أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - لبيب سلطان - خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -4















المزيد.....


خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -4


لبيب سلطان
أستاذ جامعي متقاعد ، باحث ليبرالي مستقل

(Labib Sultan)


الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 14:03
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


1. الروحانية كمعرفة واعية بديلا للتدين
هل توجد مثل هذه المعرفة ؟ والجواب نعم توجد وهي التي تقف وراء نمو الثقافة والتحضر الشخصي والانساني وتساهم في صياغة السلوكية المتجانسة المتماسكة لنمط عيش الانسان المتجانس بين مشاعره وعقله الواعي دون قلق او تناقض داخلي ( مع الضميرالداخلي مثلا). وتساهم هذه المعارف في تطوير الذوق الجمالي والسلوك الشخصي الضميري المشاعري والعاطفي للانسان ومنه تنتقل لبناء ثقافة اجتماعية عامة ، هي احدى الركائز الحضارية للمجتمعات باقامتها على اسس معرفية، وكونها ثقافة فهي تحتاج للمعارف لبناء اركانها على اسس عقلية وعلمية.
وربما يتعجب البعض من استخدام مفهوم الروحانية المعرفية لوصف هذه المعرفة وهذه الثقافة المشاعرية،والحق معهم ، كون الروحانية ارتبطت تاريخيا بالاطروحات التي اتت بها الاديان . ولكنها اليوم انفصلت عنها واصبح فهمها يقام على اسس عقلية واعية ( كانفصال الفلسفة عن اللاهوت مثلا او انفصال العلم نفسه عن الفلسفة ) وبالتالي من الضرورة التمييز بين الروحانية المعرفية والروحانية الدينية ، وحتى برز مصطلحان مختلفان هما الروحانية والتدين ، فهما امران مختلفان تماما. الاول يقام على اسس معرفية واعية والثاني على اسس ايمانية وفق قيم وتعاليم تنسب للاله الخالق.
ورغم هذا الفرق، فيوجد امر مشترك بينهما ،اي بين العلم والدين ، ولاغرابة، وهو فرضية تواجد انسانين بان واحد في نفس الانسان ، احدهما يقوده ويدفعه العقل الباطني أومايدعوه علماء النفس العقل اللاواعي الشعوري ( Sub-consciousness) وهو الذي يساهم في رسم ودفع سلوكية الانسان المشاعرية العاطفية والضميرية ، والاخر يقوده دماغ الانسان ويدعى العقل الواعي (Consciousness) ويدفع بالنفعية المصلحية والانانية الذاتية في رسم سلوكيته.
ولكن عدا الالتقاء بهذه الفرضية ،فهما مختلفان كليا وفي كل التفاصيل الخاصة بسلوكية الانسان وكيفية بناء ثقافة توفق بين هذين العقلين المتناقضين غالبا.
لابد من فهم حقيقة ان الروحانية المشاعرية هي جزء اساسي من بناء الانسان ذاته، فهي تتجسم وتتجسد في بناءه حتى فيزيائيا ، وهي التي تجعله مايطلق عليه كائن مشاعري وعاطفي ( ولو تجرد منها لما اصبح انسانا ) ، وذلك اضافة لتعريفه كيان عاقل، رغم ان هذه الصفة هي الغالبة ،وهي دون شك اختصار ناقص وبائس لوصف الانسان ، فلا وجود حقيقي للانسان دون مشاعر، والا سيصبح الة عاقلة لاغير، والعالم اليوم يصنع مثل هذا الانسان على شكل روبوتات. واقعا ان العلم مجمع ان كلاهما ( أي العقلان) مجتمعان ومجسدان في بناء كيان الانسان ، ويعملان معا، وكلاهما يساهم في رسم سلوكيته.
ان مايقصد بالروحانية المعرفية هي المعارف العقلية الواعية التي تسند العقل اللاواعي الشعوري في رسم سلوكية الانسان اليومية والاجتماعية على اسس ثقافة مشاعرية وضميرية وعاطفية وجمالية لتمثل الجانب الشعوري العاطفي والضميري والاخلاقي في الانسان .
