أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - لبيب سلطان - أهم القضايا امام تجدد اليسار العربي















المزيد.....


أهم القضايا امام تجدد اليسار العربي


لبيب سلطان
أستاذ جامعي متقاعد ، باحث ليبرالي مستقل

(Labib Sultan)


الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 02:50
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
    


1. موضوع التجدد والتجديد
يجري الحديث واسعا في العراق كما وفي العالم العربي عن ضرورة تجديد واعادة روح الشباب والحيوية والجماهيرية لليسار واسترجاع ريادته التي بدء بفقدانها تدريجيا ومنذ نحو نصف قرن تقريبا وبتراجع دوره برزت وسادت التيارات الدينية والغيبية بعد خراب النظم القومية التي ساندها اليسار في السبعينات وحسبت عليه كونه طبل لها نظما تقدمية تحررية، وهي في الواقع نظما ديكتاتورية قمعية افقدت اليسار مصداقيته ودوره الافتراضيي الحضاري لقيادة معركة التحضر العربية ( يسارنا خاضها كمعركة تحرر وطني وليس تحرر حضاري وهناك فرقا هائلا بينهما كما سنرى تحت) . ان يسارنا اقصر دوره لما دعاه معركة التحرر الوطني من الامبريالية وفق الوصفة السوفياتية وهي معركة ايديولجية وليست اجتماعية لقيادة التحضر الاجتماعي والاقتصادي ( وهذه اهم مهام اليسار في المجتمعات) بل تحول لفصيل عالمي مؤدلج يهمه نصرة الاتحاد السوفياتي على حساب دوره الداخلي الاساس ، وعليه ناصر النظم القومية والانقلابية الديكتاتورية ومنه فقد دوره بفقدان الدور القائد للتحضر لمجتمعاتنا العربية . وانهارت شعبيته ومصداقيته بانهيار الاتحاد السوفياتي والديكتاتوريات العربية الموالية له والتي دعيت نظم التحرر الوطني والواقع لايصح اطلاق عليها سوى نظم الخراب الوطني.
هذه هي الصورة المختصرة لاهم اسباب تراجع اليسار العربي والتي يمكن وصفها بدقة اكثر ان اليسار لم يفهم دوره الاساس في قيادة معركة التحضر للمجتمعات العربية كما هو تاريخيا مطلوبا منه وكما كان دور اليسار دوما في المجتمعات حول العالم بدءا من الاوربية ، حيث ولدت وترعرعت جميع مفاهيم اليسار اصلا، وانتقلت الى دول نامية وحققت نجاحات كبيرة.
سنناقش القضايا الهامة التي تواجه تجدد يسارنا العربي من منظور اعادة دوره لقيادة مجتمعاتنا العربية في اهم معارك التحضر.
ورجوعا لقضية تجديد اليسار العربي فنجد ان الدعوات اساسا تركز على اعادة صبغ وطلاء القديم لاغير ، دون التوجه الجذري لتغيير اسسه وطروحاته المعطوبة التي سببت تراجعه وخفوت دوره، فالطلاء يمكن ان يخفي العيوب لكنه لايصلحها، فلا تجديد ولا اصلاح حقيقي بابقاء المنهج والطروحات التي ادت اساسا لتراجعه،فلا ينفع علاج الطلاء بكل اشكاله لمعالجتها. يرى الناس يسارنا العربي منغمسا في معركة ايديولوجية عالمية ضد الرأسمالية والامبريالية العالمية، وهذه بحد ذاتها لاتغني ولاتسمن ولا توفر لهم فرص عمل ولا تحسين احوال معيشة ولا فرص تشغيل ، كما ولاترى من طروحاته انه يمتلك نموذج لدولة البديل ليوفر الخبز والحريات معا لنظم القمع والديكتاتوريات والايديولوجيات المتعاقبة . انه ينادي بدول المواطنة والحقوق والحريات ولكنه يعتبرها دون الاشتراكية بدعا برجوازيا وزائفة مزيفة، ومنه تراه فشل في منطقتنا انه دون شك المنهج الذي اختطه يساريونا وماركسيونا العرب تحديدا وتسبب في هذا الفشل في منطقتنا، بينما نجح اليسار المتفتح في بقاع كثيرة من العالم كونه ربط نفسه بمهام داخلية ، قيادة بناء وتحضر مجتمعاته ، نجح في قضيتين اساسيتين هما بناء دولة المواطنة والديمقراطية، ونجح في بناء اقتصاد انتاجي وديناميكي دائم التطور . واضحا الفرق هنا بين ثقافة الترويج الايديولوجي وخوض معارك خارجية ضد الامبريالية عند يسارنا ، وثقافة البناء الحضاري والاقتصادي وهي معركة داخلية يقود من خلالها اليسار مجتمعاته معارك التحضر .انهما ثقافتان ودوران مختلفان.
ان قضية المنهج والمهام هي القضية الاساس التي تسببت في فشل اليسار العربي وهي تواجهه اليوم والتي لابد من معالجتها جذريا لغرض التجدد والتجديد لاستعادة الدور التاريخي لليسار في قيادة مجتمعاتنا العربية ، واذا اردنا ايجازها بشكل مختصر فهي تعريف دوره ومهمته الاساس بقيادة عملية التحضر ( وليس التحرر) العربي، وهذا يترتب عليه اعادة اسس منهجه وطروحاته الخاطئة الفاشلة السابقة ( واثبت الواقع فشلها ) وتلخص في قضيتين محوريتين هما طرح وقيادة معركة اقامة دولة المواطنة والحريات ، ومعركة اعادة بناء الاقتصاد لتحويله من الريعي الزراعي الى انتاجي تكنولوجي صناعي باسناد توجيه الاستثمارات اليها ، وهي معارك يسارية بامتياز . والواقع ان طروحات يسارنا اليوم لاتهضمها بل وغالبا يقف منها رافضا معاديا باعتبارها منهجا برجوازيا كما تقول له تلقيناته الايديولوجية الخاطئة التي لا زال يتبناها ولليوم . واقعا تشكل هاتان القضيتان جوهر معركة التحضر العربي وتتطلب تغييرات جوهرية وجذرية في منهج وطروحات ومهام اليسار العربي ، وسنناقشهما بتفصيل تحت، فهما اساس التجدد والتجديد اليساري العربي لاستعادة دوره والذي يمكن اجماله بعودة اليسار الى " قيادة التحضر العربي" .

