أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - خرفان بانورج: بين سيكولوجية القطيع وتميّز العقل الحر















المزيد.....

خرفان بانورج: بين سيكولوجية القطيع وتميّز العقل الحر


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8451 - 2025 / 8 / 31 - 00:36
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


من حكاية هزلية إلى نموذج أنثروبولوجي خالد
ليست الحكايات العظيمة سوى مرايا مكثّفة تعكس حقائق إنسانية معقّدة في قوالب بسيطة تلامس الوجدان قبل العقل. وقصة «خرفان بانورج» كما رواها الأديب الفرنسي فرانسوا رابليه في القرن السادس عشر ليست استثناءً من هذه القاعدة؛ فمن تحت عباءة الفكاهة والسخرية تطلّ أسئلة وجودية حول الحرية والمسؤولية والعقلانية والانتماء. إنها حكاية ليست عن خرافٍ طائشة، بل عن بشرٍ يتخلّى بعضهم عن أعظم هبةٍ منحهم إياها الوجود: القدرة على التفكير النقديّ المستقل.
تبدأ الحكاية باحتيالٍ ذكيّ من شخصية «بانورج» على البائع «دندونو». يشتري بانورج خروفًا واحدًا لا لحاجةٍ أو رغبةٍ في الامتلاك، بل بقصدٍ وحيد هو رميه في البحر. وما إن يقفز الخروف حتى يتحوّل المشهد إلى مأساةٍ جماعية؛ فيهوي القطيع بأكمله، بغريزةٍ عمياء، وراء قائدهم المتّجه إلى الهلاك، ويتبعه البائع اليائس نفسه الذي يحاول عبثًا إنقاذ ما تبقّى من رزقه، فيجد نفسه في النهاية غارقًا مع من أغراهم.
هذه القصة، التي قد تُروى للضحك في قاعات الدرس، تتحوّل تحت مجهر التحليل إلى «نموذجٍ أصلي» للسلوك الجمعيّ البشري. إنها استعارة مكتملة الأركان عن كيفية تحوّل الأفراد، تحت ضغط الجماعة والغريزة، إلى كتلةٍ متجانسة تسير نحو مصيرها بلا مساءلة. هذا المقال رحلة تأملية تحليلية نقدية داخل هذه الاستعارة، نكشف فيها الجذور النفسية والتاريخية لـ«عقلية القطيع»، ونقارب تجلياتها المروّعة في الواقع المعاصر، من الاقتصاد إلى السياسة، مرورًا بدهاليز العالم الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي. ونسأل في النهاية: كيف يُقاوِم المرء التيار؟ كيف يحافظ على فردانيته دون أن ينعزل؟ وكيف نربّي جيلًا لا يخاف أن يكون مختلفًا؟ سنستند إلى نظرياتٍ نفسية كلاسيكية مثل طروحات روبرت سيالديني وتجارب سولومون آش، مع وصلها بأحداثٍ تاريخية ومعاصرة لتعزيز الدلالة الاستعارية.

