أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - مأتم وسوق















المزيد.....

مأتم وسوق


كاظم حسن سعيد

الحوار المتمدن-العدد: 7364 - 2022 / 9 / 7 - 21:36
المحور: الادب والفن
    


ان تبقى في مأتم في جنوب العراق لثلاث ساعات عليك ان تقوم وتجلس مئات المرات وبمثلها تقرأ سورة الفاتحة والاف (الله بالخير ورحم الله والديك )وتصافح ما يقرب من مائة رجل .. وان تستمع لتلاوة لا يصغي اليها احد,كل ذلك وانت تستمع لكلام حول فديات ستدفع وحلول تقدم لشجارات لا تنتهي .. او نقد للشأن السياسي او ان تسرح بعيدا ممثلا دور الحزن بعيون مفرغة او تبتسم بخفاء لكلمة او حركة يفرضها جو الوجوم الافتراضي .. انها لون من التقاليد التي لا يتمكن نبي من مسخها فقد ترسخت عبر قرون .. وهو ما لا نحتمله انا وصاحبي فاكتشفنا عذرا نغيب فيه لساعة حتى يحين موعد الاذان ونعود قبله بقليل . قصدنا السوق نتساءل عن موقعها واعتقدنا بانا ابتعدنا كثيرا عن موقع المأتم حتى قال صاحبي متندرا (ربما نقضي يومنا في فاتحة اخرى .). وضحكنا معنا..تعودنا عبر صداقة تجاوزت ربع قرن ان نثير موجات من الضحك كلما التقينا ..القمامة تنتفخ في كل منعطف و وفي المساحات غير المشيد عليها بين البيوت ..انها بيوت خرافية ومتهالكة ... او اشباح بيوت رغم ان مراهقيها يحرصون على قصات شعر حديثة ونساءها تستقطبهن اخر صيحات المكياج , يستخدمنه بفوضى ببغاوية ..
في العشاء (ما يسمونه ثوابا لروح المتوفاة او المتوفي ) .. اصيب صاحبي بخيبة ظن لان المائدة افتقرت للحوم ..كان ستة من المراهقين والصغار بحسرة وشهية عبثية ينظرون المائدة التي امتدت على ارضية مفروشة وسط الخيمة .. (غير مسموح للاعمار الصغيرة ان تتناول الزاد مع الكبار ).. لكنا دعوناهم فهبوا متجمعين على ماعون في طرف المائدة كانوا يتناولون الزاد بشعور من لا يتوقع ان يشبع ... وبدأ العبث يتصاعد شيئا فشيئا منهم, والصراع على لحوم الدجاج وتحولت الابتسامات الى ضحكات خافتة حتى فقدوا انضباطهم ...وبعد ان غادر البعض زادهم , تقافزوا عابثين الى المواعين الاخرى وصادف امامهم مراهق منغولي يحاول ان يردعهم بهمهمات زادت من عبثيتهم حتى اتى رجل سيد بدجاج بملء يديه.. وضعه امامهم وقال (اجل جثير ـ بالجيم المعجمة = اكل كثير ), وهو ما اثار لدى الصبية موجة من الضحك لم يسيطروا عليها ابدا وهم يكررون مفردة (اجل ... اجل ) وتتصاعد ضحكاتهم .
اكياس القمامة السوداء والزرقاء تنتفخ حد التخمة وتكاد اشكال فيها هرمية ومدورة ومخروطية ان تشقق جلد الكيس وتتدفق على الارض , انهم يكدحون طول النهار لينتجوا هذا الكم الهائل من الاكياس والقمامة التي تعكس الافراط واليد المبسوطة كل البسط .. تلول من اواق الكلنكس ؟!! دمى بلا رؤوس , اطر السيارات المكدسة الممزقة , القناني المفرغة من الماء او العطر او المنظفات ..مررنا على ساحة مسوّرة بمشبك تظلله ثلاثة اشجار بتر الكثير من اغصانها وتيبس اخر لكنها احتفظت باوراق خضر فيما فرشت ارضية لشجرة باوراق بلون فيروزي قلت لصاحبي (انظر.. تذكرك باشجار باريس في الخريف لو انك اختصرت المنظور لكنها كانت ساحة لأقامة صلاة الجمعة بعضها مسقوف بصفيح يستند على اعمدة خشبية واغلب المساحة متصحرة وسبخ وبقايا مطر ..تجمعات لشبان ورجال من خمسة لستة يثيرون الريبة لا نسمع حواراتهم لكنا نستدل على اسلوبهم من حركات متشنجة مع الكلمات.. وملامح متوترة .. بعضهم يجرب الاناقة لكنه في اية لحظة ولاقل كلمة او نظرة تستفزه يتحول الى ذئب منفرد .انهم مشاريع للشجار مؤجلة . ورأيت ثالث كلبة مرضع لا ندري اين جراؤها تغادر القمامة او تعود اليها .. امهات وسخات يلهثن .وربما صادفنا كلبات مراهقات فقلت لصاحبي (انظر ان لها اثداء كثيرة , اكيد انها هكذا لانها تنجب الكثير من الجراء) .. فاجاب صاحبي (جراء كثيرة بلا فائدة اما الشاة فتلد واحدة نافعة ) , قلت (صحيح لان من لافائدة منه هو الاكثر ــ ملمحا الى وضع اجتماعي ) , فضحك صاحبي وجاريته حتى لمعت دموع .ولاني مولع بالتعليل اكملت (الشاة تبقى بحكم الرعاية اما الكلاب فوقود للعجلات المسرعة وغيرها )..
