|
|
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخُّل الْغَيْبِيّ عَنْ مُرُونَة الْكَيْنُونَة وَصِرَاع الْإِرَادَات الْوُجُودِيَّة -الْجُزْءُ الْوَاحِدُ و الْخَمْسُون-
حمودة المعناوي
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 22:40
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
_ العقد الأنطولوجي: البنية القانونية للعلاقات الكينونية في السحر الباطني المتقدم
يشير مفهوم العقد الأنطولوجي في الفلسفات الباطنية المتقدمة إلى إتفاق ضمني أو مُعلَن، يتم عقده على مستوى أعمق من الواقع المادي بين الوعي الفردي للساحر وكيان أو قوى من عوالم أخرى مثل الأرواح، الآلهة الباطنية، الأجرام السماوية المُموهة ككيانات، أو الأرواح الطبيعية. هذا العقد ليس مجرد صفقة نفسية أو أخلاقية، بل هو تفاهم على شروط التفاعل داخل النسيج الكينوني للواقع، ويتم تنفيذه على المستويات المرنة أنطولوجياً التي ناقشناها سابقاً. العقد الأنطولوجي يقوم على مبدأين أساسيين: 1. الإعتراف المتبادل بالهوية (Recognition of Being): يعترف كل طرف بالوجود الحقيقي والفعال للطرف الآخر على مستوى الكينونة. هذا الإعتراف ضروري لأن العديد من الكيانات العوالمية لا تتفاعل مع الأفراد الذين يعتبرونها مجرد أوهام أو خيالات. الساحر يجب أن يثبت أن إرادته الأصيلة هي قوة كينونية تستحق التفاعل معها. 2. التبادل الطاقي والوظيفي: يحدد العقد ماذا يُعطَى مقابل ماذا يُؤخَذ. لا يوجد تفاعل مجاني في العوالم الباطنية. يُقدم الكيان العوالمي قوة تأثيرية مثل المعرفة، القوة السحرية لتعديل الواقع، أو الحماية، وفي المقابل، يقدم الساحر شكلاً من أشكال الطاقة أو الخدمة الكينونية مثل التقدير، التبجيل، نشر تعاليم الكيان، أو توفير قناة للتجلي في العالم المادي. هذا العقد هو ما يضمن إستمرارية وسلامة التدخل السحري، حيث يضبط العلاقة بين الإرادة الفردية (الساحر) والقوة العوالمية. يعمل العقد الأنطولوجي كآلية ضبط مُعقّدة تضمن أن لا يؤدي التداخل مع العوالم الأخرى إلى فوضى كينونية أو كارما مدمرة. دوره في ضبط هذا التداخل يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط محورية: 1. تحديد النطاق والحدود الكينونية: يضع العقد الأنطولوجي حدوداً واضحة لمدى تأثير الكيان على حياة الساحر، ومدى سلطة الساحر على طاقة الكيان. يضمن العقد أن لا يسيطر الكيان على الإرادة الحقيقية للساحر أو يطغى على وجوده الأصيل. هذا هو الفرق بين الإستدعاء المُتحكَّم به (Invocation/Evocation) و الشكل الخطير من الحيازة غير المرغوب فيها. الساحر يحدد، بموجب العقد، المجال الذي يمكن للكيان أن يعمل فيه مثل الصحة، المال، المعرفة ويستثني المجال الذي يجب أن يظل تحت سيطرة الوجود الأصيل مثل القرارات الأخلاقية الجوهرية ومسار التحرر الروحي. يحدد العقد كيف يمكن للكيان أن يتجلى أو يعمل في العالم المادي. هل عبر رمز (Sigil)؟ عبر حلم؟ عبر إلهام مفاجئ؟ هذا يمنع التعبير العشوائي للكيان الذي قد يكون مدمراً للواقع المادي للساحر. 2. تفعيل قانون السببية الكونية (الكارما المُوجَّهة): العقد لا يلغي قانون الكارما، بل يُوجِّهه ويُفعِّله بوعي. الفشل في الإلتزام بشروط العقد الأنطولوجي يؤدي إلى رد فعل كارمي فوري و مُضاعَف، ليس فقط من النظام الكوني، بل من الكيان المُتعاقَد معه نفسه. الساحر، من خلال العقد، يلتزم بتوفير الطاقة اللازمة لـتغذية التفاعل (Feed the Current)، والتي قد تكون طاقة عاطفية، فكرية، أو ببساطة فعل سحري مُتعمَّد في فترات زمنية محددة. التوقف عن توفير هذه الطاقة يُعتبر خرقاً للعقد، مما يسمح للكيان بسحب الطاقة من الساحر بطرق غير مرغوب فيها، أو سحب القوة السحرية التي مُنحت له. يهدف العقد إلى تحويل التفاعل السحري من لقاء عشوائي ومُربك إلى قناة طاقية مستقرة وموثوقة. هذه القناة المستقرة هي ما يسمح للساحر بإستغلال المرونة الأنطولوجية للواقع بشكل متكرر دون إحداث فوضى في نظامه الكينوني الداخلي. 3. تأكيد سيادة الإرادة الأصيلة: يُعدّ العقد الأنطولوجي بمثابة وثيقة سيادية للساحر. لكي يكون العقد فعالاً وقابلاً للتطبيق في العوالم الباطنية، يجب أن يصدر عن وجود أصيل مُتحرِّر إلى حد كبير من البرمجة. عندما يُبرم الساحر عقداً، فإنه يفعل ذلك من موقع السلطة الكينونية (Ontological Authority) التي إكتسبها عبر العمل العظيم. الكيان العوالمي لا يُقدّر القوة الجسدية أو المال، بل يُقدّر درجة الوعي والإرادة المتحققة في الساحر. إذا كان الساحر لا يزال يعيش وجوداً مُبرمَجاً، فإن عقده سيكون ضعيفاً وبلا قيمة في العوالم الباطنية. العقد هو إلتزام ذاتي من الساحر بحماية هويته. من خلال تحديد الشروط، يؤكد الساحر أنه لا يبيع أو يتخلى عن جوهره الكينوني (الروح)، بل يستأجر قوة تأثيرية محددة لوقت محدد أو لغرض محدد يخدم مسار الوجود الأصيل. في التحليل النهائي، يُعتبر العقد الأنطولوجي دليلاً على أن السحر المتقدم ليس مجرد دعاء أو أمنية، بل هو علم تطبيقي للعلاقات الكينونية. إنه البنية القانونية والمنطقية التي تُنظّم التفاعل بين العوالم، و تسمح للطاقة غير المتجانسة للكيانات العوالمية بأن تتدفق وتؤثر على واقع الساحر دون تدميره. إنه الأداة التي تضبط التداخل وتضمن أن يظل الساحر هو الموجه، وأن يستمر في السعي نحو الإكتمال الكينوني مُستخدماً قوى العوالم الأخرى كأدوات، وليس كأسياد له.
_ القوة التنفيذية للكيان غير المرئي: آليات التحويل الأنطولوجي والتأثير على الواقع المادي
يشير مفهوم القوة التنفيذية للكيان غير المرئي إلى الإمكانية الكينونية والقدرة الطاقية التي يمتلكها أي كيان وجودي لا ينتمي إلى العالم المادي مثل الأرواح، الملائكة، الشياطين، الأجرام السماوية المُموهة، أو الآلهة الباطنية لتعديل أو التأثير على القوانين والمجريات الظاهرية للواقع المادي. هذه القوة ليست قوة فيزيائية بالمعنى النيوتوني، بل هي قوة أنطولوجية طاقية تنبع من حقيقة أن هذه الكيانات تتواجد في مستويات أعلى أو أكثر مرونة