2. قضية ومنهج دولة المواطنة
تشكل هذه القضية محورا اساسا لتجديد فكر اليسار العربي وتتضمن تغيير طروحاته وخطابه، فهو ولليوم مازال يزوق وينافق علنا وعبثا ان نموذج دول الغرب الذي يقوم على المواطنة والديمقراطية في ظل الرأسمالية هي وهما وزيفا وتزيفا، وياله من كذب وكبوة فكرية مميتة لليسار نفسه، فعدا انه يناقض الواقع القائم في العالم والتجارب المتحضرة له في الدول المتقدمة والنامية الناجحة التي تأخذ به، فهذا النموذج للدولة الحقوقية يعد انتاج فكري يساري صرف طرحها وتبناها وانشأها فكر اليسار الاوربي منذ القرن الثامن عشر وبقيت اهم محور لمعاركه الاجتماعية وفي كل العالم ولليوم، وهاهو يسارنا يلفظها انها نموذج زائف للديمقراطية والحريات للدولة البرجوازية ، وبنفس الوقت ويظهر منافقا ومشعوذا حينما يرفع شعارات المطالبة بالديمقراطية واطلاق الحريات السياسية بينما نفسه ينعتها فكرا برجوازيا مزيفا ، فكيف يفسر هذا المنهج والموقف الفكري السياسي؟ اليس هذا شعوذة سياسية ، وتنكر لاهم انجاز فكري لليسار تاريخيا. انه امرا يبعث على الدهشة حقا، انما يدل اما على جهل بتاريخ اليسار او مرض العمى الايديولوجي الناتج من التلقين .ان نموذج الدولة المعاصرة هي اهم مساهمة لليسار في تاريخ البشرية على الاطلاق بل وهو كان سبب تحضرها ورقيها الحالي ، يسميه يسارنا فكرا برجوازيا وزيفا والخ من الالقاب ، أي عمليا انه يسب أهم انجاز وأهم انجاز للفكر اليساري عبر التاريخ.ان اليسار هو المؤسس الحقيقي للحضارة الحالية التي يمكن دعوتها "حضارة دول الديمقراطية والمواطنة " وماقبلها ومنذ فجر التأريخ يمكن دعوتها " بحضارة دول الاباطرة والرعايا" . هذه كانت اكبرمساهمة للفكر اليساري الانساني صاغها مفكري عصر النهضة والتنوير وكلهم يساريون ونجحوا في فرضها شعبيا على الدول والامبراطوريات الاوربية منذ الثورة الفرنسية لتضع اول خطوة على طريق الحضارة المعاصرة ، حضارة اقامة دول حقوق المواطنة وحرياتها واحترام ارادة مواطنيها.
واضحا ان هفوة يسارنا العربي هذه ونفاقه الفاضح ناتج عن تبنيه التلقائي للطرح الايديولوجي السوفياتي المضاد للديمقراطيات الغربية لا لسبب فكري سوى لخوضه صراعا امبرياليا معها واحتاج لتشويه نظمها الديمقراطية ،واستنسخه رفاقنا ويرددوه لليوم كالببغائية. ولو اخذنا بماركس فهو لم يناقض او ينفي دولة المواطنة بل يمكن اعتبار مساهمته الفلسفية انها موجهة لأضافة حقوق المساواة الاقتصادية الى السياسية التي طرحها مفكري عصر النهضة والتنوير، وليس لالغائها. موقف اليسار العربي استنساخا سوفياتيا وليس اجتهادا كعادة العقل الناسخ العربي، ولو اجتهد قليلا لعرف ان اقامة دولا قانونية متحضرة تأخذ بالديمقراطية والمواطنة والحريات هي فكرا يساريا وهي على رأس مهامه ولاخذ بنماذجها وتجاربها الناجحة باعتبارها يسارية المنشأ والتطوير . واليوم ما ترى دولة تقدمت حضاريا الا وكان نظامها قائما على اسسها، كما ولا ترى دولة تخلفت حضاريا الا ورفضتها واقامت دولا ونظما متخلفة قمعية وديكتاتورية كدولنا العربية.
ان هذا الموقف الخاطئ هو الذي واقعا دفعها للتحالف مع نظم الديكتاتوريات العربية في الستينات والسبعينات في مصر وسوريا والعراق بمجرد اعتبرها السوفيت نظما تحرر وطني معادية للامبريالية. اثبت هذا ان يسارنا لا يفهم حقا ولايقدر ولا يقيم وزنا لدولة المواطنة والحريات والتي هي اهم مهمة له ومنها قيادة التحضر العربي.
