أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أوزجان يشار - نظرية -الضفدع المسلوق-: كيف يقتلنا التكيف المفرط مع الأوضاع الخاطئة؟















المزيد.....

نظرية -الضفدع المسلوق-: كيف يقتلنا التكيف المفرط مع الأوضاع الخاطئة؟


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 09:10
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


منذ قديم الزمان استخدم البشر الحكايات الرمزية لتفسير حياتهم، وإيصال الحكمة بأبسط صورة. ولعلّ حكاية “الضفدع في الماء المغلي” واحدة من أبرز تلك الاستعارات التي انتشرت في العالم الحديث. تقول الحكاية: إذا وضعت ضفدعًا في إناء مملوء بماء بارد ثم أشعلت النار تحته، فإن الضفدع سيبقى ساكنًا، يتأقلم مع الحرارة المتزايدة درجة بعد درجة. ومع كل ارتفاع طفيف يظل مطمئنًا إلى أن الأمر قابل للتحمّل. لكنه حين يصل الماء إلى الغليان، يكون الضفدع قد أنهك نفسه في التكيف ولم يعد قادرًا على القفز، فيموت. بينما لو وضِع الضفدع مباشرة في ماء يغلي، لقفز في اللحظة الأولى ونجا.

هذه القصة التي يشكك العلماء في صحتها كحقيقة بيولوجية، ليست مهمة من حيث التجربة العلمية بقدر أهميتها كرمز إنساني عميق. فما يقتل الضفدع ليس الماء المغلي، بل عدم قدرته على إدراك اللحظة الحاسمة التي كان ينبغي أن يقفز فيها. وهكذا الإنسان: ما يفتك بنا ليس الظلم وحده، ولا الأذى وحده، بل استمرارنا في التكيف مع الأوضاع الخاطئة حتى نفقد القدرة على المغادرة.

نحن مخلوقات بارعة في التكيف. هذه القدرة أنقذت البشرية في أزمنة المجاعات والحروب والكوارث. بفضل التكيف، عاش الإنسان على قمم الجبال وفي الصحارى القاحلة، ونجا من أوبئة وحروب. لكنه في الحياة اليومية، حين تُستخدم هذه القدرة في غير موضعها، تتحول إلى لعنة. يصبح التكيف وسيلة لتخدير وعينا، نقبل الألم ونؤجل المواجهة، ونظن أن الصبر سيغير الواقع. لكن الصبر حين يتجاوز حده، يصبح استسلامًا.

إن ما يجعل “نظرية الضفدع المسلوق” مرعبة ليس موت الضفدع، بل تشابه مصيره مع مصير الإنسان حين يتعود على الألم. العلاقة المؤذية لا تبدأ صاخبة، بل تبدأ بتفصيل صغير: كلمة جارحة، موقف فيه إهمال، تجاوز لحد بسيط. ومع كل مرة، يقول الإنسان في داخله: “سأصبر، سيتغير، هي مجرد لحظة عابرة”. لكن الماء يسخن. وهكذا تتكرر الدائرة حتى يتلاشى الصوت الداخلي الذي يطالب بالنجاة.

وقد كتب جبران خليل جبران يومًا: “ويل لأمة تكثر فيها المساكن وتخلو من البيوت، وتكثر فيها الثياب وتخلو من الستر، وتكثر فيها القوانين وتخلو من العدالة.” وهذا يذكّرنا بأن ما يفتك بالمجتمعات والأفراد ليس الانفجار المباشر، بل الاعتياد التدريجي على الخطأ، والسكوت المتراكم حتى يصبح الظلم عاديًا، والإهانة مقبولة، والخذلان جزءًا من يومياتنا.

تأمل الموظف الذي يعمل في مؤسسة تُهينه يوميًا. يُثقلونه بالمهام، يُحرم من التقدير، ويُقارن دائمًا بغيره. لكنه يبقى. يبرر لنفسه: “على الأقل لدي راتب”، “سيتغير الوضع”، “كل الشركات هكذا”. ومع مرور السنوات، يجد نفسه محطمًا، فاقدًا للشغف، يعيش حالة من الغليان الداخلي. ما دمّره لم يكن العمل وحده، بل التكيف المفرط مع بيئة مسمومة.