من الوجود. في الإطار الباطني، يُنظر إلى التسلسل الهرمي للوجود على أنه يضم مستويات متفاوتة في الكثافة والمرونة الأنطولوجية. الكيانات غير المرئية تسكن العوالم التي تتسم بمرونة أنطولوجية أعلى، مما يعني أن الإرادة والوعي فيها لهما تأثير مباشر وأكثر فاعلية على المادة و الطاقة من الإرادة البشرية المقيدة بالجسد المادي. يمكن إعتبار الكيان غير المرئي كـعقل جزئي يمتلك القدرة على الوصول إلى بنية الواقع الأساسية والتعامل معها. لديه معرفة فطرية أو مكتسبة بـالشفرات (Formulae) التي تحكم تجلي الظواهر في العالم المادي. القوة التنفيذية هي في الأساس القدرة على إنهيار موجة الإحتمال بطريقة تخدم هدف الكيان، أو الهدف المشترك المنصوص عليه في العقد الأنطولوجي، مع تجاهل أو تجاوز العوائق التي يفرضها الإدراك البشري المحدود. تكمن العبقرية في العملية السحرية في فهم وإستغلال الآليات التي تسمح بتحويل هذه القوة التنفيذية غير المرئية إلى تأثيرات مُقاسة ومُلاحَظة في الواقع المادي (Phenomenal Reality). هذه الآليات تتطلب جسرًا وتفاعلاً مع كيان بشري وهو الساحر. 1. الرمزية كوسيلة للتركيز الطاقي (The Symbolic Bridge): الكيانات غير المرئية لا تستخدم الأدوات المادية، بل تعمل من خلال الرموز والإهتزازات والقنوات العقلية. تُعتبر الرموز، السيجيلز، الينترات، التاروت. والأسماء المقدسة بمثابة نقاط إرتكاز طاقية أو خوارزميات كونية تعمل على تركيز و تضييق القوة التنفيذية للكيان. الكيان يستخدم هذه الرموز كـبوابات أو مفاتيح لتوجيه طاقته من العالم النجمي أو الأثيري حيث تتواجد القوة إلى العالم المادي حيث يتم التنفيذ. عند إستخدام الترانيم والمانترا، يخلق الساحر مجالاً إهتزازياً (Vibrational Field) يُماثل التردد الأساسي للكيان. هذا الرنين يسمح للقوة التنفيذية للكيان بالمرور و التجلي، حيث أن العالم المادي هو أيضاً مجموعة من الإهتزازات المتراكمة. التحويل يحدث لأن الإهتزاز الأعلى (الكيان) يفرض إيقاعه على الإهتزاز الأدنى (الواقع). 2. الساحر كـقناة و مركبة تجلي (The Manifestation Vehicle): إن الكيان غير المرئي يحتاج إلى قناة أو مركبة لتنفيذ قوته في العالم المادي الذي يتميز بكثافته. هذا الدور يلعبه الساحر الذي يمتلك جسماً مادياً وإرادة واعية. في هذه العملية، يدعو الساحر الكيان (Invocation) لـ التجلي بداخله. الساحر يصبح حرفياً المركبة الحية للقوة التنفيذية. يتم تحويل قوة الكيان إلى تأثير مادي من خلال التغييرات النفسية و الجسدية للساحر نفسه مثل زيادة الكاريزما، التلقي المفاجئ للمعرفة، أو تغيير جذري في السلوك يؤدي إلى تغيير مادي في المحيط. هنا، يتم إستخراج الكيان (Evocation) إلى مجال عمل مُحدد مثل مثلث التجلي. في هذه الحالة، يتم تحويل القوة التنفيذية عن طريق إستخدام الكيان لـ الطاقة الأثيرية للساحر أو الطاقة المُقدمة كجزء من العقد الأنطولوجي كوقود. الكيان يستخدم هذه الطاقة المُقدمة لتشكيل البيئة المادية وفقاً للهدف المحدد، مثل تحريك الأحداث أو تغيير أفكار أشخاص آخرين عن بعد (تأثير على الوعي الجمعي). 