أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الشاعر يوسف الصائغ على حافة الجرح














المزيد.....

الشاعر يوسف الصائغ على حافة الجرح


هاشم معتوق

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


يوسف الصائغ نبرة عراقية عالمية

يوسف الصائغ حياةٍ متقلّبة وتجربةٍ شعرية وفكرية فارقة
وُلد الشاعر والكاتب يوسف الصائغ في الموصل سنة 1933 لأسرة مسيحية، ونشأ في بيئة ثقافية ودينية منحت تجربته الأدبية حساً إنسانياً عميقاً وغِنىً روحياً واضحاً. انتقل بين الموصل وبغداد، وتلقى تعليمه الأدبي في معاهدها وجامعاتها، ثم عمل في الصحافة الثقافية والوسط المسرحي، ليغدو واحداً من أبرز وجوه المشهد الثقافي العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين.
كان الصائغ ابن بيئته العراقية بامتياز؛ فقد التقط حساسية المكان، واحتدام السياسة، وتنوّع الطوائف، وصراعات الحداثة والتقليد. انعكست هذه العناصر كلها على كتابته الشعرية والدرامية، لتولّد صوتاً متفرداً يمتلك نبرة عراقية واضحة وفي الوقت ذاته انفتاحاً على التجارب العالمية.
تقلباته السياسية وتحوّلاته الفكرية
يمثل الصائغ نموذجاً للكاتب العراقي الذي عاش صراعات القرن العشرين بكل قسوتها:
انتمى في شبابه إلى الحزب الشيوعي العراقي، واعتُقل بسبب نشاطه السياسي. انعكس السجن على نصوصه الأولى، فظهرت فيها ثنائية الحرية القمع، الحلم المأساة، والتعلّق بالإنسان كقيمة مطلقة.
بعد خروجه من السجن، شهدت حياته انعطافاً حاداً حين انضمّ إلى مؤسسات الدولة الثقافية في عهد البعث. كان هذا التحول مثار جدل نقدي واسع، إذ اعتبره بعض النقاد "انكساراً" فيما اعتبره آخرون محاولة لحماية ذاته من سياقات قمعية قاهرة.
تعرض الصائغ بعد سقوط النظام لنقد قاسٍ بسبب صلته بالمؤسسات الرسمية السابقة. لكنه ظلّ في نظر كثير من المتخصصين صوتاً فنياً كبيراً، تجاوزت قيمته الإبداعية إشكالات تاريخه السياسي.
إنّ هذه التقلبات ليست مجرّد سيرة شخصية، بل تمثل انعكاساً دقيقاً للتجربة العراقية ذاتها بكل مفارقاتها ومآسيها.
يمكن تقسيم تجربة يوسف الصائغ الشعرية إلى مراحل رئيسية:
مرحلة البدايات الخمسينيات والستينيات
تتسم بنبرة وجدانية صافية.
حضور قوي للذات القلقة.
تأثير واضح للواقعية الاشتراكية ولاتجاهات الشعر الحر التي ازدهرت في العراق.
لغة مشحونة بالرموز والرغبة في التحرّر.
مرحلة النضج السبعينيات والثمانينيات
هي الأهم في تجربته.
تبلورت فيها رؤياه الشعرية الخاصة.
اهتمام بالبنية الدرامية في النص، وتوظيف الحوار الداخلي.
شعره هنا أكثر هدوءاً وعمقاً، يتناول قضايا الوجود، الهوية، المصير، والإنسان في عالم قاسٍ.
تأثر بالمسرح في صياغة المشهد الشعري وبناء الصورة.
تزداد فيها المرارة، وتُخفت النبرة الخطابية.
نصوصه تبدو مشبعة بحس الفقد، وخيبة التاريخ.
استعادة مكثّفة للذكريات والأصدقاء والأمكنة.
تتجسد عراقيّته في ثلاثة عناصر رئيسية
بغداد والموصل حاضرتان في شعره كفضاءين للحنين والقسوة معاً، بوصفهما رمزين للهوية العراقية الممزقة.
لغته الشعرية تحمل جرساً عراقياً واضحاً من خلال المفردات والإيقاعات وصور الحياة اليومية.
البطل الرئيسي في شعر الصائغ هو العراقي المنكسر: السجين، الفقير، الحائر، المتمرد، العاشق، المنفي داخل وطنه.
تقوم عالميّة يوسف الصائغ على
انشغاله بهموم الإنسان الكبرى: الخوف، الحرية، الموت، الحب، الغربة.
بناء نصوص تتعامل مع جوهر الوجود لا مع تفاصيله المحلية فقط.
توظيف تقنيات سردية ومسرحية متأثرة بالمسرح الأوروبي الحديث.
قدرته على تحويل تجربته العراقية الخاصة إلى قصة إنسانية مشتركة.
يميل الصائغ لبناء قصيدة ذات طابع مشهدي، تكاد تكون لوحة مسرحية صغيرة. ولذلك تبدو قصائده ذات حركية داخلية واضحة.
تخلو قصائده من الخطابية المبتذلة، وتميل إلى التأمل الهادئ في مصائر البشر، وهو ما منح شعره بعداً إنسانياً عميقاً.
القلق هو العنصر الأكثر حضوراً: قلق سياسي، وجودي، داخلي، عاطفي.
يكتب بلغة ميسّرة لكنها غنية بالدلالات؛ جمل قصيرة، وصور ذات أفق رمزي.
تُعدّ الذاكرة خزّان شعره: ذكريات السجون، الأصدقاء، بغداد القديمة، الحب، وجوه الأمهات، ليالي الرعب، ومصائر الناس.
على الرغم من كل تقلباته السياسية، تظل إنسانية الصائغ واضحة
في رفضه للظلم في مراحل مبكرة من حياته
تصويره لمعاناة الإنسان العراقي بلا تزييف.
احتفائه بالصداقة والحب والطفولة والفقد.
حسه الأخلاقي الذي بقي حاضراً حتى في أكثر مراحله التباساً.
يُعد يوسف الصائغ رائداً لعدة أسباب:
جمع بين الشعر والمسرح والرواية في تجربة متكاملة.
جسّد انتقال الشعر العراقي من الخطابية الأيديولوجية إلى التأمل الإنساني.
ساهم في تطوير القصيدة الحديثة من خلال البناء المشهدي وتوظيف تقنيات السرد.
قدّم نماذج مسرحية بارزة جعلته من أهم كتاب المسرح في العراق.
يمكن القول إن حياته سلسلة طويلة من الأحزان:
السجن السياسي.
خسارات الأصدقاء.
صراعات الذات بين القناعة والاضطرار.
الشعور بالوحدة والغربة داخل الوطن.
لكن فرحه كان دائماً مرتبطاً بالأدب والكتابة:
المسرح كان "ملاذه".
والقصيدة كانت مساحة تبادل للبوح والتمرد.
أما الفرح اليومي فكان محصوراً في الأشياء الصغيرة: رفقة الأصدقاء، ذكريات الموصل، واحتفاء بسيط بالحياة.
إنّ يوسف الصائغ واحد من أهم الأصوات الشعرية والدرامية في العراق الحديث. تعكس حياته المليئة بالتناقضات صورة مثقّف عراقي عاش في قلب العاصفة، فحمل آثارها في نصوصه. استطاع أن يمزج بين المحلي والعالمي، وبين الوجدان الفردي والهمّ الجماعي، ليترك تراثاً لا يُفهم بمعزل عن التاريخ السياسي والثقافي للعراق.
كتب الصائغ شعراً يمشي على حافة الجرح، ومسرحاً يكشف باطن الروح، وروايات تستنطق الإنسان في لحظة انهيار. وحين نقرأه اليوم، نكتشف أن ما كتبه لم يكن عن زمنه فقط، بل عن الإنسان في كل زمن.



