أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي
(Ozjan Yeshar)
الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 20:14
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كان قفص صغير معدني أشبه بمدينة مصغّرة هو البداية. في ذلك المكان المجهّز بأنابيب ماء لا تنقطع، وغذاء دائم التدفق، وأماكن نظيفة مرتبة للنوم والراحة، لم يكن ينقص الفئران شيء سوى الخطر. عالم الأحياء الأمريكي جون كالهيون أراد أن يختبر المجتمع حين يُعفى من الجهد، ويُعزل عن الخوف، ويُغمر بالراحة. لم يضع لهم أعداء، لم يتركهم يواجهون جوعاً أو عطشاً، لم يضع قطة تتربص بهم أو بومة تحلّق فوقهم. كل شيء كان محكوماً بأن يعيشوا في فردوس لا ينضب. لكنه لم يكن فردوساً، بل بداية مقبرة جماعية.
أدخل كالهيون أربعة أزواج فقط، أي ثمانية فئران، في ذلك المكان الذي حمل اسم الكون 25. وفي الأشهر الأولى تكاثرت الفئران بسرعة، وكأنها وجدت نفسها في جنة موعودة. الطعام متوفر بلا حدود، الماء يتدفق بلا جهد، المأوى دافئ، والجو آمن. بدا وكأن الحياة بلغت كمالها. بعد أقل من عام وصل العدد إلى نحو ستمئة، وكان المشهد أشبه بمدينة صاخبة، فيها تسلسل هرمي، فيها الأقوياء الذين يسيطرون على الطعام والإناث، والضعفاء الذين يكتفون بالبقايا، فيها الأمهات الحنونات اللاتي يعتنين بالصغار، والذكور الذين يحمون مساكنهم. لكن تلك كانت لحظة الذروة، اللحظة التي تخفي وراءها بداية الانحدار.
لم يحتج الأمر أكثر من بضع مئات من الأيام حتى بدأ التغير. انقلبت أدوار الذكور، تراجع كثيرون عن التزاوج، انسحبوا إلى زوايا مظلمة يكتفون بالأكل والشرب ثم النوم. بعضهم فقد رغبته الجنسية تماماً، كأنه استسلم لعدم الجدوى. أما الذكور الأكبر حجماً فقد تحولت إلى مفترسات داخلية، تهجم على الأضعف بلا سبب، تمزقها كما لو كان الخطر الخارجي الذي غاب قد تجسّد في إخوتها. الأمهات اللاتي كن يعتنين بالصغار هجرنهم فجأة، بعضهن قتلنهم، بعضهن هاجمن صغار إناث أخريات. ارتفعت نسبة موت الصغار إلى مئة بالمئة تقريباً. ومع مرور الوقت ظهرت سلوكيات لم يسبق أن لوحظت: المثلية، الانعزال التام، أكل لحوم بعضهم البعض رغم وفرة الطعام.
وبعد نحو عامين وُلد آخر فأر. توقفت الحياة البيولوجية عن إنتاج نفسها، لم يعد هناك أي دافع للتكاثر. كان القفص مليئاً بالماء والطعام والمساكن، لكنه فارغ من المعنى. ثم بدأ الموت التدريجي حتى انقرض الجميع عام 1973. والمذهل أن التجربة أعيدت خمساً وعشرين مرة، وكل مرة كانت النتيجة نفسها: الانقراض رغم الوفرة.
هذه التجربة لم تكن عن الفئران فقط، بل عن الإنسان أيضاً. كالهيون أراد أن يقول: إن المجتمعات، حين تُعفى من التحديات ويُرفع عنها الخطر، تفقد دوافعها وتموت من الداخل. ليست الحياة حاجة إلى الطعام والشراب فقط، بل حاجة إلى معنى يُولد من مواجهة النقص والتحدي.
