|
|
لازلنا نعيش في القرن الخامس عشر
محمد حسين يونس
الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 13:41
المحور:
قضايا ثقافية
((أين يا أطلال .. جند الغالب .. اين أمون وصوت الراهب .)).. في يوم من الايام كان (أمون ) هو الرب الاقوى علي الأرض .. و كانت معابده و كهنته ..منتشرة في كل مكان .. تسمع الصلاوات و الأدعية المرتله بإسمه كل صباح ..و ترى الإحتفالات .. التي يقوم بها من يؤمنون بقدرته و قوته .. فتتصور أن عبادته ستعيش إلي الأبد نفس المشهد تكرر .. مع مردوخ ، أهورامزدا ، إنليل ، زيوس ، جوبيتر ، براهما ، شيفا و كل أرباب الزمن القديم الذين تم نسيانهم ..و لم نعد نعرفهم إلا من المتاحف و الكتب القديمة و اثار اطلال معابد تحولت لخرابات في جنوب بيرو.. عزفت الأنكا نفس اللحن .. مدن مهجورة بنتها حضارات مندثرة تحكي عن ملوك كانوا يعتبرون أنفسهم ابناء للرب . أى سابا انكا أو ( الأنكا الوحيد إبن الشمس ).. ومعابد شيدت من أجل الهه مجهولة لنا جرى نسيانها . أبرز مدن (الأنكا ) التي إكتشفت في القرن الماضي .. مغطاه باشجار و نباتات الغابات و الأحراش بعد أن هجرها القوم و رحلوا إلي الشمال .. مدينة ((ماتشو بيتشو Machu Picchu)) التي تعتبر أحد عجائب الدنيا السبع و تعرف بـالمدينة المفقودة عند الخواجات ، بنيت فوق قمة جبل بارتفاع 2430 متراً. في ((القرن الخامس عشر و أُعيد اكتشافها للعالم الحديث عام 1911 )) شيدت المدينه مع زمن صعود الإمبراطورية في عصر الملك باتشاكوتي Pachacuti Inca Yupanqui و إبنه Thupa Inka Yupanki توباك أنكا يوبانكي. حضارة الإنكا غنية ومتنوعة، وجدوا في أطلال المدينة بقايا فخار ونسيج و صناعات يدوية أخرى تعكس مهارات متميزة .. استخدم فيها الفنانون الألوان الزاهية والرموز الثقافية .. و كانت لها شعائر و ممارسات دينية إرتبطت بالزراعة فقد إعتقدوا أن الأرض مقدسة .. كذلك احتفالات، وأساطير تعكس روح المجتمع. و ثقافة تتصل بعلوم الفلك وكانت الموسيقى والرقص جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.. المدينة يحيط بإنشائها العديد من الأساطير و يعتقد الكثيرون أنها كانت مركزًا دينيا للإنكا، يتم فيه تقديم القرابين للآلهة. وهي تتميز بجمال مبانيها الحجرية التي تعكس إبداعا معماريا واضحا في عمل العقود علي هيئة الرقم تمانية (بالعربي ) بواسطة بروز المداميك .. أو الأعمدة المستديرة العالية التي تحمل اسقف ثابتة مسطحة أو مايلة .. و البناء بالحجر المقطوع بصورة ناعمة مما يجعلها تتحمل الزلازل ويعزز من صمودها عبر القرون. المدينة كانت . مزدهرة .. منسقة .. تتنوع مبانيها بين المعابد، والمنازل بالإضافة إلي نظم تزويد بالمياة و صرفها وعمل الطرق واللانسكيب الجيد المتماشي مع البيئة المحيطة .. و توجيه المباني لتستفيد من ضوء الشمس والتهوية الطبيعية، ، تعكس تنظيمًا دقيقًا في التصميم.و تحضر في استخدام الموارد المتاحة ..و لقد ساهم (توباك أنكا يوباكي ) الإبن الذى أعقب والده باتشاكوتي في حكم البلاد ببناء الكثير من المعابد و القصور ... التي تفوقت في جمالها و جلالها .. عن مدينة والده . في نفس الزمن ( القرن الخامس عشر ما بين عامي 1406م و 1420م ) قام يونجلي الأمبراطورالثالث من أسرة ( مينج ) الصينية بنفس العمل كتب الأستاذ الأمريكي توماس مونرو في موسوعته تطور الفنون . ((وصل يونجلي إلي منصبه بعد أن تمرد علي إبن أخية الإمبراطور Jianwen.. و قام بنقل العاصمة الصينية من نانجينغ (Nanjing) إلى(بكين) و تشييد داخلها مدينة المانشو المحرمة.)) ولان بكين العاصمة الجديدة في الشمال و تفتقد لإمدادات الجنوب الثرية .. شق قناة طولها الف ميل..