أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد بسام العمري - الوطن بين الفلسفة والسياسة والاقتصاد والنفس: رؤية شاملة















المزيد.....

الوطن بين الفلسفة والسياسة والاقتصاد والنفس: رؤية شاملة


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8449 - 2025 / 8 / 29 - 07:47
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


عند تحليل مقولة جان جاك روسو حول مفهوم الوطن، نجد أن الفكرة الأساسية ترتكز على مبدأ العدالة والمساواة. روسو يتساءل عن ماهية الوطن الذي يُعتبر مكاناً للجميع، ويتساءل عن الوطن الذي يكون فيه المواطنون عرضة للبيع والشراء، سواء بالمعنى المادي أو المعنوي. فلسفياً، هذا الطرح يقودنا إلى سؤال أعمق: هل الوطن مجرد قطعة أرض يُقام عليها النظام الاجتماعي والاقتصادي أم هو بناء معنوي وأخلاقي؟
روسو، كغيره من الفلاسفة مثل سقراط وأفلاطون، يرى أن الوطن لا يمكن أن يقوم على الفوارق الطبقية والظلم الاجتماعي، بل يجب أن يكون مكاناً تتحقق فيه الحرية والمساواة بين جميع المواطنين. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم الفلسفي للوطن قد لا يتحقق في الواقع المادي المعقد، الذي تهيمن عليه القوى الاقتصادية والسياسية.
من الناحية السياسية، فإن الوطن الحقيقي لا يُقاس فقط بالموقع الجغرافي، بل بما يقدمه من حماية وكرامة لأبنائه. في الدول الحديثة، يفترض أن تقوم الحكومات بدور الوسيط الذي يحقق العدالة الاجتماعية ويحد من الفوارق بين الطبقات.
السياسات الاقتصادية التي تدفع الأفراد إلى الفقر وتزيد من تراكم الثروات في أيدي قلة من الأفراد هي التي تخلق الأوطان غير العادلة التي أشار إليها روسو. في هذه الأوطان، قد تجد الأثرياء يستخدمون المال للسيطرة على السياسيين، أو يشترون النفوذ، مما يخلق "ديمقراطيات زائفة" حيث تتلاشى العدالة. مثال على ذلك هو البلدان التي تشهد فساداً سياسياً واقتصادياً يجعل من الصعب على الطبقات الفقيرة التقدم أو حتى العيش بكرامة.
الحروب والصراعات الداخلية أيضاً تسهم في تدمير مفهوم الوطن كملاذٍ آمن. الأزمات السياسية مثل الانقلابات والثورات غالباً ما تترك الدول في حالة من الانقسام الاجتماعي والسياسي، حيث يصبح الوطن غير قادر على احتواء أبنائه وحمايتهم.
الاقتصاد هو العامل الذي يتحكم إلى حد كبير في توزيع الفرص داخل أي وطن. تشير رؤية روسو إلى أن الوطن الذي يسمح بتفشي الفقر والثراء المفرط ليس وطناً بالمعنى الحقيقي. على سبيل المثال، في الأنظمة الاقتصادية التي تعتمد على الرأسمالية المتوحشة، غالباً ما نجد تفاوتاً كبيراً بين طبقات المجتمع، حيث يمتلك الأغنياء وسائل السيطرة على الاقتصاد والمجتمع، بينما يضطر الفقراء للعمل في ظروف غير إنسانية.
هذا التفاوت يؤدي إلى الجرائم الاقتصادية مثل استغلال العمالة وتجارة البشر. هذه الجرائم لا تُنتج عن دوافع إجرامية فقط، بل هي نتيجة سياسات اقتصادية غير عادلة تخلق بيئة يتسع فيها الفقر وتضيق فيها الفرص. الوطن الحقيقي، من منظور روسو، هو المكان الذي يتمتع فيه الجميع بالفرص العادلة التي لا تعتمد على الثروة أو الفقر.
على الصعيد النفسي والاجتماعي، الوطن الذي لا يحقق العدالة والمساواة بين أفراده يؤدي إلى انقسام نفسي عميق بين الفقراء والأغنياء، وبين المواطنين العاديين والنخب السياسية.
الفقر ليس مجرد حالة اقتصادية، بل حالة نفسية تعكس مدى شعور الفرد بالعجز والحرمان. الشعور بالعجز عن تحسين الظروف الحياتية أو عن تحقيق أحلامه يدفع الإنسان إلى الانعزال أو اليأس أو حتى إلى الجريمة. قد نشهد في هذه الأوطان زيادة في معدلات الجريمة والفساد، سواء من ناحية جرائم الفقر كالسلب والنهب أو الجرائم الاقتصادية الكبرى كالرشوة والاحتيال.
الأثر النفسي الآخر الذي يمكن أن يحدث في هذا السياق هو الاغتراب. المواطن الذي يشعر بأنه لا ينتمي لوطنه نتيجة التفاوت الطبقي أو الظلم الاجتماعي قد ينسحب نفسياً ويصبح مغترباً عن مجتمعه، سواء كان يعيش داخل الوطن أو في الخارج .
عدم تحقيق العدالة الاجتماعية يؤدي بشكل طبيعي إلى زيادة معدلات الجريمة. في المجتمعات التي تهيمن فيها فئة على الثروة والقوة، يجد الفقراء أنفسهم في حالة اضطرار قد تدفعهم إلى ارتكاب الجرائم. الجريمة هنا ليست فقط نتيجة دافع فردي، بل هي نتيجة بنية اقتصادية واجتماعية مختلة.
