أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد بسام العمري - -التحرش سببه ملابس المرأة أم أخلاق الرجل؟-














المزيد.....

-التحرش سببه ملابس المرأة أم أخلاق الرجل؟-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 04:47
المحور: المجتمع المدني
    


كتب أحدهم على صفحة فيسبوك تحمل اسم "ياقوت الياقوت – كروب كبار السن جيل الطيبين" العبارة التالية: "التحرش سببه ملابس المرأة أم أخلاق الرجل؟". تلك العبارة، التي تحمل في طياتها أسئلة عميقة حول الأخلاق والمسؤولية، تثير الجدل حول جوهر هذه القضية الاجتماعية المعقدة. ونظرًا لأهمية المعاني التي تضمنتها هذه الكلمات، أود تحليلها بعمق لاستكشاف آثارها السلبية على الفرد والأسرة والمجتمع. ففي الوقت الذي يُلقى فيه اللوم على المرأة في كثير من الأحيان، يتطلب الأمر نظرة أوسع تشمل الأبعاد الأخلاقية والفلسفية والاجتماعية لتحديد الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة، ومن ثم طرح الحلول المناسبة لمواجهتها.
في السنوات الأخيرة، تصاعدت حالات التحرش الجنسي لتكون واحدة من أبرز القضايا الاجتماعية التي تثير جدلاً واسعًا حول العالم. ورغم محاولات الحد من هذه الظاهرة عبر القوانين والمبادرات، لا تزال الثقافة السائدة في بعض المجتمعات تشجع بشكل مباشر أو غير مباشر على استمراريتها. هذا المقال يتناول قضية التحرش الجنسي من زوايا فلسفية وأخلاقية واجتماعية، مدعومة بدراسات أكاديمية وتحقيقات صحفية حول الأسباب والآثار، إلى جانب استعراض الإجراءات الواجب اتخاذها للتعامل مع هذه الظاهرة.
التحرش الجنسي يُعتبر انتهاكًا لأخلاقيات التعامل بين الأفراد. فلسفيًا، يُطرح تساؤل حول المسؤولية الأخلاقية: هل تقع المسؤولية على الفرد المتحرش فقط، أم أن هناك عوامل مجتمعية وثقافية تساهم في تشكيل سلوكياته؟ العديد من الفلاسفة الأخلاقيين، مثل إيمانويل كانط وجون ستيوارت ميل، يركزون على فكرة احترام الكرامة الإنسانية، وحق الأفراد في العيش بحرية وأمان دون خوف أو اضطهاد.
إيمانويل كانط، على سبيل المثال، يدعو إلى "مبدأ الإنسانية"، حيث يجب أن يُعامل كل فرد كغاية بحد ذاته وليس كوسيلة لتحقيق أهداف شخصية. التحرش الجنسي يناقض هذا المبدأ، إذ يُعامَل الشخص المُتَحَرَّش به كأداة لتحقيق رغبات فرد آخر، مما يضعف كرامته الإنسانية.
جون ستيوارت ميل، من جهة أخرى، ينظر إلى الأمر من منظور "المنفعة العامة"، حيث يضع التحرش كعائق أمام تحقيق السعادة العامة للمجتمع. التحرش يخلق بيئة من الخوف والتوتر، مما يحد من قدرة الأفراد على العيش بحرية وممارسة حياتهم دون قيود نفسية واجتماعية.
مجتمعيًا، التحرش هو نتيجة لعدة عوامل تداخلت عبر العصور. الأدوار التقليدية للجنسين، التي عززت ثقافة التفوق الذكوري والتبعية الأنثوية، لعبت دورًا كبيرًا في ظهور مثل هذه السلوكيات. بعض الثقافات تضع عبء تجنب التحرش على النساء، مما يعكس تبعية اجتماعية ظالمة.
دراسات أكاديمية عديدة تشير إلى أن التفاوت في توزيع القوى بين الجنسين يعزز من تفشي ظاهرة التحرش. على سبيل المثال، أظهرت دراسة نشرتها منظمة العمل الدولية (ILO) أن النساء اللواتي يعملن في بيئات عمل غير محمية، أو في مجتمعات ذكورية مُحافظة، يتعرضن بشكل أكبر للتحرش الجنسي. التحقيقات الصحفية أيضًا تُظهر أن التحرش لا يرتبط بنوع الملابس أو بالبيئة فقط، بل بالعقلية الذكورية التي تبرر العنف تجاه النساء.
في دراسة نشرتها جامعة كورنيل في الولايات المتحدة، أُجريت على 16,000 امرأة في 43 دولة، تبين أن التحرش يحدث بمعدل مرتفع بغض النظر عن نوع الملابس أو مستوى التحضر في المجتمع. هذه الدراسة تبرز أنه لا يوجد علاقة حقيقية بين مظهر المرأة ومدى تعرضها للتحرش، بل أن المتغير الرئيسي هو البيئة الاجتماعية التي تسمح أو تردع مثل هذه السلوكيات.
تحقيقات صحفية عدة، مثل تلك التي نشرتها صحيفة "الغارديان" البريطانية، أظهرت كيف أن التحرش الجنسي يُعد مشكلة مؤسسية أيضًا، حيث تم الكشف عن حالات تحرش داخل المؤسسات التعليمية الكبرى، وداخل الشركات متعددة الجنسيات. بعض المؤسسات حاولت التستر على هذه الحالات للحفاظ على سمعتها، مما يبرز الحاجة إلى تشديد الرقابة والمحاسبة داخل هذه الأماكن.