( بمعني أطول من المسافة بين الدلتا و سد أسوان ) .. حتي تربطها ( أى بكين) .. بمصادر الغذاء و الثروة و البضائع ((خلال فترة حكمه ، تمت إعادة بناء القناة الكبرى بالكامل تقريبًا لتنقل البضائع المستوردة من جميع أنحاء العالم.. كان هدف الإمبراطور يونغلي هو تنشيط المراكز الحضرية الشمالية ، وخاصة عاصمته الجديدة في بكين)). الإمبراطور ((قام ببناء شبكة ضخمة من الهياكل في بكين تقيم فيها المكاتب الحكومية والمسؤولون والعائلة الإمبراطورية.. و بعد وقت طويل مؤلم من البناء (1407-1420) ، ظهرت المدينة المحرمة .. فقد تم الانتهاء منها وأصبحت مقر الإمبراطور)) . كتب مونرو.. يتحدث عن مدينة المانشو.. المحرمة في بكين ((مدينة داخل مدينة مجموعة قصور و حيا سكنيا للملك و نبلائه و زوجاتهم و خدمهم ..بقصريها الشتوى و الصيفي و علي مقربة منها حول الأبواب من الجائز أن الدهماء كانوا يتضورون جوعا أو يموتون بالطاعون)). ثم يضيف ((في العصور التي بلغ الترف و السلطان فيها حدا كبيرا و إتسما بشدة التركيز إتخذت المهرجانات و القصور من حيث الحجم و التعقيد و الفخامة طابعا ليس له مثيل في الثقافات الديموقراطية )) . و يصف مدينة زاندو المقر الصيفي للإمبراطور .. (( أما في الداخل فقد أقيم قصر منيف للمتعة يظل قائما حتي يقتحمة الغوغاء أو الأعداء الذين كانوا يفعلون هذا دائما في الوقت المناسب )) . ثم يقص علينا كيف كان إفتتاح القناة (( و يصف التاريخ بإسهاب الإنشاءات باهظة التكاليف التي أمر بإقامتها الإمبراطور يونجلي فقد كلف ثلاثة ملايين من الرجال أن يحفروا قناة طولها ألف ميل و يبادروا إلي غرس أشجار الصفصاف علي ضفتيها .. و علي طول هذه القناة سارت خمسون سفينة مبنية علي شكل تنين يسحبها الرجال بما في ذلك سفينة الإمبراطور ذات الطوابق الأربعة التي بلغ طولها الفين من الأقدام .. وقد إحتوت علي غرفة للعرش تجلي فيها البذخ و الإسراف .. و كان الاف الرجال في الملابس الحريرية يسحبون السفن بينما كانت الفتيات الصغيرات يشددن حبالا زاهية الالوان و ينثرن الزهور و العطور .))ثم يسترسل في وصف مدينته الجديدة.. ((كذلك أقام الإمبراطور يونجلي حدائق و قصور ضخمة فيها بحيرات و جزر صناعية ..)) و يضيف ((ولقد وجدت مثل هذه القصور و أساليب الترف الخرافية في الأمبراطورية الرومانية و البيزنطية كما كانت مهرجانات فينسيا و فرنسا في عهد أسرة البوربون رائعة ولكن لم تكن بهذا الإسراف و البذخ )). ((القدرة علي تخصيص قسط كبير من الجهد و الثروة لهذا العمل يدل في أغلب الأحيان علي وجود لا مساواة كبيرة في توزيع الثروة و السلطان فلزم علي كثيرين أن يكدحوا و لزم علي كثيرين غيرهم أن يتضوروا جوعا في سبيل بناء و تأسيس القصور و المعابد وعون أصحاب الحفلات في الإنفاق)) . إن ما حدث في بيرو و الصين.. حدث من ملوك مصر عندما بنو الإهرامات و المعابد الضخمة .. والجوامع و الوكالات .. و الأربع .. في الفسطاط .. و العسكر و القطائع و القاهرة الفاطمية .. و القاهرة المملوكية .. و القاهرة الخديوية .. و مدينة نصر .. و مدينة السادات .. و العاصمة الجديدة .. و العلمين كعاصمة صيفية. .. علي حساب شعب مسيطر علية بواسطة الكهنة و الجنود. ملامح فكر القرن الخامس عشر لدى (الأنكا في بيرو) أو (أسرة مينج في الصين) .. نجدها سائدة اليوم .. بين حكام الإصلاح الإقتصادى في بلدنا . مدن جديدة ( محرمة ) بها معابد ضخمة .. و قصور مترفة و أماكن للمكاتب الحكومية .. و شبكة من الطرق غير مستخدمة و ملاهي و ملاعب و حدائق و بحيرات صناعية و تماثيل .. و إحتفالات صاخبة كما لو كان ((باتشاكوتي و إبنه توباك أنكا يوبانكي)) .. أو الإمبراطور (يونجلي ) قد عادوا يكمل توماس مونرو ..