أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بهجت العبيدي البيبة - تناقض حفيظ دراجي الكاشف: وصف فتح بالاحتلال ووصف حماس ب -ضربة معلم-... أزمة الحكم الأيديولوجي














المزيد.....

تناقض حفيظ دراجي الكاشف: وصف فتح بالاحتلال ووصف حماس ب -ضربة معلم-... أزمة الحكم الأيديولوجي


بهجت العبيدي البيبة

الحوار المتمدن-العدد: 8485 - 2025 / 10 / 4 - 15:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تظل المعضلة الأعمق التي تواجه الوعي السياسي هي التخلي عن الموضوعية حينما تُلوِّنُ الأيديولوجيا الأحكام. فالعقل البشري، حين يخضع لانحيازاته المسبقة، يكف عن قياس الأفعال بمقياس واحد، ويبدأ في تطبيق ما يُعرف بـ "المعيار المزدوج"، فيرى الفعل الواحد مُدانا إذا صدر عن الخصم، ومُحتفًى به إذا جاء من الحليف. هذا الخلل لا يضرب المنطق فحسب، بل ينسف جوهر العدالة والمساءلة.
لعل أبلغ تجسيد لهذه الأزمة نجده في التناقض الصارخ الذي كشفه المعلق الرياضي المعروف، حفيظ دراجي، عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ فقد قدم دراجي، دون قصد، نموذجاً مجهرياً للخلل الأيديولوجي في الثقافة السياسية العربية. عندما صدر عن السلطة الفلسطينية (التي تقودها حركة فتح) ما اعتُبر ترحيبا أو مرونة تجاه خطة سياسية، بادر دراجي بإصدار حكم لاذع، واصفاً الفعل بـ "ترحيب بالاحتلال"، مستخدما لغة إدانة شديدة لم تقبل أي تبرير أو تأويل. وفي المقابل، عندما أقدمت حركة حماس على خطوة تفاوضية أو سياسية وُصفت هي الأخرى بقدر من المرونة تجاه ترتيبات الأمر الواقع، تغير الميزان كليا، فقد رأى دراجي في هذا السلوك "ضربة معلم" و "خطوة ذكية تجمع بين الحنكة والذكاء في إدارة الموقف". إن المفارقة هنا لا تكمن في جوهر الحالتين السياسيتين، بل في تباين ميزان التقييم ذاته؛ فالانحياز المسبق جعل نفس السلوك—أو ما يقاربه من حيث المرونة السياسية—مُدانا بـ "الخيانة" لدى فريق، ومُشادا به بـ "العبقرية" لدى الفريق الآخر.

ما زاد المشهد سوءا وكشف عن العمق الحقيقي للأزمة الفكرية، هو رد فعل شريحة من الجمهور على هذا التناقض. فبدلا من ممارسة النقد المنهجي لتقييم تناقض الأحكام، كان الرد الفوري لأحد المعلقين، على سبيل المثال، هو إنكار الواقع ذاته بقوله: "من الواضح أن الصفحة ليست صفحة دراجي". هذا الإنكار المباشر، الذي يُفضِّل تكذيب المعلومة على زعزعة التصور المسبق، هو المؤشر الأخطر. إنه يعكس عقلا لم يَعُد يمتلك أداة النقد المنهجي، بل يظل أسيرا لتصوراته وأوهامه حول نزاهة أو حكمة من ينتمي إليهم أيديولوجيا. هذا السلوك يبرهن على أن المشكلة لم تَعُد مشكلة "تغريدة" أو "شخص"، بل أزمة ثقافة كاملة تطالب بضرورة صناعة عقل جديد يتخذ من النقد المنهجي منهجا له، رافضا الخضوع لسرديات التقديس والتشيطن.

