محمد حسين يونس
الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 07:27
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
بالامس كانوا يتحدثون عن حركة تنقلات بين السادة الوزراء.. البعض يهتف و يحكي عن حكمة الإختيار وعظمة التكوين المستجد و المستقبل المشرق المنتظر مع هؤلاء الابطال الذين سيواجهون مشاكل بلدنا و يحولون الفسيخ لشربات و يبشروننا بجني ثمار الإصلاح الإقتصادى.
و أخرون يفحصون سيرة ضيوف الوزارة الجدد .. غير المعروفين لنا.. و ينشرون الحواديت عن حياتهم الشخصية .. يستنتجون منها إن اللي (( أنيل من سيتي المغادرة .. هو سيدى القادم )) .. و إن مفيش فايدة فالعناصر التي تختارهم محدودى الكفاءة غيرمفهوم أسبابها .
في الواقع .. منذ زمن بعيد .. كنت أرى أن الأمر لا علاقة لي به .. فلم أهتم بمعرفة أسماء السادة الوزراء أو التغيرات التي تحدث بدمج أو فصل وحدات الإدارة أو حتي مهام كل وحدة منها .. فانا أرى أن ( 30) وزارة أوأكثر أو اقل في بلد فقير مثلنا هو إسراف يضاف للأموال الضائعة التي تنفق علي الإنتخابات و بتوع البرلمان ..وتشكل عبئا ملحوظا علي الموازنة الخربانة ... خصوصا إن وزارات مثل (الثقافة و البيئة و التعاون الدولي و الهجرة .و القوى العاملة ) ويمكن التعليم أصبحت وحدات ساكنة لا لزوم لها في جمهورية المليونيرات المستحدثة .
بلدنا لم تغير اسلوبها في الإدارة ..منذ نهاية القرن التاسع عشر فما زلنا نعاني من حكم نفس الجهاز البيروقراطي الذى كونه الإنجليز عام 1882 من الكتبة و الجباة و رجال تنظيم نوبات الرى و أدوات سلطة السيطرة الأمنية و القهر التي كان الهدف منها تسهيل تواجدالمستعمر الإدارى أو ما سمي بعد ذلك (النجلزة ).
يقول الناس اللي بتفهم .. أن سياسة الزمن الغابر إعتمدت على تعيين موظفين بريطانيين و أجانب كرؤساء للعمل (أو مستشارين مشورتهم ملزمة ) في الوزارات والدواوين الحكومية ، خاصة الأمن، والمالية، والري، والقضاء، مما جعل السلطة الفعلية بيد المعتمد البريطاني.. و تهميش وجود الخديوى و البرلمان و أفراغ الوزراء المصريين من سلطاتهم .
بمعني أن ملامح جهاز السيطرة الاستعمارية البيروقراطي البريطاني التي وضعها (اللورد دفرين ) وسار عليها (اللورد كرومر) في مصر كانت تقضي بصبغ إدارة الجهاز بالطابع الإنجليزي و إحكام القبضة على جيش أعاد المحتل تشكيله و توجيهه.. وإدارة جهازاً للبوليس السياسي (القسم المخصوص) في وزارة الداخلية لضمان الولاء وردع الحركة الوطنية.. مع صياغة قوانين تنص على أن السلطة الفعلية في يد الإنجليز.
هذا المنهج ظل سائدا حتي بعد 1923 عندما أصبح السلطان فؤاد ملكا لبلد له دستور و حكومة و برلمان ..فلقد إحتفظت جميع الأنظمة التالية علي إختلاف توجهاتها بجهاز حكم .. لم تتغير مكوناته أو وظيفته عن زمن الإنجليز .. جهاز يعاني من التضخم المبالغ فيه .. وله ثلاث معالم ..
التكوين الهرمي في إتخاذ القرار حتي يزدحم مكتب من يجلس علي الكرسي الأعلي بمواضيع مطلوب حسمها
مع تشكيل وحداته بحيث تقوم بخدمة أهداف النظام ..و تأمنه و تحافظ علي إستمراره
و إفقاد الموظفون للشعور بالأمن فاى من أفرادة قابل للتغير و الفصل مع عدم رضي من يعلوه رتبة .