والقضية التي واجهت وتواجه الانسان دوما هو ذلك النزاع والصراع بين العقلين. وفي الحياة اليومية وعند اغلب الناس العاديين يساهم كلا العقلان في صياغة وتشكيل السلوكية ، ومنه تراهما في حالة نزاع فالشخص السوي ( أي غير المريض والمختل عقليا ونفسيا وعاطفيا ) لايريد ان يفرط بضميره وعواطفه الانسانية (أي مايمليه عليه عقله الباطني ألشعوري) ، كما هو لايريد التفريط بمصالحه ومنافعه الخاصة (يمليها عليه عقله الواعي) ومنه ربما يجد حلا وسطا في القضايا التي تتطلب موقفا معينا، يجمع بين عواطفه الروحانية والضميرية وبين النفعية الذاتية. الواقع ان هذه العملية التوازنية بين العقلين هي نمط حضاري متقدم للعيش وفق التجانس والتناغم بين العقلين وهو نمط عيش وسلوك الانسان السوي (والمثقف مثالا عليه ، فهو يمتتع عموما عن مزاولة فعل يناقض ضميره ومشاعره وثقافته المشاعرية حفظا لتوازنه وتجانسه الداخلي وحسب ،وليس مثل الموامنة بسبب الخوف من عقاب رباني).
في غياب الثقافة الروحانية المعرفية المشاعرية ستكون الغلبة للعقل الواعي النفعي الاناني المصلحي ليقترف مايشاء ولن يندم الا بسبب مادي وليس روحاني او مشاعري ( كما نجده عند الطفيلية والمرتشين والانتهازيين والفاسدين والنفعيين الخ) ونمط عيشهم هو الكسب بأي ثمن وأي وسيلة يدله عليها عقله الواعي ولا دور تقريبا للعقل اللاواعي الشعوري والضميري.
وتوجد حالة ثالثة مثلى ان يعطي الشخص العنان لعقله اللاشعوري ليقود سلوكيته اليومية في الحياة الاجتماعية ويضع عقله الواعي في اجازة وراحة ( على الرف) ليحتفظ بطاقته لاستخدامها الواعي في العمل والانجاز وللتعلم واكتساب المعرفة ولغرض الابداعي الفني والمعرفي والادبي. ان الوصول لهذا الوعي في خط اسلوب العيش وفق المشاعر ( بوضع العقل اللاواعي مسيطرا على وفوق العقل الواعي في رسم سلوكية الانسان اليومية والاجتماعية ) هو أعلى هدف ثقافي وحضاري يمكن تصوره ان يصل له الانسان بل هو هدف اعلى للتحضر الانساني وسنناقشه تحت. ان البحث في ثقافة العيش المتجانس المتناغم بين الشعور والوعي اصبح هدفا للبحث وتطوير المعرفة التي ندعوها الروحانية المعرفية (وتدعى ايضا المشاعرية المعرفية اي التي تقام على اساس المعرفة العقلية الواعية ). وستلعب دون شك نظم الذكاء الاصطناعي دورا بارزا في دعم ونشر وتطوير ونشر الثقافة والمعرفة الشعورية كنمط اساس لتطوير التحضر المعرفي. ان نقاش دورها المستقبلي احد اهداف هذه الورقة وسنفرز لها جزءاً خاصا تحت. ولكن لا بد اولا من مناقشة معنى الروحانية المعرفية والمشاعرية كمعرفة علمية واعية وفرقها عن الروحانية الدينية السائدة ، والاجابة على سؤال اساس ، هل يمكن للانسانية يوما ان تتخذ من المشاعرية والروحانية المعرفية الواعية بديلا عن الروحانية الدينية ؟ وهو مانتناوله تحت.
2. ألفرق بين الروحانية المعرفية والروحانية الدينية
المفارقة ان كلا العلم والدين قد وجدا معا ان الانسان يتعامل مع مركزين لاتخاذ القرار، احدهما العقل الشعوري الضميري العاطفي في سلوك الانسان (غالبا يدعى عمل الخير في الاديان ويمثل القيم التي اوصى بها الله مثلا) ، والاخر العقل الواعي ، ولكنه نفعي مصلحي اناني وذاتي وتدفعه الغرائز، ويمثله "الشيطان" في الاديان السماوبة ، وهو المتمرد على العقل الخيري الضميري "الرباني " اعلاه الذي يمثل ما دعا له الرب من خلال رسله ومبلغيه والمتحدثين باسمه.