#هاشم_معتوق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الناي قصبة جوفاء كانت يومًا ما خضراء
- عصمان فارس المغني الفنان الممثل المخرج الناقد المسرحي
- الشاعر عبدالله كوران عمل في إذاعة يافا فلسطين القسم الكردي
- الشاعرة السعودية عطاف سالم
- الشاعرة جيهان محمد حسن خلف قضبان المسافة
- الفنان والكاتب يحيى ااشيخ
- شيركو بيكس شاعر الحرية والخيال
- الشاعر عبد الكريم كاصد
- الفنان والأديب سمير عبد الجبار
- الشاعر سعدي يوسف
- الشاعرة سلمى الزياني قصيدة عدالة عرجاء
- بيورنسن النرويجي الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 1903
- جائزة المربد للشعر
- الصوت قصة للكاتبة سنية عبد عون
- راقية مهدي وجه الحب السابع
- الفنان التشكيلي عبد الأمير الخطيب الهوية الأصيىة
- الفنان علي النجار بين الوطن والمغترب
- أدونيس أسرف في الشكل حتى أضاع حرارة المودة بينه وبين المتلقي
- اللوحة
- جنان الحسن الجمال والفن


المزيد.....




- الكِتاب السوري بين زمنين.. كيف تغيّر المشهد الثقافي وواقع ال ...
- انطلاق الدورة الثانية والعشرين لمهرجان مراكش الدولي للسينما ...
- وقائع واحداث منبجسة من نسيج الواقع.. وممضاة بدماء شهداء فلسط ...
- آراء متباينة حول الإعلان الترويجي لفيلم -الست- المرصع بالنجو ...
- -أفلام ميوز-.. ميلانيا ترامب تطلق شركة إنتاج قبل إصدار فيلم ...
- -الزمن تحت الخرسانة- المخيم كعدسة لقراءة المشروع الاستيطاني ...
- الاحتلال يخسر -الفضاء الأزرق-.. وصعود الرواية الفلسطينية يثي ...
- الثقافة: الفيلم المرشح للأوسكار
- إسبانيا: اعتقال الراهبة لورا غارسيا بتهمة تهريب الأعمال الفن ...
- الأمير مولاي رشيد: مهرجان الفيلم بمراكش منصة للحوار وإبراز ا ...


المزيد.....

- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية
- الذين باركوا القتل رواية ... / رانية مرجية
- المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون ... / د. محمود محمد حمزة
- مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية / د. أمل درويش
- مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز. ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هاشم معتوق - الشاعر يوسف الصائغ على حافة الجرح