إن هذا النمط من التفكير، الذي يتجاوز حالة دراجي ليشمل مجالات أوسع، يعمل بآليات مدمرة؛ فهو يلجأ إلى التأويل الانتقائي، حيث يفسَّر الفعل بما يخدم الفرضية المسبقة: إن صدر عن "فريقنا" فهو تكتيك وحنكة، وإن صدر عن "خصومنا" فهو خيانة وعمالة. ويقود هذا بدوره إلى تقديس الذات وتشيطن الآخر، لتتحول السياسة من إدارة للمصالح إلى ساحة صراع بين "الخير المطلق" و "الشر المطلق"، مما يُلغي أي مساحة للحوار أو التفاهم. والنتيجة المباشرة لهذا هي تسميم الوعي الجمعي، إذ يغدو الناس أسرى سرديات متناقضة لا تعكس الواقع، بل تعكس فقط مشاعر الحب والكره تجاه الأطراف المتصارعة، مما يُفقد الحوار العام أساسه الموضوعي القائم على الوقائع.
إن المخرج الوحيد من دوامة الانقسام والتناقض الأيديولوجي يكمن في إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة الفكرية: الفعل يُقاس بذاته، لا بهوية من صدر عنه. فما يضر المصلحة الوطنية يُدان، سواء جاء من حماس أو فتح أو أي طرف آخر، وما يصب في صالح الشعب يُثمّن ويُشجَّع، بغض النظر عن القائم به. فغياب هذا المعيار الواحد يعني ضياع مفهوم المساءلة، وفتح الباب لإعطاء الغطاء لكل تناقض أو خطأ ما دام الفاعل ينتمي إلى "الخندق الصحيح". إن بناء عقل جديد قادر على النقد المنهجي هو الاستثمار الحقيقي لإنهاء الأزمة.



#بهجت_العبيدي_البيبة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطة ترامب وإفراغ القضية الفلسطينية من معناها
- حكاية الصراخ أمام سفارة مصر والصمت أمام سفارة إسرائيل
- مأجورون يتربصون بمصر ويصمتون عن ضرب الدوحة
- في عيد النيروز... ميلاد الإنسان من ربيع الكون
- -إسرائيل الكبرى-... حلم يواجه الواقع
- حين تُجرَح أيادي الخير: تحليل نقدي لمحاولات تشويه الدور المص ...
- الوطن بين الوعي وزيف الشعارات: درس التاريخ يتجدد
- المذنبات: من نذر الشؤم إلى رسل الكون
- قرار الوزير.. وخرافة الأرقام: هل يُقاس الإيمان بدرجات الغش؟
- البكالوريا المصرية: حلمٌ يولد في غير أوانه؟
- تباين التقارير الأمريكية حول المنشآت النووية الإيرانية: لعبة ...
- الخطاب المزدوج: سيمفونية السياسة ونبض الشارع
- بين مطرقة الانسحاب وسندان العزلة: إيران ومعاهدة حظر الانتشار ...
- الضربة التي هزّت الصمت: إعادة رسم موازين الردع في فجر يونيو
- -قافلة الصمود: مصر… بين عبء التاريخ وجسارة الموقف
- مصر وتركيا: من ترسيم خط أحمر إلى تدريبات عسكرية مشتركة
- حين يُصبح الدعاء سلاحًا للكراهية: تأملات في سقوط إنساني واغت ...
- العودة من العدم: حينما يعيد العلم المندثرين إلى الحياة
- في خان الخليلي… حيث تمتزج نكهة التاريخ برسائل السياسة
- حينما تتحكم النسبية في خرائطنا: كيف غيّرت نظرية آينشتاين طري ...


المزيد.....




- -سيناريو الكابوس-.. خبير يحذّر من تداعيات إغلاق مضيق هرمز
- تجديد حبس محمد صلاح احتياطيًا يخالف قانون الإجراءات الجنائية ...
- سباقات الرنة تجذب الحشود في شمال فنلندا قرب الحدود مع روسيا ...
- دروس من طهران إلى بيونغ يانغ: كيف عززت حرب ترامب على إيران ع ...
- هل آن الأوان لـ-فتح الدفاتر القديمة- بين الشرع وحزب الله؟
- سماع دوي صفارات الإنذار في تل أبيب وشمال إسرائيل وأصوات انفج ...
- ارتفاع حصيلة الغارات الإسرائيلية على لبنان إلى 486 قتيلا وأك ...
- واشنطن تبدأ بنقل منظومات -ثاد- و-باتريوت- من كوريا الجنوبية ...
- دعوات إسرائيلية لمواصلة إغلاق الأقصى وذبح قرابين فيه
- دامت 20 دقيقة.. تفاصيل مكالمة متوترة بين ترمب وستارمر بشأن إ ...


المزيد.....

- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - بهجت العبيدي البيبة - تناقض حفيظ دراجي الكاشف: وصف فتح بالاحتلال ووصف حماس ب -ضربة معلم-... أزمة الحكم الأيديولوجي