ولكن رغم هذا التشخيص المشترك بينهما لفهم الانسان انه "انسانين في انسان واحد " اوفي نفس واحدة ، ولكنهما مختلفان على طول الخط وفي كل التفاصيل.
تطرح الاديان مفهوم "الاتقياء الصالحين" لمن يتبع الضمير ويتبع التعاليم الالهية حرفيا باعتبارها تمثل الضمير ، وتضيف عليها الطقوس والفرائض كي لاينسلخ الانسان عن ربه ( أي تجعله يستحي منه ولايقدم على عمل مصلحي خسيس) ،اضافة للتهديد والوعيد الالهي بعذاب الاخرة الاليم لو اغواه الشيطان واقدم عليه (ومنه تجد الديانات السماوية مليئة بكافة اشكال العذاب والتعذيب والتهديد والوعيد). كما وتطرح الاديان مفهوم "البشر الطالحين" ووفق مفهومها هؤلاء من لايتبع تعاليم الرب " الضميرية " ويطلق لشيطانه "العقل الواعي" العنان للفساد في الارض للعيش بغرائزه وانانيته ومصالحه النفعية على حساب الاخرين.
وفي الثقافة والمعرفة المشاعرية نجد ايضا هذين الصنفين ، ولكنها تعالج الموقف في حسم الصراع بين العقلين ( المشاعري والواعي) بشكل مختلف يقوم على بناء وتطوير الثقافة والمعرفة المشاعرية ، الشخصية والاجتماعية معا ، وخلق مفهوم الانسان المتحضر " السوي " الذي لايخرق ضميره لخوف من العقاب الرباني بل لحاجته الواعية للتماسك والتجانس مع ذاته كي يعيش دون قلق وتأنيب ضمير، كما ولا يخرق القوانين التي تسنها السلطات ليس خوفا من عقابها بل لفهمه لاهميتها لحماية الجميع ) . في الممارسة السلوكية اليومية عندما يواجه الانسان المتحضر "السوي" موقفا يتطلب قرارا يلجأ غالبا لايجاد حل وسطا يوفق بين "العقلين" بحيث لايخرق ضميره وتوازنه الداخلي وبنفس الوقت يقلل التفريط بمصالحه لاجل الحفاظ على توازنه وخياره في العيش بالتجانس والتناغم مع ضميره ومشاعره وعواطفه ، ومنه يمكن تعريف " الانسان السوي "هو الذي يوفق ويوازن بين العقلين او العيش بتناغم living in Harmony)) ان لايخرق مشاعره وضميره وعواطفه ودون التفريط طبعا بمصالحه . هذا هو الفرق بين الروحانية المعرفية وثقافتها الواعية للعيش بتجانس وتناغم وتصالح مع الذات وبين العقلين وبين الروحانية الدينية القائمة على الخوف من العقاب الرباني والتهديد بعذاب النار.

3. لماذا نجحت الروحانية المعرفية وفشلت الاديان
ان مفهوم الانسان "السوي" المتحضر يساويه في الاديان مصطلح "التقي الصالح" ، والغير سوي ويقابله في الاديان " الانسان الطالح" الذي اغواه "الشيطان" ، اي عقله الواعي لارتكاب الخطايا والشرور.
ولو نظرنا اليوم في المجتمعات المتحضرة فهي نجحت نجاحا كبيرا في خلق طبقة كبيرة واسعة من الناس الاسوياء على اساس معرفي (ربما تفوق 90% من افراد المجتمع هم من الاسوياء ( أي من فئة الاتقياء الصالحين في الاديان) ، مقابله نجد ان الاديان قد فشلت فشلا ذريعا في المجتمعات التي تأخذ بالدين والتديُّن كسبيل لاصلاح الانسان ( اي بدل المعرفة كما في الانسان السوي العادي) فشلت في خلق طبقة "الاتقياء الصالحين" وحتى ولو بنسبة بسيطة ( في الواقع المرئي والمعاش امامنا نجدها ربما لا تتجاوز 1% لاغير)، تجد حشودا تفوق 90,% تقوم بالعبادات والفرائض والطقوس، وتدّعي القرب من الله وتطيل لحاها وتسجد له يوميا خمس مرات، ولكن فقط اقلية قليلة جدا منهم تكاد لاتذكر هم واقعا من "ألأتقياء الصالحين" ،عكس مانراه في الناس الاسوياء العاديين.
