أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - فاتن نور - المتحرشون ضحايا أيضاّ














المزيد.....

المتحرشون ضحايا أيضاّ


فاتن نور

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 04:47
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


لستُ هنا بصدد الدفاع عن المتحرشين؛ فهم ضحايا، ولكن من الناحية البنيوية ليس إلّا، ضحايا لجريمة أكبر وأكثر بشاعة من جريمة التحرش، جريمة اعتداء مؤسساتية على ثقافة المجتمع في سياقات شتّى، تحرفه عن البداهة والفطرة السليمة، فلا يرى المجتمع المرأة ذاتًا، بل مؤشرًا أخلاقيًا فحسب. حجابها، لباسها، صوتها، مشيتها؛ كلها تُقرأ من قبل الشارع المؤدلج باعتبارها رسائل إباحة أو تحريم.
إنها ثقافة اجتماعية–دينية مأزومة بفقر معرفي، ترفض احترام الجسد الآخر ككيان إنساني مستقل، وتحيله إلى موضوع تقييم صوري دائم، حيث تُقدَّم المرأة بوصفها «مُنتِجة للفتنة». هكذا يتم سحب صفة الضحية منها بشكل تلقائي، والمتحرش هنا، في سياق هذا المنطق، لا يرى نفسه معتديًا بل "مستجيبًا لإغراء"
وهذا أحد أخطر أشكال تزييف الوعي الذي يُمارَس داخل البنية الاجتماعية، إذ تتشكّل ذكورة مأزومة بانسداد الأفق والتباس المفاهيم، تسعى دومًا إلى تفريغ توترها في الفضاء العام، وتجد في المرأة الهدف الأسهل.
في ظل تفكك الدولة، حيث القوانين إما غائبة أو انتقائية أو معطلة أو يُنتظر تشريعها، وخطاب ديني يُراكم الشعور بالذنب دون أن يعلّم المسؤولية، ويهادن الذكور بفوقانية تؤسس ضمنًا للنظرة الدونية للمرأة، تتحول الأخلاق الشعبية إلى سلطة قمعية. الشارع يصبح هو المحكمة، ورأي الأغلبية يتحول إلى تشريع غير مكتوب.
هكذا تُنزع إنسانية المرأة وتُختزل إلى موضوع جنسي في الفضاء العام، ويُمنح العنف ضدها غطاءً أخلاقيًا زائفًا يعتبر نزولها إلى الشارع اعتداءً بحد ذاته على إرادة المجتمع وجريمة بحقه. وذلك ضمن مجتمع يعاني تشوهات ثقافية وهشاشة معرفية، ويتأرجح بين أنماط عنف بنيوية متبادلة تُعيد إنتاج علاقات الهيمنة داخل نسيجه الاجتماعي.
الأخطر والأكثر بشاعة من فعل التحرش هو تواطؤ الجماعة معه. فحين تتعرض امرأة للتحرش، يبدأ التحقيق معها لا مع المعتدي: لماذا خرجت؟ لماذا لبست؟ لماذا تأخرت؟ الشارع هنا لا يدين جرائم التحرش، بل يعيد إنتاجها من خلال إسقاطات أدلجة دينية ذات طابع إقصائي وتمييزي ضد المرأة.
فالمتحرش يتلقى رسالة واضحة من الجماعة تقول: لست وحدك، نحن نفهمك وندافع عنك. فمن منظور تحليلي، اعتبار بعض المتحرشين ضحايا لعملية تنشئة اجتماعية منحرفة، غير أن ذلك لا يُسقط عنهم المسؤولية الفردية.
وقد سعت المؤسسات الدينية إلى شيطنة جسد المرأة وإعادة تعريفه أخلاقيًا؛ فالمرأة السافرة تعني منحرفة أو متاحة. هذا الربط لم ينشأ عفويًا، بل هو نتاج خطب دينية رنانة، وثقافة شعبية مختلّة بنيويًا، وإعلام منحاز، ونظام تربوي يعاني إخفاقات بنيوية مزمنة، غالبًا ما يلجأ إلى تجريم الأنثى وتبرئة الذكر.
لا يكفي التركيز على إدانة الأفراد للقضاء على التحرش أو الحدّ منه؛ فهذا نهج سطحي يعيد إنتاج المشكلة نفسها ما دامت الخطابات الاجتماعية المولِّدة للعنف قائمة. لذلك، فإن المواجهة الفعلية تتطلب مراجعة جذرية جادّة لمنظومة التعليم، وإصلاح الخطاب الديني والإعلامي، إلى جانب تطبيق القانون بصفته ضامنًا للحقوق ومحفّزًا للتغيير، لا مجرد رديف للأعراف التمييزية القائمة.

January 03,2026



#فاتن_نور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عصيّ الدولة الرخوة
- الطريق المختصرة
- التهافت ضد الموسيقى
- مستشفى أم ملهىً ليليّ؟
- هي ذاتك الجريحة
- اليسار وهشاشة التحالفات السياسية
- سيناريو الدوال
- الانتخابات والوهم الديمقراطي
- المحتوى الهابط بين الفرد والسلطة
- بين الكينونة والرغبة
- مساحات 5
- قصاصات الليلة الساخنة
- ثكلتكم أمهاتكم
- الخوار الوطني وركلات الجزاء
- دفاع شيطاني
- مساحات 4
- جهود
- المرجان الأزرق
- مساحات 3
- صور متخيلة لا تتحقق


المزيد.....




- مواجهة ساخنة.. الجزيرة تضع الدعم السريع أمام أدلة الإعدامات ...
- الأمم المتحدة: النساء في السودان يتحملن وطأة أزمة الجوع
- ليبيا: مقتل الطفلة”مريم العوامي” بين صمت المجتمع وسادية العا ...
- مصر: -الغارمات- بين سداد الديون أو السجن.. العقاب المزدوج لل ...
- بعد مقتل امرأة في مينيسوتا.. احتجاجات مناهضة لإدارة الهجرة ت ...
- بعد 12 عامًا.. حكم أفريقي يُدين مصر لارتكابها “كشوف العذرية” ...
- في إفريقيا.. أقدم محرقة جنائزية تكشف عن امرأة غامضة عاشت قبل ...
- إعلامية تونسية تطالب بمنع المهاجرات الإفريقيات من الإنجاب
- وزيرة سودانية: “الدعم السريع” اغتصبت 5 طفلات أعمارهن عام واح ...
- فانس عن مقتل امرأة برصاص ضباط الهجرة: مأساة من صنعها


المزيد.....

- تصاعد حضور المرأة في مراكز صنع القرار، تجربة الدنمارك أنموذج ... / بيان صالح
- الحقو ق و المساواة و تمكين النساء و الفتيات في العرا ق / نادية محمود
- المرأة والفلسفة.. هل منعت المجتمعات الذكورية عبر تاريخها الن ... / رسلان جادالله عامر
- كتاب تطور المرأة السودانية وخصوصيتها / تاج السر عثمان
- كراهية النساء من الجذور إلى المواجهة: استكشاف شامل للسياقات، ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الطابع الطبقي لمسألة المرأة وتطورها. مسؤولية الاحزاب الشيوعي ... / الحزب الشيوعي اليوناني
- الحركة النسوية الإسلامية: المناهج والتحديات / ريتا فرج
- واقع المرأة في إفريقيا جنوب الصحراء / ابراهيم محمد جبريل
- الساحرات، القابلات والممرضات: تاريخ المعالِجات / بربارة أيرينريش
- المرأة الإفريقية والآسيوية وتحديات العصر الرقمي / ابراهيم محمد جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - فاتن نور - المتحرشون ضحايا أيضاّ