هيثم أحمد محمد
الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 13:37
المحور:
الارهاب, الحرب والسلام
في عصرٍ باتت فيه الشاشات أكثر حضوراً من الوجوه، أصبح العالم الافتراضي مسرحاً لصراعات حقيقية لا تقل خطورة عن ميادين القتال، والإرهاب في عصرنا الحديث لم يعد محصوراً بين الجبال أو في أوكار الظلام، بل وجد لنفسه منصات جديدة أكثر خطورة وأشد تأثيراً: منصات التواصل الاجتماعي، والإرهاب الإلكتروني لم يعد مجرد اختراقٍ للأنظمة أو تدميرٍ لمواقع إلكترونية، بل تحول إلى قنابل فكرية موقوتة تُزرع في فضاء السوشيال ميديا، فقد تحولت بعض فضاءات "السوشيال ميديا" إلى ميادين حرب رقمية، تُبث عبرها سموم الفكر المتطرف، وتُستقطب من خلالها عقول المراهقين والشباب الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات دون رقابة أو وعي كافٍ، فهي تستهدف العقول قبل الأجساد، وتزرع الخوف والتشكيك والعداء في المجتمعات.
ميدان جديد للحرب الناعمة
مع الانتشار الكاسح "للسوشيال ميديا" ، وجد الإرهابيون بيئة خصبة لتجنيد الأتباع وترويج خطاب الكراهية والعنف، لم يعد التجنيد يحتاج إلى لقاءات سرية أو سفرٍ إلى مناطق النزاع؛ ضغطة زر واحدة كافية لفتح غرفة مشحونة بالفكر المتطرف أو بث حي يعرض أفكاراً مسمومة تحت غطاء "الدين" أو "الهوية" أو "العدالة".
الدراسات الحديثة تؤكد أن التنظيمات المتطرفة أنشأت آلاف الحسابات المزيفة التي تعمل وفق خطط ممنهجة لاستقطاب الشباب، عبر رسائل تبدو في ظاهرها بريئة، لكنها تخفي وراءها أجندات خطيرة.
كيف يتسلل الإرهاب عبر الفضاء الأزرق؟
تعتمد الجماعات الإرهابية على أساليب خبيثة وذكية في مخاطبة المراهقين ومن هذه الأساليب :
الإغراء بالبطولة: تقديم صورة مزيفة للمقاتل الشجاع الذي يحارب "العدو"، وكأن الانضمام لهذه الجماعات يمنح المجد والشرف.
اللعب على المشاعر الدينية: اقتطاع نصوص من سياقها وتحريف مفاهيم شرعية لبث الحقد والكراهية.
التواصل السري: عبر مجموعات مغلقة أو ألعاب إلكترونية تحتوي على غرف دردشة تُستغل للتجنيد وبث الأوامر.
الترغيب بالمال أو الدعم النفسي: استهداف المراهق الذي يعاني من مشكلات أسرية أو عزلة اجتماعية، ليقدّم له "مجتمعاً بديلاً" مليئاً بالوعود الكاذبة.
خطورة المراهقين في مرمى التطرف
المراهق بطبيعته يعيش مرحلة بحث عن الهوية والانتماء، ما يجعله أكثر عرضة للانبهار بخطاب القوة أو "البطولة المزيفة". وهنا تكمن الخطورة: فالفكر المتطرف لا يحتاج سوى إلى ثغرة صغيرة في عقل شابٍ مضطرب ليغرس فيه بذرة إرهابية قد تنمو إلى كارثة.
"والمراهقة ليست مجرد مرحلة عابرة؛ بل هي نافذة حاسمة يختبئ وراءها صوتٌ يَعِدُ بالعظمة ويُخفي باطنه بالخطاب الكاريزمي، في هذه الفترة الحساسة، أقل ثغرةٍ في العقل المضطرب قد تتحول إلى بابٍ يُدخِل فكرًا متطرفًا، فينمو كزئبقٍ يغيّر مسار الحياة."
كيف تتحول الكلمات إلى قنابل؟
القنبلة التقليدية تنفجر مرة واحدة، أما القنبلة الفكرية فتنفجر مرات لا تحصى، كلما أعاد شخص نشر محتوى محرض أو اقتنع بفكرة متطرفة.
المحتوى التحريضي: منشورات تحرض على العنف أو تبرر القتل باسم قضايا دينية أو سياسية.
الأخبار المضللة: صناعة الأكاذيب ونشر الشائعات لزرع الفوضى والشك بين فئات المجتمع.