المأساة التي رصدها تحدث لمعظم المدن التي بناها ملوك الأزمنة الغابرة .(( و عندما يثور الشعب علي نظام إجتماعي سابق إتسم بالتباهي المتأنق المترف يتخذ موقفا معارضا للرموز البصرية و السمعية التي ترمز لما أصبح الأن يكرهونه و في حماس كراهيته للصور و التماثيل و رغبته في تحطيمها )) فتناهر مدن و صروح عديده .. و تفتقد الصيانه .. و يهجرها الناس ..و تنمو حولها الحشائش و النباتات .. أو يردمها الرمل و التراب .. حتي يكتشفها الباحثون ..فتتاملها .. الأجيال التالية .. بإندهاش و تساؤل .. كيف .. جرى تسخير هذه الشعوب .. لتحقيق أحلام رجل واحد يجلس علي كرسي العرش .. و لا يستفيد منها إلا هو و كهنته و نظامه .
#محمد_حسين_يونس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تغيروزارى بأية حال جئت يا تغير
-
الأرباب و عقاب البشر
-
حديث مع جيمني حول قصة
-
مصر ما بعد 2013
-
ثورات وإنقلابات وإنفاضات المصريين
-
لا تحسبن أن الليث يبتسم
-
متون برج المريخ الأيقوني
-
نبوءة المايا وتضرر البشر
-
يا شعوب العالم تعلموا كيف تقاوموا
-
الذكاء الإصطناعي بيفهم في الفن
-
وسطن إيدك ..و سطن
-
محاكمة صوفي مصرى قديم
-
عبد الناصر و السادات وجهان لعملة واحدة.
-
معجزة تمكين طبقة جديدة في عشر سنوات
-
شكرا للفنان مصطفي رحمة
-
هل يجب أن تتبرأ من فرعون وجنده
-
المصريون يمثلون بأنهم أحفاد للفراعنة
-
من أحلام الحكماء ( نفرتي و أشعياء )
-
إلي مستر ترامب و الأمين حاتم
-
عندما أصبحنا نورعنيهم طلعوا عنينا
المزيد.....
-
بالبلوتوث.. أداة مبتكرة قد تحدد موقع نانسي غوثري عبر جهاز تن
...
-
كيف نشجع الأطفال على بدء خطواتهم الأولى لصيام شهر رمضان؟
-
بنعبد الله يستقبل وفداً من سفارة المملكة المتحدة بالمغرب
-
جنيف: جولة جديدة المفاوضات بين موسكو وكييف وواشنطن في ظل تصع
...
-
وول ستريت جورنال: المناطيد سلاح قديم يعيد صياغة الحروب الحدي
...
-
عاجل | المرشد الإيراني: تحديد نتائج المفاوضات مسبقا أمر خاطئ
...
-
عقب نجاحه الكبير.. مطور -أوبن كلو- ينضم إلى صفوف أوبن إيه آي
...
-
روسيا وأوكرانيا تتبادلان القصف قبل مفاوضات جنيف
-
قتلى وجرحى بينهم مدنيون في هجمات بشمال غرب باكستان
-
متاهة الثلاثة ملايين وثيقة.. تفكيك شبكة إبستين
المزيد.....
-
قواعد الأمة ووسائل الهمة
/ أحمد حيدر
-
علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة
/ منذر خدام
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية
/ د. خالد زغريت
-
الثقافة العربية الصفراء
/ د. خالد زغريت
-
الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس
/ د. خالد زغريت
-
المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين
...
/ أمين أحمد ثابت
-
في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي
/ د. خالد زغريت
-
الحفر على أمواج العاصي
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|