أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شينوار ابراهيم - تجربة أدبية متعمقة لقصة «فريدريك» – ليو ليوني














المزيد.....

تجربة أدبية متعمقة لقصة «فريدريك» – ليو ليوني


شينوار ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 21:54
المحور: الادب والفن
    


تُعد قصة «فريدريك» للكاتب والرسّام ليو ليوني تجربة أدبية فريدة في عالم أدب الأطفال... إذ تجمع بين بساطة السرد وعمق فلسفي يسمح للقارئ بأن يعيش التجربة كاملة بين قسوة الشتاء واستنفاد الموارد وبين دفء الفن والكلمة كغذاء للروح.
وُلد ليوني عام 1910 في هولندا لعائلة إيطالية ونشأ متنقلًا بين إيطاليا والولايات المتحدة ما أكسبه منظورًا ثقافيًا متعدد الجذور انعكس في أعماله التي تمزج بين الصورة والكلمة بإبداع مبتكر. بدأ حياته المهنية فنانًا تشكيليًا ومصممًا غرافيكيًا قبل أن يتفرغ إلى أدب الأطفال تاركًا إرثًا غنيًا وحاز خلاله على عدة جوائز مرموقة أبرزها ميدالية كالدكوت الشرفية (Caldecott Honor). صدر كتاب «فريدريك» عام 1967 عن دار النشر Harper & Row في الولايات المتحدة وقد تُرجمت أعمال ليوني بما فيها هذه القصة إلى أكثر من 25 لغة ما يعكس انتشار قيمتها الإنسانية والأدبية عالميًا.
تبدأ التجربة الأدبية بالقارئ وهو يراقب نشاط الفئران الجماعي: جمع الطعام استعدادًا للشتاء وهو فعل يرمز إلى البقاء ... الصبر والجهد المادي الضروري لمواجهة قسوة الطبيعة.
وسط هذا النشاط يظهر فريدريك الذي يبدو مختلفًا ومهملاً للوهلة الأولى ما يثير دهشة زملائه وسؤالهم المتكرر: "لماذا لا تعمل معنا؟"، فيجيب فريدريك بهدوء عميق: "أنا أيضًا أعمل لكن بطريقتي الخاصة أنا أجمع ألوان الصيف ... دفء الشمس والكلمات". تحمل هذه الكلمات فلسفة عميقة إذ توضح أن العمل ليس مقصورًا على الجهد الجسدي بل يشمل أيضًا النشاط الروحي والفكري وأن الخيال والفن يشكلان غذاءً حيويًا للروح لا يقل أهمية عن الطعام المادي.
مع حلول الشتاء تتصاعد القسوة بشكل ملموس يزداد البرد ... ينفد الطعام ... يخيم الصمت والظلام على المخبأ الحجري فيتجسد الحرمان في أبسط صوره وأكثرها تأثيرًا. عند هذه النقطة تتحول شخصية فريدريك إلى محور التجربة الروحية إذ يبدأ بسرد ما جمعه طوال الصيف من كلمات وألوان وصور فتتحول الغرفة الباردة إلى فضاء شعري ينبض بالدفء والأمل. تتبع الحيوانات فريدريك واحدة تلو الأخرى وتترك خلفها الغابة البيضاء القاسية في مشهد رمزي يجمع بين الانتماء الجماعي والفردية الإبداعية ويؤكد أن الفن والكلمة يمكن أن يكونا قوة تجمع بين الأفراد وتخفف من وطأة المعاناة.
تكتسب التجربة الأدبية عمقها من خلال الرمزية المزدوجة للشتاء ونفاد الغذاء المادي إذ يمثل الشتاء قسوة الحياة والحرمان بينما يمثل ما جمعه فريدريك من كلمات وألوان القدرة على مقاومة هذه القسوة بالخيال والشعر والفن. ويؤكد ليوني عبر هذا التناقض أن كل فرد له دور فريد وأن دور الفنان أو الشاعر رغم عدم وضوحه المباشر في البداية يشكل ركيزة أساسية لسلامة الجماعة واستمراريتها.
تصل التجربة إلى ذروتها في اللحظة التي تتحرك فيها الحيوانات خلف فريدريك وكأنها تتبع ليس مجرد قائد مادي بل حامل رؤية حيث تُدمج المحاكاة الفيزيائية للقسوة مع التجربة الروحية العميقة فتبرز قدرة الكلمة على تحويل الألم إلى جمال والجوع إلى إبداع. هذا المشهد النهائي يعكس فلسفة الحياة نفسها أن مواجهة الصعوبات ليست مجرد مسألة بقاء جسدي بل تجربة تتطلب تغذية الروح بالوعي ... الإبداع ... الخيال وأن المجتمعات القوية تقوم على التوازن بين العمل المادي والجهد الروحي.
من الناحية الأدبية يستخدم ليوني لغة مقتصدة ومباشرة مع مقاطع قصيرة وإيقاع هادئ يسمح للرمزية بالقيام بدورها دون وعظ مباشر ما يجعل النص غنيًا بالمعاني ومتعدد المستويات. الشخصيات الحيوانية تحمل أبعادًا إنسانية واضحة والمكان المحدود يعكس ضيق الأفق الذي يتسع لاحقًا بفعل الكلمة والخيال في حين يشكل الحوار البسيط بين الفئران وفريدريك جوهر التجربة الفلسفية إذ يتيح للقارئ الاستمتاع بالإحساس بالحرمان والمعاناة ثم يكتشف القوة الحقيقية للكلمة والإبداع.
يمكن اعتبار «فريدريك» تجربة متكاملة للعيش داخل محنة الشتاء القاسي وفهم معنى العمل غير التقليدي ومواجهة القسوة الحرمان والاختلاف لتصل في النهاية إلى انتصار الروح على الجوع والبرد وتحويل الكلمات إلى قوة حقيقية تجمع بين الأفراد وتحقق الأمل. بذلك تصبح القصة نصًا فلسفيًا وجماليًا متكاملًا يسمح للطفل والكبير على حد سواء بفهم أن الغذاء الروحي والفني ليس ترفًا بل ضرورة وأن الفن والكلمة يمكن أن يكونا مصدر قوة ومعنى بقدر ما يكون العمل المادي ضروريًا لبقاء الجسد.



