أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حاتم بن رجيبة - الشروط الأساسية لإرساء التصنيع















المزيد.....

الشروط الأساسية لإرساء التصنيع


حاتم بن رجيبة

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 16:49
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


لو تأملت البلدان المصنعة حاليا وعند نشأة التصنيع لديها لَلَاحظت اختلافا كبيرا في عدة مجالات يجعل من الإدعاء أن شرطا معينا معزولا لتحقيق التصنيع في مجتمع ما لَغَطًا وخطأ فادحا.

فالقول مثلا أن الديمقراطية لوحدها أو الرأسمالية أو التعليم أو الثروات المنجمية أو امتلاك مستعمرات أو امتلاك جحافل من العبيد ألخ كُلٌّ لوحده هو من مَكَّنَ مجتمعا ما من النجاح في التحول إلى مجتمع مصنَّع خور . فالمقارنة بين الدول المصنعة تغني عن كل شرح: اليابان، الصين، روسيا، ألمانيا، فرنسا، إسرائيل، انجلترا، أمريكا ألخ فبعضها ديمقراطية وأخرى شمولية دكتاتورية وبعضها سواد شعبه متعلم وأخرى سواده أمي(في بداية التصنيع ) وبعضها لها ثروات منجمية هائلة وأخرى تفتقر إليها تماما مثل اليابان وإسرائيل...

لكن رغم الإختلاف الكبير بين الأنظمة السياسية و المساحة والثروات الطبيعية و المنجمية وانتشار التعليم والديانة و العوامل المناخية وعدد السكان والقوة الحربية ألخ فإن كل البلدان المصنعة لها عوامل مشتركة دونها يكون التصنيع شبه مستحيل.


أحد أهم الأسس المشتركة للتصنيع كان ارتفاع الإنتاجية الزراعية أو بالأحرى وجود جحافل من العمال. أهم عامل مشترك كان هو إزالة الإقطاعية و نظام القن والفودالية، قلة تملك آلاف الملايين من الهكتارات والغابات و سواد الشعب عبيد لا يملكون شبرا . ففي إنجلترا زاد الإنتاج الزراعي بين عامي 1700 و1800 بنسبة تُقدَّر بحوالي 60–70٪ في الوقت الذي انخفض فيه عدد العاملين في الزراعة. وشهدت بروسيا بألمانيا تطورًا مشابهًا بعد الإصلاحات الزراعية بين 1807 و1816 حيث أُلغيت القنانة وأصبح الفلاحون مالكين للأراضي، إذا الإصلاح الزراعي أساس و حاجة ملحة . أدت هذه الزيادة في الإنتاج إلى تحقيق فائض غذائي مما سمح بحدوث نمو سكاني كبير. فقد ارتفع عدد سكان إنجلترا من نحو 6 ملايين نسمة عام 1750 إلى حوالي 16 مليون نسمة عام 1850، وهو ما زاد الطلب على السلع الصناعية ووفّر في الوقت نفسه أيدٍ عاملة للمصانع. عندما شرعت الصين في التصنيع جندت جحافل من الفلاحين دون أن يكون هؤلاء فائضا . غيابهم عن أراضيهم سبب انهيار في المحاصيل وأدى إلى مجاعة مهولة أودت بحياة 40 مليون شخص!!! طَوِّرْ الفلاحة أولا ، عندها يُجْبَرُ جزء هام من الفلاحين إلى مغادرة الضيعات و أمكن تجنيدهم في المصانع.

هذا العامل لم يعد ضروريا في الوقت الحاضر فيمكن توريد اليد العاملة من بلدان العالم الثالث: الملايين تستجدي الشغل في البلدان المصنعة أو الإستغناء عن البشر بالآلات الذكية: الروبوتيك مثلما فعلت اليابان حديثا أو نقل وحدات الإنتاج إلى البلدان الفقيرة .

