أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مروان فلو - الجزيرة في وثائق 1919: موقعها بين حدود سوريا التاريخية وسياسات الانتداب















المزيد.....

الجزيرة في وثائق 1919: موقعها بين حدود سوريا التاريخية وسياسات الانتداب


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 15:37
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


مقدمة
تُعدّ وثائق عام 1919 من أهم المراجع التي تكشف كيفية فهم النخب السياسية لمفهوم "سورية" في مرحلة الانتقال من العهد العثماني إلى النظام الدولي الحديث. وتشكل وثيقة المؤتمر السوري العام المقدّمة إلى لجنة كينغ–كراين الأمريكية مصدراً محورياً في تحديد الرؤية السورية الأولى لحدود الدولة.
وتظهر هذه الوثائق أنّ منطقة الجزيرة العليا (بين الخابور والفرات) لم تُدرج ضمن الحدود السورية المطالب بها عام 1919، وهو ما يثير سؤالاً أساسياً: كيف ولماذا أصبحت الجزيرة جزءاً من سوريا لاحقاً؟
يعتمد هذا النص على تحليل وثائق أصلية ومراجع أكاديمية مختلفة، بما يضمن ربطاً منطقياً مدعّماً بتوثيق موثوق.

أولاً: سياق ما بعد الحرب العالمية الأولى
أدّى انهيار الدولة العثمانية إلى إعادة تشكيل المشرق. ورغم المنافسة البريطانية–الفرنسية، فقد سعت الولايات المتحدة إلى معرفة رغبات السكان المحليين عبر لجنة كينغ–كراين عام 1919(1). وفي الوقت نفسه، اجتمع ممثلو المناطق المرتبطة بدمشق في المؤتمر السوري العام لصياغة مطالب وطنية يمكن طرحها أمام المجتمع الدولي.
كان الهدف:
تقديم تصور موحّد لسوريا،
تحديد حدودها الجغرافية،
وتقرير شكل الحكم فيها.
هذه الوثيقة أصبحت شاهداً رسمياً على كيفية إدراك السوريين لمجالهم الوطني في تلك اللحظة الحاسمة.

ثانياً: من مثّل "سوريا" عام 1919؟
تكوّن المؤتمر من مندوبي الولايات السورية العثمانية: دمشق، حلب، حمص، حماة، الساحل، فلسطين، وشرق الأردن(2).
لكن مناطق الجزيرة لم تكن ممثلة لأسباب واضحة:
أنها كانت تتبع إدارياً لولايات عثمانية مختلفة (آمد/ديار بكر والموصل)(3).
ضعف الاستقرار السكاني والتمدّن فيها مقارنة بالمراكز الحضرية الكبرى.
غياب بُنى إدارية موحدة تربطها بدمشق.
وبذلك، كان المؤتمر يعكس سوريا الإدارية العثمانية وليس مفهوماً جغرافياً موسعاً يشمل الجزيرة.

ثالثاً: الحدود السورية كما وردت في وثيقة 21 تموز 1919
قدّم المؤتمر السوري للجنة الأمريكية حدوداً دقيقة، أبرزها:
شمالاً: سلسلة جبال طوروس
غرباً: البحر المتوسط
جنوباً: رفح – الجوف – البقعة الحجازية
شرقاً: نهر الفرات → الجابور → شرق البوكمال → شرق الجوف(4)
هذه الحدود واضحة في دلالتها:
لم تشمل المنطقة الواقعة شرق الفرات، ولا منطقة الخابور، ولا القامشلي، ولا ديريك (المالكية)، أي معظم الجزيرة المعروفة اليوم.
وهو ما أكدته لاحقاً تقييمات لجنة كينغ–كراين نفسها التي اعتبرت الجزيرة خارج المجال السوري الذي طالب به المؤتمر(5).

رابعاً: لماذا لم تُدرج الجزيرة ضمن سوريا عام 1919؟
1. الإرث الإداري العثماني
كانت الجزيرة منطقة حدودية قليلة الارتباط بالمراكز السورية. إذ خضعت لعقود لولايات آمد/ديار بكر والموصل أكثر من ارتباطها بدمشق أو حلب(6).
لذلك، لم تُنظر إليها سياسياً كسوريا “طبيعية”.
2. الهشاشة السكانية
كانت البنية السكانية تعتمد على:
عشائر عربية بدوية وشبه مستقرة
مجموعات كُردية متنقلة وثابته
غياب المدن الكبرى باستثناء مراكز صغيرة مثل نصيبين جزئياً
هذا الواقع صعّب دمجها في رؤية دولة مدنية نيابية حديثة كما تصورها المؤتمر.
3. منظور النخب السياسية
كانت النخبة الدمشقية – المتأثرة بخطاب النهضة العربية – تركز على المدن الساحلية والداخلية، وعلى مناطق ذات امتداد حضري–سياسي مستقر.
وبالتالي، لم تكن الجزيرة ضمن مخيلتهم الجغرافية للدولة المنشودة(7).

