|
|
ماركس يتحدى خصومه
ادم عربي
كاتب وباحث
الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 20:16
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ماركس يتحدى خصومه! بقلم : د . ادم عربي هناك بعض المثقفين الليبراليين الذين يرفعون شعار الإشادة بـ "المفكّر العظيم ماركس"، لكنهم في الحقيقة يستخدمون هذا الإطراء كمدخل للتقليل من شأن الماركسية نفسها. هؤلاء يزعمون أن عظمة ماركس تكمن في أنه لو عاش اليوم لتخلّى عن أساس فكره، لأن "الواقع" تجاوز قوانينه، فنظرية ولدت في القرن الثامن عشر لا تصلح اليوم . لكن هذا الزعم لا يقوم إلا على جهل بالماركسية، أو على قراءة سطحية لمقولاتها دون فهم عميق لمعانيها. فهؤلاء يواجهون ظواهر اقتصادية رأسمالية يعجزون عن تفسيرها، فيحوّلون عجزهم إلى اتهام للماركسية بالعجز. ومن هنا وُلد إيمانهم بما يسمونه "المعجزات الرأسمالية"، أي ظواهر يظنون أنها خارقة وأعجزت الماركسية عن تفسيرها. من بين هذه الظواهر ما يسمونه "السلع الإعجازية"، وهي منتجات الثورة العلمية والتكنولوجية التي يعتقدون أنها لا تخضع لقانون فائض القيمة، مثل صناعة الدواء أو الصناعات المعرفية والتكنولوجيا بكافة أشكالها. بالنسبة لهم، هذه السلع تُنتج في مصانع شبه خالية من العمال، فيتساءلون بدهشة: كيف يعمل قانون فائض القيمة إذا لم يكن هناك بروليتاريا؟ لكن هذا الاستنتاج مبني على سوء فهم جوهري. فالماركسية ترى أن العمل وحده هو مصدر القيمة، سواء كان عملاً بسيطا أو معقداً، وأن معيار قياسه هو الزمن المبذول، فالعمل المعقد يمكن أن يعادل عشر ساعات من العمل البسيط، وهذا يفسر لماذا سلعة تنتج في ساعة واحدة قد تساوي أخرى استغرقت عشر ساعات. فالقيمة التبادلية بين السلع تعكس كمية العمل (الضروري) الكامن فيها، لا مجرد عدد العمال في المصنع. خذ مثال الكمبيوتر : هو سلعة لها قيمة استعمالية ويمكن مبادلتها بسلعة أخرى مثل طن فحم نباتي . هذا التبادل يعني أن كليهما يحتوي على كمية متساوية من (العمل الضروري). فإذا كان الكمبيوتر قد أُنتج في ساعة واحدة من عمل معقد، بينما طن الفحم استغرق عشر ساعات من عمل بسيط، فهذا يعني أن ساعة العمل المعقد تعادل عشر ساعات من العمل البسيط. الأمر نفسه ينطبق على الروبوت الآلي: كل ساعة عمل في إنتاجه قد تعادل خمسين ساعة من العمل البسيط. هذا الانتقال من العمل البسيط إلى العمل المعقد هو أحد مظاهر ارتفاع التركيب العضوي للرأسمال، والذي نتيجته الحتمية هي ميل معدل الربح إلى الانخفاض، لأن الرأسمال المتغيّر (العمل الحي) هو وحده مصدر فائض القيمة. لنتخيّل مصنعاً رأسمالي يخلو تماما من العمال. هذا المصنع لن يضيف أي قيمة جديدة، بل سينقل القيمة الموجودة في الآلات والمواد إلى المنتج النهائي. في غياب العمل الحي، لا يوجد فائض قيمة ولا ربح، وبالتالي لا يمكن أن يكون المصنع رأسماليا. ومع ذلك، فإن الثروة المادية قد تستمر في النمو ، لكن الربح (الرأسمالي) لا يتحقق إلا بوجود بروليتاريا. قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض: هذا القانون ليس فرضية نظرية، بل هو نتيجة حتمية لبنية الإنتاج الرأسمالي