العامل الثاني هو عامل تراكم رأس المال الذي كان ضروريًا للاستثمار في الآلات والمصانع. ففي إنجلترا أُعيد استثمار جزء كبير من أرباح التجارة والفلاحة في القطاع الصناعي حيث ازداد حجم التجارة الخارجية بين 1700 و1800 إلى أكثر من ثلاثة أضعاف. وفي ألمانيا تطوّر خلال القرن التاسع عشر نظام مصرفي قوي؛ فبحلول عام 1913 كانت البنوك الشاملة الألمانية(مختصة في تمويل الشركات) تموّل نحو 50٪ من الشركات الصناعية الكبرى من خلال قروض طويلة الأجل. أما في اليابان فقد لعبت الدولة دورًا رئيسيًا بعد إصلاحات مييجي عام 1868، إذ خُصِّص ما بين 20–30٪ من ميزانية الدولة للاستثمار في الصناعة والبنية التحتية والتعليم، المال تأتى من فائض الإنتاج من الأرز و الحرير .

وعلى الرغم من اختلاف مصادر التمويل فإن توافر رأس المال كان شرطًا مشتركًا في جميع الدول الصناعية. كلها تقريبا لم تحتج إلى قروض خارجية أو إلى مستثمرين أجانب بل عولت على أنفسها وعلى شعوبها .

فإما أن توفر الدولة رأس المال الضروري من الضرائب أو عائدات التصدير من الموارد الطبيعية مثل القمح أو الأرز أو الفسفاط أو النفط إلخ أو يكون لديها رأسماليون ذوي ثروات مثل التجار والبرجوازيون أو كبار الفلاحين وغيرهم .

العامل الثالث هو التقنية فإما أن يكون لديك شريحة هامة من الحرفيين أو يكون لك مدارس نخبوية لإنتاج المهندسين الأكفاء والكفاءات العليا أو ترسي نظام تكوين مهني فعال و ناجع أو تستورد المهندسين و الخبراء من الخارج لينقلوا لك العلوم و المهارات الضرورية فمثلا المهندس الأجنبي كان يتلقى في اليابان أجرا يفوق أجر الوزير.

التقنية هي الأساس: بدأت الثورة الصناعية في إنجلترا باختراعات حاسمة مثل آلة الغزل “سبينينغ جيني” عام 1764، والمحرك البخاري المحسَّن لجيمس واط عام 1769. وازداد استخدام الطاقة البخارية بسرعة؛ فبينما وُجدت في إنجلترا نحو بضع مئات من المحركات البخارية حوالي عام 1800، تجاوز عددها 20 ألف محرك بحلول عام 1850. وفي دول أخرى مثل ألمانيا والولايات المتحدة أدت المكننة إلى نمو صناعي هائل؛ إذ ارتفع الإنتاج الصناعي الألماني بين 1850 و1913 إلى أكثر من أربعة أضعاف، بينما أصبحت الولايات المتحدة في الفترة نفسها أكبر قوة صناعية في العالم.

هذا يعني أن على الدول الراغبة في خوض تجربة التصنيع أن تركز في التعليم على المواد العلمية التقنية مثل الرياضيات والفيزياء مثلما فعلت ألمانيا وإسرائيل أو تكثف من معاهد النخبة التقنية مثلما فعلت فرنسا وانجلترا والولايات المتحدة الأمريكية .


عامل آخر هو نمو المدن فقد رافق التصنيع في جميع الدول تحوّل اجتماعي عميق تمثّل خصوصًا في التسارع الكبير لعملية التحضّر. ففي إنجلترا ارتفعت نسبة سكان المدن من نحو 20٪ عام 1800 إلى أكثر من 50٪ عام 1850. وفي ألمانيا بلغت نسبة السكان الحضريين حوالي 36٪ عام 1871، ثم تجاوزت 60٪ بحلول عام 1910. وفي الوقت نفسه نشأت طبقة جديدة هي الطبقة العاملة الصناعية التي عانت في البداية من ظروف عمل قاسية، مما أدى خلال القرن التاسع عشر إلى توترات اجتماعية وإصلاحات تشريعية في مجال العمل، فالمدن تحضن المصانع الهائلة و يسكنها مئات الآلاف من العمال.