النتيجة التي نخرج بها لابد لليسار العربي العربي كي يتجدد ان يلفظ كليا المفهوم البلشفي اللينيني واتهام نموذج الدولة الديمقراطية ان ديمقراطيتها مزيفة لمجرد كونها رأسمالية . عليه ان يتبنى جذريا مفهوم دولة المواطنة وما اقيم عليها من مفاهيم الحقوق الفردية والعامة والحكم الديمقراطي كهدف اعلى له كونها هي اهدافا اقامها اليسار تاريخيا ومكنها وصارت مرتبطة به وهي التي اقامت تحضر مجتمعاتها حيثما وعاها اليسار ونجح في مهمته هذه .ان تبنيها هو اهم عنصر تجديدي لليسار العربي لقيادة تحضر مجتمعاتنا العربية ، ولن يتم ذلك دون التخلص النهائي من هذه الازدواجية التي جعلت يسارنا يبدو مشعوذا سياسيا بدل ان يكون قائدا لحركة اصلاح دولنا العربية لتتحول لدول المواطنة والحريات والديمقراطية وعلى الطراز الغربي العلماني. هذه هي اول وأهم خطوة فكرية لليسار العربي إن اراد ارجاع دوره كقائد لمعركة التحضر في منطقتنا العربية.
3. قضية ‏تغيير المنهج والطرح الاقتصادي المتخلف لليسار
يعاني اليسار العربي من كبوة اخرى ادت لتدهور دوره وتتلخص في الانكماش على منهج اقتصادي متخلف متوارث ايضا من طروحات السوفيت والقائم على جعل الدولة هي التي تملك وسائل الانتاج وهي التي تديرها بموظفيها ( اي واقعا جلب الفساد السياسي والتزلف الوظيفي لمرافق الانتاج وهو اقصر طريق لتدميرها )، ويرفقها يسارنا بطروحات تعادي الاستثمار والعمل الخاص كي لايشجع نمو الطبقة الرأسمالية في دولنا العربية ( ولا احد على انقاض ماذا سيقيم الاشتراكية اذا لم تكن هناك رأسمالية ). فالاستثمار والرأسمال هي وقود الاقتصاد لتحريك الياته لتبدء بالحركة ونمو الثروة العامة بقوانين ادارتها على اسس علمية دقيقة تكاد تشبه قوانين الفيزياء بدقتها وتشكل علم الاقتصاد المعاصر . لم يفهم يسارنا ولليوم ان الرأسمالية ليست ايديولوجيا ليعاديها بل قوانين واليات اقتصادية لادارة الاستثمار الناجح والمرافق الانتاجية بنجاح وهي المجربة والمبرهنة في الواقع المعاش.
يتبنى يسارنا دعوة اقامة الاشتراكية في بلداننا العربية، ولا قوانين للاشتراكية يعرفها علم الاقتصاد المعاصر ، فدور الدولة هو التخطيط الاقتصادي وليس الادارة للمرافق الانتاجية .واقعا لاتوجد اية قوانين يعرفها علم الاقتصاد للاشتراكية ولم يتعب اليسار نفسه ليكتشف ذلك واكتفي بشعارات ايديولوجية ان الاشتراكية هي نقل ملكية وسائل الانتاج للدولة، اما كيفية ادارتها وباية قوانين فهذه متروكة لعلمه تعالى او الرجوع لقوانين الرأسمالية التي عندئذ يستحيل تطبيقها لتدخل السياسة في ادارة المؤسسة الانتاجية او الخدمية ،بل هي ستدمرها وتصبح واقعا عالة على الدولة ( وهذا ماحصل فعلا في مصر والعراق حيث دمرت المؤسسات التي اممت بعد ان كانت ناجحة ومنتجة ، بل حتى فشلت في الاتحاد السوفياتي والصين زمن ماو بكل الابعاد التي يقاس عليها نجاح المؤسسة الخدمية الانتاجية ) . لم يمتلك يسارنا واقعا منهجا اقتصاديا غير شعارات وطقطقات ايديولوجية بسب الرأسمالية معتبرا اياها ايديولوجيا بينما هي قوانين واليات علم الاقتصاد الذي يدرس في الجامعات.
