أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -ظلّ رجل على الهامش-














المزيد.....

-ظلّ رجل على الهامش-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8446 - 2025 / 8 / 26 - 04:47
المحور: الادب والفن
    


ثمّة حيوات تمشي بيننا لا يراها أحد. وجوه تصير مع الزمن خرائط مطموسة، وعظام تحمل فوقها تاريخًا من الجوع والانكسارات، لكنها تظلّ بلا شاهدٍ ولا قارئ. الإنسان لا يُمحى بالموت وحده، بل يُمحى حين يعبر الحياة كغريبٍ لا تُفتح له الأبواب، ولا يُذكر اسمه في مجالس أحد.
الشيخوخة ليست تجاعيد فحسب، بل حصيلة عمرٍ من الانتظار: انتظار حبّ لم يأتِ، دفءٍ لم يُعطَ، واعترافٍ لم يحدث. وحين يصل المرء إلى نهايته، قد لا يبقى منه سوى ظلّ يجلس على العتبة، يراقب المارّة، صامتًا، كأنه أثرٌ باهت لحكاية لم تُكتب.
هذه القصة ليست حكاية رجلٍ بعينه، بل هي صدى لوجوهٍ كثيرة عاشت على الهامش، ثم رحلت بصمت. إنها مرثية للذين لم يكن لهم نصيبٌ من الضوء، فصاروا غرباء حتى عن ذواتهم.

وُلد في بيتٍ ضيّق، سقفه أوطأ من أحلامه، وجدرانه متهالكة لا تحتضن سوى صدى الجوع. لم يكن له نصيب من الدلال الذي يناله الأطفال عادةً، فأبوه كان غائبًا وراء لقمة شحيحة، وأمه مشغولة بلملمة كسرة خبزٍ أو ستر ثوبٍ مرقّع. كان يحس منذ صغره أنه غريب حتى في بيته. يجلس بعيدًا عن إخوةٍ يلعبون، يراقبهم بصمتٍ، وفي قلبه سؤال يقرصه: لماذا لا يمدّ له أحد يده؟
في المراهقة، حين بدأ قلبه يخفق كقلوب الآخرين، وقع في حبّ ابنة الجيران. كان يراها كل صباح تسقي الورد عند الباب، فينتفض قلبه كعصفورٍ يتوق للحرية. كان يكتب لها رسائل سرّية، يخبئها في صدره، ولا يجرؤ على أن يسلّمها. ذات ليلة، سمع غناءً وضحكاتٍ تعلو من بيتهم، فقيل له إنهم خطبوها لغيره. انكسر داخله شيء عميق، شيء ظلّ يئنّ في صدره سنوات طويلة.
دخل سوق العمل وهو غضّ لم يشتدّ عوده بعد. حمل الطوب على ظهره، وركض وراء رزقٍ لا يلحق به. كان يرجع إلى البيت منهكًا، كأن ضلوعه تنكسر في كل يوم. ولم يكن أحد يسأل عن وجعه. كانوا يرونه قويًا لأن يديه متشحتان بالعرق والغبار، لكنهم لم يروا قلبه المكدود ولا الليل الطويل الذي يقضيه يحدّث نفسه: "غدًا ربما يكون أفضل."
مضت الأيام، وصار رجلًا في منتصف العمر، له بيت وأولاد. ظنّ أن الأولاد سيكونون عزاءه، لكنهم كبروا وتفرّقوا. كل واحدٍ اتخذ طريقه، ونسي أن له أبًا يحمل في ضلوعه عمرًا من العرق والانتظار. في المساء، كان يجلس وحده، يتأمل الجدار، ويسمع في داخله ضجيج أسئلةٍ لا تنتهي: أين مضت أحلامه؟ ماذا جنى من عمره؟ ولماذا صار حضوره ثقيلاً على من حوله؟
حين شاخ، أصبح بيته فارغًا إلا منه. الباب صدئ لا يُفتح إلا نادرًا، وصوته لم يعد يصل إلى أحد. صار يجلس على العتبة يراقب المارة، عيونهم منشغلة، لا أحد يلتفت إليه. كان يشعر أن جسده نفسه أصبح غريبًا عنه، كأنه يحمل عظامًا لا تخصه. الليل كان أنيسه، لكنه أنيس قاسٍ، يزيد وحدته اتساعًا.
وفي لحظات صفاءٍ نادرة، كان يغمض عينيه ويحاول أن يسترجع طفولته، ضحكةً صغيرة، وجهًا حنونًا، لكن الذاكرة تخونه، فلا يجد إلا فراغًا. كان يحس أن حياته كلها لم تكن إلا رحلة طويلة من الانتظار: انتظار حب، انتظار دفء، انتظار اعتراف. انتظار لم يأتِ أبدًا.
وفي آخر أيامه، لم يبقَ منه إلا جسدٌ نحيل، يتكئ على عصا، وصوتٌ مبحوح يكلّمه وحده. رحل بصمت، كما عاش بصمت. لم يشيّعه أحد سوى الليل، ولم يترك خلفه سوى ظلّ رجلٍ عاش عمرًا على الهامش.
ربما لم يكن الشيخ سوى واحدٍ من ملايين عبروا الحياة بلا أثر. لكن السؤال الذي يظلّ يطاردنا: هل يقاس الإنسان بما يتركه للآخرين، أم بما عاشه في صمته وأوجاعه؟
قد يمحو المجتمع أسماءً كثيرة، ويترك أصحابها على الأرصفة كظلالٍ عابرة، لكنّ قلوبهم الممزقة تحمل شهادتهم الحقيقية.
هناك من يعيشون وسط الزحام، ومع ذلك يظلون منسيين. وهناك من يموتون بصمت، لكن موتهم يضيء سؤالًا لا ينطفئ: ماذا يعني أن يُترك الإنسان على عتبة النسيان؟



