|
|
قصي الخفاجي : عرّاب القصة القصيرة
مقداد مسعود
الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 22:47
المحور:
الادب والفن
قصي الخفاجي عرّاب القصة القصيرة كيف تكون كتابتي حيادية؟! قصي الخفاجي وأنا صديقان حميمان منذ نصف قرن ونيّف، قرأتُ معظم نصوصه، بخط يده ِ، ثم قرأتُ ما نشر من قصصه، وأخيرا ً قرأتُ مؤلفاته القصصية : (وقت سري) (سطوة الكارثة) (ينهمر الثلج)(آخر السلالات)( مستوطنة كلاب) (*) مشغلي في هذه الورقة، يتنزه في مجموعتيّ ( آخر السلالات) و(ينهمر الثلج)، ومن المجموعتين، تلتقط قراءتي : البيت. السلطة. الفجر. الذات. السطح. والمرأة. تقتصر كتابتي على (البيت) في المجموعتين. (آخر السلالات)(1) البيت يتجسد في القصص التالية : في (خط الحياة الخفي) يذهب الشاب إلى تلك العائلة شوقا لتلك الطفلة التي حين كانا صغيران يلعبان معاً ويرسمان الأشجار، هو ماتت أمه والطفلة أصيبت بالشلل، هو تألقت فرشاته في التشكيل، وهي (بقيت هي مقعدة، تتخبط داخل مدار مفعم بالإحساس العالي/ إحساس الفنان الذي يسكب أوجاعه وألوانه ويوجه ضرباته إلى اللوحة الضالعة بتقبل الصفعات، من الفرشاة القاسية) الشاب والفتاة المشلولة (بقيا يتناجيان حتى بزوغ الفجر) كان زياته للفتاة بدافع حدس منه، أنها ستغادر الحياة لذا (غادر البيت، دون أن يوّدع أحداً..) في (زوجة الشرطي) يكون البيت بيت عنكبوت، يقتفي عامل البناء قطة جميلة، تدخل القطة بابا مفتوحا، يتبعها العامل، فتسقطه امرأة تستحم بغوايتها، وحين يدخل زوجها الشرطي، يتعامل معه بلطف ويتعشى معهما، ثم يتصل الشرطي... تداهم البيت دورية للشرطة، يضعون الجامعة في يديّ الشاب وتسجل ضده دعوى (الشروع باغتصاب امرأة) الفرق شاسع بين البيتين، بيت يتضوع بالألوان وآخر... بالخسة ِ. قصة (زوجة الشرطي) تتجاور مع قصة (المشبوهة). في (المشبوهة) تسكن امرأة في المنطقة التي يسكنها السارد (امرأة لديها صغار، ولا يعرف مصير زوجها، يحدث أحياناً أن يتسلل إلى بيتها بعض الشبان.. (هددوها وأفهموها بأنهم لا يقبلون امرأة مشبوهة تعيش بينهم فصار بيتها مراقباً) السارد يتعاطف مع صغارها، يرسل لهم مالا بيد امرأة عجوز، ثم صار يعطي المال بيدها، يفهم منها أن زوجها معدوم من قبل السلطة، المرأة صارت تغيب عن المنطقة وتحضر، بعد شهور تعلن السلطة أنها سحقت محاولة انقلابية، عائلة السارد يلقى القبض عليها بتهمة الانقلاب ثم تداهم الشرطة بيت السارد ومعهم المرأة الأرملة ذاتها، يخبرنا السارد (تقدمت مني ورفعت أصبعها بوجهي وقالت للضابط: هذا الرجل الذي تسلل إلى بيتي في الليل وحاول اغتصابي) بالكيد النسوي استطاعت السلطة من نسف بيت العائلة الثرية التي السارد منها.