ان اهم مهمة لليسار العربي اليوم هو قيادة تحويل الاقتصاد من الزراعي الريعي والتجاري المضارب ، الى انتاجي صناعي تكنولوجي، وتحتاج هذه المهمة والنقلة لاستثمارات كبيرة ، فان حاربت الاستثمار الخاص والخارجي فكيف ومن اين تأتي به لتمويل هذا التحول الجذري الذي يتطلب ، وفق تجارب جميع الدول المتقدمة والناجحة النامية ، وصفة كيميائية معروفة تجمع خلطة بين ثلاثة عناصر هي الاستثمار والمعرفة العلمية ، والمعرفة الادارية ، تجمعها معا كي تقيم مؤسسة انتاجية قابلة للحياة والنجاح ، واهمها على الاطلاق جذب الاستثمارات الداخلية للعمل والانتاج فهي الوقود للتشغيل والانتاج (بدل خزنها في السراديب او المراباة او مضاربة العقارات او تهريبها للخارج كما يحصل اليوم) .
ساهمت طروحات يسارنا الاقتصادية واقعا بتدمير بدايات التصنيع في بلداننا مثل مصر وسوريا والعراق التي كانت قادرة ومهيأة للدخول في الثورة الصناعية منذ الستينات وهي نفس الفترة التي بدأت بها كوريا الجنوبية وتركيا وماليزيا والهند والبرازيل وكانت بلدانا زراعية في الغالب وكانت بلداننا اكثر تأهيلا منها للدخول لاقتصاد الانتاج والتصنيع . نضّر اليسار العربي ووفق النموذج السوفياتي لتأميم المرافق الانتاجية القليلة المتواجدة فيها ووضعها تحت ملكية وسيطرة نظما ديكتاتورية عسكرية وسلطات فاسدة مما حرم بلداننا من الفرصة الذهبية للدخول لعصر التصنيع في الدول النامية اعلاه، وانظر اين هي اليوم واين نحن صرنا. على اليسار ان يعي ويعترف بخطأ منهجه والاعتذار عن دوره في الدمار الذي الحقه باقتصاد هذه البلدان الثلاثة الهامة في العالم العربي.
لم يع اليسار العربي ولليوم ان الاشتراكية واقعا هي ليست نظاما اقتصاديا ولا هي بديلا لاقتصاد الرأسمالية ، انما هي برامج وسياسات احتماعية تتبناها الدول لتطوير نظم الحماية والخدمات الاجتماعية وتمول اساسا من الة الانتاج الرأسمالية ، تقضم من رأس المال فائض القيمة الذي قال به ماركس لتمول به هذه البرامج وتطوير لبنى التحتية والخدمات كالتعليم والصحة واشكال متنوعة من البرامج الاجتماعية. اصبح اليوم معروفا لدى اليسار انه لن يستطيع النهوض ببرامج اشتراكية دون نهوض اقتصادي نامي متطور رأسماليا انتاجيا كي تجتزء من ارباحه حصة المجتمع لتمويل برامج اشتراكية ، وكلما زادت قوة الاول وازدادت انتاجيته تزداد هذه البرامج قوة وشمولا لرفع مستوى المعيشة والخدمات للسكان. هذه اصبحت حقائق ومنهج تتبناه في برامجها جميع الاحزاب اليسارية وعليه فهي تعمل على يعلى جذب واسناد الاستثمارات داخليا ومن العالم كي تتمكن من تنفيذ وتطوير برامجها العدالية الاجتماعية ، الا يسارنا العربي الذي لايملك الا وصفة ايديولوجية فاشلة لتطوير اقتصاد بلداننا العربية قائمة على محاربة الاستثمارات الرأسمالية دون فهم او وعي ان ذلك يعني تدمير اقتصادها بالكامل. ان بلداننا
ان يسارنا لم يع ان جميع دول العالم اليوم الغنية والفقيرة تعمل جاهدة على جذب الاستثمارات الداخلية والخارحية ، وخصوصا الدول النامية حيث تحتاج معها لنقل التكنولوجيا والمعرفة العلمية والادارية لتطوير المهارات الوطنية وتوفير فرص العمل. هذا ماتفعله الاحزاب اليسارية وحكوماتها في العالم اينما تضع اصبعك على الخارطة الا نهج ومنهج الاحزاب اليسارية العربية .