...
الفرع الموصل للسوق يتسع لشخص واحد فقط لقد زحفت البيوت الى بعضها فانشات هذا الشق الضيق.. يصلح لتبادل ارقام المحمول السرية ويحتاج لشرطي مرور فلا يمكنك ان تجتازه ان خطت فيه امرأة.
هذا الحي فيه الكثير من الحطب و الاغصان المتيبسة مكدسة قرب البيوت والعرصات ورؤوس الازقة وعلى السطوح ومظلات الصفيح الصدئة التي تعلو الابواب الرئيسة ..هل يستخدمون تنور الطين ؟! وهناك خطوط لجمل ومفردات تعكس الدفقة الاولى لوهم الحب او السخرية من الاخرين ( ابو راس .. احبك زهراء ..) بيت للايجار وعلى بعد 3 أمتار كتب البيت للبيع على نفس الحائط ( وتخيل ان اتى الدار مشتر ومستاجر معا)...
العديد من النساء والفتيات منقبات وهي ظاهرة ندرت في السبعينيات حتى انك لترى فتيات متحررات وهن ومنقبات .. تكشف ذلك من الصوت وحركات الجسم خاصة اليدين ونوع النظرات ... لكن حضور النساء نادر فرغم ان العشائر وقسوة فديتها لا القانون قد حجم الاعتداء عليهن او التحرش بهن لكنهن ما يزالن حبيسات البيوت .. ينتظرن بابا يشرع او حريقا ينشب او ثقبا من شباك ليغذين الفضول ... اثار فينا الضحك بيوت شيدت على ترع متعرجة نتنة محاطة باطارات مستهلكة كانها طوق نجاة لسفن مقزمة موغلة في القدم .. بيوت واطئة ملصقة تلصيقا يحمد اصحابها السماء لقلة العواصف والمطروالا لقلعت من زمان .
انه طير زينة بديع الالوان لكن وجهه قبيح وقدرت انه قد تم اصطياده من اشهر ونقل بسفن الى هنا انه قرب اقفاص طيور محلية .. بلابل .. حمام .. اقفاص مملوءة حركات قلقة او فارغة وعلى بعد امتار منه احواض لاسماك الزينة .. الطير قلق ينظر فلا شجرة ... اسر لا رحمة فيه ..اضواء ساطعة لكن وجهه قلق و كئيب .. قلت له <لا تحزن نحن اشباهك ,: ايام مستنسخة ثقيلة وحبس بلا اسوار .. انت حبيس ونحن مهمشون >.. وما يفعل ذلك الرجل وهو يثبت قطعة قماش على عصا وينش الذباب عن الجوارب في اكياس نايلون ربما لقلة الزبائن .. وتلك المراة الاربعينية البيضاء لصق محل تبيع الدمى وغيرها ماذا عنها : هل ارملة فاتها القطار او تخلى عنها ابناؤها ... الشبابيك غطيت بجدران طابوق او بلوك انه الاحتراس في زمن الانفلات , تحتاج الفتاة لثغرة اية ثغرة لتصنع الحكايا ... وماذا يفعل الشبان وقد تزينوا ان حذفت الفتيات من الشوارع انهم يهرعون للفيسبوك والواتساب لعل الوهم يبدد ضغط الشهوات ... يتناسب الاندفاع الجسدي طرديا مع قوة الكبت ومساحة الممنوع .
تتوفر غرفة بشباك مغلقين لها سقف قريب للارض ؟ اي غرفة ؟! ماذا يصنعون بها .. وعربات يدوية بشكل صناديق متجهمة اللون .. وميزان معلق لصيق لاحد الابواب .. انه لشراء الخبز اليابس والنحاس (الصفر ) والفافون ..لكنه لحظة مررنا مستسلم لرياح تعبث بتوازنه ...كلب جوزي مراهق ينغرز في الرمل صامت الا عيناه الناطقتان بالفضول والترقب والتأهب .. لكنه سعيد فقد بدأ جسده يتحرك فيه الدم وربما بحث او سيبحث عن عشيقة ..هرة في طرف القمامة تلعق رجلها بمهارة وترقبنا عيناها الخضراوان ..
هؤلاء الناس خسروا كل شيء .. انهم متأزمون وضاحكون متحدين الحكومات ودوائر المخابرات السرية الغربية .. انهم يبتكرون انشغالاتهم ويغتصبون اللقمة بالعرق .. لكنهم يحتفظون بطاقاتهم لايام محرجة ان جرب حظه داعش او تقرب مستعمرون ... هنا سيعلم الجهلة اية طاقات انجبت تلك النسوة المهملات .. سيسمعون صوتهم بنار السلاح ..
شهد هذا الحي المترامي الاطراف معارك طاحنة مع الامريكان والبريطانيين خاصة ..لقنوهم دروسا لا تنسى حتى انسحبت القوات البريطانية من البصرة .. هؤلاء الناس يحركهم المذهب ومقت الاستعمار : صفتان راسختان اما الثورات فلا تؤسس بالوعي بل يخلقها التأزم والتعب والفاقة والخصاصة ... ونحن على بعد ثلاثة شهور من الانتخابات فالسياسة حديث الطرقات لكنهم ما يزالون يهرولون وراء العمامة والجامع وهو ما سيخسرهم ربع قرن قبل ثورة جارفة .