نفسه. فكلما زادت حصة الآلات والتكنولوجيا (الرأسمال الثابت) على حساب العمل البشري (الرأسمال المتغيّر)، تقلّص المصدر الوحيد لفائض القيمة. النتيجة الطبيعية هي ميل معدل الربح إلى الانخفاض عبر الزمن وليس بصورة ميكانيكية. ويبدو أن عدم فهم هذا القانون هو ما يدفع بعضهم إلى الادعاء بأنه غير صحيح. فهم لا يدركون المفارقة التي أشار إليها ماركس: في حين أن الشركات الفردية قد تحقق أرباحاً أعلى عبر الاستثمار في التكنولوجيا لتعزيز الإنتاجية والمنافسة، فإن النتيجة الإجمالية على مستوى النظام هي انخفاض معدل الربح الكلي، لأن عددا أقل من العمالة البشرية يُوظَّف مقارنة بحجم الاستثمار. ماركس لم يسمّه (قانوناً مباشرا)، بل أطلق عليه اسم "ميل" ، أي أنه اتجاه هيكلي طويل الأجل وليس انحدارا ثابتا. ويمكن لعوامل مختلفة أن تعكس هذا الاتجاه مؤقتاً، مثل زيادة حدة الاستغلال، أو خفض الأجور، أو تقليل تكلفة الآلات، أو حتى الاحتكار. لكن هذه العوامل لا تلغي القانون، بل تؤجل مفاعيله. وهنا يظهر جوهر المسألة: هذا القانون أساسي لفهم الأزمات الاقتصادية والركود الدوري والمتكرر في النظام الرأسمالي، لأن تراكم رأس المال يعيق في نهاية المطاف نمو الربح نفسه. أما الاحتكار، الذي يُستشهد به كثيرا كدليل على بطلان القانون، فهو مؤقت بطبيعته؛ فمعدلات أرباحه العالية تجذب دائما المزيد من الاستثمار والمنافسة، مما يؤدي إلى كسره وعودة القانون الماركسي للاشتغال من جديد. تهافت منطق الاحتكارات: القول بأن الشركات الاحتكارية الكبرى لا ينطبق عليها قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض هو مغالطة. هذه الشركات لا تُنتج أرباحها من فراغ، بل تستولي على جزء من فائض القيمة الذي ينتجه عمّال مصانع أخرى ذات تركيب عضوي أقل. بمعنى أن الأرباح "الجنونية" ليست نفيا للقانون، بل هي تأكيد له عبر آلية إعادة توزيع فائض القيمة بين مختلف الرأسماليين ، بين من هو متخلف تكنولوجيا ومتطور تكنولوجيا، لنفرض رأسمالي قرر فتح مصنع ذو تقنية عالية ، وكان معدل الربح هو عشرون بالمائة ، واستثمر لمشروعه مليون دولار ، نظرياً سيربح هذا الرأسمالي مئتي ألف دولار ولكن في الواقع سيربح أكثر، ربما ثلاثمائة ألف دولار ، فمن أين حصل على الباقي؟ ، إنه من فائض قيمة مصانع متخلفة عنه تكنولوجيا. النظام الرأسمالي يتجاوز هذه المفارقة عبر آلية توزيع فائض القيمة بين مختلف الرأسماليين، بحيث يحصل أصحاب المصانع ذات التركيب العضوي المرتفع على جزء من فائض القيمة الذي ينتجه عمّال مصانع أخرى متخلفة تكنولوجيا. وهذا ما يفسر لماذا تتساوى الأرباح بين رؤوس الأموال المتساوية، بغض النظر عن طبيعة تركيبها العضوي ، حيث رؤوس الأموال المتساوية تحقق أرباحاً متساوية حتى لو كانت في مجال الدعارة. القيمة الجديدة في المجتمع لا تُنتج إلا من خلال العمل، والعمّال ، رغم تضاؤل وزنهم الديمغرافي ، يظلون المنتجين الحقيقيين لها. أما أرباح التجار والمصارف والشركات الاحتكارية فهي في النهاية جزء من هذه القيمة الجديدة التي يخلقها العمل ، ربما أحد ما قرر أن يفتح متجر واستثمر لذلك مائة ألف دولار، سيذهب إلى صاحب المصنع