أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين مبارك - بؤس السياسة في واقع مهزوم














المزيد.....

بؤس السياسة في واقع مهزوم


عزالدين مبارك

الحوار المتمدن-العدد: 7264 - 2022 / 5 / 30 - 21:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


للسياسة بؤسها و بؤسائها وهي كاللعنة الفرعونية تصيب كل من يقترب منها؛ فبعد صولات وجولات مخادعة نجد محترفيها في بؤس عظيم ، وقل وندرأن ينجو أحد من المصير المشؤوم؛ والأمثلة عديدة وخاصة في بلادنا العربية الموشومة بالعلل والمفارقات والعجائب.
ففي البدء كانت السياسة ذات دلالة ووظيفة شبه طبيعية لأنها ملتصقة بواقع الناس والحي لتقدم لهم الخدمات وتحل مشاكلهم وتساعدهم على العيش المشترك وكان ذلك في اليونان القديم وفي مرحلة ساد فيها نظام الدولة المدينة.
وعندما تعقدت الأمور بعد ذلك وتشعبت أصبحت للسياسة أدوار ومهام أخرى وتلوثت بمنظومة المصالح المتناقضة بين الفئات المكونة للمجتمع فتحولت إلى فريسة للأهواء والصراعات وعرضة للتقلبات وتعدد المفاهيم والأطروحات.
وزاد تدخل السلطة في لي ذراعها حتى جعلها عنوانا لديمومة حكمه وتبرير أفعاله الطائشة وكبح جماح الرعية وإفساد المجتمع وتخديره للقبول بالأمر الواقع في زمن السلاطين والملوك والأمراء والإمبراطوريات في الشرق والغرب.

فالسياسة هي لغة سلطانية بامتياز وحكر على النخبة التي تدور في فلك الحاكم دون سواها لأن الباقي من الرعية في الغالب جهلة وغير متعلمين ولا يفقهون في الأمر شيئا ونحن في عصرنا هذا ورغم التقدم العلمي والفكري مازلنا نعيش في زمن البؤس السياسي.
ومن مدلولات البؤس السياسي المعاصرالقطع مع احتكار السلطة الحاكمة للسياسة فتجعل منها وسيلة لمخادعة الناس والكذب عليهم وتزويرإرادتهم وجعلهم فريسة سهلة الخضوع والتوجيه والاستكانة وتملي عليهم إرادتها القاهرة وتسوقهم كالعبيد ككائنات وظيفية تستغلهم لمهمات معينة ومحددة.
ومن الوسائل المتبعة في تجذير سياسة البؤس هو محتوى التعليم الخالي من أدوات النقد والمحاججة والتفلسف واحتواء الصحافة وتطويع مكونات المجتمع المدني والتضييق على الحريات العامة وحرية التعبير واستعمال القمع المادي والمعنوي لإسكات أطياف المعارضين ولجم أفواههم.
وأدوات السلطة في ذلك الترهيب والترغيب بمنح الامتيازات للمنافقين والمداحين والظن بها على المستقلين فينتج عن ذلك تفكك للمجتمع وتبليد للذوق العام وخلق حالة من الركود واللامبالاة ويعم الفساد والمحسوبية والظلم وهو النتيجة الحتمية لسياسة البؤس.

وهذه السياسة لا تخدم إلا مصلحة السلطة الحاكمة ومريديها ومع مرورالوقت تصبح عادة متمكنة ونظاما ثابتا في ظل عدم التداول على الحكم فتتحول إلى سياسة تكبل الصيرورة الطبيعية للمجتمع فتحد من تراكم المعرفة والثروة وتنتهي حتما بمأزق رهيب يؤدي إلى الثورات والانقلابات والكوارث.
فالبؤس السياسي مصيره محتوم ومعلن لكن أصحاب الكراسي تصيبهم لعنة السلطة المتمثلة في النشوة الزائفة وابتعاد القول عن الفعل والدخول في متاهة السلطنة والفوقية المخادعة والتغاضي عن هامش الأمور البسيطة والتغول والابتعاد عن الشأن العام والتقوقع في الأبراج العاجية وسط جيش من المستشارين والخدم والحشم والمنافقين فلا يرون في الناس إلا رعية وخدما ومطيعين لا شأن لهم في السياسة؛ فهم الذين يقررون مصيرهم ونمط عيشهم وتعليمهم. وسياسة البؤس تؤدي حتما إلى تأليه الحاكم فتجعل منه قديسا أمره مطاع في كل الأحوال؛ وكل ما يأتي منه لا يناقش البتة وهو المعصوم من الخطإ والضليع في كل شيء وليس قبله ولا بعده أحد وذلك بحكم السلطات الواسعة التي بين يديه والثروة الطائلة التي يتصرف فيها فيغدق الخيرات على من يشاء وينزعها ممن يشاء.