لماذا نجحت الحضارة وفشل التدين في خلق طبقة واسعة من الناس الاسوياء العاديين وفشلت الاديان في خلق طبقة "ألأتقياء الصالحين" ؟ سؤال لو قمنا بالبحث عن جواب عليه ( أي البحث في هذه الظاهرة ) لقادنا على الاقل لتشخيص بعض الابعادا المنهجية في الدعوة الدينية هي التي وقفت وراء فشلها في انتاج المتقين الصالحين. لنتناول بعضها الاهم منها.
البعد الاول ان الاديان طرحت مفهوم الله كمراقب أعلى على سلوكيات الانسان كي لا يطلق العنان لعقله الواعي ( شيطانه في الاديان) ليقود فعله الواعي لتحقيق مطامهحه المدفوعة من غرائزه ومصالحه النفعية والانانية. وبدلا من "الرادع المعرفي الواعي" في التحضر الروحاني . اتخذت من "رادع العقاب الرباني " وسيلة للحد من اقدامه على خرق الضمير وارتكاب الخطايا والاثام. انن الرادع القائم على الخوف من العقاب الالهي، وهذه نقطة ضعف كبيرة امام الرادع المعرفي الواعي وهو خياره ان لا يرتكب الخطايا والاعمال السيئة، ووهناك فرقا واضحا وكبيرا، حيث يمكن لاكثر المؤمنين الربانيين ايجاد تبرير لما يقترفونه عكس مايريده الرب ومنه تحولت علاقة الخير والشر في الاديان الى دجل ومكر على الاله "المسكين" نفسه، يفسرون تعاليمه حسب الظرف والحاجة ، كما يستغلون رحمته الواسعة بحيث حتى اكثر الشرور سوءٍ يمكن ان تلغى من الحساب وتعفى تستتاب راجتهاد مايكسبه الفقهاء والتعويض ( ذبح خروف او اطلاق رقبة ) لترطيب العلاقة مع الخالق فهو الرحمن الرحيم ( صلي مئة ركعة ووزع مئة دينار ويعفيك الرب)، ومنه لم تجدي تهديدات الاديان بالعذاب والوعيد لردع الانسان مادام العقل الواعي قادرا على الاحتيال حتى على الله. في الروحانية المعرفية الامتناع مبني على قرار خياري حر معرفي واع يتخذه الانسان في ذاته ويشكل نمط حياته لحاجته للعيش بتماسك اعتزازا بشخصيته ، لا خوفا من عقاب الرب الاليم ولا رهبة من وصف جهنم ولا الخوف من عقاب خرق القانون العام.
البعد والخلل الثاني في الاديان انها اتت بتعاليم في الكتب السماوية جعلت الروحانية مؤدلجة وخلقت التدين كأيديولوجيا لنشر ولاقامة كلمة الله ، ومنه خلقت " الجماعة المؤمنة " انها امة الله ، والاخرين ضالين وكفرة وخارجين على كلمة الرب الكلمة الحق التي يمتلكونها وحدهم وفق نصوص جاء بها انبيائه وتعطيهم امتيازات للتحدث باسم الرب واقامتها في المجتمع. الواقع ان هذه استخدمت على مر التاريخ للقمع والتصفيات وحروب داخلية وحروب خارجية وعدوان ، وقد جرت جميعها باسم الله.
لاحظ ان الروحانية المعرفية هي ممارسة وثقافة معرفية شخصية بحتة ولا تمتلك لا ايديولوجيا ولا جماعة ولا امة ولا خوف من عقاب بل ثقافة داخلية للعيش بتماسك وتجانس واعتزاز بالذات، وهو ما ندعوه بالرادع الروحاني المعرفي، عكس الرادع العقابي الرباني الذي يمكن حتى ل" الاتقياء الصالحين " من الاحتيال عليه ، ومنه لاتجد ان هناك اتقياء صالحين في الواقع الذي نعيشه ونراه.
