان: الحكومة تمنح الجيش مهلة 4 أشهر قابلة للتجديد لإنجاز ا ...
- وزارة الدفاع النيجيرية تعلن وصول 100 عسكري أمريكي في إطار مك ...
- قتيلان على الأقل في إطلاق نار داخل حلبة تزلج على الجليد شمال ...
- لبنان يحدد 4 أشهر لإنجاز المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح حزب ...
- بالصور.. القمامة تغزو شوارع هافانا بسبب الحصار الأمريكي على ...
- مسيّرات تُدار بالصوت..ماسك يدخل سباق -درونز البنتاغون- السري ...
- زيلينسكي يحذّر من تصعيد روسي جديد يستهدف قطاع الطاقة


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - اسحق قومي - مُصارَحَةٌ تَأْرِيخِيَّةٌ.