وهو الأمر الذى تأصل و أصبح سمة واضحة .. قد نضيف لها أنه في الأزمنة الأكثر حداثة شكل الكرسي حماية ..و أصبح مصدر رزق و تكسب سهل .. يتيح إستغلال الوظيفة و تكوين ثروات لا تتيحها الانشطة المجتمعية الاخرى.
نظام الدولة المصرية بني علي اساسات تجعله في خدمة المحتل الظالم و الديكتاتور الذى يحول ألناس إلي اقنان يستنزفهم لصالح رفاهيته .. .. و يعادى المواطن الفرد الذى لا سند له إلا فكره و عمله و حرصه علي تجنب الصراع .
لقد كان هذا متوافقا .. مع زمن الإحتلال .
غاصب يحكم البلاد .. يستغل الأقنان و العبيد .. يحفرون له قناة السويس و الترع و المصارف دون تكلفة تذكر ..و يخدمون قواته في ميادين القتال .. يموتون أو يعيشون أمر غير مهم .
بكلمات أخرى كانت دوله أساساتها لا تصلح أو تتفق مع الأستقلال و الحرية والرغبة في التنمية و التفوق ..
و هو أمر لم يحدث إلا بشكل جزئي لفترة محدودة (من 1956 حتي 1967) .. لم ينبع من بين الناس أو يعبر عن طموحاتهم .. فاصابه ما يصيب القرارات الإصلاحية العلوية من عدم توفيق بسبب إنتهازية و نقص كفاءة من يقومون بالنشاط .
كنا نحتاج بعد الإستقلال ( كما حدث في الهند و الصين و جنوب شرق أسيا ) إلي إستراتيجية شاملة تهدف إلي الخروج من البحيرات الأسنة التي عشنا فيها خاملين منذ زمن الإستعمار الروماني ..
إستراتيجية تتحول إلي سياسات تعبوية تغطي فترات لا تزيد عن السنوات الخمسة ..يتم فيها إقرار خطط تنفيذية تستثمر ثروات المكان لصالح ناسه .. تقوم بتنفيذها وزارات متخصصة لها برامج منفصلة تحاسب عليه طبقا لمدى تحقيق أهداف محددة متكاملة ضمن تلك الخطة العامة التي أقرها برلمان به ناس بتفهم و تمثل نبض الشارع .
البرامج و الخطط و السياسات و الإستراتيجية .. ليست قيودا بقدر ما هي علامات طريق .. تبين أن هذه الأمة تسير علي الدرب الصحيح وتظهر كم قطعت في سبيل الوصول للاهداف ..و ماذا يعطلها .. و كيف تتغلب علي العقبات .
لو أننا .. بدانا .. منذ رحيل القوات المحتلة لأرضنا بهذه السياسة .. لاصبحنا اليوم .. علي مقربة .. من الوصول لامة قادرة علي التواجد المعاصر
و لكننا .. سلكنا دروبا عشوائية متعارضة إنتهت بنا لنقطة البداية عندما كانت القوات البريطانية .. توجه الإقتصاد و تملي علينا إرادتها السياسية .
المشكلة التي واجهت البيروقراطية أن النظام الاقتصادى و السياسي في بلدنا لم يستقر ابدا .. فدائما ما كانت تختلف توجهات قادة كل فترة عن ما سبقها و ما تلاها . فإدارة أمه عانت من القهر لالفين سنة .. أمر لم يكن بالسهل تركه للتجربة و الخطأ ..و تخريجات الهواة
التغيير المستمر للإسترتيجية جعل علي البيروقراطية المصرية أن( تتحور) كى تتلاءم مع كل توجه جديد .. تارة يكون .. تحكم (الإقطاع والراسمال الأجنبي) .. و أخرى (راسمالية الدولة المركزية ).. ثم (فوضي الراسمالية الطفيلية) .. (فسيطرة الكرتيلات العالمية بواسطة المليونيرات و الكومبرادور المحليين) .