البنية التحتية: كان تطوير البنية التحتية، ولا سيما شبكات السكك الحديدية و حديثا الطرقات السيارة و الموانئ والمطارات عاملًا مشتركًا وحاسمًا آخر. فقد افتُتحت أول سكة حديدية عام 1825 في إنجلترا، و1835 في ألمانيا، و1830 في الولايات المتحدة. وتوسعت هذه الشبكات بسرعة كبيرة؛ إذ بلغ طول السكك الحديدية في ألمانيا حوالي 6,000 كيلومتر عام 1850، ثم 19,000 كيلومتر عام 1870، ووصل إلى نحو 63,000 كيلومتر عام 1913. أما في الولايات المتحدة، فقد تجاوز طول شبكة السكك الحديدية 250,000 كيلومتر بحلول عام 1900. وقد أدّى هذا التطور إلى خفض كبير في تكاليف النقل وربط الأسواق الوطنية، مما مكّن من الإنتاج الصناعي الواسع النطاق. دون بنية تحتية متطورة لا مجال للتطور!! شبكة حديدة كثيفة وطرقات سيارة و طرقات معبدة حديثة حتى في المسالك الفلاحية في كل شبر من البلاد ضرورة قصوى وفقدانها سمة مشتركة لكل البلدان المتخلفة.


الدولة القوية: لعبت الدولة دورًا مهمًا في جميع الدول الصناعية، وإن بدرجات متفاوتة. فالدولة القوية والمركزية أساس ضروري، خلافا للصوملة والفوضى و التشتت والدول المنهارة والضعيفة يرتع فيها أمراء الحرب والإقطاعيون ورؤساء العشائر والقبائل كما في العديد من دول الشرق الأوسط و إفريقيا.

فقد وفّرت الحكومات إطارًا مستقرًا يتمثل في سيادة القانون وحماية الملكية وتطوير التعليم.اليابان قضت على سلطة الساموراي والأمراء، بروسيا الألمانية وحدت ال-30 دويلة في دولة واحدة ووحدت المقاسات و أزالت العوائق الجمركية.


و أخيرا التعليم: ففي بروسيا بألمانيا فُرض التعليم الإلزامي منذ عام 1763، بينما نجحت اليابان بعد قانون التعليم لعام 1872 في رفع نسبة المتعلمين إلى أكثر من 90٪ خلال بضعة عقود. وأسهمت هذه الاستثمارات في التعليم في توفير قوى عاملة قادرة على تلبية متطلبات الصناعة الحديثة.

ليس بالضرورة أن يكون سواد الشعب من خريجي الجامعات، يكفي أن يكون سواد الشعب يحسن القراءة والكتابة والحساب وأن تكون هناك نخبة قليلة العدد لكن عالية الكفاءة من المهندسين و الفنيين و الخبراء ألخ. فحتى المجتمعات النخبوية قادرة على إرساء التصنيع كما كان الحال في فرنسا وإنجلترا وأمريكا.

وخلاصة القول، فإن جميع الدول الصناعية، رغم اختلاف مساراتها الوطنية، اعتمدت على عوامل أساسية مشتركة، تمثلت في زيادة الإنتاج الزراعي والنمو السكاني وتراكم رأس المال و توفر التقنيين و الحرفيين الجيدين(تكوين مهني ناجع في مدارس حديثة ) والتحضّر والتوسع الكبير في البنية التحتية إضافة إلى الاستقرار السياسي وقوة الدولة والاستثمار في التعليم. وبذلك لم يكن التصنيع عملية عشوائية ومحض الصدفة بل مسارًا منظمًا وقابلًا للقياس قائمًا على شروط بنيوية واضحة.

