أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض سعد - دوامة التغيير… حين تبتلعك ذواتك المتعددة














المزيد.....

دوامة التغيير… حين تبتلعك ذواتك المتعددة


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8556 - 2025 / 12 / 14 - 10:28
المحور: الادب والفن
    


عندما نسقط في دوامة التغيير، نرتدي سترات هلامية لا تكشف ملامحنا، ونمشي بأجساد غامضة حتى أمام أنفسنا... ؛ نغدو غرباء عن ذواتنا، مجهولين في مرايا الماضي والحاضر، نبحث عن وجوهنا في وجوه الذين كنا نعرفهم، فلا نجد سوى أطياف باهتة... ؛ نحيا بذكريات ذواتنا السابقة، غير قادرين على حسم السؤال الأبدي: هل كان التغيير خيارًا حرًا أم قيدًا فُرض علينا؟
إنها لحظة إدراكٍ مريرة: أن تفقد نفسك في زحام ذاتك الجديدة، وأن تعجز عن التعرف على ملامحك القديمة أو احتواء وجهك الحالي... ؛ فالحيرة هنا لا تحتاج إلى حدث جلل، بل إلى شرارة داخلية تُشعل تيهًا عميقًا، وتتركك عالقًا بين هوية فقدتها وأخرى لم تتشكل بعد... .
الخوف هو الحارس الدائم لبوابات هذا التغيير... ؛ خوفٌ يتلون بأشكال لا نهائية، متغذيًا على ذاكرة الفرد وعلاقته بمحيطه، بالطبيعة، وبنفسه... ؛ وحين يسعى الإنسان إلى الهروب من خطرٍ يرهبه، قد لا يجد مخرجًا سوى أن يبدّل شكل الخطر نفسه، فيظن أنه نجا، بينما هو في الحقيقة انتقل إلى سجنٍ آخر... ؛ هكذا تتكرر عمليات التغيير وكأنها طقوس لا فكاك منها.
أحيانًا يعود المرء طوعًا إلى خطرٍ قديم، إمّا لأن الخطر الجديد أكثر فتكًا، أو لأن القديم بدا، بالمقارنة، أهون شرًا... ؛ وفي كلتا الحالتين، فإن مجرد مقارنة الأخطار يعني أنك بدأت تتلمس ملامح ذاتك الراهنة وتعيد قراءة ذاتك السابقة، وهي لحظة نادرة لا يبلغها إلا من اقترب من عتبة النضج الروحي.
لكن معظمنا يظل يتخبط بين ذواته المتعددة، يستسلم عند أول صدمة، أو يعلق في دوامة لا تنتهي، حيث الروح تترنح بين فقدان واكتساب، بين ماضٍ مألوف ومستقبل غامض... ؛ فالتغيير قد يعني فقدان صفة، أو شعور، أو مبدأ، أو شخص، أو حتى الذات نفسها... ؛ وفي المقابل، قد نكتسب أشياء جديدة، بعضها يشبه الأمل وبعضها أشد قسوة من الإحباط.
التغيير المطلق وهم، فحتى الحقيقة المطلقة تتخللها ظلال النسبية، وتتقاطع معها احتمالات الشك... ؛ وفي بحر الضياع العميق، نغوص ونطفو بلا انقطاع، نقترب من القاع حيث الأسماك الجائعة التي تناديك لتبتلعك، ونلمح في الأعلى أشعة الشمس والقمر تدعوك للصعود، فتظل ممزقًا بين انجذابين متناقضين.
إنك عالق بين الماضي والمستقبل، في صراع أزلي، في حرب باردة مع نفسك، في شوقٍ ورغبة واستسلام في آنٍ واحد... ؛ ومع ذلك، تظل تسبح… لا غرق كامل، ولا نجاة نهائية.
التغيير احيانا ، ليس بابًا يفتح على عالم جديد، بل بوابة دوارة تدور بك في اتجاهات مختلفة لتعيدك، بطريقة ما، إلى نفس الممر المظلم. أنت لست الشخص الذي خرج، ولست الشخص الذي دخل، بل كائن بينهما، نصفك ظل ونصفك ضوء، نصفك ماضٍ ونصفك مستقبل.