هذا المشهد الرمزي يجعلنا نتساءل: أليست الولايات المتحدة الأمريكية نسخة بشرية من الكون 25؟
إنها أرض الوفرة، حيث أكبر اقتصاد عالمي، شركات عملاقة تتحكم بالمال والتكنولوجيا، جيش لا يُقهر، مدن مضاءة على مدار الساعة. لكنها في الوقت نفسه أرض التشرد، حيث ينام مئات الآلاف في الشوارع بلا مأوى، وحيث ملايين الطلاب يغرقون في ديون تصل إلى تريليونات، وحيث الإدمان على الأفيونيات يقتل أكثر من مئة ألف شخص في عام واحد. هذه ليست مفارقات عابرة، بل دلائل على مجتمع يشبه قفص الفئران: وفرة مادية تقابلها ندرة في المعنى.
المشردون في شوارع لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو ونيويورك هم الفئران البؤساء في التجربة، الذين لم يجدوا لهم مكاناً في التراتبية الاجتماعية. ديون الطلاب التي تتجاوز تريليوناً وسبعمئة مليار دولار هي القفص غير المرئي الذي يُحكم إغلاقه على الشباب، فيبدأون حياتهم عبيداً للنظام المالي. الإدمان على المخدرات، خاصة الأفيونيات، هو انسحاب داخلي شبيه بانسحاب ذكور الفئران التي فقدت الرغبة في التزاوج والقيادة. العنف في المدارس، والانتحار، وتراجع معدلات الزواج والخصوبة، كلها نسخ بشرية من السلوكيات المنحرفة التي ظهرت في الكون 25.
وحين نعود إلى الصورة الكبرى نجد أن أمريكا، كي لا تنهار من الداخل، صنعت لنفسها أعداء في الخارج. كما أن الفئران حين غاب عنها الذئب، تحولت إلى ذئاب ضد بعضها، فإن الولايات المتحدة حين غاب عنها الخطر الوجودي بعد الحرب العالمية الثانية، وجدت نفسها بحاجة إلى عدو دائم. في الخمسينات كان الاتحاد السوفيتي، في الثمانينات كانت اليابان منافساً اقتصادياً، في التسعينات والإلفينيات كان الإرهاب الإسلامي، واليوم الصين وروسيا والمهاجرون والمكسيكيون. لا بد من عدو خارجي ليبقى الداخل متماسكاً، ولتبرر الدولة إنفاقها العسكري الهائل الذي تجاوز ثمانمئة مليار دولار سنوياً.
العدو هنا ليس مجرد خطر، بل وظيفة نفسية واجتماعية. كما قال المعتزلة إن الإنسان لا يكون له معنى بلا تكليف، فإن المجتمع لا يكون له معنى بلا تحديات. ولو ترك بلا ابتلاء، انغمس في عبثيته حتى يفنى. الحرية إذا لم تقترن بمسؤولية تتحول إلى فوضى، والرفاهية إذا لم تقترن بالمعنى تتحول إلى عبودية جديدة.
وقد رأينا ذلك في التاريخ مراراً. الإمبراطورية الرومانية حين شبعت وترفعت عن القتال، تركت شؤونها للعساكر المرتزقة، ثم سقطت أمام البرابرة. الأندلس ازدهرت، لكنها انقسمت وتناحرت تحت ترف القصور، حتى غدت لقمة سائغة. وعلى العكس، اليابان بعد الحرب العالمية الثانية حولت محنتها إلى تحدٍ، فانطلقت تصنع من الفقر معنى ومن الهزيمة دافعاً، فنهضت بدلاً من أن تنهار.
لكن أمريكا، وهي في ذروة قوتها، تعيش مأساة الوفرة. في الداخل، ملايين بلا تأمين صحي رغم دفعهم الضرائب، ملايين بلا مأوى، ملايين ينهشهم الإدمان، وملايين من الأطفال ينشؤون في أسر مفككة. في الخارج، عداء مصطنع يُعاد تدويره من حقبة إلى أخرى. وهنا يظهر المعنى الرمزي الأعمق: الإنسان حين يغيب عنه الذئب، يخترع ذئباً جديداً.
