أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قصة: “ذاكرة لا تعرف الدفء”














المزيد.....

قصة: “ذاكرة لا تعرف الدفء”


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8553 - 2025 / 12 / 11 - 09:43
المحور: الادب والفن
    


لم تكن أمينة تفكر في النجاة.

النجاة فكرة كبيرة، لا مكان لها في الخيام المنصوبة على عجل فوق أرضٍ لم تُمهّد لشيء.

كل ما كانت تفعله كل صباح هو أن توقظ طفليها قبل أن يوقظهما البرد، وتُعدّ لهما ما يشبه الحياة بأبسط الطرق:

قطعة خبز، ماء فاتر، وكلماتٍ تقولها بثقة لا تشبه ما يشعر به قلبها.



كانت تقول لهما دائمًا:

“الأيام تتغير… فقط اصبرا قليلاً.”

لكن أمينة نفسها لم تكن تعرف إلى أي مدى يمكن للأمومة أن تتسع للاحتمال.

في الليل، يتغيّر المخيم.

تصبح الخيام مثل صدورٍ تتنفس بصعوبة، وتصير الأرض كصوتٍ مكتوم لا يعرف كيف يعترض.

وحين يهبّ الهواء، يشعر الأطفال أن العالم يطرق عليهم الباب بقوة،

بينما تشعر الأم أنها وحدها حارس لشيء أكبر من قدرتها ومن عمرها.



كانت تحاول أن تُخفي خوفها منهما،

لكن الأطفال، بطبيعتهم، يلتقطون الارتجاف قبل أن يسمعوه،

ويعرفون من طريقة اليد كيف يكون القلق.

في ليلة المطر الكبير، لم يكن شيء يوحي بأن الفجر سيكون مختلفًا.

الخيمة تشتمّ رائحة الطين، وأمينة تضمّ الصغيرين وتتنفس ببطء كي لا يسمعا ارتجاف صدرها.



كانت تردد لهما:

“سننام، وغدًا أعدّ لكما قصة جديدة.”



حاولت أن تجعل من صوتها غطاءً إضافيًا،

لكن البرد كان ينساب عبر القماش كأنه يعرف طريقه مسبقًا.



وبين شدّ الخيوط، ورفع الغطاء، ومسح جبينٍ هنا وكفٍ هناك،

لم تنتبه أمينة إلى اللحظة التي توقف فيها كل شيء.



السكون حين يأتي مبكرًا، لا يكون رحمة.

كانت تعرف ذلك.

لكنها لم تكن تريد أن تعرفه تلك الليلة تحديدًا.

حين اقترب الفجر، أدركت الأم ما لم ترد أن تدركه.

لم تكن تحتاج إلى صراخ، ولا إلى أحد يشرح لها.

الأمهات يفهمن النهايات من أول نفسٍ لا يأتي.



جلست بين طفليها، وضمت أيديهما الصغيرة بين يديها،

كأنها تحاول تسجيل آخر ما تبقى من الدفء في ذاكرتها.



ولم تبكِ.

كان البكاء فعلًا لا يغيّر شيئًا.

وكانت تخشى أن تُسقط دموعها على وجهيهما،

فترى فيهما حياةً تعجز عن إعادتها.

حين جاء الناس، وقفوا عند باب الخيمة،

وبدا الصباح فجأة أكبر من قدرة الجميع على تحمّله.



قالت أمينة بصوتٍ منخفض، لكنه أقوى من أي صراخ:

“لم يكن طفلاي يحتاجان إلى معجزة…

كانا يحتاجان إلى غرفة بحائطين فقط،

حائطين يمنعان البرد من الدخول.

هل هذا كثير على طفلين؟”



تحركت كلماتها في الهواء مثل حقيقةٍ مكشوفة لا يريد أحد أن يلمسها.

بعد ذلك، أصبحت الخيمة مكانًا يمرّ به الناس ببطء،

كما لو أنهم يخشون أن تتذكرهم.

لكن أمينة بقيت.

قالت إنها لا تريد أن تختفي القصة،

لأن القصص التي تختفي تعود دائمًا بشكل أقسى.



كانت تجلس أمام الخيمة كل مساء،

وتتلمس التراب بيدها كما لو أنها تبحث عن أثرٍ لخطوات الطفلين.

لم تجد شيئًا بالطبع،

لكنها لم تتوقف.

فالذاكرة، كما تقول، لا تُدفن…

هي فقط تتألم.

وهكذا بقيت الخيمة.

لا تقاوم المطر، ولا تبحث عن بطولة،

بل تقف هناك لتذكّر العالم بشيء واحد:



أن الطفولة لا تحتاج إلى شجاعة،

بل إلى دفءٍ بسيط…

دفءٍ كان يمكن أن يُعطى، ولم يُعطَ.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميلادٌ يتكوّن من كلمةٍ واحدة… «نعم»
- “سماءٌ تُكمِلُ ما ينقص العالم”
- ديوان “من تراتيل العارفين” للشاعرة والإعلامية رانية مرجية
- ✨ **قراءة نقدية في كتاب سراديب الذاكرة للكاتبة فوزية ...
- بين ميلاد الرب وميلاد الإنسان: رؤية لاهوتيّة تعيد تعريف الوج ...
- *حين يتحوّل الكتاب إلى محكمة للوعي: قراءة وجودية-فكرية في كت ...
- اللاهوت وعصرُنا: حين يستعيد الإنسان وجهه في مرآة المعنى**
- بين نافذتين –
- ما معنى أن تكون صحفيًا محايدًا؟
- اعتراف ناقص قصة قصيرة
- يومياتي – الصفحة التي لم أتجرأ على كتابتها من قبل
- 🌿 الذين باركوا القتل – قصة قصيرة
- قراءة نقدية في قصيدة «لستُ أنثى من رخام» للشاعرة نادرة عبد ا ...
- الأدب النسوي: كتابةٌ في فضاء الجسد والذاكرة…
- **حين تُصبح اللغة بيتًا للروح:
- صوتٌ يوقظُ المعنى: قراءة نقدية معمّقة في “ليلة القبض على الد ...
- **قصيدة: “تأملات امرأة تتفاوض مع الضوء”
- في القطار من الرملة إلى حيفا… وفي الذاكرة من اللد إلى رام ال ...
- الأمهات في السماء حاضرات
- ✒️ كيف نواجه أوجاعنا؟ رؤية إنسانية عميقة من زا ...


المزيد.....




- الكويت تسحب جنسيتها من أحد أبرز الكتاب والروائيين العرب
- من عاصمة البن العالمية إلى مدينة منسية.. هل ينقذ الفن المخا ...
- كائنات حية وآلات طائرة ومنحوتات غامضة.. من يقف وراء هذه الأع ...
- 4 حكايات في ليلة زفاف واحدة.. هل قال -الكلام على إيه- ما سكت ...
- بريطانيا: جوقة الأوبرا الملكية تحتفل بانطلاق مونديال 2026 بع ...
- الثقافة جسر جديد بين موسكو والرباط
- مكسيم خليل: دولة القانون هي الطريق الوحيد لسوريا القادمة
- قلعة بعلبك بلا موسيقى هذا الصيف.. لماذا تأجل أحد أعرق مهرجان ...
- رحيل الأديب السوري عبد الله عيسى السلامة.. -بحتري العصر- وصو ...
- دميترييف بعد فضيحة المختبرات البيولوجية الأمريكية: ما الرواي ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رانية مرجية - قصة: “ذاكرة لا تعرف الدفء”