3. العمل على النسيج السببي (Operating on the Causal Fabric): القوة التنفيذية للكيان غير المرئي تعمل على مستوى السببية بدلاً من مستوى النتيجة. بدلاً من إحداث تغيير مادي مفاجئ ومخالف للفيزياء، يقوم الكيان بتعديل الخيوط السببية (Causal Threads) التي تؤدي إلى النتيجة المطلوبة. على سبيل المثال، بدلاً من جعل المال يظهر من العدم، مخالفة لقوانين الحفاظ على الطاقة، يقوم الكيان بتعديل العقد الأنطولوجي لكيانات أخرى أو بتغيير مسار الأحداث الطفيفة التي تؤدي إلى أن يحصل الساحر على وظيفة أو فرصة عمل كانت غير مرجحة (تغيير في الإحتمالات). الكيان غير المرئي يمتلك قدرة فائقة على العمل على المستوى العقلي الكوني الذي يشكل مصدر الأفكار والنيات. إنه يزرع بذرة الفكرة أو النية المطلوبة في الوعي الجمعي أو في عقل الشخص المعني، وهذه البذرة تتجلى بدورها كفعل مادي في الواقع. القوة التنفيذية تحولت هنا إلى توجيه للوعي. في الختام، القوة التنفيذية للكيان غير المرئي هي قوة هائلة، ولكنها تحتاج إلى الإنضباط و التوجيه من خلال العقد الأنطولوجي والوجود الأصيل للساحر. الساحر الذي يعيش وجوداً أصيلاً ولديه إرادة حقيقية يُعتبر مُرسلاً مثالياً لهذه القوة. فالكيانات العوالمية تفضل التعامل مع الوعي المُتحرِّر لأن قنواته تكون أكثر نقاءً و فاعلية. تحويل القوة التنفيذية إلى تأثير مادي هو عملية معقدة تتطلب التفاهم الرمزي، و قناة بشرية موجهة، والقدرة على العمل على المستوى السببي للواقع، مما يثبت أن السحر هو علم عميق للتحويل الأنطولوجي والطاقي.
_ الإرادة الحرة والسيادة الكينونية: الدرع الأنطولوجي ضد البرمجة الكارمية
في الفلسفة الباطنية، يتجاوز مفهوم الإرادة الحرة التعريف التقليدي القائل بأنها مجرد القدرة على الإختيار بين خيارين عشوائيين مثل شرب القهوة أو الشاي. بل تُعرَّف الإرادة الحرة الحقيقية التي تُسمى غالبًا الإرادة الحقيقية أو (True Will في التقليد التيليمي) بأنها القدرة على العمل بشكل كامل ومتناغم مع الطبيعة الكينونية الأصيلة للفرد ومهامه الكونية الفريدة. الكائن الذي يعيش في حالة الوجود المُبرمَج هو في الواقع يفتقر إلى الإرادة الحرة الحقيقية. أفعاله وقراراته ليست سوى نتاج حتمي و ميكانيكي لـ البرمجة الكارمية، والبرمجة الإجتماعية، والأنماط النفسية المُكتسبة. هذا النوع من الإختيار هو مجرد رغبة مُقيّدة أو إرادة زائفة (False Will)، وهو إختيار محدد مسبقاً من قبل قوانين الزمن الدوري التي يُحكم بها. إن تفعيل الإرادة الحرة هو فعل تحرر أنطولوجي؛ إنه تجاوز للبرمجة. هي اللحظة التي يختار فيها الكائن العمل إنطلاقاً من الوجود الأصيل، مُنشئاً بذلك سبباً جديداً غير كارمي، ومُعلناً سيادته على نسيج المرونة الأنطولوجية للواقع. هذه الإرادة الحرة هي التي تسمح للساحر بكسر دورة التناسخ الإلزامي والإقتراب من الإكتمال الكينوني. يظهر التهديد الأخلاقي والفلسفي للإرادة الحرة بوضوح في سياق التفاعلات السحرية، حيث تتصادم الإرادات الفردية وقوى الكيانات العوالمية. 