لبيب سلطان
أستاذ جامعي متقاعد ، باحث ليبرالي مستقل
(Labib Sultan)
الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 12:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
1. التشرذم العراقي اليوم اساسه 8 شباط
يمكن ولاسباب موضوعية ، سنقوم بطرحها تحت، اعتبار انقلاب شباط عام 63 هو بداية التقويم لانهاء العراق كدولة حديثة النشوء تلك التي تم اعادة ولادتها بعد الحرب العالمية الاولى ، وكان العراق ( والذي كان اول دولة تقام في التاريخ على ارضه وتتابعت ستة امبراطوريات عليها حتى سقوط بغداد على يد هولاكو عام 1258م) وامتداد وضعه ولاية تحت حكم سلطان عثماني من اسطنبول ، ولم تقم له دولة الا بعد انهيارها و دخول الانكليز لبغداد واقامة دولته الحالية عام 1921 بعد اقرار دستور علماني لحكمه عام 1925 تحت ظل الانتداب البريطاني وبعد سبع سنوات نال استقلاله كاملا عام 1932 وتحول منها لدولة دستورية ديمقراطية ناشئة تنهض للتو بعد غيابه كدولة استمر 760 عاما بالكمال والتمام.
خطا العراق الملكي بعد تأسيس دولته الوطنية خطا سريعا في طريق التحضر واعادة بناء هوية وثقافة شعبه العراقي على اسس وطنية بديلا عن التشتت القبلي والطائفي الذي ساده خلال قرون من غياب الدولة. وحتى بعد قلب الحكم الملكي في تموز 1958 لم يفقد العراق دولته الوطنية بل بقي عليها استمرارا للملكية ، ولكنها اصبحت بوضع يمكن تشبيهه انها تمر بفترة الترانزيت ، اما اعادة بناء الدولة على اسس دستورية كجمهورية علمانية ديمقراطية امتدادا و بديلا للملكية ، وهو لم يتم ، او الانهيار والاغتيال التام للدولة ، وهو ماحصل فعلا بانقلاب 8 شباط عام 63.
يدعى هذا اليوم واسعا ويحق تاريخيا دعوته بالانقلاب الاسود واجد تسميته هذه حقيقة محقة ، ليس فقط بسبب دموية وسادية ووحشية الانقلابيين تجاه الشيوعيين كما يصور البعض ، فهذه جاءت افرازة واحدة لاغير، وموجة انتقام نالت كل اصناف الوطنيين العراقيين وكل ما هو وطني عراقي ليتم ابداله بقومجي ناصري ، انها ليست موجة عابرة انتقامية من الوطنيين العراقيين ، بل واقعا انها حالة دائمة من اغتيال دولة بهوية عراقية الى دولة بهوية بعثية اختزلت فيها الدولة الى سلطة ومنها غابت الدولة. ، انه يدعى اسودا ليس فقط لدمويته وارهابه الغير مسبوق تجاه الهوية والوطنية العراقية، بل هوانهى عمليا مفهوم الدولة الوطنية في العراق واستبدلها بمفهوم السلطة الحاكمة ، فليس همها خدمة مصالح الشعب وبناء اقتصاده وتطوير ثقافته الوطنية العراقية ، بل باستبدالها بثقافة ايديولوجية كانت بالامس بعثية واليوم طائفية، ومنها تحول العراق من كيان دولة الى كيان سلطة حاكمة مؤدلجة لاغير ، بدأت في شباط 1963 بالادلجة البعثية الديكتاتورية على المجتمع العراقي الى حد عام 2003 وما بعدها سلطة تكرس الايديولوجية الطائفية كوسيلة سياسية للنهب والفساد. ومختصرا يمكن القول ان ماجرى في العراق منذ انقلاب شباط 1963 والى اليوم هو واحدا مستمرا لايصح دعوته الا حكم اللادولة ، مجرد احلال سلطة مكان سلطة ، غاشمة بعثية بالامس واليوم سلطة فاسدة بتقاسم مافيات طوائف ، كلاهما واقعا لايمثل الا سلطة مؤدلجة، وليس دولة وطنية تعمل لمصالح شعبه واقامة اركان اقتصاده وثقافته الوطنية .
