أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - غيمة مرهقة














المزيد.....

غيمة مرهقة


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8440 - 2025 / 8 / 20 - 13:43
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يرى نفسه مريضًا. كان يفضّل أن يصف ذاته بـ"الفيلسوف المُرهَق"، أو "النبيّ الذي لم يفهمه أحد". كل من حوله كانوا – في خياله – مجرد أشباح تستعير وجوهًا من حياته لتزيده ألمًا. لم يثق فيهم، ولم يثق في نفسه، لكنه كان يضعهم جميعًا في موقع المتّهم، ويبقى هو في قفص المجد المكسور.
"أنا لا أحتاجهم… هم الذين يحتاجونني" كان يردّد في صمته، كمن يتعلّق بقشة تنقذه من الغرق في بحر داخلي متلاطم. كان يبتلع المرآة بعينيه كل صباح، فيرى وجهًا لا يحبه، لكنه يُصرّ على إقناع نفسه أنه وجه المختارين.
دخلت حياته كنسمة، كطفلة تركض خلفه وهي تضحك:
– "أخيرًا وجدتك… أنت وجهتي."
ضحك بسخرية داخلية، وهو يبتلع ابتسامتها كما لو كانت انتصارًا جديدًا: ها هي واحدة أخرى انبهرت بي… واحدة أخرى تؤمن أنني المخلّص.
في داخله كان صوته يتصارع مع ذاته:
– "هي لا تحبك أنت، بل تحب صورة نسجتها عنك."
– "وهل يهم؟ يكفي أن تكون انعكاسي، وظلي… أن تُقدّسني."
– "لكنها ستتعب… ستنهار."
– "ليست مشكلتي، أنا غيمة… الغيوم لا تبقى لأحد."
كان يعلم – دون أن يعترف – أن سلوكه ليس حبًّا ولا حياة، بل نوع من التطفل على عواطف الآخرين. يمتصّ دفئهم حتى يذبلوا، ثم يرحل تاركًا صحراءً في قلوبهم.
حين واجهته أخيرًا، بعينيها المثقلتين بالخذلان، قالت:
– "أرهقتني… كنتَ غيمتي، وها أنا أنهار تحت مطرٍ لا ينبت شيئًا."
لم يسمع كلماتها كما هي، بل حوّلها عقله النرجسي إلى اتهامٍ لها:
ها هي تخذلني مثل الجميع… لم تكن يومًا تستحقني.
جلس بعدها في وحدته، واشتعل في رأسه ضجيج داخلي:
– "لماذا يرحلون؟"
– "لأنك فارغ… فارغ كالريح."
– "لا! أنا المختلف، أنا الفارس الجريح."
– "كذبت على نفسك طويلًا، حتى بتَّ أسير كذبتك."
– "لكن… أنا لا أحتمل هذا الصمت… أحتاجهم ليصفّقوا… لأرى صورتي في عيونهم."
– "أنت لا تحب أحدًا… أنت فقط تستهلكهم."
انفجر في داخله بكاء مكظوم لم يجرؤ على إخراجه. ضرب الجدار بقبضته، ثم تهاوى على الأرض. تمنى أن يصرخ، أن يطلب إنقاذًا، لكنه استسلم لدوامة ضياعه.
في تلك اللحظة، شعر أنه لم يكن سوى غيمة مرهقة، تاهت في فضاء نفسها، لم تمطر على أحد، ولم تُثمر في أي أرض… حتى ذابت في عجزها، بلا أثر.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أدب الطفل ومكانته في الأدب العربي
- سحر الإيقاع في الشعر العربي: بين التوتر النفسي ومرونة البنية ...
- حكاية فراشة بين النار وأزهار الصبار
- أوركسترا الخلاص: سيمفونية النجاة
- -بين رغيف السلطان وجوع الروح-
- الصفصاف الهرم


المزيد.....




- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...
- المثقف العربي في مواجهة -الترند-: هل فقدت النخبة سلطة التأثي ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي عن عمر ناهز 56 ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مارجان ساترابي مؤلفة رواية - ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - غيمة مرهقة