وهناك فرقا جوهريا اخر بين الروحانية المعرفية والتدين هو في الاليات للوصول للعيش بالفطرة الانسانية الطيبة الخَيِّرة.. ففي حين انها عملية واعية وثقافة معرفية يتم من خلالها التعود على اعطاء العقل الباطني اللاشعوري العاطفي ليقود سلوك الانسان وفق الفطرة والمشاعر والتوازن الضميري في السلوكية والحياة الاجتماعية، واعطاء العقل الواعي اجازة خلالها للراحة ( وسنأتي عليه تحت ) نجد ان الاديان ابتكرت موازيا لها وفق الية اقامة الطقوس والفروض كالصلاة مثلا كوسيلة لاعطاء نفس الراحة للعقل الواعي، ولكنها فقط تستمر لفترة وقت الصلاة ( بينما المعرفية تجعلها حالة دائمة وعادة عند الانسان)، فما ان تنتهي الصلاة يرجع المؤمن لممارسة موبقاته ( باعتبار انه ادى واجب الرب وانتهى) ، كما و جعلتها الاديان فرضا مفروضا ( إن لم تقبل لن يقبل سواها) ومنها فهي واجب وليس خيار، وقد شبهها احدهم محقا انها كالخدمة العسكرية والفرق ان الجنود يصطفون يوميا مرة واحدة فقط كواجب بينما يصطف الاتقياء خمس مرات في اليوم ).
ولو نظرنا لواقع اليوم لوجدنا ولاغرابة وللاسباب اعلاه ظاهرة تراجع الاديان امام توسع طبقة الاسوياء وانتشار الروحانية المعرفية في المجتمعات المتحضرة وبشكل متسارع ، ونشهد معه وبنفس التسارع تراجع وضمور" التدين" . لنأخذ بعض الاحصائيات من الولايات المتحدة مثلا ، حيث يفضل نسبة 71% من السكان تصنيفهم انهم روحانيين ( Spirituals ) وليسوا متدينين ( Religious) ، كما هبوط نسبة من يعم الكنائس ايام الاحاد من 75% منتصف القرن الماضي الى قرابة 27% اليوم ، وعندما سؤل من توقف عن حضور قداس الاحد عن السبب اجاب غالبيتهم انهم يفضلون الذهاب للطبيعة والغابات مع عوائلهم واصدقائهم ايام الاحاد بدلا من الوقوع تحت مراقبة المؤمنين المتزمتين ويضعون ويعتبرون انفسهم الاقرب الى الله منهم، بينما وجوهم فيها صلابة لا توحي بالروحانية بل هم اقرب للمؤدلجين المتكلسين.
وملخصا لو نتتبع سير التطور الحضاري والمعرفي سنجد ظاهرة تحول الناس عن الاديان الى العيش وفق النمط الروحاني والمشاعري المعرفي ، ونجد اغالب السكان يعيش وفق نموذج الانسان "السوي" الناتج من المعرفة العقلية الواعية بالروحانيات المشاعرية كخيار للعيش المتناغم المتماسك المتجانس "الشخصي " المنشرح السعيد وسوادها كثقافة معرفية واعية.
4. الروحانية المعرفية والذكاء الاصطناعي
يمكن اليوم الادعاء ان المجتمعات المتحضرة استطاعت ونجحت في الوصول لثقافة الانسان "السوي" المتجانس المتوازن بين الواعي العقلي والشعوري الضميري في السلوك اليوم كثقافة شخصية وثقافة عامة اجتماعية عامة، فما هي الخطوة القادمة والمرحلة الاعلى التي ننتظرها من النمو الحضاري المعرفي باستخدام وانتشار نظم المعرفة الذكية ( نظم الذكاء الاصطناعي) ؟
للاجابة على السؤال لابد من التوقف قليلا عند نقد مفهوم الانسان "السوي" المتوازن المتجانس الذي يناغم بين العقلين . وأهم نقد يوجهه لهذا الانسان السوي الجيد الذي يوازن بين العقلي والشعوري ولا يخرق مشاعره وضميره في ممارساته اليومية ، انه يعاني من سطوة المنطق عليه وضعف الجانب المشاعري في علاقاته الاجتماعية ( الكل متجانسين ومتوازنين وأسوياء ولكنهم منغلقين وغير منفتحين مشاعريا وعاطفيا مع اقرانهم الاسوياء) . لابد للخطوة القادمة من التحضر ان تنقل "الانسان السوي المنطقي " لمرحلة " الانسان السوي المنفتح الفطرة والعواطف والمشاعر "، والفرق بينهما هو كالتالي.