وفي العلاقات العاطفية، يَظهر المثال جليًا. شخص يقبل خيانة مرة، إهانة أخرى، تجاهلًا متكررًا. يقول: “إنه يمر بضغط”، “هي ستتغير”، “الحب يتحمل كل شيء”. لكن ما يتحمل هنا ليس الحب، بل الكرامة التي تتفتت ببطء. وعندما يحاول أن يغادر، يجد نفسه منهكًا، فاقدًا للإرادة. فاللحظة المناسبة للقفز ضاعت، كما ضاعت حياة الضفدع.

لكن لماذا لا نقفز؟ لماذا نظل في ماء يغلي ونحن نعرف أن نهايتنا هناك؟
الجواب مركب. أولًا: الخوف من المجهول. الإنسان يفضّل المعلوم المؤلم على المجهول الذي قد يكون أفضل. ثانيًا: وهم الأمل، نعيش على فكرة أن الغد قد يحمل تغييرًا، ونؤجل الانسحاب انتظارًا لمعجزة. ثالثًا: التعلق العاطفي، حيث يصبح الجرح جزءًا من الهوية فلا نستطيع التخيّل من دونه. رابعًا: الضغوط الاجتماعية، التي تجعل الفرد يخشى أن يُتّهم بالهروب أو الفشل.

وهنا يحضرنا قول فيكتور فرانكل وهو طبيب نفسي يهودي نجا من معسكرات النازية: “حين لا نعود قادرين على تغيير الظروف، نُجبر على تغيير أنفسنا.” غير أن فرانكل لا يقصد الاستسلام، بل إعادة تعريف علاقتنا بالمعاناة. لكنه أيضًا يحذّر من أن قبول الظرف لا يعني البقاء في قفصه إلى الأبد.

إن أصعب ما في الأمر أن الأوضاع المسمومة لا تُعلن نفسها. لا تقول لنا: “انتبه، لقد بدأ الغليان”. بل تتسلل إلينا عبر خطوات صغيرة غير محسوسة. وهنا تكمن خطورة التكيف: أنه يخدّر وعينا. لذلك، من الضروري أن ننتبه إلى العلامات المبكرة: الإرهاق المزمن، فقدان الاحترام المتبادل، غياب الفرح، الشعور بالذوبان الداخلي، غياب الأفق. هذه إشارات يجب أن نقرأها بجدية، لا أن نبررها.

حين نتحدث عن “القفز”، فإننا نتحدث عن الشجاعة في لحظة الحسم. أن تقول “لا” حين يجب قولها، أن تنسحب حين يصبح البقاء تدميرًا للذات. ليس في القفز عيب، بل فيه نجاة. لقد قال ألبير كامو: “في أعماق الشتاء، اكتشفت أن بداخلي صيفًا لا يُقهر.” وهذا الصيف الداخلي لا يسطع إلا إذا تحررنا من الثلوج التي تكبلنا، والقيود التي نغرق فيها.

من منظور فلسفي، الزمن هنا هو العامل الحاسم. كلما تأخرت لحظة القفز، كلما فقدت الطاقة على المغادرة. فالزمن لا يداوي الجروح دائمًا، بل أحيانًا يعمقها. ابن خلدون تحدث عن المجتمعات التي تعتاد على الاستبداد، حتى يصبح الظلم جزءًا من طبائعها. وكأنها تعيش في ماء يغلي ولم تعد تملك القدرة على الانفجار.

إن بناء ثقافة “القفز الصحي” مسؤولية فردية وجماعية. على الفرد أن يدرك أن حياته أثمن من أن تُستنزف في علاقة سامة أو وظيفة خانقة. وعلى المجتمع أن يتعلم أن الرحيل ليس فشلًا، بل وعيًا بالحدود. كما يجب أن نُربي أبناءنا على أن قول “لا” ليس جريمة، بل حق، وأن الحب لا يعني التضحية بالكرامة.

هناك أمثلة كثيرة على من قفزوا ونجوا. شابة تركت علاقة مسيئة فوجدت ذاتها من جديد. رجل استقال من وظيفة تُهينه فبدأ مشروعًا بسيطًا لكنه جلب له السعادة. شعوب بأكملها كسرت صمتها فقلبت أنظمة كاملة. كل هؤلاء لم يكونوا أبطالًا خارقين، بل مجرد أشخاص أدركوا أن القفز أنبل من الاحتراق.

