أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - المقامة الفاسدة














المزيد.....

المقامة الفاسدة


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8468 - 2025 / 9 / 17 - 10:47
المحور: الادب والفن
    


حدّثنا عيسى بن هشام، قال:
ركبتُ مركب الهوى في بحر الدهى، أبتغي جزيرة الحكمة، فإذا بي أرسو على شاطئ الجهالة، وألج أرض الضلالة، فأبصرتُ أقوامًا في سوق البِضاعة الكاسدة، يتبايعون الخرافةَ نقدًا، ويقايضون الحقيقةَ وهْمًا، ويرفعون لواء الكذب باسم الدين، ويقرعون طبول الفساد بالتسبيح والتهليل.
فدنوتُ من رجلٍ منهم، عليه عمامة العُجب، وفي يده سبحة الكذب، فقلت: ما الخبر في هذا الوكر العجب؟
قال: "هنا نقيم على الجهل عروشًا، ونبني على الدجل قروشًا، نُلبس الباطلَ تاجَ الحق، ونرسم على وجه القبح خالَ الحُسن، ونُخرّج الصغار على مناهج الكبار في النفاق، ونعلّمهم أن الرجوع إلى الوراء عبادة، وأن التقدّم كفر وإلحاد."
فقلت: ويحكم! أمم الأرض قد سارت، وأنتم قابعون!
قال: "بل نحن السابقون، إذ نلحق بالماضي قبل أن يفرّ، ونحرس أطلاله من ريح التجديد، ونستحلي التعثّر في الحُفر، ما دام في الحفرة رائحة أجداد."
ثم رأيتهم يتبحبحون في مرتع الفساد، ويتمرّغون على بساط الأوهام، فإذا نصح ناصح، رشقوه بسِهام التُّهم، وقالوا: "هذا فاسد يريد إصلاحنا!"
فعلمتُ أن القوم أسرى، لكن مفاتيح أقفالهم في أيديهم، وأنهم لو أُعتقوا لولّوا إلى قيودهم طائعين، فتركْتُهم يسبّحون باسم الله على موائد السحت، ويستفتحون الصباح بمدائح اللصوص، وانصرفتُ أقول:
ما أضيقَ الدنيا على من وسِعَتْه العقول، وما أوسعَها على من ضاقتْ به الفِطَن!
ثم لمّا هممتُ بالرحيل، لاح لي شيخٌ على مِنبَرٍ من خشبٍ مُتهالك، يرقع ثوبه بخرقة من الغرور، ويشدّ عمامته بخيط من الغرائب، ويصيح في القوم:
"أيها الناس، الزموا الجهل، ففيه السلامة، واتركوا العلم، ففيه الندامة! واعلموا أن السؤال فتنة، وأن التفكير لعنة، وأن من سبقكم بالتقدّم قد هلك، فكونوا على آثارنا مهلكين!"
فصفّقوا له تصفيقَ الرِّضا، وهتفوا باسمه هتافَ العُبّاد، وألقوا إليه الدراهم كما تُلقى القرابين للأصنام، فازداد تيهًا، واستطال في القول، وقال:
"من تمسّك بمناهج الدجل عاش سعيدًا، ومن رام الحق مات شهيدًا، ومن قرأ كتب الخرافة نال الشفاعة، ومن نطق بالحقيقة فقد أضاع المتاعه!"
فقلت في نفسي: هذا إمامُ الضلالة، ومؤذّنُ الخراب، لو كان في زمن عادٍ لعلّمهم كيف يعبدون الريح، ولو كان في عهد فرعون لوشّى له بموسى!
ثم رأيت غلامًا في آخر المجلس، يرفع يده مستأذنًا بالكلام، فقال الشيخ: "ما وراءك يا بُنيّ؟"
قال: "يا مولاي، إن كان الجهل تاجَنا، والدجلَ عِمادَنا، فلماذا نُسمّي أنفسنا خيرَ أمة أُخرجت للناس؟"
فاحمرّ وجه الشيخ، وزمجر الحاضرون، وأُخذ الغلام إلى حيث لا عودة، وعلمتُ أن السؤال في بلاد الجهّال جريمة، وأن الصمت فيها عبادة.
فقمتُ من بينهم، والضحك يختلط بالبكاء في حلقي، وقلت وأنا أخرج:
واأسفاه على أمةٍ تُقيم أعراسًا في مأتمها، وتبني القصور على قبورها، وتغزل من خيوط العنكبوت حبالًا تجرّ بها نفسها إلى الهاوية!
ثم سجّلتُ في دفتر الأسفار:
"رأيتُ قومًا يسبّحون باسم الله على سفرة الفساد، ويُصلّون على نبيّ الحق بألسنة الكذب، ويتخذون من الماضي سلّمًا للنزول، ومن الجهل منارةً للظلام، فإذا سألتَهم: متى النهوض؟ قالوا: بعد أن يُبعث الموتى!"
وانصرفتُ أجرّ أذيال العجب، وأمسح عن جبيني غبار الخيبة، وأردّد في سرّي:
سلامٌ على من سعى إلى النور ولو في ليلٍ حالك، وويلٌ لمن آثر الظلام وهو في رابعة النهار!



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأدب الياباني: مرايا الروح بين البساطة والعمق
- التي جعلت إبليس يعيد التفكير في كل شيء
- صراع وصفقات وضياع شعب
- «سكن الليل وفي ثوب السكون تختبئ الأحلام» – جبران خليل جبران
- نقد النقد: المفهوم والتطبيق في ضوء المقاربات الأدبية – قراءة ...
- تانكا من نبض القلب
- -الأبدية في رسائل لم تُرسل- -حين تلتف الكلمات حول عنق الذاكر ...
- في رمزية الهايكو وتجلياتها
- -حين عبرت عائدة، ابتسمت دمشق-
- حين ابتسمت الخلايا… وابتدأتُ أنا
- تأملات فلسفية ونفسية في مشوار العمر والشيب-
- الزواج: ميثاق المحبة والسكينة بين الروح والجسد
- الأكسجين والغباء في منظور إنساني وفلسفي -
- طهي الثوم والبصل: مخاطر الحرارة العالية وحلول صحية
- وكان صوتًا… لا يُشبه الأصوات
- مزامير الفصول
- من ثدي واحد: مسرح الأدوار وتواطؤ الغايات
- الألم كجمالية وجودية: دراسة فلسفية وفكرية واجتماعية
- تأملات في فلسفة الحديث مع النفس
- اهتمامات المرأة بين البناء الذاتي والتحديات المجتمعية: قراءة ...


المزيد.....




- وزير الإعلام اللبنانى ينعى نجل الفنانة فيروز
- الممثلة المصرية لقاء سويدان تكشف إصابتها بالعصب السابع على ا ...
- -Paname-.. معرض الفنان التشكيلي الجزائري بلال حمداد يدخل با ...
- بعد صدور كتابه - أبو الهول حارس السر المجهول - ؛ اختيار عمرو ...
- سارايكتش للجزيرة نت: الاستشراق الصربي تحول إلى أداة لتبرير إ ...
- قصة الحب وراء تاج محل.. لماذا تتعدّد الروايات حول من شيّده؟ ...
- كيف تشكّل اللغة إدراكنا البصري؟
- باب شرقي وحيّه.. حيث تبدأ دمشق ويُشرق المعنى
- الرجال لا ينهارون! كيف تُنتج ثقافة القوة إرهاقا صامتا؟
- من هم قادة الرأي الرقميون؟ وكيف يؤثّرون علينا؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - المقامة الفاسدة