هيثم أحمد محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 22:57
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
هناك لحظة في حياة كل معلّم، لا تُدرَّس في كليات التربية، ولا تُذكر في كتب المناهج، لكنها اللحظة التي يبدأ فيها الأستاذ الحقيقي بالتعلّم من جديد… لا من الكتب، بل من طلابه، ومن الواقع، ومن التجربة، ومن تحوّلات الزمن، إنها اللحظة التي يصبح فيها الأستاذ تلميذًا، لا ضعفًا، بل نضجًا.
فالأستاذ الذي يظن أن المعرفة انتهت عند شهادته، أو توقفت عند منصبه، أو اكتملت عند لقبه العلمي، هو في الحقيقة أول الجاهلين، أما الأستاذ الذي يدرك أن العلم كائن حيّ يتغيّر، وأن الأجيال الجديدة تحمل أسئلة جديدة، وطرق تفكير مختلفة، وأدوات معرفية لم تكن موجودة بالأمس، فهو الذي يمتلك الشجاعة ليعود إلى مقعد التلميذ من جديد.
عندما يصبح الأستاذ تلميذًا، يتعلّم الإصغاء بعد أن اعتاد الإلقاء، ويتعلّم السؤال بعد أن اعتاد الإجابة، ويتعلّم التواضع بعد أن اعتاد التقدير، يتعلّم أن طلابه ليسوا أوعية فارغة يملؤها، بل عقول حية تتحاور معه، وربما تصحّحه، وربما تكشف له زوايا لم يرها من قبل.
في عصر التحوّلات الرقمية، لم يعد الأستاذ هو المصدر الوحيد للمعرفة، فالطالب اليوم يصل إلى المعلومة بضغطة زر، ويطّلع على مدارس فكرية متعددة، ويقارن، وينقد، ويشكك. وهنا يصبح دور الأستاذ الحقيقي ليس أن يكون مخزن معلومات، بل أن يكون موجّهًا، ومُيسّرًا للفهم، ومُعلّمًا لمنهج التفكير، لا لمحتوى الحفظ.
أن يصبح الأستاذ تلميذًا يعني أن يعترف بأن العالم تغيّر، وأن أدوات التعليم تغيّرت، وأن طرق التأثير تغيّرت، ويعني أيضًا أن يقبل التعلّم من التكنولوجيا، ومن التجارب الجديدة، ومن أخطاءه هو قبل غيره، فالتعلّم لم يعد حركة باتجاه واحد، بل عملية دائرية يتبادل فيها الجميع الأدوار.
وحين يحدث هذا التحوّل، لا ينقص من قيمة الأستاذ شيء، بل تزداد قيمته، لأنه عندها يتحوّل من صاحب سلطة معرفية إلى قائد فكري، ومن ناقل معرفة إلى صانع وعي، ومن مُلقّن إلى مُلهم.
ختامًا:
فإن أعظم أساتذتنا ليسوا أولئك الذين عرفوا كل شيء، بل أولئك الذين ظلّوا مستعدين لتعلّم أي شيء، فحين يصبح الأستاذ تلميذًا، لا تسقط هيبته، بل تتجدّد رسالته… وتولد التربية من جديد.
#هيثم_أحمد_محمد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