كان المفترض ان تقام هذه الاركان بعد تحطيم اركان الدولة الملكية في تموز عام 1958 ، ولليوم لم تقم، بل العكس، جرى منذ شباط 1963 تدميرها كاملا . انها فترة سوداء دخل العراق فيها بدأت منذ 8 شباط والى اليوم ، فالعراق واقعا يعيش بدون دولة ، واقعا هو احلال سلطة غاشمة محل الدولة . ولكي نتمعن بالفرق بينهما فهي تشبه دارا ذو اسرة وعائلة ولكن شاء القدر ان يتحكم به من يشاء من الطارئين ، فكل طارئ يدخل الدار ويستولي عليها يصبح هو المتحكم بالاسرة ، يقتل من يشاء ويقمع من يشاء وينهب مايشاء . يتعاقب عليها الطارئين ، اليس البكر وصدام طارئين ، وزبانيتهم طارئين ايضا ، واليوم من يحكم العراق هم طارئين ، جميعهم اساسا لايؤمن بالوطنية العراقية حتى كهوية ، دعك عن اعتبار لمصلحة وطنية ، هوية الطارئين وشخصياتهم تتبدل ، كانت الايديولوجية البعثية بالامس والهوية الطائفية اليوم ، وبالتعريف ، فان انتفاء الهوية الوطنية لسلطة واقعا هي تنفي الدولة ، التي عندها تذوب وتختفي ككيان وكمفهوم يحمي الاسرة ويعمل لمصالحها، هذا من تعريف الدولة القانوني والواقعي ومنذ فجر التاريخ. ان العراق اصبح واقعا الاقرب لنموذج ضيعة القنانة والاقطاعي الذي يملك الارض والبشر يتحكم بها كما يشاء ، ان العراق ليس دولة منذ 8 شباط 1963 والى اليوم وفق تعريف الدولة ككيان وطني يجمع شعبه ويخدم مصالحهم وينمي ثقافتهم وحضارتهم الجامعة.
2. هول تحطيم العراق كتحطيم الطفل الناشئ
لوعي هول الخراب الذي حل بالعراق بعد شباط 1963 لابد للرجوع للتاريخ قليلا ، فهو كغيره من البلدان الحديثة العهد في العالم تأسس اغلبها بعد الحرب العالمية الاولى والتي ادت لانهيار ثلاثة امبراطوريات الالمانية النمساوية ، الروسية والعثمانية وبتفسخها انبثقت معظم الدول الصغيرة والمتوسطة سواء في اوربا أوفي الشرق الاوسط التي نراها اليوم . في عام 1963 كان العراق دولة نامية حديثة العهد بل كان متفوقا على اغلب الدول الاسيوية الهامة اليوم مثل كوريا الجنوبية وقطع شوطا بعيدا في التنمية الاقتصادية وبناء ثقافته الوطنية وكان يحتل المرتبة 26 في العالم بمستوى الدخل القومي للفرد وتطور تعليمه وخدمات الصحة والتطور العمراني وتطور وادارة مؤسساته وتطور الثقافة الوطنية الحضارية، كان قد قطع اول خطواته ، كأول خطوات طفل بدء الوقوف على رجليه وبدء المشي للتو، عظامه ما زالت رقيقة ولكنه بدء المشي وطبعا هي ستقوى بالسير ومعه نمو جسمه وقدراته ( ليس غريبا تشبيه نشأة وتطور الدول بالطفل تبدء بالحبو وتتعاظم وتقوى قدراتها بتوفر ظروف الاستقرار للنمو). ماذا سيحدث لهذا الطفل لوتعرض للاعتداء وللدهس؟ غير العاهات التي ربما لن تصلح ، ويبقى طوال حياته متخلفا عن اقرانه ( كوريا وتركيا والهند وماليزيا وسنغافورا ) ، اما اذا اغتيلت ذاكرته وهوية والداه سيعيش عمره مقموعا ويسير وفق اهواء من يتولى امره ، واذا كان الاخير من الافاقين القامعين والساديين السارقين فاي مستقبل لهذا الطفل مقارنة بالاطفال الذين نموا وترعرعوا في ظروف الاستقرار والنمو وزيادة القوة والقدرات والمعرفة. ان ما حدث في انقلاب شباط 1963 هو دهس طفل بداية نشوءه لاغير ، وفوقها تهديم بيته واستلابه على يد سادية افاقين وسراق حرامية لايعنيهم الطفل ولا بيته بل جعلوه مركزا لممارسة السلطة الغاشمة والسفالة عليه. هل تعتبر هذه مبالغة ؟ أبداً، فكل مراجعة لما جرى على العراق منذ 1963 والى اليوم يقول بذلك. من هو صدام وعزت الدوري وطه الجزراوي غير هؤلاء وهل الطفل يرى فيهم هويته ، وهل يختلف عنهم العامري والخزعلي وابو الولاء الولائي بامر ، هل هم يحملون هويته وثقافة والديه العراقيين؟ كلا ابدا . عاش العراقيون دوما متغربين عن دولتهم وحكوماتهم ومن يقود سفينتهم لايرون منهم غير القمع والازدراء والفساد عدا اغتراب الهوية الثقافية وهذا البون الشاسع وهذه الهوة التي تفصل بينهم وبين حكوماتهم ، بين ثقافة وانتماء العراقي وبين ثقافة الطارئ المؤدلج .