1. الكيانات العوالمية وإختراق الإرادة (التهديد الخارجي) تُشكل الكيانات غير المرئية ذات القوة التنفيذية التحدي الأكبر لسيادة الإرادة الحرة. تستهدف الهجمات السحرية الإرادة الحرة للضحية عن طريق زرع الأفكار القسرية (Obsession)، أو الشلل الإرادي، أو توجيه العواطف. إذا كان الفرد يعيش وجوداً مُبرمَجاً، فإن الثغرات النفسية فيه كالخوف، الشك، الجشع تصبح بوابات تسمح لـ القوة التنفيذية للكيان بالتسلل وتوجيه قراراته. في هذه الحالة، يصبح الكائن وكيلًا مُسيطرًا عليه، وتختفي إرادته الحرة وراء إرادة الكيان. العقد الأنطولوجي هو الآلية التي تحمي الإرادة الحرة للساحر أثناء التعاون. فالعقد يضمن أن القوة التنفيذية للكيان تُستخدم لخدمة هدف يتماشى مع الإرادة الحقيقية للساحر (المفترض أصالتها). أي عقد يطلب من الساحر التخلي عن سيادته الكينونية (الروح، الإرادة الحرة) هو خرق للقانون الكوني الأسمى ويُعتبر فعلاً غير أخلاقي و مدمر للذات. 2. مقاومة الكينونة كدفاع عن السيادة (التحصين الداخلي) مفهوم مقاومة الكينونة للتعديل هو تجسيد لآلية دفاع الإرادة الحرة المدمجة في نسيج الواقع. الكائن الذي يتمتع بـالوجود الأصيل يُنشئ حوله درعاً أنطولوجياً منيعاً. هذا الدرع هو ببساطة الإتساق المطلق لإرادته الحرة. إن الهجمات السحرية تفشل في وجه هذا الإتساق لأنها لا تجد نقطة ضعف (صراع، شك، خوف) يمكن أن تخترق من خلالها و تفرض شفرة سحرية جديدة. نجاح الكينونة في صد الهجوم هو إثبات على أن قوة الإرادة الحرة المُركّزة تتفوق على أي قوة تنفيذية مُوجهة من الخارج. الإرادة الحرة الحقيقية تعمل في الزمن الأبدي الذي هو مصدر الوجود. أي محاولة لفرض حتمية الزمن الدوري عبر كارما مُصطنعة أو سحر على كائن يعمل من الآن الأبدي تفشل لأن الزمن الأبدي هو المستوى الأعلى والأكثر سيادة في التسلسل الهرمي الكينوني. إن الإرادة الحرة ليست مجرد وسيلة، بل هي الشرط النهائي للإكتمال الكينوني. التحرر من دورة التناسخ أي تحقيق الإكتمال لا يمكن أن يكون مجرد نتيجة حتمية لتعلم الدروس. بل يجب أن يكون إختياراً حراً وواعياً من قبل الروح. الروح التي تختار الإندماج في المطلق بوعي كامل هي التي حققت أعلى درجة من درجات الحرية. الحرية المطلقة في الوجود. عندما يمارس الساحر الإرادة الحرة عبر الشفرات السحرية لتعديل الواقع، فإنه يتحمل مسؤولية كينونية مباشرة عن هذا التعديل. الإلتزام بالأخلاقيات الكونية يضمن أن هذه القوة تُستخدم لخدمة التطور والتحرر (الوجود الأصيل) بدلاً من الإنحدار نحو السيطرة و البرمجة (الوجود المُبرمَج)، مما يحافظ على سيادة إرادة الفرد و الجمع في النسيج الكوني. بهذا نكون قد ربطنا الإرادة الحرة بجميع محاور التحليل، مُؤكدين أنها ليست مجرد مفهوم فلسفي، بل هي القوة التنفيذية الحقيقية التي تُمكّن الكينونة من السحر والتحرر.