الفصل الأول: التشريح السيكولوجي للانقياد – لماذا نقفز مع القطيع؟
لفهم ظاهرة «خرفان بانورج»، ينبغي أوّلًا الغوص في الأعماق السيكولوجية للإنسان. لماذا يفضّل الفرد، كثيرًا، أن يُخطئ مع الجماعة بدلًا من أن يُصيب منفردًا؟ الإجابة ليست بسيطة؛ إنها مزيجٌ معقّد من الغرائز العميقة والحاجات النفسية والضغوط الاجتماعية، مدعومةٌ بدراساتٍ علمية تكشف آليات الدماغ البشري.
1. الحاجة إلى الانتماء: يُعدّ الانتماء إلى مجموعة أحد أقوى الدوافع البشرية على الإطلاق. بمنظارٍ تطوريّ، كان البقاء خارج القبيلة أو المجموعة يعني الموت المحقّق، جوعًا أو افتراسًا. لذلك تطوّرت فينا آلياتٌ نفسية عميقة تجعل رفض الجماعة أو استبعادنا منها أمرًا مؤلمًا يوازي الألم الجسديّ أحيانًا، كما أظهرت دراسات تصوير الدماغ. الانقياد للقطيع ثمنٌ ندفعه، غالبًا من غير وعي، لشراء تذكرة البقاء في دائرة المجموعة الآمنة. والخوف من الوحشة والنبذ الاجتماعي سلاحٌ فعّالٌ تستعمله الجماعة لتأديب المنشقّين وإجبارهم على الامتثال، وهو ما يفسّر انتشار التنمّر في المدارس والمجتمعات.
2. تشتّت المسؤولية: حين يكون الفرد جزءًا من جماعة، تذوب مسؤوليته الشخصية في بوتقة العمل الجماعي. الخطأ – إن وقع – لا يتحمّله وحده، بل يتوزّع على الجميع. هذه الظاهرة، التي درسها علماء النفس الاجتماعي بعمق مثل جون دارلي وبيبي لاتاني في تجارب «تأثير المتفرّج»، تخلق شعورًا زائفًا بالأمان. الفرد داخل القطيع لا يشعر بأنه مسؤولٌ عن قرار القفز؛ إنه ببساطة «يفعل ما يفعله الجميع». وهذه الآلية تفسّر كيف يمكن لأشخاصٍ طيّبين في العادة أن يرتكبوا أفعالًا همجيّة عندما يكونون جزءًا من حشدٍ غاضب، كما في الشغب الجماعيّ أو الجرائم الجماعية.
3. تحيّز الإثبات الاجتماعي: صاغ روبرت سيالديني هذا المفهوم في كتابه المؤثّر «التأثير». فحين يلتبس الأمر أو يَسود الغموض، ننظر إلى سلوك الآخرين لنحدّد ما هو الصحيح أو المناسب. إذا رأى الجميع أنّ الخروف يقفز، بدا – في عقولنا الغريزية – أنّ القفز هو التصرّف الصائب! يصبح سلوك الجماعة دليلًا على الحقيقة. وهذا التحيّز مفيدٌ في مواقف بسيطة (كاختيار مطعمٍ مزدحم)، لكنه كارثيّ حين يكون القطيع نفسه على خطأ، كما في انتشار الخرافات الطبية إبّان جائحة كوفيد-19.
4. تجارب سولومون آش: لا يمكن مناقشة الانقياد دون ذكر تجاربه الكلاسيكية في خمسينيات القرن الماضي. وضع آش مشاركين في غرفة مع متعاونين مُدرَّبين، وعرض عليهم خطوطًا بأطوالٍ مختلفة، وطُلِب من الجميع تحديد المتطابق. في الجولات الحاسمة قدّم المتعاونون إجابةً خاطئة واضحة. وكانت النتيجة مذهلة: قرابة ثلاثة أرباع المشاركين الحقيقيين وافقوا على الإجابة الخاطئة مرةً واحدة على الأقل، متنازلين عن بصرهم وحقيقتهم الواضحة فقط كي لا يختلفوا عن إجماع الجماعة. هؤلاء هم «خرفان بانورج» في المختبر؛ فضّلوا إنكار ما تراه العيون على مواجهة عزلة الاختلاف.

