أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - كرة القدم أو: حين يُستبدل المعنى بالهتاف قراءة فلسفية في زيف الانتماء وصناعة اليقظة الكاذبة














المزيد.....

كرة القدم أو: حين يُستبدل المعنى بالهتاف قراءة فلسفية في زيف الانتماء وصناعة اليقظة الكاذبة


يحي عباسي بن أحمد
كاتب

(Abassi Yahia Ben Ahmed)


الحوار المتمدن-العدد: 8572 - 2025 / 12 / 30 - 22:11
المحور: قضايا ثقافية
    


1. من اللعب إلى المعنى: كيف تحوّلت الكرة إلى سردية وجود؟
لم تعد كرة القدم لعبة، بل صارت نصًا جماعيًا يُقرأ ويُعاد تأويله، وسردية تُحقن في الوعي بوصفها لحظة خلاص.
في عالم فقد المعنى الكبير، لم تعد الجماهير تبحث عن حقيقة، بل عن لحظة كثيفة من الشعور، عن ارتجافة مؤقتة تُشعرها بأنها موجودة. هنا تدخل كرة القدم لا كرياضة، بل كـ بديل أنطولوجي.
إنها لا تمنح معنى للحياة، لكنها تمنح إحساسًا بالحياة، وهذا هو الفارق الجوهري بين المعنى الحقيقي والمعنى المُستعار.
2. الانتماء: من الوجود إلى الانفعال
الانتماء في أصله الفلسفي فعل وجودي: أن أنتمي يعني أن أتحمل، أن أشارك، أن أُخاطر، أن أُسائل نفسي والعالم.
أما الانتماء الكروي فهو: انتماء بلا كلفة،بلا مسؤولية، بلا تاريخ وبلا مستقبل إنه انتماء انفعالي، يولد مع صافرة البداية ويموت مع صافرة النهاية.
وكل انتماء لا يعبر الزمن، هو انتماء كاذب، مهما علا صوته.
3. لحظة الفرح: لماذا تبدو عظيمة ثم تتبخر؟
الفرح الكروي ليس فرحًا، بل تعليقًا مؤقتًا للألم.
إنه يشبه النسيان أكثر مما يشبه السعادة.
في لحظة الفوز:يتوقف السؤال، يصمت القلق، يُؤجَّل التفكير، لكن الفلسفة تعلمنا أن كل فرح لا ينبع من تحوّل في الواقع، هو فرح هشّ، لأن الواقع سيعود كما كان، بل أقسى، لأنه عاد بعد أن ذاق الإنسان وهم الخلاص.
وهنا تحدث الصدمة: ليس لأن الفريق خسر لاحقًا، بل لأن الحياة لم تتغير.
4. اليقظة التي لا تلد وعيًا
ما تصنعه كرة القدم ليس وعيًا، بل يقظة زائفة، الوعي يفتح الأسئلة، أما اليقظة الكروية فتُغلقها.

إنها يقظة: بلا تأمل، بلا نقد، بلا مسافة، توقظ الحواس، لكنها تُنيم العقل، ترفع الصوت، لكنها تُخفض الفكر.
ولهذا يعقبها دائمًا نوم ثقيل: نوم سياسي، نوم ثقافي، نوم أخلاقي.
5. الاستبدال الكبير: حين يُستبدل الفعل بالمشاهدة
أخطر ما فعلته كرة القدم بالإنسان المعاصر أنها: استبدلت الفعل بالمشاهدة، المشاركة بالهتاف، والإنجاز بالتعاطف، صار الإنسان يشعر أنه “شارك” لأنه شجّع، وأنه “انتصر” لأن غيره فاز، وأنه “كان جزءًا من الحدث” لأنه بكى أو صرخ.
وهكذا يُسرق من الإنسان حقه في الفعل الحقيقي، ويُدرَّب على الاكتفاء بالانفعال.
6. في السياق العربي: الفرح كتعويض لا كأفق
في المجتمعات التي ضاق فيها الأفق:السياسة مُفرغة، الثقافة مهمّشة، المستقبل غائم، تتحول كرة القدم إلى دين مدني مؤقت:طقوس، أناشيد، رموز، أساطير، لكنها ديانة بلا أخلاق، وبلا خلاص، وبلا وعد.
تمنح نشوة، ثم تترك الإنسان وحيدًا أمام نفس البؤس، ولهذا لا تُحرر الشعوب، بل تُدرّبها على الاحتمال.
7. الزيف العميق: لماذا هذا الانتماء خطر؟
لأن الزيف هنا ليس كذبًا بسيطًا، بل إعادة تشكيل للوعي: تعويد على الفرح السريع، كره للصبر، نفور من البناء الطويل، اشتهاء دائم للذروة، وكل مجتمع يعيش على الذروة، يفشل في التاريخ، لأن التاريخ لا يُبنى بالهتاف، بل بالتراكم.
8. خاتمة
كرة القدم، حين تُضخّم، لا تُضحك الإنسان، بل تُنسيه نفسه، تمنحه لحظة يشعر فيها أنه موجود، ثم تسحبه منها فجأة، وتتركه أكثر فراغًا، ولهذا فإن زيفها لا يكمن في اللعبة، بل في المكان الذي احتلته داخل الروح، إنها لا تصنع انتماءً، بل محاكاة للانتماء، لا تصنع معنى، بل بديلًا عن المعنى، ولا توقظ الشعوب، بل توقظها كي تُنيمها أفضل.