يقيم الانسان السوي ثقافته السلوكية الشخصية والاجتماعية على اساس التناغم والتجانس والتوازن بين العقلين ، أي انه يقوم بعملية تشبه التداول والتعامل بالمساواة بين دوريهما في رسم سلوكه وفق الموازنة بين الضمير والعاطفة مع المنفعة والمصلحة . انه منطق معرفي متقدم دون شك ولكنه خال من المشاعر.
النموذج الاكثر تقدما هو تطوير ثقافة العيش وفق المشاعر والعاطفة بجعل العقل اللا واعي الشعوري هو الذي يتحكم كليا بالعقل الواعي في رسم نمط الحياة والسلوك الشخصي ( وليس موازنتها وتوزيع الادوار بينهما ) وخلق نمط عيش وفق ما يمكن تسميته العيش بالفطرة ( Living by Intuition) وبالشاعرية والعاطفية المنفتحة على الناس ( Living with inspiration and open feelings) والهدف الانساني هنا خلق ثقافة معرفية شخصية واجتماعية تؤدي لترسيخ الية ومنهج دائم عند الاشخاص ( أي تصبح روتينا او عادة متأصلة ) بجعل العقل اللاشعوري العاطفي الضميري هو الذي يقودنا وله السيطرة الكاملة على السلوك والحياة اليومية . ان هذا يعني كسر الحاجز التوازني والنمط المنطقي في "الانسان السوي "بادخال الجانب المشاعري والفطري الخام هو الاساس في التعامل الانساني ، ومنها لجعلها ثقافة مجتمعية عامة مبنية على المشاعر المنفتحة والفطرة والعاطفة الانسانية ، أي زيادة الانفتاح وزيادة الحماوة ( من الاحماء ) والمشاعرية الفطرية الطيبة في العلاقات الاجتماعية . هذا هو المدخل الذي نعول على نظم نظم الذكاء الاصطناعي الاخذ على عاتقها لتطويره المعرفي ونشره واسعا بين الجمهور .
ولاغرابة اطلاقا ان نجد مستقبلا مساهمات وتطبيقات نظم الذكاء الاصطناعي الهامة القادمة هي تلك التي تركز على تطوير الالهام ونشر ثقافة العيش بالفطرة والسريرة الانسانية المشاعرية المنفتحة ( والتي عرفنا اليتها بالتعود على اعطاء العنان كاملا للعقل اللاشعوري ليقود سلوكية الانسان الاجتماعية او العيش بالفطرة الانسانية ) .
مالذي سيكسبه الانسان من نمط العيش بالفطرة والانفتاح والمشاعر الجياشة ؟ سيكسب السعادة الحقيقية من التعامل مع البشر وفق المشاعر ، ان يعيش الانسان وفق فطرته ومشاعره وبكل حرية ، واجتماعيا تحقيق ( الاكتفاء والازدهار المشاعري ) كما ناقشنا هدف الحضارة تحقيق بالاكتفاء والازدهار المادي ،وهو امرا تمكنت الحضارة منه كما ناقشناه في الجزء الثاني من هذه الورقة . ان احد الاهداف الكبرى للتحضر الانساني، هو ان يعيش الانسان وفق مشاعره وفي مجتمع ذو ثقافة واعية مشاعرية منفتحة.
ان واحدة من الاليات المعرفية الواعية لثقافة العيش وفق المشاعر والفطرة هي التعود وتعليم العقل الوعي انه في السلوكية اليومية هو في اجازة للراحة ( كما اطفاء محرك السيارة كي تبرد) ليحافظ على طاقته ويستخدمهى لشؤون العمل والابداع والبحث لنيل المعرفة ، بدل استهلاكه في الحياة اليومية التي سيقودها عقله اللا واعي الشعوري الذي يسيره للعيش بالفطرة الانسانية والمشاعر الجياشة الانفتاحية في العلاقات مع الاخرين. ماذا لو تعلمنا ان نكون ذو وجه مبتسم ( تعطي طاقة ايجابية شعورا طيبا للاخرين وتكسب صاحب الوجه المبتسم الانشراح والاستمتاع بملاطفة الاخرين) ونبادر بالحديث مع شخص غريب وتبادلنا مشاعرنا معه، او فكرة مرحة مثلا ، علينا مجرد التعود واجتياز حاجز العقل الواعي الذي لديه اليوو تحفظات عقلية واعية على هذا النمط كأن يعطي تقريرا "لا منفعة منها " مثلا، وعلى ذلك توجب التعود عل. اعطاءه اجازة كاملة في العلاقات الاجتماعية كي لا يتدخل في السلوك. فالانسان كي يكون سعيدا يحتاح ليعيش بفطرته الخام وبمشاعره المنفتحة ومشاركتها مع الاخرين ، ففيها طاقة ايجابية شعورية للانسان وتجعله سعيدا ومنشرحا ( الانسان واقعا كالبطارية التي تخزن الطاقة وتحتاج لشحن دائم من المشاعر كي لاتفرغ شحنته الحيوية ) وشحنها بطاقة ايجابية هو معنى العيش بالفطرة المشاعرية وتعلم اطلاق العقل الشعوري الباطني كاملا وجعله هو الذي يقودنا في سلوكنا الاجتماعي .