الفصل الثاني: تجليات القطيع في الواقع المعاصر – من السوق إلى الساحة الافتراضية
قفزة خرفان بانورج لم تكن حدثًا معزولًا في الماضي، بل نموذجًا يتكرّر يوميًّا في أسواقنا المالية وشوارعنا السياسية وشاشات هواتفنا، وقد تفاقم بفعل العولمة والتكنولوجيا.
1. القطيع في الأسواق والاقتصاد: البورصات العالمية مسرحٌ دائم لـ«خرفان بانورج». فما فقاعة «الدوت كوم» في أواخر التسعينيات، أو فقاعة العقارات الأمريكية التي قادت إلى الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أو حتى فقاعة العملات المشفّرة في عام 2021، إلا أمثلةٌ صارخة على الانقياد الجماعي. المستثمرون – بدافع الجشع والخوف من ضياع الفرصة – يندفعون لشراء أصولٍ مبالغٍ في تقييمها، فقط لأنّ الجميع يفعل ذلك. لا أحد يسأل عن القيمة الجوهرية؛ الكلّ يتبع الضجيج. وعندما تنفجر الفقاعة، يسقط الجميع في البحر، من كبار المستثمرين إلى صغارهم، تمامًا مثل البائع «دندونو» الذي سقط وهو يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وعلى المستوى الفرديّ نرى «الاستهلاك القطيعي»: اقتناء أحدث هاتف، أو ارتداء ماركة بعينها، أو التهام منتجٍ غذائي لأنه «شائع»، سلوكيات تستمدّ قوتها لا من قيمتها الاستعمالية بل من قوّة الإجماع الاجتماعي، كما في حملات التسويق الجماعي على المنصّات البصرية.
2. القطيع في السياسة: السياسة الحقل الأخصب لخداع عقلية القطيع. الزعيم الكاريزمي – الديماغوجي – هو «بانورج» العصر الحديث؛ لا يشتري الخروف ليطعمه، بل ليقتاده ومعه القطيع إلى حيث يشاء. عبر خطابات حماسية مبسّطة، وشيطنة الخصوم، واستثارة العواطف بدلًا من العقل، يُعطَّل النقد الفردي ويُذاب الشخص في كتلةٍ هائجة تهتف باسم الجماعة. قد تبدأ الثورات بأفكارٍ نَيّرة، لكنها كثيرًا ما تنقلب قطعانًا تطيح بكلّ شيء دون تمييز، ثم تقفز في النهاية إلى فراغ السلطة أو تقع في براثن طاغيةٍ جديد، كما حدث في بعض ثورات الربيع العربي وكما ظهر في صعود الشعبوية في أوروبا. أما الدعاية السياسية فتضخّم «إثباتًا اجتماعيًّا» زائفًا: «الغالبية تؤيّد القائد»، وهي رسالة تصمّ آذان الأقلية وتدفعها إلى الصمت أو الانصياع خوفًا من أن تكون الوحيدة التي لا تقفز.
3. العصر الرقمي: القفزة الكبرى للقطيع الافتراضي. إذا كان القطيع في الماضي يحتاج إلى ساحةٍ مادية ليتجمّع، فقد أطلقه العالم الرقمي من كل قيد. منصّات التواصل الاجتماعي هي محيط «بانورج» الجديد؛ سرعة انتشارٍ مذهلة وذوبانٌ للفرد في هويةٍ رقميةٍ جماعية.
– ثقافة «الترند»: صار الشيوع معيارًا أخلاقيًّا ومعرفيًّا. تبرز القضايا وتختفي لا لجوهر أهميتها، بل لقدرتها على إثارة فضول القطيع. يتحدّث الجميع عن الموضوع نفسه، بالزاوية نفسها، وبالعبارات الجاهزة نفسها، كأنهم خرافٌ تتبع صوتًا واحدًا، كما في حملات «أنا أيضًا» و«حياة السود مهمّة» التي بدأت بنُبلٍ ثم تحوّل بعضها إلى قطيعٍ يهاجم بلا تمييز.
– التضخيم والاستقطاب: تعزّز الخوارزميات عقلية القطيع عبر صناعة «غرف الصدى». لا يرى المستخدم إلا الآراء التي توافق هواه، فينشأ وهمٌ بأن «الجميع» يفكّر مثله. هذا يدفع الجماعات إلى مزيدٍ من التطرّف ويجعل أي صوتٍ معارض غريبًا وخطيرًا، فيُقصى أو يُهاجَم بشراسة، كما في ثقافة الإلغاء.
– الشائعات والأخبار الكاذبة: تنتشر مثل النار في الهشيم، لأن القطيع مستعدٌّ لنقلها دون تحقّق. يعمل «تحيّز الإثبات الاجتماعي» هنا: «ما دام الجميع يشاركونها فهي صحيحة». يصبح عدد المشاركات دليلًا على المصداقية بدلًا من التثبّت من المصدر ومنطق الخبر، كما رأينا في نظريّات المؤامرة حول اللقاحات.
– التحدّيات الخطيرة: تتجلّى الحكاية بأبشع صورها الحرفية؛ شبّان ويافعون يقفزون من علوّ، أو يتناولون موادّ سامة، أو يعرّضون أنفسهم للخطر، فقط لأن «الآخرين» فعلوا ذلك ونالوا «إعجابات». إنها قفزة خروف بانورج مباشرة إلى التهلكة، لكن أمام عيون الملايين، مثل «تحدّي كبسولات الغسيل» و«تحدّي الإغماء» اللذين أوديا بحيواتٍ كثيرة.