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصيد( بيك اخطيتك )
- قصيدتان:التلال المستطرقة والقديس
- (ليقنعها بالزواج باحدهم ) قصة
- غربال ( قصيدتان )
- نظرة الى الامام مذكرات ج12
- اخيرا تفتت الوحدة
- الشاي و منديل ابو الحيلين قصة قصيرة
- العريف حمة
- اغتصاب الموتى وقصائد اخرى
- البريكان (مجهر على الاسرار وجذور الريادة ) ج6
- ثمل ليلة الانتخابات
- مقابر البصرة قصيدة
- نظرة الى الامام مذكرات ج11
- ثلاثة نصوص
- حي سليطة
- تصدع القوقعة ( نصوص شعر )
- قصة (لا تقبروني في عزلتي : الحل ليس حلا)
- قصيدة
- ثلاث قصائد
- البريكان (مجهر على الاسرار وجذور الريادة )ج5


المزيد.....




- موسيقى الاحد: أبو الموسيقى الألمانية
- شفرات الجسد الانثوي في العرض المسرحي
- دهوك تستعد لإطلاق النسخة التاسعة من مهرجانها السينمائي الدول ...
- مهرجان شرم الشيخ يحتفي بالإنجاز المسرحي العراقي
- كاريكاتير العدد 5314
- أوراقٌ مِن دَفتَرِ الضياع - -(سونيت) .
- العراق يطلق مبادرة كبرى لإحياء مخطوطاته الفريدة
- يامن المناعي يحصد جائزة الأدب العربي في فرنسا
- صدور الترجمة العربية لرواية «سقوط شجرة الحور»
- مجموعة برلمانية أوروبية تستنكر استعمال الجزائر الغاز كسلاح و ...


المزيد.....

- - السيد حافظ في عيون نقاد وأدباء فلسطين- دراسات عن السيد ح ... / مجموعة مؤلفين عن أعمال السيد حافظ
- البناء الفني للحكاية الشعبية على بابا والأربعين حرامي (بين ... / يوسف عبد الرحمن إسماعيل السيد
- شخصية مصر العظيمة ومصر العبيطة / السيد حافظ
- رواية سيامند وخجي مترجمة للغة الكردية / عبد الباقي يوسف
- كتاب (كحل الفراشة) - ايقاعات نثريَّة - الصادر في عام 2019 عن ... / نمر سعدي
- رواية تأشيرة السعادة : الجزء الثاني / صبيحة شبر
- مسرحية حكاية الفلاح عبدالمطيع ممنوع أن تضحك ممنوع أن تبكي / السيد حافظ
- مسرحية حلاوة زمان أو عاشق القاهرة الـحـاكم بأمـــــر اللـه / السيد حافظ
- المسرحية الكوميدية خطفونى ولاد الإيه ؟ / السيد حافظ
- - الدولاب- قصة ورواية ومسرحية / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - مأتم وسوق