أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد بسام العمري - صراع الفكر الحر مع سلطة الدين عبر التاريخ-















المزيد.....

صراع الفكر الحر مع سلطة الدين عبر التاريخ-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 11:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


التفكير النقدي والتساؤل يُعدّان من الأساسيات التي ساهمت في تطور البشرية عبر العصور. لكن، في بعض الفترات التاريخية، وخاصة في المجتمعات الدينية، ظهر توجه لتكفير التفكير النقدي وإقصاء التساؤلات التي قد تمس العقيدة أو السلطة الدينية. هذه الظاهرة ليست محصورة في الإسلام فحسب، بل نجدها أيضًا في مختلف الأديان والحضارات. تسلط هذه الدراسة الضوء على التيارات الفكرية التي ساهمت في تكفير التفكير، الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، انعكاساتها عبر العصور، وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية.
خلال الفترات الأولى من التاريخ الإسلامي، خصوصًا في العصر الأموي والعصر العباسي، شهدت الحضارة الإسلامية ازدهارًا فكريًا غير مسبوق. مع انتشار دار الحكمة في بغداد واهتمام الخلفاء العباسيين بالعلم والفلسفة، تم تبني الفكر الفلسفي والعلوم الطبيعية من الحضارات الأخرى مثل اليونانية والهندية والفارسية. برز علماء كبار مثل ابن سينا والفارابي، والذين طرحوا تساؤلات فلسفية حول الطبيعة والوجود والكون. لكن، مع ظهور التيارات الفقهية المحافظة مثل التيار الأشعري، بدأ النقد الفلسفي يواجه رفضًا وتكفيرًا، حيث اتهم الفلاسفة بتجاوز حدود العقيدة. وتم حرق بعض كتب الفلاسفة، وجرى تهميش التساؤلات الفلسفية والعلمية في بعض الفترات اللاحقة.
التيار السلفي ظهر لاحقًا كمحاولة للعودة إلى الأصول الدينية النقية بحسب مفهومه، ورفض أي محاولة لتفسير أو تأويل النصوص الشرعية خارج الإطار الذي وضعه السلف الصالح. هذا التيار قاد إلى قمع أي تساؤل أو شك قد يُطرح حول العقائد أو التفسيرات التقليدية للنصوص الدينية. وأدى هذا إلى تكفير التفكير النقدي وتهميش الفلسفة، مما ساهم في خلق مناخ فكري يتسم بالجمود.
في العصور الوسطى الأوروبية، لعبت الكنيسة الكاثوليكية دورًا مشابهًا في قمع التفكير الفلسفي والعلمي الذي يتعارض مع تعاليمها. كانت محاكم التفتيش وسيلة للكنيسة لملاحقة العلماء والمفكرين الذين يطرحون أفكارًا تتعارض مع العقائد الدينية، مثل محاكمة غاليليو بسبب تأييده لنظرية كوبرنيكوس حول دوران الأرض حول الشمس. مثل هذه الأمثلة تُظهر التشابه بين الحضارات في مواجهة الفكر الحر.
السبب الرئيسي لتكفير التفكير غالبًا ما كان الخوف من أن يؤدي التساؤل أو الشك إلى تقويض العقيدة الدينية. في المجتمعات التي تقوم على أساس ديني، يمكن للتساؤل حول نصوص دينية أو مبادئ عقائدية أن يُعتبر تهديدًا لسلطة رجال الدين.
في كثير من الأحيان، يرتبط تكفير التفكير بالحفاظ على السلطة السياسية والدينية. إذ كان رجال الدين في العصور الوسطى الإسلامية والأوروبية يتمتعون بنفوذ كبير في المجتمعات. وأي تساؤل قد يؤدي إلى فقدان هذه السلطة أو إلى ضعف النظام القائم، كان يُقمع بقوة.
في بعض الحالات، لم يكن التكفير نابعًا من معرفة عميقة بالتفكير النقدي، بل من جهل أو خوف من التغيير. التخوف من التجديد والابتكار الفكري كان يدفع بعض الفئات إلى تكفير التساؤل، خاصة عندما يتعارض مع التقاليد المجتمعية أو الدينية المتوارثة.
بعد عصر النهضة الفكرية في العصر العباسي الأول، شهدت المجتمعات الإسلامية تراجعًا فكريًا مع ظهور التيارات الفقهية التي حجّمت دور الفلسفة والعلوم. أدى هذا إلى تراجع حركة الترجمة والإبداع الفكري. من جهة أخرى، تطور الفقه بشكل كبير لكن على حساب التفكير الحر.
في أوروبا، قاد قمع التفكير إلى تأخير النهضة العلمية. فمحاكم التفتيش، والصراع بين الكنيسة والعلماء، مثلما حدث مع جوردانو برونو وغاليليو غاليلي، قيدت التقدم العلمي حتى بداية عصر النهضة عندما تراجع نفوذ الكنيسة وظهرت الأفكار الفلسفية والعلمية الجديدة مثل أفكار جون لوك وديكارت.
تكفير التفكير له انعكاسات سلبية كبيرة على الاقتصاد. المجتمعات التي تشجع على التساؤل والابتكار عادة ما تشهد تطورًا اقتصاديًا كبيرًا. على سبيل المثال، الثورة الصناعية في أوروبا كانت نتيجة مباشرة لتحرير الفكر وتشجيع العلماء والمفكرين على الإبداع. بينما في المجتمعات التي قُمعت فيها الأفكار العلمية والفلسفية، مثلما حدث في بعض فترات التاريخ الإسلامي، شهدت تلك المجتمعات تراجعًا اقتصاديًا وتكنولوجيًا.
قمع التفكير يؤدي إلى ركود اجتماعي، حيث يتم تكريس الوضع الراهن والمحافظة على تقاليد قديمة لا تخدم التطور المجتمعي. المجتمعات التي تكفر التفكير عادة ما تُعاني من جمود في التغير الاجتماعي، حيث تصبح المسائل الدينية والاجتماعية غير قابلة للنقاش أو التطوير.
تقييد التفكير يؤدي إلى تقييد الحريات الفردية. فعندما يُمنع الفرد من التساؤل أو التفكير بحرية، يُصبح مجرد أداة في يد السلطة الدينية أو السياسية. ويؤدي هذا إلى تكريس النظام الطبقي وتقليص فرص التحرر الشخصي والاجتماعي.
تكفير التفكير يؤدي إلى تضييق دائرة الإبداع الفلسفي. عندما يُمنع الفلاسفة والمفكرون من طرح تساؤلات حول الطبيعة البشرية، الكون، أو الدين، يتقلص الإنتاج الفلسفي، مما يؤثر سلبًا على الثقافة والفكر العام. في المجتمعات التي شهدت تكفيرًا للفكر، مثل بعض العصور في التاريخ الإسلامي أو الأوروبي، فقدنا تطورًا كان يمكن أن يقود إلى نهضة فكرية أكبر.
قمع التفكير يخلق بيئة من التوترات الاجتماعية، حيث تُمنع النقاشات الحرة وتصبح الأفكار المعارضة مصدرًا للخوف والاضطهاد. ينتج عن ذلك تقسيم المجتمع إلى فئات تابعة بشكل أعمى للسلطة، وفئات تعاني من التهميش والقمع.
تظهر أهمية التفكير الحر في إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي. إذ نرى أن المجتمعات التي فتحت أبوابها للنقد والتساؤل، مثل المجتمعات الأوروبية في عصر النهضة أو الدول الحديثة التي تشجع على الابتكار، تشهد تقدمًا كبيرًا. لذا، فإن تحرير التفكير من قيود التكفير وقمع التساؤل يشكل خطوة أساسية نحو النهضة.
يمكن القول إن تكفير التفكير والتساؤل هو إحدى الظواهر التي قيدت تطور الفكر البشري عبر التاريخ. من خلال فهم الأسباب وراء هذه الظاهرة والانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية المترتبة عليها، يمكننا أن ندرك أهمية تعزيز التفكير النقدي والحرية الفكرية كمفتاح لتطور المجتمعات وتحقيق الازدهار الاجتماعي والاقتصادي.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -التحرش سببه ملابس المرأة أم أخلاق الرجل؟-
- الأكسجين والغباء في منظور إنساني وفلسفي
- الوطن بين الفلسفة والسياسة والاقتصاد والنفس: رؤية شاملة
- فلسفة الحب والتفرد في كلمات نزار قباني
- جمال التوافق الأدبي والفكري بين الزوجين
- إلى أجمل امرأة في الدنيا
- كيف تؤثر التحولات الاجتماعية على مفهوم الزواج؟-
- -الوطن وحقوق المواطن: نحو مجتمع يقوم على الكرامة والحرية-
- -ظلّ رجل على الهامش-
- أهمية تدريس الرياضيات في رياض الأطفال
- -صمت العطاء وصخب الوهم -
- -في عمق الأرض يكمن السر-
- وصيّة الجرح وردُّ النور
- -إلى فراشتي... حيث يزهر اللقاء في الأبدية-
- عناصر تقييم النص: بين الكاتب والمصحح اللغوي
- ذاكرةٌ قلقة
- مذكّرات كاتب فقد صوته
- -الصراع بين القلب والعقل: تحليل أدبي وفلسفي لنص الأخطل الصغي ...
- الألعاب التربوية وأهميتها في رياض الأطفال: شواهد دراسية
- غيمة مرهقة