الفصل الثالث: الاستعارة الاجتماعية – من الخروف إلى المواطن المستهلك
تمتدّ استعارة بانورج إلى تشكيل الهوية في المجتمعات الحديثة. لم نعد مجرّد أفراد، بل «خراف» في قطعانٍ متعدّدة تستغلّها النظم الاجتماعية والاقتصادية.
– قطيع الهوية: ننتمي إلى قطعان الهوية: قومية، ودينية، وسياسية، وثقافية. تمنحنا هذه الانتماءات معنىً وأمانًا، لكن الخطر يبدأ حين تتحوّل إلى قفصٍ عقليّ نرفض فيه أي فكرة تأتي من خارج القطيع، ونتحوّل إلى حرّاسٍ نُهاجم كل «خروفٍ شارد» يحاول أن يفكّر بطريقةٍ مختلفة. تتغذّى الصراعات الطائفية والعنصرية على هذا النمط، كما في نزاعاتٍ إثنيةٍ كثيرة.
– قطيع الاستهلاك: النظام الرأسمالي الحديث لا يبيع منتجاتٍ فحسب، بل يبيع هوياتٍ وأحلامًا. لا تقول الإعلانات «اشترِ هذه السيارة»، بل تقول «انضمّ إلى قطيع الناجحين والجميلين والأقوياء». يغدو الشراء طقسًا للانتماء، وسبيلاً لإثبات أنك جزءٌ من القطيع «الصحيح». ومن يرفض منطق الاستهلاك أو يعجز عنه يُنظر إليه كأنه الخروف الغريب الذي لم يقفز بعد، فتتعزّز اللامساواة الاجتماعية.