(*) في (عند الفجر) يخبرنا السارد في السطر الأول (فوق سطح البيت كانت غرفتي) السارد هنا يكون راصدًا لما يراه في علوه، وضمن مخطط الصورة، ينبث الرصد من الأعلى إلى الأسفل (رأيت ُ رجلا ملغزاً.. رأيته ينزل من سياج المدرسة ويتجه إلى القمامة). في اليوم الثالث يخبرنا السارد (في الفجر الثالث وقفت قرب السياج سيارة مظللة وترجل منها رجل مسلح وبقي السائق جالساً وراء المقود. أطل الرجل الغريب من السياج، ينقل حقيبة متوسطة الحجم. تلقفها منه الرجل المسلح. صعدا السيارة واختفت بسرعة البرق). رجلان في هذه القصة، رجل يرصد ما يحدث وهو في سطح بيته، آمنا ً مطمئنا ً، ورجل بسبب خطر ما، يخشى أن يكون في بيته. والفرق بين البيتين كالفرق بين الحصن وبين الفخ. في (على الحدود) عائلة مهددة ربما سياسيا، فتفر من البيت، بمعونة مهرب خارج البلاد، في منتصف الطريق تموت المرأة المريضة، يوصل المهرب الأب والابن للبلاد المجاورة، وفي عودته قرر دفن الزوجة فتبين (أن ذئاباً قطعت أوصال المرأة المصدورة) خسرت العائلة بيتها، حتى لا تقع في أيدي ذئاب السلطة وخسرت ربة البيت. في (موت الجنرال) حارس البيت كلب أطلقت عليه العائلة اسم جنرال، فهو حارس البيت العريق. كان الأب (أكثر حزنا على موته المفاجئ) وكل البيت كان حزيناً، هنا مفردة البيت تعني العائلة، إلا (وداد) أخت السارد. ذات يوم يعود السارد فلا يجد أخته وداد، يصعد السطح، فيراها في مشهد عاطفي مع ابن الجيران ثم يخاطب أباه (لقد مات الجنرال وما عليك أنت إلاّ أن تقوم مقامه وتحمي شرف البيت) فطنة الأب تجعله يخاطب ابنه (سأجني كلبا صغيراً أصيلاً آخر وسأطلق عليه هذه المرة (الإمبراطور) بعد يفكك السارد شفرة مقتل الكلب. كأن البيت في عهدة الحيوان وبالتالي في عهد الإنسان. في (البيت المنكوب) يبدأ السرد بتوقيت احتراق، (أعرق بيوت الشناشيل.. بيت قديم يقف شامخا)، الناجون ثلاثة أطفال، البيت التهمته النيران، وصول سيارة الإطفاء لا محل له من الإعراب. ثمة عجوز تفوه بكلام للشاعر السارد (هناك في بيت الأوقاف المهجور، والمقفل، قبالتك، تدخل الغرفة الخلفية المجاورة للحمّام تحفر قرابة مترين وأكتم السرّ، عليك الله) العجوز سلمت وصيتها شفاهياً للشاعر، يستعين الشاعر بصديقين، أثناء الحفر، يعثرون على هيكل عظمي لرجل يرتدي بدلة كاملة، في جيب سترته، أوراق مطوية مع مظروف صغير، في داخل المظروف ورقة مكتوب فيها (أيها القادم الأمين تُسلّم هذه الأوراق إلى السفير الإسرائيلي في اسطنبول)!! الأوراق فيها أسماء الأشخاص والأملاك وعناوين المخطوطات والكتب والمهاجرين. فجأة السارد يقطع البث، بذريعة (المصائر لا يعلمها إلا الله).. السارد تصنفه ُ قراءتي بالسارد الحيادي، لكن حين نقوم بتقشير حيادية السرد، نشعر أن السارد، كأنه دخل ضمن قائمة الأسماء الموجود بالأوراق. وهذا البيت، كان وكراً للصهيونية . في قصة (في العلية) البيت تفوح منه رذيلة بين امرأتين وكذا الحال في (الثعالب الصغيرة) لكن في قصة (الثعالب..) الأسلوب يستعمل المعادل الموضوعي والترميز الذي ينأى بالسرد عن التقريرية الفجة. في (الحرب والسقوط) الجنرال الذي عوقته الحرب أدمن الخمر والقمار، وباع مكرمات السيد القائد، وباع بيته، وشرفه حين جعل زوجته بضاعة للرجال، حتى لا يحرم نفسه من الخمر والقمار. (ينهمر الثلج)(2) هناك من يفضل أن يموت خارج البيت، كما فعلها الجد في (موت في الخريف) العائلة منشغلة بالسقوف الثانوية لغرف البيت، يقول السارد (تركنا باب البيت مفتوحا بسبب رائحة طلاء الحيطان) العائلة بأجمعها لم تنتبه للجد المصاب بالزهايمر، إلا عند يقظتهم الصباحية!! بحثوا في كافة أمكنة البيت، لكن