نظرة على عالمنا الإسلامي والشرقوسطي يجعلنا نستثني دولا يستحيل فيها التصنيع حاليا لضعف الدولة وانهيارها مثل ليبيا والسودان و الصومال واليمن وسوريا ولبنان أو غياب رأس المال مثل أفغانستان وموريطانيا. لكن جل البلدان الإسلامية قادرة على البدء في التصنيع: المغرب، تونس، مصر، الأردن، باكستان، تركيا... لا سيما بلدان البترودولار التي لديها رأس المال اللازم على غرار الجزائر و بلدان الخليج وإيران والعراق .

تنقصها الإرادة والشجاعة!!! يستثمرون في الخدمات مثل السياحة والريع مثل المناجم و النفط :المال السهل و لكن ذو عواقب كارثية على الأمد المتوسط و البعيد !!



#حاتم_بن_رجيبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا لو انهار حكم المرشد الأعلى في إيران؟؟
- النرويج قدوة لبلدان البترودولار
- تونس تغرق في مستنقع المخدرات !
- غرب ليبيا: الصوملة و انهيار الدولة
- استعمار الجزائر:التصفية العرقية الممنهجة
- معنى الوجود في رواية،، حضرة المحترم،، لنجيب محفوظ
- الأزمات الإقتصادية الكبرى : سَبَبٌ وَحَلّ
- رواية الشحاذ لنجيب محفوظ
- الإنبتات و الإغتراب في العمل بين الحقيقة والمبالغة
- هل كان نظام الملكية الإسلامي حافزا لتحقيق الأمن الغذائي و ال ...
- لن تهزمينني أبدًا ،أبدًا! قصة قصيرة
- مقارنة بين التعليم في تونس وفي ألمانيا
- السياحة الجنسية : كيف تُشوّه وسائل الإعلام الغربية العلاقات ...
- الاندماج الصامت بين شعبين،، العرب والبربر،،
- ما الحل للفلسطينيين ضد الماجعة والترويع والإبادة؟؟
- المحركات الكهربائية التي تعمل بالميثانول – تقنية المستقبل لل ...
- جمال عبد الناصر: إنجازات وإخفاقات
- كيف قوّضت قطر وتركيا ثورات الربيع العربي عبر إيصال الإسلاميي ...
- ،،التغلب على الجفاف ، إسرائيل كقدوة،،
- الدكتاتورية في المؤسسات سم زعاف


المزيد.....




- توقيع اتفاقيات استثمار بمليارات الدولارات بين سوريا والسعودي ...
- ترمب يرفع رسوم بـ25% عن الهند مقابل وقف استيراد النفط الروسي ...
- خطأ بمنصة بيتكوين بكوريا الجنوبية يؤدي لتوزيع 44 مليار دولار ...
- -نزاع مالي- يوقف العمل على تمثال ترامب الذهبي
- مصادر إعلامية سورية: وصول وفد اقتصادي سعودي إلى دمشق لتوقيع ...
- كيف يسعى المغرب لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى محرك اقتصادي؟
- البنك المركزي الاوروبي يحذر من انهيار التوازن الاقتصادي
- لماذا تفشل ليبيا في تنشيط صادراتها غير النفطية؟
- مستغلا ارتفاع سعر الذهب، فندق صيني يبيع سبائك تُزين أرضية ال ...
- تراجع حاد في أسعار الذهب والفضة مع صعود الدولار وتفاؤل تجاري ...


المزيد.....

- الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي ... / سالان مصطفى
- دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر / إلهامي الميرغني
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / د. جاسم الفارس
- الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل / دجاسم الفارس
- الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي ... / مجدى عبد الهادى
- الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق / مجدى عبد الهادى
- الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت ... / مجدى عبد الهادى
- ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري / مجدى عبد الهادى
- تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر ... / محمد امين حسن عثمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - حاتم بن رجيبة - الشروط الأساسية لإرساء التصنيع