لقد كتب محمود درويش: “ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا.” والقفز هو سبيلنا للحياة. أن نرفض أن نُسلق في ماء الغليان البطيء، أن نؤمن أن الحب احترام، أن نعتبر العمل وسيلة للكرامة لا للاستنزاف، أن نرى أن الصمت المستمر ليس حكمة بل موت بطيء.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام كل واحد منا: هل نحن اليوم ضفدع في ماء يغلي ببطء؟ هل نبرر لأنفسنا أوضاعًا سامة بدعوى التكيف؟ وهل سنقفز في الوقت المناسب قبل أن يفوت الأوان؟

الضفدع لم يمت لأنه لا يعرف السباحة، بل لأنه لم يُحسن التوقيت. ونحن كذلك: ما يقتلنا ليس قسوة الظروف وحدها، بل عجزنا عن إدراك اللحظة التي يجب أن نقول فيها: كفى ثم نقفز بعيدا.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فن القيادة الصعبة: بين بصيرة القائد وتحدي القرارات
- الشركات والدول المستفيدة من الإبادة الجماعية في غزة
- الكاهن والشيطان: جحيم دوستويفسكي فوق جدران الزنزانة
- المستشار: بين هيبة الصلاحيات وفقدان الفحولة
- انتقام أولجا من الدريفليان: تشريح الغضب المُبرَّر والدهاء ال ...
- الفرق بين القانون والأخلاق في فلسفة إيمانويل كانط
- لم أخنك حتى في أفكاري: دوستويفسكي والحب كمرآة للوجود
- حين يتحدث الإنسان إلى الطير: من نبي الله سليمان إلى تجارب ال ...
- التواضع والمحبة في التعامل مع الآخرين: رؤية إنسانية وفلسفية ...
- ومضات من حياة فيرجينيا وولف
- ومضلات من حياة كافكا وهل كان يكتب عن العبث الإنساني… أم عن ا ...
- نظرية باريتو: من حقول البازلاء إلى قانون عمل وفلسفة اقتصاد
- كائنات صغيرة، كوابيس صناعية: عندما تُهدِّد الأحياء الغازية أ ...
- ثلاثة أرواح أثمرت إبداعًا فوق شجرة المعاناة .. حين يصبح الجر ...
- فاسكو دي جاما: الوجه الدموي وراء أسطورة “مكتشف” رأس الرجاء ا ...
- الجزائر المحروسة بالله: حينما نزلت السماء إلى ساحة المعركة
- بين براءة التفاؤل وجحيم الآخر: دع الحياة تمر، لا تتعثر في أر ...
- الذكاء الاصطناعي ينهش الوظائف التقليدية… والتعليم لا يزال في ...
- كين نورتون: المارينز الذي هزَمَ العمالقة.. وقهره النسيان
- ست ساعات في أديس أبابا: عبورٌ في شرايين القارة القديمة


المزيد.....




- الثنائي جورج وأمل كلوني يسرقان الأضواء في مهرجان البندقية
- شاهد محتويات كبسولة زمنية خبأتها الأميرة ديانا بمستشفى للأطف ...
- سيلينا غوميز تنشر صور حفل وداع عزوبيتها على متن يخت
- الملف النووي الإيراني وفرصة الـ30 يوماً.. ماذا ينتظر طهران إ ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن مدينة غزة -منطقة قتال خطرة- ويستعيد رف ...
- نزوح جماعي من مدينة غزة.. قوافل الفلسطينيين تتزايد تحت وطأة ...
- رسالة من غزة: -ربما نعيش آخر أيامنا-.. الهلاك يحيط بالغزيين ...
- ثلاث قوى أوروبية تعيد فرض العقوبات على إيران.. ما موقف طهران ...
- الصين.. انهيار أرضي يبتلع سيارة
- الجيش الإسرائيلي على مشارف مدينة غزة بعد تدمير أكثر من 1500 ...


المزيد.....

- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ
- العلاقة التاريخية والمفاهيمية لترابط وتعاضد عالم الفيزياء وا ... / محمد احمد الغريب عبدربه
- تداولية المسؤولية الأخلاقية / زهير الخويلدي
- كتاب رينيه ديكارت، خطاب حول المنهج / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أوزجان يشار - نظرية -الضفدع المسلوق-: كيف يقتلنا التكيف المفرط مع الأوضاع الخاطئة؟