السارد يخبرنا (كان حلمي قويا بأنه لن يعود)!! لا أثر له في مراكز الشرطة والمشافي والطب العدلي، هنا (أرتفع الاستنكار ضد كل من في البيت) ثم يموت الجد خارج البيت واضعا (رأسه على كتف الشاب ابن الجيران، كان قد غط في نوم عميق، عميق... مات جدي في تلك الحديقة الدائرية ). تبدأ قصة (طريقي) بشخص يخبرنا ( لنشهد للصمت الذي حلّ على بيتنا) ويشتق السارد للصمت تعاريفَ جديدة (ذلك الصمت سيد لحظة الخواء) (وجرح الإنسان المنسي) ثم يخبرنا (بعد شهر واحد ماتت أمي أثناء الولادة وتبنى أختي (ميساء) رجل من الأعمام ليس لديه أطفال) ثم يهجر السارد المدينة، وبعد يخبرنا (صرتُ أفتح عيوني على المدن البعيدة) ثم يغادر الوطن. ترى قراءتي أن السارد لا قدرة له على أعالة نفسه وربما كانت الأم هي التي تعيله، وبموتها مات البيت. وفي (مهمة العبور) يركز السارد على شخص غادر البيت بظروف غامضة، يعينه شخص بالسفر عبر قطار الحمولة، ثم يترجل من القطار في محطة بابل بعدها يتوّجه للكوت ومنها إلى إيران من خلال قضاء (بدرة)..الشخص تطارده الشرطة. (*) أجمل ما في الأسلوب القصصي لدى القاص قصي الخفاجي، أن النص لا يقول كل شيء، بل يترك أهم ما فيه: للقارئ حتى يتكلّم مع النص ولا يتم ذلك إلاّ بتكرار قراءة النص. من جانب ثان ترى قراءتي أن قصي الخفاجي يتعامل مع هذا الحجم القصصي بمهارة فائقة، حجم ورقة فولسكاب. ويهبنا نصوصا بلا زوائد. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقالتي منشورة في كتاب (الأعمال القصصية الكاملة للقاص قصي الخفاجي) / جمع وإعداد وتحرير القاص كاظم الجماسي/ دار الأروع/ بغداد/ شارع السعدون/ ط1/ 2026 (1) ( آخر السلالات)/ قصص/قصي الخفاجي/ الطبعة الأولى 2012/ اصدارات اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في البصرة. (2) (ينهمر الثلج)/ قصص قصيرة/ قصي الخفاجي/ الطبعة الأولى 2015/ تموز للطباعة والنشر والتوزيع - دمشق
#مقداد_مسعود (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
14 شباط 1949
-
حاوية
-
قراءة الكاتب ماجد قاسم في (رأيته ُ يغسل الماء) : مقداد مسعود
-
كوخٌ على موجة
-
الشاعر جلال عباس يتنزه في (رأيتهُ يغسل الماء) للشاعر مقداد م
...
-
الكاتب شاكر شاهين/ قراءة في (رأيته يغسل الماء) للشاعر مقداد
...
-
ثم...
-
هشتن هربرت
-
مقداد مسعود/ بقلم الكاتب محمد علي محي الدين
-
بطنج
-
مروان الحمار
-
محمد عطوان (أصل الطيبة)
-
زهور ما تيس
-
(الشافيات) رواية عباس بيضون
-
نجيب محفوظ / عباس بيضون
-
شظيّة
-
(عطش في وادي الرافدين) رواية جاسم محمد
-
حكمة الغد
-
صور جانبية
-
(دفوف رابعة العدوية)
المزيد.....
-
جلود فاخرة وألوان جريئة.. هيفاء وهبي تتألق في كليبها الجديد
...
-
بسبب غزة.. القضاء الإيرلندي يبدأ محاكمة فنانة عطلت طائرات أم
...
-
-للدفاع عن صورة المكسيك-.. سلمى حايك تنتج فيلما سينمائيا
-
لوحة فنية للشاعر السياب بريشة الفنان سلام جبار
-
برليناله يشعل نقاشا عالمياً حول دور الفنانين في السياسة
-
المثقفون في الثقب الأسود بسبب فضيحة إبستين
-
-هل يمكن ترجمة هذا الحب؟-.. نجاح مدوٍ وانقسام حاد في ردود ال
...
-
يا فالنتاين ؛ غادرْ من غير مطرود
-
انعقاد الاجتماع السادس عشر للجنة الفنية للملكية الفكرية
-
بين -الدب- و-السعفة-: كيف أعادت مهرجانات الأفلام صياغة ضمير
...
المزيد.....
-
جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات
/ حسين جداونه
-
نزيف أُسَري
/ عبد الباقي يوسف
-
مرايا المعاني
/ د. خالد زغريت
-
مسرحية : النفساني
/ معتز نادر
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|