أيضاً، الاستبداد السياسي وعدم وجود نظم ديمقراطية حقيقية يؤدي إلى نوع آخر من الجرائم مثل القمع السياسي، حيث تستخدم الحكومات القوة والعنف للحفاظ على السلطة. يمكن أن يؤدي هذا النوع من الأوضاع إلى ظهور جرائم الكراهية، حيث يزداد العداء بين الطبقات الاجتماعية المختلفة وبين المواطنين والحكومة.
في هذا السياق، يمكن الحديث عن الجرائم الاقتصادية التي يرتكبها الأغنياء والنخب السياسية لاستغلال الفقراء والعمال. نرى ذلك في صور مثل الفساد، حيث تذهب الأموال العامة إلى جيوب الأثرياء، أو في سياسات الخصخصة التي تحرم المواطنين من حقوقهم الأساسية كالتعليم والصحة.
أيضاً، هناك الجرائم السياسية التي تحدث في ظل الأنظمة الاستبدادية، حيث تُستغل السلطة لقمع المعارضين وإسكات الأصوات الناقدة. الوطن في هذه الحالة يصبح ليس مكاناً للحماية بل مصدر للخوف، حيث يكون الأفراد معرضين للاعتقال أو التعذيب لمجرد التعبير عن آرائهم.
مفهوم المواطنة يرتبط بشكل وثيق بفكرة الوطن. عندما يتحدث روسو عن "شراء مواطن آخر" فهو يشير إلى الاستغلال الذي يحدث داخل المجتمعات الطبقية. المواطنة الحقيقية تعني أن يكون جميع الأفراد متساوين في الحقوق والواجبات، بعيداً عن التمييز الطبقي أو العرقي أو الجنسي.
إلا أن الواقع يعكس أحياناً صورة مغايرة، حيث يتم تهميش بعض الفئات الاجتماعية أو استغلالها بناءً على عوامل اقتصادية أو سياسية. هذا التفاوت يؤدي إلى الأزمات الاجتماعية التي تهدد استقرار الوطن، مثل الثورات أو التمردات التي تنشأ نتيجة الشعور بعدم المساواة والظلم.
تقدم مقولة جان جاك روسو حول الوطن رؤى فلسفية عميقة تلامس الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتطرح تساؤلات حول العدالة والكرامة والمساواة. إن الوطن ليس فقط مساحة جغرافية، بل هو مبدأ أخلاقي يتطلب أن يشعر جميع أفراده بالانتماء والكرامة.
في الأوطان التي تتفشى فيها الفوارق الاقتصادية والظلم الاجتماعي، يصبح المواطنون عرضة للاستغلال والجرائم، سواء الاقتصادية أو السياسية، مما يهدد بانهيار مفهوم الوطن كمكان للحرية والمساواة.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة الحب والتفرد في كلمات نزار قباني
- جمال التوافق الأدبي والفكري بين الزوجين
- إلى أجمل امرأة في الدنيا
- كيف تؤثر التحولات الاجتماعية على مفهوم الزواج؟-
- -الوطن وحقوق المواطن: نحو مجتمع يقوم على الكرامة والحرية-
- -ظلّ رجل على الهامش-
- أهمية تدريس الرياضيات في رياض الأطفال
- -صمت العطاء وصخب الوهم -
- -في عمق الأرض يكمن السر-
- وصيّة الجرح وردُّ النور
- -إلى فراشتي... حيث يزهر اللقاء في الأبدية-
- عناصر تقييم النص: بين الكاتب والمصحح اللغوي
- ذاكرةٌ قلقة
- مذكّرات كاتب فقد صوته
- -الصراع بين القلب والعقل: تحليل أدبي وفلسفي لنص الأخطل الصغي ...
- الألعاب التربوية وأهميتها في رياض الأطفال: شواهد دراسية
- غيمة مرهقة
- أدب الطفل ومكانته في الأدب العربي
- سحر الإيقاع في الشعر العربي: بين التوتر النفسي ومرونة البنية ...
- حكاية فراشة بين النار وأزهار الصبار


المزيد.....




- جلسة للكونغرس تتحول إلى عراك جسدي بين اثنين من كبار أعضاء مج ...
- غواصو القصدير في إندونيسيا.. مصري يوثق واحدة من أصعب المهن ف ...
- سوريا.. فيديو -هل تثق بأحمد الشرع رئيس جبهة النصرة الإسلامي ...
- مصر.. فيديو -خادش- تنشره فتاة وما اعترفت به يشعل تفاعلا
- سعاد حسني ترقص وتغنّي في بيروت: وقت مستقطع مع الفرح
- كولومبيا: الإفراج عن 33 جنديا كانوا محتجزين في منطقة بجنوب ا ...
- عبد الوهاب الشواف ضابط عراقي واجه عبد الكريم قاسم
- فيدان: نتنياهو يحاول التستر على الإبادة التي يرتكبها في غزة ...
- 21 شهيدا في غارات إسرائيلية على منازل وخيام نازحين بالقطاع م ...
- إيلاف وسمر وعلاء.. أطفال تحتضنهم أسر بديلة بعد أن يتمتهم الح ...


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - محمد بسام العمري - الوطن بين الفلسفة والسياسة والاقتصاد والنفس: رؤية شاملة