خامساً: الخرائط الوصفية لحدود سوريا كما فهمتها لجنة كينغ–كراين
باستناد اللجنة إلى نص المؤتمر، جاءت الحدود الشرقية السورية بشكل خطي واضح:
يبدأ عند جرابلس
ينزل مع مجرى الفرات
ينحرف شرقاً نحو الخابور
يمر شرق البوكمال
ثم يواصل جنوب شرق نحو شرق الجوف
وبذلك تبقى منطقة الجزيرة بالكامل شرق الخط الفاصل، أي خارج سوريا المقترحة(8).
هذا التوصيف هو دليل مباشر يبرهن أن الجزيرة لم تُطرح ضمن سوريا عام 1919.

سادساً: الجزيرة في عهد الانتداب الفرنسي (1920–1939)
بعد دخول فرنسا دمشق وبدء الانتداب، تغيّر مصير الجزيرة جذرياً.
المرحلة الأولى: إدارة أمنية (1921–1924)
رأت فرنسا أن الجزيرة "منطقة حدودية استراتيجية" تفصل بين:
تركيا الكمالية
العراق البريطاني
ولذلك فرضت عليها إدارة عسكرية بحتة(9).
المرحلة الثانية: إعادة الهندسة السكانية (1925–1933)
قامت فرنسا بعملية تَوطين واسعة:
استقدمت موجات كبيرة من السريان والآشوريين بعد مذابح الأناضول
شجعت قبائل عربية على الاستقرار الزراعي
سمحت بدخول بعض الأكراد الهاربين من تركيا بعد ثورتي الشيخ سعيد وديرسم(10) وفق التقديرلت لا يتجاوز العدد بين ١٠ آلاف الى عشرين الف فقط
أصبح للجزيرة وزن ديموغرافي واقتصادي جعل دمجها في سوريا أمراً منطقياً ومدروساً.
المرحلة الثالثة: الإدماج النهائي في الدولة السورية (1936–1939)
مع توقيع معاهدة 1936، قننت فرنسا تبعية الجزيرة لسوريا للأسباب التالية:
منع المطامع التركية في المنطقة.
تعزيز الاقتصاد السوري بالسهول الخصبة.
خلق توازن سياسي داخل سوريا يجنبها الانقسامات الطائفية.
هكذا، أصبحت الجزيرة سورية بالقرار الفرنسي وليس بالوثيقة السورية لعام 1919.