3. مالذي حدث خلال ترانزيت مابعد تموز 1958
قامت تموز 58 واقعا بهدم دار لاعادة بناءها من جديد ، وخلال اربعة سنوات ونصف حافظت على العائلة ولكنها لم تبني دارا ( دولة ) بديلا تأويها وبقيت العائلة تنتظر تحت سقف مهزوز حتى انهارفي شباط عام 1963 . لم يكن للزعيم عبد الكريم قاسم مخططا لكيفية بناء الدار ، الدولة العراقية البديلة ، سعى بوضع شباك هنا وباب هناك ولكن سعيه كان دون اسس متينة تبنى عليها البنايات ( الدول) . وما أن تم اغتياله على يد جناة طارئين في 8 شباط 63 حتى اصبحت العائلة ( الشعب العراقي ) بعدها تعيش تماما في العراء، لا اساسا شيد ( الدستور) ولاجدران قامت عليها ( المؤسسات ) ولا سقفا ( قانونا) يحمي العائلة وافرادها ، انما ما حصل أن أي شقي متآمر طارئ يأتي بخيمة يغطي الدار بها ليمارس العهر والدمار على اهل الدار.
لماذا لم يتمكن الزعيم والعراقيون من بناء دارهم الجديدة خلال اربعة سنوات ونصف بعدما حطمت دارهم القديمة؟ من ناحيته هو قائد عسكري ومعرفته بتخطيط وبناء الدور والبنايات شبه معدومة ومحدودة جدا ، معتقدا انه يكفي انه هو رب العائلة انسانا نزيها ووطنيا بسيطا كي يجتمع حوله العراقيون ومنها تسير الامور ، ولكن العراقيين وبفعل الموجات المؤدلجة التي هيأت للاطاحة بالبيت القديم ، انقسموا وتحاربوا ، منهم من يريد اشتراكية وانضمام لمعسكر السوفيت، ومنهم من يريد الوحدة مع عبد الناصر ومعسكر العروبة ، وانشغلوا بصراعهم ومؤامرات عبد الناصر وشقاوات البعثية والعساكر الناصرية المتآمرة ، ودارت رحى صراع رهيب في كل زقاق وكل حي وكل مدينة تاركين الزعيم لوحده والدار دون اسس لتشيد عليها الدولة. وقف الزعيم ضد المؤامرات الناصرية لقضم العراق وانهاء وجوده ووطنيته ،فضرب البعثيين والقوميين بداية عهده، ومنها طرب الشيوعيون ، ولكنه تحول لضرب الشيوعيين ليس خبثا ، بل لوطنيته معتقدا عليه الحفظ على الدار تحت البناء المؤجل من وقوعها ارضا لنفوذ السوفيت ، وهكذا انتهى حكمه ، باغتياله على يد زمرة متآمرة عسكر بعثية ناصرية مشبعة بالسادية والانتقام ، غادر ولم يقيم للعراق دارا ( دولة) ذات اسس وركائز وجدران وسقف ما كان قائما تحول الى خرابة ومازال هكذا لليوم عبث ويعبث به افاقين وسرسرية وسراق وحرامية. هذه هي قصة ومأساة الوطنية العراقية التي بدأت من 8 شباط 63 الى يومنا هذا. هي قصة اغتيال الدولة الوطنية العراقية بكافة فصائلها وفصولها وانهاء الهوية الوطنية العراقية وبانهائها منذ شباط 63 انتهت الدولة في العراق ولا تجد غير سلطة غاشمة وحرامية.
د. لبيب سلطان
8 شباط 2026
#لبيب_سلطان (هاشتاغ)
Labib_Sultan#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