المزيد.....




- باحث للجزيرة نت: انخفاض الهجرة اليهودية يربك المشروع الديمغر ...
- باحث للجزيرة نت: انخفاض الهجرة اليهودية يربك المشروع الديمغر ...
- هل حقاً ستحل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا نفسها؟
- ماذا بعد اختتام مؤتمر -غزة: مسؤولية إسلامية وإنسانية- بإسطنب ...
- كاتبة بهآرتس: قرارات نتنياهو تبعد يهود الشتات عن إسرائيل
- فوق السلطة: ماذا فعل حاخام يهودي بفتيات قاصرات؟
- أتمنى لو كنت في الجنة مع أمي فهناك يوجد حب وطعام وماء
- فوق السلطة: ماذا فعل حاخام يهودي بفتيات قاصرات؟
- أتمنى لو كنت في الجنة مع أمي فهناك يوجد حب وطعام وماء
- سوريا: تهجير قسري لعائلات من الطائفة العلوية من حي السومرية ...


المزيد.....

- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي
- مأساة العرب: من حزب البعث العربي إلى حزب الله الإسلامي / حميد زناز
- العنف والحرية في الإسلام / محمد الهلالي وحنان قصبي
- هذه حياة لا تليق بالبشر .. تحرروا / محمد حسين يونس
- المرحومة نهى محمود سالم: لماذا خلعت الحجاب؟ لأنه لا يوجد جبر ... / سامي الذيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد بسام العمري - صراع الفكر الحر مع سلطة الدين عبر التاريخ-