وهذه السياسة البائسة تتوارثها الأجيال أبا عن جد لأنها أصبحت عرفا وثقافة تجري كالدم في العروق وتسكن في اللاوعي الاجتماعي.
وقد رأينا كيف تتجاذب الشعوب العربية وهي في عز ربيعها نوازع العودة للوراء ولم نستطع التقدم إلى الأمام ولو خطوات بسيطة ونكاد اليوم ندخل في صراعات مذهبية وطائفية تفتت المنجز وتحرق أوراق المستقبل. وبدأت الزعامات الماضوية الهرمة تطل من ثقبة التاريخ وكأنها تعود للانتقام والتشفي ممن لم يكن سببا في تيهها وانهزامها تاركة الحسرة تأكل أصحاب الحق في الثورة وهم الشباب.
وقد ورثنا عن سياسة البؤس جميع هزائمنا فأصبحنا نعيش واقعا مهزوما بالضرورة وهو من الحتميات التاريخية والثقافية وللفكاك من كلكلها المقيت لا بد للنخب المحترفة للسياسة الإيجابية أن تنزل السياسة من عليائها وتحولها إلى واقع معيش يفهمها عامة الناس وتنزع عنها الدجل والكذب والمراوغة والتسويف وقلب الحقائق حتى يكون المواطن البسيط محورها وهدفها الأساسي.
فما أكثر الأحزاب السياسية التي تبيع أوهاما زائفة وأضغاث أحلام جريا وراء الكراسي والفوز بالانتخابات فتكثر من الوعود والتسويفات والدجل ولا يقبض المواطن في النهاية غيرالريح وما أكثر السياسيين الذين يحترفون قول ما لا يفعلون وينثرون الرماد في العيون وهمهم الوحيد الوصول إلى السلطة بأي ثمن وقد تربوا على هذا النمط من السياسة طيلة عقود فتراهم في المجالس يفتون وفي المنابر الإعلامية ينظرون!!!
ومن المؤسف حقا أن سياسة البؤس أنتجت لنا أجيالا لا تحصى ولا تعد من الانتهازيين وخاصة من طبقة المثقفين والجامعيين وأصحاب المال الذين استعملهم الحاكم بوقا للدعاية الزائفة للتأثيرعلى الرأي العام كما أنتجت مواطنا خائفا مرعوبا من العسس والقوادين فاقدا لإرادته مستسلما لقدره غابت عنه المبادرة والحس المدني والمواطنة الحقيقية.
فسياسة البؤس في واقع مهزوم لم تعد تجدي نفعا لأن الثورة بما أدخلته من مفاهيم جديدة ومتطورة خلخلت البنى المجتمعية وحركت المياه الراكدة مما يتطلب القطع مع الماضي بكل هزائمه وكوارثه والتوجه نحو سياسة منتجة وإيجابية هدفها تحقيق مصلحة المواطن والوطن أولا وأخيرا.



#عزالدين_مبارك (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يخافون من ديمقراطية الإستفتاء؟
- الحيل الشيطانية في الإدارة التونسية
- لماذا النخب القديمة تعادي مشروع قيس سعيد؟
- من يتذكر آلام سبايا الغزو الإسلامي؟
- الخديعة الكبرى
- محركات الدين :الغزو والجنس والتحايل على الإله.
- لماذا يصمت الإله أمام هول ما يرى؟
- القرآن نص زمكاني
- لماذا النظام الرئاسي أنجع من النظام البرلماني في دول الهشاشة ...
- الإله الإبراهيمي خلطة عجيبة بين الذاتي والأسطورة والخيال.
- تهافت ما يقوله الإعجازيون عن آية الرتق والفتق
- هل القرآن هو تعبير عن العقل الباطني لمحمد؟
- نحو الدين كحرية شخصية
- هل هناك علاقة بين الأديان والتخلف؟
- وهم الثورة ولعبة الأمم
- المواطنة والعدالة الاجتماعية لبناء الدولة الحديثة
- المواطن العربي المقهور إقتصاديا واجتماعيا وسياسيا
- ثورة العقل لم تقع
- متى ينتصر العقل على الخرافة؟
- هل الأخطاء العلمية بالقرآن دليل على بشريته؟


المزيد.....




- قضية حشد تأييد للإمارات والأزمة مع قطر وعشاء محمد بن سلمان ب ...
- قضية حشد تأييد للإمارات والأزمة مع قطر وعشاء محمد بن سلمان ب ...
- بدعوى شتمته والتشهير به.. ترامب يقاضي (سي إن إن) ويطالب بتعو ...
- كوريا الشمالية تطلق صاروخا -غير محدد- حلق فوق اليابان.. وطوك ...
- القوات الأوكرانية تستعيد مناطق في خيرسون وتستعد لمعارك في لو ...
- لأول مرة منذ 2017.. كوريا الشمالية تطلق صاروخا بالستيا يحلق ...
- تسريبات تكشف عن هاتف Galaxy المنتظر من سامسونغ
- روسيا تطوّر بزّات فضائية جديدة لرحلات القمر
- حجب خدمات Google Translate في الصين!
- إيران: خامنئي يتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف وراء ال ...


المزيد.....

- مسرحية إشاعة / السيد حافظ
- الميراث - مسرحية تجريبية - / السيد حافظ
- غرض الفلسفة السياسية المعاصرة بين الاستئناف والتوضيح / زهير الخويلدي
- العدد 56 من «كراسات ملف»: الاستيطان في قرارات مجلس الأمن / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- هيثم مناع: عميد المدرسة النقدية في حقوق الإنسان / ماجد حبو، مرام داؤد، هدى المصري، أسامة الرفاعي، صالح النبواني
- اسرائيل والتطبيع مع الدول العربية-المسار واّليات المواجهة 19 ... / سعيد جميل تمراز
- كتاب جداول ثقافية: فانتازيا الحقائق البديلة / أحمد جرادات
- غرامشي والسياسي، من الدولة كحدث ميتافيزيقي إلى الهيمنة باعتب ... / زهير الخويلدي
- خاتمة كتاب الحركة العمالية في لبنان / ليا بو خاطر
- على مفترق التحولات الكبرى / فهد سليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين مبارك - بؤس السياسة في واقع مهزوم