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أهمية تدريس الرياضيات في رياض الأطفال
- -صمت العطاء وصخب الوهم -
- -في عمق الأرض يكمن السر-
- وصيّة الجرح وردُّ النور
- -إلى فراشتي... حيث يزهر اللقاء في الأبدية-
- عناصر تقييم النص: بين الكاتب والمصحح اللغوي
- ذاكرةٌ قلقة
- مذكّرات كاتب فقد صوته
- -الصراع بين القلب والعقل: تحليل أدبي وفلسفي لنص الأخطل الصغي ...
- الألعاب التربوية وأهميتها في رياض الأطفال: شواهد دراسية
- غيمة مرهقة
- أدب الطفل ومكانته في الأدب العربي
- سحر الإيقاع في الشعر العربي: بين التوتر النفسي ومرونة البنية ...
- حكاية فراشة بين النار وأزهار الصبار
- أوركسترا الخلاص: سيمفونية النجاة
- -بين رغيف السلطان وجوع الروح-
- الصفصاف الهرم


المزيد.....




- بيتر ميمي يعلن عن فيلم تسجيلي يلي الحلقة الأخيرة من -صحاب ال ...
- رمضان في البحرين.. -النقصة- و-المجالس- جسور تصل الماضي بالحا ...
- محمد سعيد الحسيني.. حين توشحت ليالي رمضان في البحرين بصوت من ...
- مـِداد: أنثى الرواية التي خلعت الحجاب
- أقمار صناعية تكشف دماراً في منشأة نطنز النووية وتناقض في الر ...
- مديرة مهرجان برلين السينمائي تسعى للاستمرار في منصبها رغم ال ...
- عودة القصيدة العمودية بالجزائر.. نكوص شعري أم تصحيح وضع؟
- إطلالات جريئة للنجمات في حفل جوائز الممثلين 2026
- من بينهم الراحلة كاثرين أوهارا.. أبرز الفائزين بجوائز الممثل ...
- 14 رمضان.. من الرايات السود في دمشق إلى خيول نابليون في الأز ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -ظلّ رجل على الهامش-