_ مقاومة الكينونة للتعديل: القصور الذاتي الأنطولوجي و آليات الدفاع عن النزاهة الكينونية
مفهوم مقاومة الكينونة للتعديل يشير إلى القوة الكامنة داخل أي نظام وجودي (الكون، كوكب، فرد، أو حتى فكرة) التي تسعى للحفاظ على حالته الأنطولوجية الراهنة ومساره الكارمي الأساسي ضد التدخلات الخارجية غير المرغوب فيها. هذه المقاومة هي التعبير عن الجذب الكينوني الذاتي للنظام، وهي تخدم مبدأ أساسياً في الفلسفات الباطنية؛ قانون الحفاظ على الذات الأنطولوجية (The Law of Ontological Self-Preservation). إذا كان الواقع يتمتع بـمرونة أنطولوجية تسمح بالتعديل، فإن هذه المرونة ليست سلبية أو بلا قيود. الكينونة تمتلك آليات دفاعية تظهر على شكل قصور ذاتي كينوني (Ontological Inertia)، حيث تتطلب محاولة تعديل مسارها كمية هائلة من الطاقة و الإرادة تتناسب طردياً مع درجة رسوخ تلك الكينونة في حالتها الراهنة. يمكن تصور هذه المقاومة كـحقل قوة أو غلاف واقٍ مُتولد حول الكينونة، يتكون من جميع طاقاتها المتراكمة، إرادتها، وعيها، وتاريخها الكارمي. كلما كان هذا الحقل أكثر إتساقاً وتماسكاً داخلياً، كلما زادت مقاومته للإختراق. في حالة الأفراد، ترتبط المقاومة إرتباطاً مباشراً بـجودة الإرادة. الإرادة المُركَّزة والمُتّسقة تخلق مجالاً كينونياً يصعب إختراقه، بينما الإرادة المشتتة أو المُبرمَجة تخلق ثغرات يسهل على التأثيرات السحرية والكيانات العوالمية إختراقها. نجاح بعض الكينونات في صد الهجمات السحرية لا يرجع إلى الحظ أو القوة المادية، بل إلى تفعيل وإستخدام هذه الآليات الدفاعية الأنطولوجية المدمجة بوعي أو بغير وعي. يمكن تحليل هذه الآليات ضمن النقاط التالية: 1. الوجود الأصيل والنزاهة الكينونية (Ontological Integrity) هذه هي الآلية الدفاعية الأقوى والأكثر جوهرية. الكينونة التي تعيش حالة الوجود الأصيل تكون محمية بطبيعتها. عندما تتطابق الإرادة الحقيقية للفرد مع أفعاله ومع مسار وجوده الكوني بمعنى أن الفرد ليس لديه صراع داخلي، فإنه يُنشئ درعاً أنطولوجياً منيعاً. الهجمات السحرية تعمل غالباً على إستغلال التناقضات والتشققات في الوعي (الخوف، الشك، الرغبة المُقيِّدة). الكائن الأصيل لا يقدم هذه الثغرات، لأنه متصالح داخلياً ومُتَّحد في جوهره. الوجود الأصيل يتطلب اليقظة الكينونية. الأفراد الواعون بمسارهم و أهدافهم الحقيقية يكتشفون و يُحيدون التأثيرات السحرية الموجهة نحوهم في مراحلها الأولى كميول أو أفكار غريبة قبل أن تتجسد كواقع مادي. 2. الإتساق الطاقي والإغلاق الحدودي (Energetic Coherence) تتطلب مقاومة التعديل قدرة الكينونة على الحفاظ على حدودها الطاقية دون تسرب. الكينونات التي تُمارس التأملات المتقدمة أو التمارين الطاقية بإنتظام تنجح في بناء جسم أثيري كثيف ومُنظَّم. هذا الجسم يعمل كحاجز طاقي فعال يصدّ أو يشتت القوة التنفيذية للكيان غير المرئي قبل أن تصل إلى المستويات النفسية والجسدية. حتى لو نجح الهجوم السحري في إحداث إختراق جزئي، فإن الكينونة المُتمحورة لديها القدرة على العودة السريعة إلى مركزها أو محورها الكينوني. هذا الإجراء يمنع التجذّر الدائم للتأثير السحري، ويُجبر الكيان المُهاجم على سحب طاقته لأنه لا يستطيع الحفاظ على نقطة ارتكازه. 3. عكس التيار والتجذير الكارمي (Karmic Anchorage) تستخدم بعض الكينونات الأكثر تقدماً قانون الكارما نفسه كآلية دفاعية. الكينونة التي تلتزم بقواعد أخلاقية كونية صارمة وتعمل دائماً لصالح الخير الأكبر تُنشئ حولها مجالاً كارمياً إيجابياً. هذا المجال يعمل تلقائياً على عكس التيار السحري المُضر، حيث تُعتبر محاولة تعديلها غير المبرر بمثابة إعتداء على النظام الكوني، مما يُطلق رد فعل من القوى الكونية أو الكيانات الحارسة ضد المُهاجِم. في بعض الأحيان، تكون الكينونات محمية بموجب عقود أنطولوجية دفاعية تم إبرامها مع كيانات حارسة عليا، أو يتم ذلك بوعي من خلال ممارسة السحر الدفاعي (Defensive Magic) الذي يقوم ببرمجة مجالها الطاقي لطرد أي طاقة غريبة أو ضارة. هذا يُمثل إستخداماً واعياً للمرونة الأنطولوجية في تشكيل درع دفاعي. إن ظاهرة مقاومة الكينونة للتعديل تثبت أن الواقع السحري ليس فوضوياً، بل محكوم بقوانين صارمة للحفاظ على الذات. هي دليل على أن كل كينونة تمتلك حقاً جوهرياً في الوجود غير المُتدخَّل فيه، وأن هذا الحق يُترجم إلى قوة طاقية صامدة. نجاح الكينونات في صد الهجمات السحرية هو شهادة على قوة الوجود الأصيل والنزاهة الداخلية. فكلما كان الفرد أقرب إلى هويته الحقيقية، كان أبعد عن الوقوع تحت سيطرة البرمجة الخارجية، سواء كانت سحرية أو إجتماعية. الكينونة تصمد وتنجح في صد الهجوم ليس بقوة خارجية، بل بقوة إرادتها المُنظمة وإتساقها الأنطولوجي.