#شينوار_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيمانويل كانت: العقل والحرية في فلسفة الإنسان
- المعرفة بين الجزء والكل في أدب الطفل المصور عند Ed Young (إد ...
- فيلم «اللورد الصغير» والتحول الأخلاقي للسلطة من منظور الطفول ...
- الأخوين غريم (Jacob Grimm وWilhelm Grimm): السحر الأدبي واله ...
- ظل الأنفاس
- ظلّ حضنك… وأنا
- بوح التراب
- الموسيقى الكوردية: صدى الجبال وحضارة الصوت
- الوعي وصدى الكون في داخلي
- الطريق إلى الله يمرّ عبر الإنسانية
- العودة إلى الفراغ
- خطوات على جدار الصيف
- الثوبُ الأخير
- المرافئ الغائبة
- موسيقى الغياب
- بكاء الصمت
- رسالة إلى السماء
- يزيدي أنا
- صلاح ناصر خضر ...
- أطفالُ الحُروب


المزيد.....




- جائزة دولية مرموقة للفنان العراقي ضياء العزاوي
- قبل كورونا وبعدها: كيف تغير مزاج جمهور السينما؟
- شولة.. حكاية ريشة يابانية أبهرتها الفنون الإسلامية
- الفنان سمير جبران: الموسيقى هي السلاح الأجمل لحماية الهوية ا ...
- سمير جبران: الموسيقى سلاحنا الأجمل لحماية هويتنا الفلسطينية ...
- كتاب -بعد الهمجية-: غزة هي -كاشفة الحقيقة- التي فضحت عرقية ا ...
- كائن فضائي ورديّ اللون أضافه فنان إلى لوحاته يُشعل الإنترنت. ...
- سفير فلسطين لدى لبنان يعزّي الفنانة فيروز بوفاة نجلها
- فيديو.. ضربة قاضية مزدوجة تنهي نزالا للفنون القتالية المختلط ...
- عباس بيضون للجزيرة نت: لستُ القارئ المنشود لشعري.. والكتابة ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - شينوار ابراهيم - تجربة أدبية متعمقة لقصة «فريدريك» – ليو ليوني