سابعاً: النتيجة التحليلية
إن قراءة متأنية للوثائق تثبت — بصورة متماسكة ومنطقية — النقاط التالية:
الجزيرة لم تكن جزءاً من سوريا بحسب الوثيقة الرسمية الوحيدة التي صاغها السوريون عام 1919.
عدم ذكر الجزيرة لم يكن سهوة، بل نتيجة موقعها الإداري والسكاني والسياسي في الحقبة العثمانية.
إدماج الجزيرة في سوريا جاء لاحقاً عبر سياسات الانتداب الفرنسي خلال ثلاث مراحل: السيطرة – التوطين – الإدماج.
هذا الدمج كان مدفوعاً باعتبارات دولية واستراتيجية أكثر من كونه امتداداً لرؤية سياسية سورية مبكرة.
وبذلك يصبح وضع الجزيرة في الخريطة السورية الحديثة نتاجاً لتطورات 1921–1939، وليس منطلق 1919.
++++++++++++++++++++&&&
المراجع
King-Crane Commission Report (1919), U.S. Government -print-ing Office.
Philip S. Khoury, Syria and the French Mandate, Princeton University Press, 1987.
J. Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society, Routledge, 2009.
وثيقة المؤتمر السوري العام، 21 تموز 1919؛ منشورة في: محمد كرد علي، خطط الشام، ج5.
Howard Bliss Papers, King-Crane Mission Notes, 1919.
Stanford Shaw, History of the Ottoman Empire and Modern Turkey, Cambridge University Press, 1977.
Rashid Khalidi, The Origins of Arab Nationalism, Columbia University Press, 1991.
لجنة كينغ–كراين: توصيف الحدود الشرقية لسوريا، القسم الجغرافي، 1919.
Méouchy & Sluglett (eds.), The British and French Mandates in Comparative Perspectives, Brill, 2004.
Jordi Tejel, Le mouvement kurde de Turquie en exil, REMMM, 2005.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة هندسة الإقليم عبر المقاربة الديمقراطية الكُردية: تحليل ...
- أوجلان… هندسة الوعي الجمعي وصياغة الجيل الكُردستاني الجديد
- زيارة اللجنة البرلمانية التركية إلى جزيرة إمرالي: الدلالات ا ...
- تعليم اللغة الكُردية في باكور (شمال كردستان/تركيا): بين القي ...
- الطائفية السياسية في الساحل السوري – قراءة في صراع السلطة وا ...
- مظلوم عبدي والدستور السوري الجديد: رؤية شاملة لحقوق المكونات
- الدستور السوري الجديد ورؤية الإدارة الذاتية: قراءة في مطالب ...
- تداعيات تصريحات القائد العام لقسد مظلوم عبدي حول مستقبل المف ...
- من الدولة الكمالية إلى الدولة التعددية: تحليل بنيوي لموقع أو ...
- تحوّل الدولة التركية نحو مقاربة تفاوضية: قراءة في إصرار دولت ...
- تحوّل المزاج الدولي تجاه قوات سوريا الديمقراطية ودلالاته على ...
- منتدى دهوك وتحولات المشهد الكُردي السوري: قراءة تحليلية في ...
- ماذا حصل في منتدى دهوك «السلام والأمن في الشرق الأوسط» (MEPS ...
- سلام هشّ وتوافق مشروط: قسد ودمشق بين شفا الدمج والتوتر
- مظلوم عبدي و الهام أحمد في باشور كُردستان: رؤى جديدة لمستقبل ...
- بين قومية بهجلي وسلطة أوجلان: هل يتجه خطاب MHP إلى تسوية كرد ...
- القرار 2799 تحت المجهر: دعوة أممية لإعادة التوازن السياسي و ...
- اغتيال العقيد سامي الحنّاوي ودور هرشو البرازي ضمن التفاعلات ...
- الشرق، الجنوب، والأقليات: خريطة دمشق في مرمى الرقابة الأميرك ...
- كُردستان بين الخرائط والوثائق: الجذور التاريخية والجغرافية و ...


المزيد.....




- -طوبى لفاعلي السلام- بثلاث لغات.. بيروت تستعد لاستقبال الباب ...
- -روسيا تسعى لمحو أوكرانيا، والحرب لن تتوقف دون ضمانات أمنية ...
- نتنياهو يقدم طلباً للعفو ويقول: استمرار محاكمته يؤدي إلى انق ...
- كيف تتسوق بذكاء وتتجنب الاحتيال في الجمعة السوداء
- مؤتمر حزب خضر ألمانيا يقر ثوابت سياسته في الشرق الأوسط
- الانتخابات الرئاسية في هندوراس: شبح ترامب يخيم على عملية الت ...
- نتانياهو الملاحق في قضايا فساد يطلب العفو رسميا من الرئيس ال ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون باحات الأقصى بحماية قوات الاحتلال
- صحف عالمية: صعوبات أمام حشد الدعم لنشر قوة دولية بغزة وغياب ...
- وكالة الطاقة الدولية تتوقع تراجع الطلب العالمي على الفحم


المزيد.....

- كتاب دراسات في التاريخ الاجتماعي للسودان القديم / تاج السر عثمان
- كتّب العقائد فى العصر الأموى / رحيم فرحان صدام
- السيرة النبوية لابن كثير (دراسة نقدية) / رحيم فرحان صدام
- كتاب تاريخ النوبة الاقتصادي - الاجتماعي / تاج السر عثمان
- كتاب الواجبات عند الرواقي شيشرون / زهير الخويلدي
- كتاب لمحات من تاريخ مملكة الفونج الاجتماعي / تاج السر عثمان
- كتاب تاريخ سلطنة دارفور الاجتماعي / تاج السر عثمان
- برنارد شو بين الدعاية الإسلامية والحقائق التاريخية / رحيم فرحان صدام
- الانسان في فجر الحضارة / مالك ابوعليا
- مسألة أصل ثقافات العصر الحجري في شمال القسم الأوروبي من الات ... / مالك ابوعليا


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مروان فلو - الجزيرة في وثائق 1919: موقعها بين حدود سوريا التاريخية وسياسات الانتداب