الفصل الرابع: مقاومات التمرّد – كيف لا نصبح خرفان بانورج؟
الخروج من القطيع ليس دعوةً إلى العزلة والعدمية، بل إلى وعيٍ جديد ومسؤوليةٍ فردية. مقاومة عقلية القطيع تتطلّب شجاعةً يومية وتدريبًا مستمرًّا وأدواتٍ عملية قابلة للتطبيق.
1. تربية العقل النقدي: هذا السلاح الأهم. تعلّم طرح الأسئلة الأساسية: من القائل؟ ما مصلحته؟ أين الدليل؟ وما الرأي المقابل؟ ينبغي أن يصبح «لماذا؟» سؤالًا مقدّسًا يسبق كل تبنٍّ لفكرة أو فعل. والتربية في البيت والمدرسة يجب أن تنتقل من تلقين المعلومات إلى تعليم مهارات التساؤل والتشكيك البنّاء، على شاكلة برامج التعليم النقديّ في بعض التجارب المتقدمة.
2. التعرّف إلى التحيّزات المعرفية: إدراك أنّ لدينا ميلًا طبيعيًّا إلى «الإثبات الاجتماعي» أو الانحياز للجماعة هو نصف الطريق لمقاومته. حين نعي هذه الآليات في أعماقنا، نصير قادرين على رصدها حين تبدأ في التأثير على قراراتنا. ويمكن تعميق هذا الوعي بقراءة كتبٍ مثل «التفكير السريع والتفكير البطيء» لدانيال كانيمان.
3. تحمّل المسؤولية الفردية: يجب كسر وهم «تشتّت المسؤولية». كلّ فردٍ مسؤولٌ عن أفعاله، ولو كان واحدًا بين الملايين. السؤال الذي ينبغي أن يواجه به المرء نفسه ليس «ماذا يفعل الآخرون؟» بل «ما الصواب الذي أؤمن به؟ وما العواقب التي أستعدّ لتحمّلها نتيجة فعلي؟»، على مثال من وقفوا ضدّ التيار مثل روزا باركس.
4. تنويع المصادر: لمواجهة «غرف الصدى» لا بد من الخروج عمدًا من دائرة المعلومات المريحة؛ متابعة وجهاتِ نظرٍ مخالفة، وقراءة تحليلاتٍ من خلفياتٍ فكريةٍ متنوّعة، والسعي إلى فهم الآخر بدلًا من تسفيهه. هذا يُثري التفكير ويقيه الجمود القطيعي. ويمكن تطبيق ذلك باستخدام منصّات قراءةٍ تجمع مصادر متباينة مثل «فليببورد» ونظائرها.
5. التمييز بين الانتماء الصحي والانقياد الأعمى: الانتماء إلى جماعةٍ قيمةٌ إنسانية إيجابية، لكن الصحة في أن يكون اختيارًا واعيًا قائمًا على قيمٍ مشتركة واحترامٍ متبادل، لا على الخوف أو الإكراه. أن تكون جزءًا من مجموعة لا يعني أن تتنازل عن حقّك في قول «لا» عندما تتعارض أفعال المجموعة مع قيمك أو عقلك، بل يعني بناء جماعاتٍ تتّسع للاختلاف على صورة الديمقراطيات الناضجة.