من خلال التحقيقات الصحفية والدراسات الأكاديمية، يمكن استخلاص عدد من الإجراءات التي يجب اتباعها للحد من ظاهرة التحرش:
يجب تعزيز البرامج التعليمية التي تركز على احترام حقوق الإنسان، وتعليم الأجيال الجديدة مفهوم الحدود الشخصية وحق الأفراد في الخصوصية.
رغم وجود قوانين في العديد من الدول، إلا أن تطبيقها ليس صارمًا في جميع الأحيان. يجب أن تكون هناك عقوبات مشددة وفعالة لردع المتحرشين، وتسهيل وصول الضحايا إلى العدالة.
العديد من الضحايا يترددون في التبليغ عن حوادث التحرش بسبب الخوف من الانتقام أو العار الاجتماعي. لذلك، يجب توفير منصات آمنة وسرية للتبليغ، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والقانوني.
المجتمعات المحلية يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في التوعية ومكافحة التحرش. برامج التوعية التي تنظمها مؤسسات المجتمع المدني، مثل الحملات الإعلامية التي تروج لثقافة الاحترام بين الجنسين، قد تسهم في تغيير العقليات.
المؤسسات الخاصة والعامة يجب أن توفر برامج تدريبية إلزامية لجميع موظفيها حول كيفية التعامل مع حالات التحرش، وكيفية منعها من الحدوث في بيئة العمل.
ردود الفعل المجتمعية تجاه التحرش تتنوع بين المجتمعات، فمنها من ينكر وجوده أصلاً، أو يلقي باللوم على الضحايا، ومنها من يتعامل مع الأمر بجدية ويحاول التصدي له. في بعض البلدان، مثل مصر والهند، شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا في الحملات المجتمعية والنسوية التي تدعو إلى القضاء على هذه الظاهرة، مثل حملة "أنا أيضًا" (Me Too) التي ألهمت العديد من النساء حول العالم لمشاركة قصصهن ومعاناتهن مع التحرش.
التحرش الجنسي ليس مشكلة بسيطة يمكن حلها من خلال لوم الضحايا أو تغيير الملابس. بل هو ظاهرة اجتماعية معقدة تتطلب إجراءات جذرية على مستوى الفرد والمجتمع. الفلسفة والأخلاق والعلم الاجتماعي تؤكد جميعها أن الحل يكمن في تعزيز قيم الاحترام والمساواة، مع تشديد القوانين وتنفيذها بصرامة. علاوة على ذلك، لا بد من التغيير الثقافي الذي يجعل التحرش مرفوضًا تمامًا وغير مقبول تحت أي ظرف.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأكسجين والغباء في منظور إنساني وفلسفي
- الوطن بين الفلسفة والسياسة والاقتصاد والنفس: رؤية شاملة
- فلسفة الحب والتفرد في كلمات نزار قباني
- جمال التوافق الأدبي والفكري بين الزوجين
- إلى أجمل امرأة في الدنيا
- كيف تؤثر التحولات الاجتماعية على مفهوم الزواج؟-
- -الوطن وحقوق المواطن: نحو مجتمع يقوم على الكرامة والحرية-
- -ظلّ رجل على الهامش-
- أهمية تدريس الرياضيات في رياض الأطفال
- -صمت العطاء وصخب الوهم -
- -في عمق الأرض يكمن السر-
- وصيّة الجرح وردُّ النور
- -إلى فراشتي... حيث يزهر اللقاء في الأبدية-
- عناصر تقييم النص: بين الكاتب والمصحح اللغوي
- ذاكرةٌ قلقة
- مذكّرات كاتب فقد صوته
- -الصراع بين القلب والعقل: تحليل أدبي وفلسفي لنص الأخطل الصغي ...
- الألعاب التربوية وأهميتها في رياض الأطفال: شواهد دراسية
- غيمة مرهقة
- أدب الطفل ومكانته في الأدب العربي


المزيد.....




- تحرّك قضائي في الأرجنتين لاعتقال نتنياهو إذا وطأت قدماه البل ...
- بوتين: موسكو وبكين تدعمان إصلاح الأمم المتحدة
- دعوى جديدة في الأرجنتين لاعتقال نتنياهو إذا دخل البلاد
- مسؤول أمريكي: منع عباس من حضور الجمعية العامة للأمم المتحدة ...
- الأمم المتحدة تحذر.. حصيلة صادمة لعمليات الإعدام في إيران
- -قرار أميركي- قد يحرم عباس من إلقاء كلمة أمام الأمم المتحدة ...
- الأمم المتحدة: إيران نفذت أكثر من 800 حكم إعدام هذا العام
- البرلمان التركي يطالب بتعليق عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة ...
- بإيعاز إسرائيلي.. أكسيوس: واشنطن حجبت التأشيرات عن وفد فلسطي ...
- منظمات حقوقية ترحب بموقف موظفين أمميين دعوا لوصف جرائم الاحت ...


المزيد.....

- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد بسام العمري - -التحرش سببه ملابس المرأة أم أخلاق الرجل؟-