ان خوض معركة التنمية يتطلب من اليسار تغيير طروحاته ومناهجه الاقتصادية جذريا ليصبح ليس فقط مدافعا عن حقوق العمال والموظفين ، بل لتوليد مصدر لعيشهم وتشغيلهم اولا ، وتنمية مهارات الانتاج لطبقتها العاملة الفنية والهندسية والادارية التي ستلتف عندئذ حول اليسار، شرط انه قادر فعلا على طرح حلول للبناء والتشغيل وليس يسارا يردد شعارات ضد الرأسمالية نيولببرالية الخ.
4. ايديولوجية اليسار الجديدة تتوجه لقيادة التحضر العربي
على اليسار العربي قلب الادوار والمهام التي خطها لنفسه على مدى 75 عاما رأسا على عقب ويتحول من ذيل للايديولوجيا ومردد ببغائي لمقولاتها وطروحاتها السوفياتية التي اكل عليها الدهر وشرب ألى ايديولوجيا يسارية حقيقية ادعوها واسميها " ايديولوجيا التحضر " ، بمعنى صياغة مفاهيمه واهدافه ووضع خططه لتحقيق هذ الهدف وقيادة معركة كبرى حقيقية داخلية مجتمعاتنا بأمس الحاجة لها وهي "معركة التحضر " ضد التكلس الفكري عدا الغيبي والرجعي بكل انواعه. هذا الدور هواسوة بكل حركات اليسار في العالم التي قادت معركة بناء دولها ومجتمعاتها وتطويرها ثقافيا واجتماعيا واقتصادية ، وليس كما حال اليوم عند يسارنا خوض معارك خارجية بشعارات النضال ضد الامبريالية والرأسمالية العالمية (اساسا كانت معارك خدمة للمصالح السوفياتية في الحرب الباردة وليست معارك داخلية لقيادة التحضر في المنطقة )، ولازالت طروحاتها تقيد اليسار العربي وتثقله وتؤسره بمقولات تجعله ذيلا ايديولوجيا وليس قوة بناء وقيادة التحضر لمجتمعاتنا التي تعاني من التخلف . ان اهم قضيتين امامه هما قيادة معركة اقامة دولة المواطنة والعلمانية ، وطرح منهج اقتصادي منفتح على الداخل وعلى العالم لجذب الاستثمارات للانتقال من الاقتصاد الريعي التجاري الى الاقتصاد الانتاجي الصناعي والتكنولوجي. هذه هي أهم الاهداف وأهم المعارك امام اليسار العربي الذي عليه تغيير منهجه وطروحاته وفهم هذه القضايا الهامة من منطلقات حضارية ليتبوأ دوره في قيادة المجتمعات العربية نحو التحضر المعاصر بكل ابعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. انها معارك ومهمة يسارية بامتياز ، حاله حال اليسار في العالم الذي نجح تاريخيا وبدء من اوربا والى العالم النامي قاد بناء دوله وتحضرها واصبحت اليوم نماذج راسخة لدول المواطنة والحريات والتطور الاقتصادي والمعيشي للسكان الذين ينتخبونه كونه ناجحا. مالذي يمنع يسارنا من خوض نفس هذه المعركة وبنفس التفاصيل والتوجهات الفكرية لقيادة تحضر مجتمعاتنا العربية ؟ لاشيئ سوى اصلاح نفسه والبدء بالتجدد ليهيئ نفسه لهذه المهام والمعارك الاجتماعية الحقيقية .
ان مجتمعاتنا هي احوج ماتكون ليسار يرسم لها طريق البناء والرقي والتحضر ، يرسم لها شكل الدولة التي يريد بناؤها ( دولة المواطنة والديمقراطية والحريات) وشكل الاقتصاد الذي يرمي اليه ( اقتصاد الانتاج والتشغيل والاستثمار ) ، ‏ بمعنى التحول ليكون يسار للبناء، وليس لرفع شعارات واصدار بيانات ضد الرأسمالية وكأنها ايديولوجية وربيبتها الامبريالية العالمية ( والاتحاد السوفياتي نفسه كان دولة امبريالية وهو ليس رأسماليا) . انها تحتاج يسارا قادرا على قيادة معارك التحضر والبناء لتصغي اليه وتعطيه صوتها ودعمها مادام يطرح لها طريق الحصول على الخبز والحرية والرفاه معا. انها واقعا السير على طريق التحضر الذي طالما انتظرته اجيال متعاقبة ولم تسلكه بسبب غياب يسار يعي سبل هذا الطريق وحان البدء بوعيه وفهمه.
د. لبيب سلطان
January 29/2026