الفصل الخامس: القطيع بين الأدب والفلسفة والدين
قبل الخاتمة، يحسن أن نستعرض تجلّيات هذه الاستعارة عبر التاريخ الفكري والثقافي: في الأدب والفن والنصوص الدينية والفلسفة، كي نرى أنها ليست سلوكًا اجتماعيًّا عابرًا، بل جوهرٌ إنسانيّ يتردّد في أعمق التراث البشري.
– في الأدب والفن: لم تكن قصة خرفان بانورج سوى بذرةٍ لمئات الأعمال التي جسّدت مأساة الانقياد الجمعي. ففي رواية «مزرعة الحيوانات» لجورج أورويل تهتف الخراف بلا وعي بشعارٍ مُلقَّن: «أربع أرجلٍ جيّدة، رجلان سيّئان». هذه الجملة تلخّص عمى القطيع الذي يتحوّل إلى أداةٍ تبرّر ديكتاتوريةً ناشئة. وأما التجربة المدرسية الواقعية التي عُرفت بعنوان «الموجة»، حيث ابتكر معلّمٌ ألماني تجربةً صفّية لشرح نشأة الأنظمة الفاشية، فقد تحوّل الطلاب خلالها – في أيامٍ قليلة – إلى حركةٍ منضبطة تُقصي الرافضين، وانتهت بصدمةٍ حين أدركوا أنهم صاروا نسخةً مصغّرة من النازية التي ظنّوا أنفسهم بمنأى عنها. إنهم «خرفان بانورج» بزيٍّ مدرسي. وحتى في السينما الحديثة، تُلمّح أفلام الرعب مثل «اخرج» و«ميدسومار» إلى تحوّل الفرد إلى مجرّد ضحيةٍ في طقوسٍ جماعية، حيث لا مكان للعقل الفردي أمام جاذبية الطقس أو «النظام المغلق» للجماعة. هذه الأعمال ليست ترفيهًا محضًا، بل إنذاراتٌ فنية من مخاطر الاندماج الأعمى.
– في النصوص الدينية: لم تغفل الكتب المقدّسة هذه الظاهرة، بل حذّرت منها بوضوح. ففي القرآن الكريم: «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (الأنعام: 116). تحذيرٌ صريحٌ من سلطة الأكثرية إذا خلت من بصيرة. والكثرة ليست ضمانًا للصواب بل قد تكون برهانًا على التيه. وفي الإنجيل أيضًا: «ادْخُلُوا مِنَ الْبَابِ الضَّيِّقِ، لِأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ» (متى 7: 13). مرّة أخرى، تُربط الكثرة بالهلاك، وتُحيل النجاة إلى الطريق الأصعب والأقلّ ازدحامًا. إذن، لا تمجّد النصوصُ الانعزال، لكنها تؤكّد قيمة العقل الفردي ومسؤولية المؤمن في التثبّت والتفكّر قبل الاتّباع، فتغدو مصدرَ إلهامٍ لمقاومة الغريزة القطيعية.
– في الفلسفة الوجودية: رأى سورين كيركغارد أنّ «الجمهور» أخطرُ كذبةٍ عرفها البشر، لأنه يذيب الفرد في مجهولٍ جماعيٍّ بلا مسؤولية. واعتبر جان بول سارتر أنّ الإنسان محكومٌ بالحرية، وأنّ الهروب منها عبر الانصهار في القطيع هو «سوءُ نيّة». الحرية ليست هبةً سهلة بل قلقًا دائمًا؛ أن تختار بنفسك يعني أن تتحمّل قلق الخطأ ووحشة الطريق الفردي، لذا يلوذ كثيرون بالقطيع حيث تختفي المسؤولية ويذوب الصوت الفردي في الجوقة. لكن النتيجة، كما يحذّر سارتر، أن يفقد الفرد ذاته، فيغدو خروفًا يقفز مع الآخرين ولو كان البحر تحت قدميه.
من خراف بانورج إلى إنسان المقاومة
يتّضح أن صورة الخراف ليست سخريةً من سلوكٍ عابر، بل رمزٌ إنسانيٌّ خالد: في الأدب صارت صرخةً ضدّ الديكتاتورية، وفي الدين تحذيرًا من غواية الأغلبية، وفي الفلسفة نقدًا للهروب من الحرية. الخروف الذي يقفز من السفينة ليس حيوانًا فحسب؛ إنه الإنسان حين ينسى أنه كائنٌ حرّ، فيفضّل السير حيث يسير الآخرون. وهذا التراث يعزّز دعوةَ المقاومة التي ناقشناها في الفصول السابقة، محوّلًا الاستعارة إلى أداةٍ للتأمّل الذاتيّ.

في النهاية: بين فردانية العقل ووحشة الحرية
تتركنا قصة خرفان بانورج، في نهايتها المأساوية، أمام خيارٍ وجوديٍّ عسير: من جهةٍ أمانُ القطيع ودفء الانتماء الذي لا يتطلّب جهدًا لكنه قد يفضي إلى الهاوية، ومن جهةٍ أخرى مشقّةُ الفردية ووحشةُ الوقوف منفردًا، وهي وحشةٌ تصحبها كرامةُ استعمال العقل وامتلاك المصير. الحرية الحقيقية ليست فعلَ ما نريد، بل القدرة على اختيار ما نريد بناءً على تفكيرٍ مستقلٍّ ومسؤول. إنها الجهد اليوميّ لمواجهة «بانورج» الداخلي الذي يهمس لنا بأن نسلّم قيادنا للآخرين، و«بانورج» الخارجي المتمثّل في كل من يسعى لاستغلال غرائزنا القطيعية لمصلحته. وربّما كان سقوط البائع «دندونو» أكثر أجزاء القصة عمقًا: إنه تنبيهٌ إلى أنّ مَن يستفيد من القطيع أو يتاجر به قد يصير في نهاية المطاف ضحيةَ هوسه. فالنظام الذي يُغذّي الغوغاء قد يلتهم أبناءه. وفي عصرنا، حيث صارت الدعوات إلى القفز أسرع وأكثر إغراءً من أي وقتٍ مضى، تذكّرنا حكاية رابليه – مؤازَرةً بتراث الأدب والدين والفلسفة – بأن مصيرنا محصّلةُ خياراتنا الفردية. أن نرفض أن نكون خرفانًا لا يعني أن نصير ذئابًا معزولين، بل أن نكون بشرًا واعين، نبني جماعاتٍ على عقدٍ اجتماعيٍّ واعٍ، حيث ينهض العقل الفرديّ شامخًا، يصون حريته وكرامته، ويحفظ للآخر حقَّه في الاختلاف. عندها فقط نكسر حلقة القفز الأبدي إلى المجهول، ونؤسّس مجتمعاتٍ أعدلَ وأرحم