ليشتري بمليون دولار ، صاحب المصنع سوف يتنازل عن جزء من فائض القيمة للتاجر، التاجر عندما يبيع البضاعة سيبيعها بسعرها في السوق ويريح بمقدار ما تنازل عنه صاحب المصنع ، التاجر ربح ولكن ليس كل ربح هو فائض قيمة ، العكس هو الصحيح، كل فائض قيمة هو ربح. ما يراه بعض الأشخاص "معجزات رأسمالية" ليس سوى سوء فهم للماركسية. إن انهيار الاتحاد السوفياتي لا يُعد دليلاً على فشل أفكار ماركس، بل على العكس، هو برهان إضافي على عمقها وقدرتها على تفسير تناقضات التاريخ والاقتصاد، بما في ذلك قانون ميل معدل الربح نحو الانخفاض، الذي يظل فاعلاً حتى في عصر الاحتكارات الكبرى.
#ادم_عربي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الإنسان قيمة تربوية!
-
حين يرفع ترمب العلم الأمريكي فوق العالم!
-
الحرب على إيران: من يمنع السقوط… ومن يتركها تنزف؟
-
حين يصبح الفكر بضاعة!
-
شيء من فلسفة الحقيقة!
-
تفكيك أسطورة الجوع العالمي!
-
على كتف النهر!
-
عتمة الضوء!
-
في الموت والحياة!
-
في الحب والزواج!
-
في التسيير والتخيير...هل الإنسان مسيّر أم مخيّر؟
-
أزمة النظام العالمي!
-
أزمة الزواج في مجتمعاتنا!
-
التطور الأخلاقي والقتل الإنساني!
-
من القوة إلى المدين الأكبر....مآلات الرأسمالية المالية وأسطو
...
-
شيئان لمْ نتعلّمهما بعد ... أنْ نقول -لا- وأنْ نسأل -لماذا؟-
-
الضرورة والصدفة جدلياً!
-
البيروقراطية وشرورها!
-
المال هو الإله الحقيقي للعصر الحديث!
-
الدولة ومدنيتها!
المزيد.....
-
اي بلد تهدد فيه الشرطة المتظاهرين بشكل علني؟
-
Indonesia Joins Board of Peace, Betrays Palestine
-
This Is the Deep State that Trumpists Love
-
Suppressing and Killing the Other: An American Tradition
-
Welcome to Palestine, Minnesota: Life Under Occupation
-
الحزب الاشتراكي الديمقراطي يطالب بخطة لحماية الاقتصاد السويد
...
-
من قتل الجنرال عمر توريخوس الذي قاوم أمريكا وتأثر بجمال عبد
...
-
حزب العمال يعرقل محاولة منافس ستارمر للعودة إلى البرلمان
-
نقابة للمهندسين أم شركة استثمارية
-
فريق التقدم والاشتراكية يطلب عقد اجتماع لمناقشة “النقائص الم
...
المزيد.....
-
الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو
/ غابرييل هيتلاند
-
فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم
...
/ مايكل جون-هوبكنز
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
-
روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية
/ إلين آغرسكوف
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
/ رزكار عقراوي
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
/ رياض الشرايطي
-
التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع
...
/ شادي الشماوي
-
الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل
...
/ شادي الشماوي
-
الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ
...
/ شادي الشماوي
-
في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا
...
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|