التلاعب النفسي: استخدام تقنيات الإقناع العاطفي لتغذية الغضب والشعور بالاضطهاد.
هذه الأدوات تصنع من الفضاء الرقمي ساحة حرب فكرية، يكون ضحيتها الأولى هو الوعي الجمعي.
كيف نتصدى للإرهاب الإلكتروني؟
مواجهة هذه الظاهرة تتطلب خطة ثلاثية الأبعاد: الأسرة – المدرسة – الدولة.
1. على مستوى الأسرة
أ- تعزيز الحوار داخل البيت، والابتعاد عن أسلوب القمع أو التوبيخ المستمر.
ب- مراقبة ما يتابعه الأبناء على الإنترنت، ليس بالمنع التام، بل بالتوجيه والشرح.
ت- غرس مفاهيم التسامح والاعتدال منذ الصغر.
2. على مستوى المدرسة والمؤسسات التعليمية
أ- إدخال مواد دراسية تعرّف الطلاب بخطر الفكر المتطرف وآلياته.
ب- تنظيم ورش عمل وأنشطة شبابية تعزز الانتماء الوطني وتدعم الثقة بالنفس.
ت- تدريب الكوادر التعليمية على رصد العلامات المبكرة للتطرف الفكري بين الطلبة، ضرورة إدراج مناهج التربية الإعلامية ضمن المناهج المعتمدة، مع تعزيز التفكير النقدي وتوعية الطلاب باستخدام الإنترنت بأمان، إشراك خريجي الإعلام في تدريس المادة لضمان جودة المحتوى ومواجهة الدعاية المضللة.
3. على مستوى الدولة والإعلام
أ- إنتاج محتوى رقمي بديل يجذب المراهقين ويملأ فراغهم بالمعرفة والمتعة الهادفة.
ب- تشديد الرقابة القانونية على الصفحات والمجموعات التي تروّج للعنف والكراهية.
ت- إطلاق حملات توعية إعلامية متواصلة تستهدف العائلات والشباب على حد سواء.
المعالجات: كيف ننزع فتيل القنبلة؟
1. التربية الرقمية: غرس ثقافة الوعي الإلكتروني في المدارس والجامعات لتعليم الأجيال كيفية التمييز بين الحقيقة والتزييف.
2. تشريعات صارمة: إصدار قوانين لملاحقة الحسابات والمواقع التي تروج للعنف والكراهية، مع تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الجرائم الإلكترونية.
3. إعلام بديل مسؤول: إنتاج محتوى شبابي جذاب يواجه الفكر المتطرف بخطاب عقلاني وإنساني، مع استثمار المؤثرين في نشر رسائل إيجابية.
4. المناصحة الفكرية: برامج حوارية وتوعوية تستهدف من وقعوا فريسة للتطرف، لإعادة دمجهم في المجتمع.
5. تقنيات الذكاء الاصطناعي: تطوير أنظمة قادرة على رصد الخطاب المتطرف ومكافحته قبل انتشاره.
6. بناء الثقة الذاتية: المراهق الواثق من نفسه أقل عرضة للانقياد وراء خطاب الكراهية.
7. تشجيع الأنشطة الرياضية والفنية: إشغال وقت الشباب بما ينمي قدراتهم ويصرفهم عن الفراغ القاتل.
8. تقديم قدوات إيجابية: استحضار شخصيات وطنية أو علمية أو فنية ناجحة كنماذج ملهمة بدلاً من "الأبطال الوهميين".
الإرهاب الإلكتروني ليس شبحاً بعيداً عن حياتنا اليومية، بل هو خطر يتربص في كل هاتف وشاشة، وإذا لم ندرك أن الكلمات قد تكون أفتك من الرصاص، سنجد أنفسنا أمام جيلٍ يغلي بأفكار ملوثة، وجماعات تقتات على ضعف الوعي، المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط على الأرض، بل في فضاء السوشيال ميديا، حيث الوعي هو السلاح الأقوى، والوقاية الفكرية هي خط الدفاع الأول.
والإرهاب في مواقع التواصل ليس مجرد كلمات عابرة أو منشورات عابثة، بل هو قنابل فكرية موقوتة تهدد العقول قبل الأجساد، وحماية المراهقين تتطلب وعياً جماعياً، يبدأ من البيت ولا ينتهي عند حدود الدولة، فالمعركة اليوم لم تعد بالسلاح وحده، بل بالعقل والفكر والمحتوى الرقمي.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