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نظرية الكون 25: حين تتحول الجنة إلى مقبرة
- نظرية -الضفدع المسلوق-: كيف يقتلنا التكيف المفرط مع الأوضاع ...
- فن القيادة الصعبة: بين بصيرة القائد وتحدي القرارات
- الشركات والدول المستفيدة من الإبادة الجماعية في غزة
- الكاهن والشيطان: جحيم دوستويفسكي فوق جدران الزنزانة
- المستشار: بين هيبة الصلاحيات وفقدان الفحولة
- انتقام أولجا من الدريفليان: تشريح الغضب المُبرَّر والدهاء ال ...
- الفرق بين القانون والأخلاق في فلسفة إيمانويل كانط
- لم أخنك حتى في أفكاري: دوستويفسكي والحب كمرآة للوجود
- حين يتحدث الإنسان إلى الطير: من نبي الله سليمان إلى تجارب ال ...
- التواضع والمحبة في التعامل مع الآخرين: رؤية إنسانية وفلسفية ...
- ومضات من حياة فيرجينيا وولف
- ومضلات من حياة كافكا وهل كان يكتب عن العبث الإنساني… أم عن ا ...
- نظرية باريتو: من حقول البازلاء إلى قانون عمل وفلسفة اقتصاد
- كائنات صغيرة، كوابيس صناعية: عندما تُهدِّد الأحياء الغازية أ ...
- ثلاثة أرواح أثمرت إبداعًا فوق شجرة المعاناة .. حين يصبح الجر ...
- فاسكو دي جاما: الوجه الدموي وراء أسطورة “مكتشف” رأس الرجاء ا ...
- الجزائر المحروسة بالله: حينما نزلت السماء إلى ساحة المعركة
- بين براءة التفاؤل وجحيم الآخر: دع الحياة تمر، لا تتعثر في أر ...
- الذكاء الاصطناعي ينهش الوظائف التقليدية… والتعليم لا يزال في ...


المزيد.....




- استغرقت الحوثيين أيامًا للاعتراف.. غارة إسرائيل استهدفت اجتم ...
- إدارة ترامب تقرر تسريح غالبية صحفيي إذاعة -صوت أمريكا- رغم ا ...
- بوتين يصل إلى الصين وزيلنسكي يدعو للضغط عليه لوقف الحرب
- السودان: قائد قوات الدعم السريع حميدتي يؤدي اليمين رئيسا لحك ...
- إسرائيل تقصف مواقع تحت الأرض لحزب الله بجنوب لبنان
- السعودية والإمارات وقطر في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي
- هل يلتهم النفوذ الأميركي الزاحف ما تبقى من مصالح روسية في ال ...
- إدارة ترامب تسعى لإعادة تسمية البنتاغون إلى وزارة الحرب
- متطوعو أسطول الصمود.. جيش خفي حمل السفن على عاتقه
- بين الدعاية والحرب النفسية.. إسرائيل تدعي اغتيال -الملثم- بغ ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - خرفان بانورج: بين سيكولوجية القطيع وتميّز العقل الحر