كما أن جهود التحديث لم تمس جوهر النظام وفلسفته أو التخفيف من ملامح التأسيس التاريخية .. فهو أداه قهر و إستغلال و سيطرة الحاكم .. لا يهتم إلا بالجانب الإجرائى واللائحى والتوظيف السياسى له.. و لا يعنية المواطن إلا في كونه .. مصدر دخل إضافي للجكومة و الأفراد
إنعكس هذا على درجة فاعلية وحيوية البيروقراطية... حتي بعد إدخال الأنظمة الرقمية و الكومبيوترات .. و فرض الشمول المالي علي المواطنين .
الخلاصة .. لمن قفز علي الكلمات السابقة ... عندما احتل الإنجليز مصر، كانت هناك قوتان سياسيتان، ((السلطة الشرعية التى يمثلها الخديوى والسلطة الفعلية التى يمثلها المعتمد البريطانى مستندا لجيش الاحتلال)).
لهذا عمد الإنجليز إلى تشكيل الجهاز الحكومى من خلال استراتيجية متكاملة، طويلة المدى، .. تقوم على بسط سيطرتهم على الوزارات والدواوين من خلال تعين كبار الموظفين فى قمة الجهاز الإدارى بكل فروعه.من البريطانيين.. يمثلون قوة فاعلة فى شتى المجالات.
وواصل اللورد كرومر هذه الاستراتيجية التي اصبحت مرجعا للحكام المستجدين ..
بكلمات أخرى النظام الإدارى الإنجليزى .. كان و لازال وسيلة سيطرة .. حكام مصر علي المواطنين ..
فالوفد عندما يتولي ينشر ناسه في الوزارات ..وأجهزة السلطة .. نفس الحال مع الأحزاب الأخرى ..بحيث كان هناك هتافا (( يحيا الوفد و لو فيها رفد )) .
ثم مع إنقلاب عسكر يوليو52.. و مع زمن الحكم الناصرى ..و إنقلاب السادات .. و زمن سيطرة جمال مبارك .. و مع حكم الأخوان ..
و ها نحن ترى .. خطط غير مسبوقة ..( لعسكرة الجهاز بكامله ) .. و تحويل كل قياداته .. لضباط .. و تدريب الكوادر الجديدة في معاهد القوات المسلحة
(النجلزة ) من سبعين سنة لم تتوقف ..غيرت العنوان فاصبح (عسكرة ) .. بل كونت معيارا يستسهلة الحاكم .. للإدارة منذ 1882 حتي اليوم .
كتب يحي حقي ((مصر بقرة تحلب، ولكن ينبغى أن تترك واقفة على كوارعها توهم الناظر أنها حية وأن ورمها سمنة لا مرض النفخة الكدابة))
... وعليه تكون الحاجة ماسة إلى ((موظف أفندى مقفول العلم والشخصية والابتكار، إذ كان لا يقول لرئيسه إلا بلهجة العبد الذليل حاضر يا أفندم، فإنه مؤمن بأنه من طبقة ممتازة هى بالنسبة للشعب بمثابة السيد المتكبر المتعالى لا الخادم المخلص الأمين. وينبغى أن يكون انعدام الشخصية والابتكار هو دستور المدارس القليلة التى تتباهى ببنائها. شعار ذلك العهد إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه)) .
((فى ظل الاحتلال البريطانى كانت البيروقراطية المصرية أقرب إلى المعبد المغلق على كهنته من الإنجليز. ولم يستطع المصريون ـ إلا قليلا- أن يشاركوا فى الإدارة. ..))
هل إختلف الوضع بعد خروج الإنجليز من بلدنا ..
لم تتغير إلا في العناوين ( النجلزة ) أصبحت ( عسكرة ) ..و جيش الإحتلال المسيطر نقل إسلوبه إلي جيش وطني حاكم بقوة الدستور..
فلماذا تهتمون .. بإنتقالات الوزراء .أو مؤهلاتهم . إنها قضية من يختارون ويديرون و ليس لك أى دخل بها إنت أو برلمانك المصنوع ليقول شبيك لبيك .
حزين .. و محبط .. و مكسور .. ففي بداية حياتي تصورت أن الطريق بعد الإستعمار سيكون ممهدا ومفروشا بخبرات مواجهة الهزيمة .. وبالحرية وحقوق الإنسان و قدرته علي التفوق و التنمية . .و لكنه إنتهي .. بالباشا .. مدبولي .. وعصبته من السيدات والسادة الأخيار .
#محمد_حسين_يونس (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