#يحي_عباسي_بن_أحمد (هاشتاغ)       Abassi_Yahia_Ben_Ahmed#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المقال الثامن :الاستنتاج البنيوي: تفكيك الأسطورة الصهيونية و ...
- المقال السابع : الكيان الصهيوني كأداة مركزية في الغرب: قراءة ...
- المقال السادس :الوعي العربي أمام إسرائيل: من الخضوع الرمزي إ ...
- المقال الخامس : الديمقراطية الانتقائية: لماذا يُمنح القاتل ح ...
- المقال الرابع : إسرائيل كوظيفة: لماذا ليست دولة مكتملة؟ تفكي ...
- المقال الثالث :الصهيونية المسيحية: حين تتحوّل النبوءة إلى سي ...
- المقال الثاني: من الهولوكوست إلى فلسطين: كيف انتقلت الضحية؟ ...
- المقال الأول :إسرائيل: دولة أم أسطورة؟ – تفكيك مفهوم الشرعية ...
- الكيان في عقول النخبة العربية والمسلمة دراسة تحليلية في تمثّ ...
- حين تنتصر اللغة قبل الدبابة: كيف صنعت «دولة إسرائيل» نفسها ف ...
- مرة أخرى الرد على مقال :ضاعت الأمة بين وهم السند وعلم الرجال ...
- تبريرات النخبة العربية المتصهينة: تفكيك البنية الذهنية والسي ...
- لماذا يخاف الغرب من إسرائيل؟ تفكيك الأسطورة من داخل بنيتها ا ...
- هل فقدت الجزائر ارتباطها العربي بسبب موقفها الداعم لفلسطين و ...
- فلسطين بين خيانة الأنظمة ووفاء الشعوب قراءة في البنية العميق ...
- تصادم البنية الحضارية بين فكر مالك بن نبي ومشروع دولة الكيان
- مستقبل الكيان بين التوراة والقرآن: قراءة تحليلية في البنية ا ...
- النبوءة بين التفسير الإسلامي واليهودي — بنية المعنى ووظيفة ا ...
- إسرائيل في الشرق الأوسط: بين الوظيفة الاستراتيجية والبعد الع ...
- مقاومة التغريب عند مالك بن نبي: بين فرنسا والهوية


المزيد.....




- مع تصاعد الاحتجاجات.. هل غيرت منصة -إكس- علم إيران إلى نسخته ...
- هكذا تغيرت خريطة السيطرة على الأرض في اليمن
- مسؤولون أميركيون سابقون: غزو غرينلاند سيكون حماقة إستراتيجية ...
- ترامب: سنتولى أمر غرينلاند -باللين أو بالشدة-
- كوريا الشمالية: سول انتهكت مجالنا الجوي بطائرة مسيّرة
- ترامب: الرئيس الكولومبي سيزور البيت الأبيض الشهر المقبل
- -ترامب السعيد-.. رئيس أمريكا يفسر ارتداء دبوس يحمل صورته خلا ...
- جماجم وعظام وأقدام محنطة.. رجل من بنسلفانيا يواجه تهمًا بسرق ...
- المغرب يتأهل إلى نصف نهائي كأس الأمم الإفريقية
- كأس الأمم الأفريقية 2025 : المغرب يتأهل الى نصف النهائي بعد ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - يحي عباسي بن أحمد - كرة القدم أو: حين يُستبدل المعنى بالهتاف قراءة فلسفية في زيف الانتماء وصناعة اليقظة الكاذبة