الخطر، في هذه المتاهة، ليس وحشًا في الخارج، بل مخلوق يغير جلده داخلك، يتخذ شكلاً جديدًا كلما حاولت الهرب منه... ؛ وفي كل محاولة للنجاة، تكتشف أنك تغيّر القفص لا أكثر، وتمنحه طلاءً مختلفًا.
هنا يصبح الضياع نوعًا من الاستقرار، استقرار داخل العاصفة، حيث تعتاد الدوران فلا تعود تفتقد الأرض... ؛ ومع كل دورة، تخلع جلدًا وتلبس آخر، حتى تنسى لونك الأول، وحتى يغدو السؤال عن حقيقتك الأصلية بلا معنى.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيولة الشعور وهشاشة اللحظة: قراءة نفسية في زمن العاطفة المتح ...
- حين يشوي العمّ ( أبو محمد) لحمَ الذاكرة على جمر الزمن
- الكائن الذي فضحته إضاءته
- كيمياء الوجود بين صرامة القوانين ووهم الاستثناء
- الواقع المزيف: بحثًا عن الحقيقة في زمن الالتباس وطمر الوعي
- حين تدور الأسطوانة… ويستيقظ زمنٌ لم يمت
- وليمة الجوع الذي لا يُشبِع … وسراب الشِّبع الذي لا يرحم
- العابر بين ظلاله
- نارٌ تُضيء ظِلال الروح
- النقل والرواية بوصفها ساحة للصراع: نقد تمثّلات الخصم والاخر ...
- اشكاليات مفهوم الأمة العراقية / 10 / ازدواجية المعايير وإشكا ...
- الهجرة بوصفها فعلًا اجتماعيًّا معقّدًا: بين الاستبداد السياس ...
- نحو تأسيس وعي وطني جديد: مقاربة فلسفية-سياسية في مفهوم الأمة ...
- جشع محطات الوقود الأهليّة… حين يتحوّل «القليل» إلى منظومة فس ...
- الضياع… حين تغترب النفس عن ذاتها وتصبح الحياة بلا بوصلة
- العوامل الصانعة للوعي الجمعي والثقافة العامة : بين القيادة و ...
- حين يتحول المجرم إلى وجيه .. والمجتمع إلى شريك في الجريمة..! ...
- ما بعد الفناء النووي: الإنسان حين يحترق بعقله
- سرقات في ظلال القانون — حين تتخفّى اللصوصية بثياب الفضيلة
- مقاربة سياسية لما بعد الانتخابات العراقية 2025: بين توازن ال ...


المزيد.....




- أثار جدلا واسعا حول معناه.. ظهور تمثال جديد للفنان -بانكسي- ...
- مفتتح فن الرواية.. هل تحمل -دون كيخوت- بصمة الأدب العربي؟
- ناد في البريميرليغ يستعين بخبير في الفنون القتالية.. ما القص ...
- هندسة الخطاب الصراعي: من السيولة اللغوية إلى التثبيت الميدان ...
- وثيقة غامضة تربك الرواية.. أين اختفت رسالة انتحار إبستين؟
- صورة لطائر في وجه رياح عاتية تفوز بجائزة اختيار الجمهور بمسا ...
- ليالي اوفير تجمع العالم علي المسرح
- بينهم كانسيلو وألونسو.. كيف أضعفت -حمى الهجوم- فنون الدفاع ا ...
- الفنان المجهول بانكسي يَنصب رجلا يخطو في الفراغ فجأة وسط لند ...
- الكرنك يتكلّم.. يحيى الطاهر عبد الله واستعادة النص المفقود


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض سعد - دوامة التغيير… حين تبتلعك ذواتك المتعددة