_ الإرادة الحرة: مفتاح التحرر الأنطولوجي والسيادة على نسيج الواقع
في الفلسفة الباطنية والسحر، لا تُعرّف الإرادة الحرة ببساطة على أنها القدرة على الإختيار بين خيارين عشوائيين، بل تُعرّف كـالإرادة الحقيقية (True Will) وهي القدرة على العمل بوعي كامل ومنسجم مع الطبيعة الكينونية الأصيلة للذات، وبدون تأثير أو سيطرة من البرمجة الخارجية (الكارما، المجتمع، الغرائز البيولوجية غير المهذبة). الكائن الذي يعيش حالة الوجود المُبرمَج، كما ناقشنا، هو في الواقع لا يمتلك إرادة حرة حقيقية، بل يمتلك فقط وهم الإختيار. خياراته هي مجرد نتاج حتمي ومُسبق التحديد لسلسلة طويلة من الأسباب والنتائج الكارمية و النفسية. يُطلق على هذا المستوى من الإختيار إسم الرغبة (Desire) أو الإرادة الزائفة (False Will)؛ وهي مقيدة ومُتأثرة بالخوف و الجهل. يُنظر إلى السحر كمنهج تطبيقي لـتحرير الإرادة الحقيقية. عندما ينجح الساحر في فك شفرات البرمجة الداخلية والوصول إلى الوجود الأصيل، فإنه يُفعل إرادته الحرة الحقيقية. هذه الإرادة الحرة ليست عشوائية، بل هي دائماً متوافقة مع إرادة الوجود (Will of the Cosmos)، لكنها التعبير الفريد والواعي لهذه الإرادة من خلال الكينونة الفردية. هذه هي ذروة الحرية الكينونية القدرة على العمل بما يجب أن يكون، ولكن بإرادة ذاتية كاملة. يتجلى تعقيد الإرادة الحرة و تأثرها بشكل واضح في سياق التفاعلات السحرية والمعارك الكينونية، حيث تتصادم الإرادات وتتفاعل القوى. 1. الإرادة الحرة وتأثير الكيانات العوالمية تشكل الكيانات العوالمية تحدياً مباشراً لمفهوم الإرادة الحرة. ففي عملية العقد الأنطولوجي يكمن الخطر في أن القوة التنفيذية للكيان غير المرئي قد تطغى على إرادة الساحر. إذا كان الساحر لا يعيش وجوداً أصيلاً، فإن الثغرات في وعيه (الخوف، الجشع، الجهل) تصبح نقاط ضعف يمكن للكيان من خلالها إحتلال أو توجيه قراراته بشكل غير واعٍ. في هذه الحالة، يتحول الساحر من فاعل سحري إلى أداة مُنفِّذة لإرادة الكيان، وبالتالي يفقد إرادته الحرة. العقد الأنطولوجي السليم يُعدّ فعلاً للإرادة الحرة. من خلال تحديد شروط التفاعل وحماية المركز الكينوني للساحر، يؤكد الساحر سيادته. العقد الناجح هو دليل على أن الساحر يمارس حقه في السيادة الكينونية، ويستخدم قوة الكيان لخدمة إرادته الحقيقية، بدلاً من العكس. 2. مقاومة الكينونة كدفاع عن الإرادة الحرة مفهوم مقاومة الكينونة للتعديل هو تجسيد عملي لآلية دفاع الإرادة الحرة ضد الإختراق. عندما تُشن هجمة سحرية، الهدف هو تعديل الإرادة الحرة للفرد المستهدف أو تقييدها على سبيل المثال، عبر التسبب في الهوس، أو الشلل العاطفي، أو زرع الأفكار القسرية. نجاح الكينونة في صد الهجوم هو إثبات على أن قوة إرادتها الأصيلة أقوى من القوة التنفيذية الموجهة نحوها. المقاومة تضمن أن الواقع الأنطولوجي للفرد لا يمكن أن يُعاد برمجته