#لبيب_سلطان (هاشتاغ)       Labib_Sultan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- درس من ايران
- البلطجة الامبريالية والبلطجة الايديولوجية
- خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -4
- خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -3
- خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -2
- خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -1
- سخرية ورقة ترامب لانهاء حرب اوكرانيا
- بديل الانتخابات امام اليسار الوطني العراقي
- مالذي يعنيه فوز زهران ممداني
- حول علاقة الديمقراطية والماركسية
- لماذا تراجع اليسار في المنطقة العربية
- لماذا يتراجع اليسار في العالم
- إنتاج : مشروع نهضوي لتشغيل الشباب في مشاريع انتاجية
- مستقبل حرب اوكرانيا ستغير صورة العالم
- بعثيو التشيع في العراق
- مداولة حول حرب اية الله وناتنياهو ونتائجها
- مشترك ألحرب الجنونية على اوكرانيا وغزة
- لماذا يخسر اليسار الوطني العراقي في الانتخابات
- انهيارسياسات ترامب بعد مئة يوم في الرئاسة
- فهم حضارة العالم المعاصر-2


المزيد.....




- بريطانيا: محاكمة ثمانيني فاز بـ2.4 مليون جنيه.. وبنى إمبراطو ...
- ترامب يطالب بخفض -فوري وكبير- لمعدلات الفائدة
- مسؤول أمني إسرائيلي في واشنطن لبحث هجوم محتمل على إيران
- إلهان عمر تحمّل ترمب مسؤولية التهديدات التي تتعرّض لها
- هل يكون العراق المحطة الأخيرة لمعتقلي تنظيم الدولة؟
- بالفيديو.. نزيل يتسبب في غرق فندق بتصرف غريب
- دراسة تكشف دور -العوامل الوراثية- في تحديد عمر الإنسان
- إسرائيل تعيد رفات 15 فلسطينيا إلى غزة
- فيديو: توغل إسرائيلي وتفخيخ منزل في جنوب لبنان
- هيغسيث: -البنتاغون- مستعد لتنفيذ أي قرار لترامب بشأن إيران


المزيد.....

- سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام ... / غازي الصوراني
- المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية / ياسين الحاج صالح
- قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي / رائد قاسم
- اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية / ياسين الحاج صالح
- جدل ألوطنية والشيوعية في العراق / لبيب سلطان
- حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة / لبيب سلطان
- موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي / لبيب سلطان
- الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق ... / علي أسعد وطفة
- في نقد العقلية العربية / علي أسعد وطفة
- نظام الانفعالات وتاريخية الأفكار / ياسين الحاج صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي - لبيب سلطان - أهم القضايا امام تجدد اليسار العربي