ان واحدة من أهم تطبيقات نظم الذكاء الاطناعي مستقبليا هي ثقافة وفن العيش الانساني المشاعري وفن العيش بالفطرة الخام المشاعرية وتعلم العيش المنفتح المشاعر بدل التوازن مع المصلحي النفعي الاناني لعقلنا الواعي الذي علينا تعلم كيفية اراحته لاستخدام طاقاته الجبارة ‏لتعلم وتوليد النعارف وللابداع الفني والادبي والعلمي. انه هدف حضاري كبير وربما اعلى الاهداف تعلم كيف يمكن ان يعيش الانسان والناس بفطرتهم الطيبة على اسس معرفية واعية، وجعلها تسود العلاقات الفردية والاجتماعية كي يعيش الانسان سعيدا كامل الحرية ان عاش وفق مشاعره ومثلها بالمقابل يحقق اسعاد الاخرين.
د. لبيب سلطان
January 03/2026



#لبيب_سلطان (هاشتاغ)       Labib_Sultan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -3
- خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -2
- خواطر حول فلسفة نظم الذكاء الاصطناعي -1
- سخرية ورقة ترامب لانهاء حرب اوكرانيا
- بديل الانتخابات امام اليسار الوطني العراقي
- مالذي يعنيه فوز زهران ممداني
- حول علاقة الديمقراطية والماركسية
- لماذا تراجع اليسار في المنطقة العربية
- لماذا يتراجع اليسار في العالم
- إنتاج : مشروع نهضوي لتشغيل الشباب في مشاريع انتاجية
- مستقبل حرب اوكرانيا ستغير صورة العالم
- بعثيو التشيع في العراق
- مداولة حول حرب اية الله وناتنياهو ونتائجها
- مشترك ألحرب الجنونية على اوكرانيا وغزة
- لماذا يخسر اليسار الوطني العراقي في الانتخابات
- انهيارسياسات ترامب بعد مئة يوم في الرئاسة
- فهم حضارة العالم المعاصر-2
- فهم حضارة العالم المعاصر-1
- أين يلتقي الماركسيون العرب ‏والسلفية الاسلاموية
- هل ستقود بريطانيا انقاذ العالم مجددا من الفاشية


المزيد.....




- في ديسمبر.. اقتحام الأقصى 27 مرة ومنع الأذان 53 وقتا بالإبرا ...
- في حوار مع الجزيرة نت.. أمير الجماعة الإسلامية في بنغلاديش ي ...
- بابا الفاتيكان يحذر: مصلحة الشعب الفنزويلي أولاً وسيادة البل ...
- مئات المستوطنين يقتحمون باحات المسجد الأقصى بحماية شرطة الاح ...
- 27 اقتحاما للمسجد الأقصى ومنع رفع الأذان 53 وقتا في الحرم ال ...
- وزير الشئون الإسلامية السعودي: المملكة قطعت جذور الإرهاب وحا ...
- سوريا: ضربة بريطانية فرنسية مشتركة على أحد مواقع تنظيم -الدو ...
- شيخ الأزهر يدعو اليمنيين لـ-إعلاء صوت العقل والحكمة-
- قائد الثورة الإسلامية: إيران لن تركع وستُخضع العدو
- مخرج يهودي عاش في غزة: لم أخف إلا من إسرائيل


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - لبيب سلطان - خواطر في فلسفة الحياة تحت ظل الذكاء الاصطناعي -4