قسراً طالما أن الوجود الأصيل مُفعّل ومُحافظ عليه. الإرادة الحرة الحقيقية هي دائماً في حالة إنسجام داخلي. هذا الإنسجام الطاقي هو ما يخلق القصور الذاتي الكينوني الهائل الذي يصعب إختراقه. الأفعال السحرية المضادة التي تُنفَّذ بـإرادة حرة واعية تتجاوز بسهولة أي إرادة مُبرمَجة أو مُقيَّدة مصدرها الهجوم السحري. في نهاية المطاف، تُعد الإرادة الحرة شرطاً أساسياً لتحقيق الإكتمال الكينوني. لا يمكن تحقيق الوحدة مع المطلق إلا إذا كانت هذه الوحدة إختياراً حراً وواعياً، وليس نتيجة حتمية أو إجباراً كونياً. الإكتمال الكينوني هو اللحظة التي تختار فيها الروح، بـإرادة حرة مطلقة، التوقف عن دورة التناسخ الإلزامية التي هي بحد ذاتها حالة من الحتمية الكارمية، و الإندماج في الوجود المطلق. هذا الإختيار هو أرقى تعبير عن الحرية. الإرادة الحرة تأتي مع مسؤولية كينونية ضخمة. فالسحر يمنح القوة لتعديل الواقع، لكن الوجود الأصيل و الإرادة الحرة هما ما يضمنان أن تُستخدم هذه القوة لخدمة التطور والوحدة، و ليس للرغبات الزائفة، مما يؤكد أن الساحر هو في نهاية المطاف سيد مصيره الكينوني، وليس عبداً لقوانينه أو لكيانات عوالمية.
#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
-
السِّحْرُ قِنَاع الأُنْطُولُوجْيَا: كَيْفَ يُكْشِفُ التَّدَخ
...
المزيد.....
-
مفاوضات فلوريدا.. تفاؤل بإنهاء حرب أوكرانيا رغم الخلافات
-
وزير خارجية بولندا: نرغب في إنهاء عادل للحرب وبحدود آمنة لأو
...
-
مواجهات في جنين والاحتلال يقتحم مناطق عدة بالضفة والقدس
-
طالبو اللجوء بين رغبات ترامب بالترحيل وقرارات القضاء الأميرك
...
-
تونس.. رجال الرئيس ينتفضون ضده
-
عاجل | ترامب: أجريت اتصالا مع مادورو ولا أريد الخوض في التفا
...
-
فيضانات استثنائية تشرد آلاف السكان بماليزيا
-
محادثات ميامي تمهد لعرض خطة ترامب على موسكو
-
مدغشقر.. ساحة تنافس جديدة بين باريس وموسكو؟
-
تقدم بين الأوكرانيين والأمريكيين .. لكن هناك حاجة لـ-مزيد من
...
المزيد.....
-
قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف
...
/ محمد اسماعيل السراي
-
تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي
...
/ غازي الصوراني
-
من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية
/ غازي الصوراني
-
الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي
...
/ فارس كمال نظمي
-
الآثار العامة للبطالة
/ حيدر جواد السهلاني
-
سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي
/ محمود محمد رياض عبدالعال
-
-تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو
...
/ ياسين احمادون وفاطمة البكاري
-
المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة
/ حسنين آل دايخ
-
حوار مع صديقي الشات (ج ب ت)
/ أحمد التاوتي
-
قتل الأب عند دوستويفسكي
/ محمود الصباغ
المزيد.....
|