اليوم، لم يعد القفص مادياً فقط، بل رقمياً. شبكات التواصل الاجتماعي أقفاص من الضوء، يتزاحم فيها البشر كما تزاحمت الفئران في الأنفاق. المؤثرون هم النسخة الجديدة من الذكور المهيمنين، والمتابعون السلبيون هم الذكور المنسحبون. المراهقون والمراهقات الذين يقضون ساعات في مشاهدة صور مكررة على شاشات هواتفهم، ثم ينامون في عزلة، يشبهون تلك الفئران التي كانت تكتفي بالأكل والنوم، بلا رغبة في شيء آخر. إنها نسخة رقمية من الكون 25، حيث الوفرة المعلوماتية لا تُنتج إلا فراغاً معنوياً.
والسؤال: هل يمكن لمجتمع أن ينجو من هذا المصير؟ هل هناك طريق آخر غير الانقراض؟
الجواب ربما يكمن في استعادة معنى التكليف. المعتزلة رأوا أن العقل حجة الله على خلقه، وأن الإنسان لا يكون إلا بالامتحان. المجتمعات تحتاج إلى امتحان أيضاً، تحتاج إلى نقص يقودها إلى الإبداع، إلى خطر يذكّرها بأنها حية. المجتمعات التي تغرق في الراحة والوفرة تفقد معنى وجودها، كما فقدته الفئران.
الآية القرآنية تقول: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾. هذا القانون الكوني ظهر في القفص المعدني لعدة فئران، وظهر في شوارع أمريكا المضيئة. فالوفرة المطلقة ليست رحمة، بل فتنة.
في النهاية، تبدو أمريكا كما وصفها البعض: إنسان يأكل ظله. لديها كل شيء من القوة والثروة والتكنولوجيا، لكنها تفتقد المعنى. وفي غياب المعنى، تلتهم نفسها كما التهمت الفئران صغارها رغم وفرة الطعام. إنها تسير على حافة الانقراض الرمزي، حتى لو بقيت مادياً الأقوى.
المشردون الذين ينامون في شوارع كاليفورنيا هم شهادة حيّة على أن الوفرة لم تمنح الأمان. الطلاب الغارقون في الديون يثبتون أن الحرية المالية مجرد وهم. الإدمان على الأفيونيات والانتحار الجماعي يقولان إن الوفرة لم تمنح السعادة. وحين تُجمع هذه الصور، نجد أننا لا نقرأ عن الفئران فقط، بل عن الإنسان الحديث الذي شيّد لنفسه قفصاً أكبر، سماه الحضارة الرأسمالية.
هذه ليست دعوة إلى الفقر، بل دعوة إلى التوازن. ليست دعوة إلى الخوف، بل إلى الاعتراف بأن غياب الخوف ليس خلاصاً. أن يعيش الإنسان في خطر دائم ربما أكثر إنسانية من أن يعيش في أمان قاتل. وأن يفتش عن معنى يواجه به المجهول ربما أكثر جدوى من أن يكتفي بالطعام والشراب والنوم.
إن الكون 25 لم يكن عن الفئران فقط. لقد كان مرآة. وما يراه الأمريكي اليوم في شوارع مدنه هو صورته في تلك المرآة. فإذا لم يتدارك نفسه، فإن ما انتهى في قفص صغير عام 1973 سينتهي في قفص كبير اسمه الحضارة.
⸻
المراجع العلمية
1. John B. Calhoun. Death Squared: The Explosive Growth and Demise of a Mouse Population. Proceedings of the Royal Society of Medicine, 1973.
2. Ramsden, Edmund. “Social Demography and Calhoun’s Rodent Experiments.” Journal of Social History, 2008.
3. National Institute on Drug Abuse (NIDA). “Overdose Death Rates.” 2022.
4. U.S. Department of Housing and Urban Development (HUD). “Annual Homeless Assessment Report.” 2023.
5. Pew Research Center. “Marriage and Cohabitation in the U.S.” 2020.
6. World Bank. “United States Poverty & Equity Brief.” 2022.
7. Education Data Initiative. “Student Loan Debt Statistics.” 2025.
8. Putnam, Robert. Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. 2000.
9. Wilkinson, Richard. The Impact of Inequality. Routledge, 2005.
#أوزجان_يشار (هاشتاغ)
Ozjan_Yeshar#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