أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مختار سعد شحاته - أسئلتي حول السرد والتراث















المزيد.....

أسئلتي حول السرد والتراث


مختار سعد شحاته

الحوار المتمدن-العدد: 7244 - 2022 / 5 / 10 - 15:40
المحور: الادب والفن
    


تعريف للتبسيط للتراث والسرد:
ربما هذا المقال يأخذ الطابع الشخصي في شكله، لكنه غير منفصل عن الكاتب أو الباحث، إذ يدفعني للكتابة أن أتعلم كيف يمكن أن أقف وأسأل نفسي عما أكتب أو عن السبب وراء السعي خلف مادة تراثية بعينها، وأظنه فيما يلي من سطور ستكون محاولتي لفك ذلك الأمر –وبشكل شخصي بحت لا تنظيري- وللإجابة عن السؤال الكبير:
- لماذا أجري جريًا وراء تلك المادة التراثية وأجعل منها حجر أساس في بناء ما أكتبه من السرد، الطويل منه خاصة، أو ما يجرفني إليه البحث في المجال الأدبي؟
سأكون شكلانيًا في البداية وأحاول وضع تعريف بسيط للغاية لكل من مفردتي "التراث" و"السرد"، وأن أنتبه للرابط بين المادتين. ففي واحد من تعريفات عديدة يُعرّف التراث باعتباره "ذلك الكم الهائل من الخبرات والثقافات والعادات والموروثات باختلافها التي تركها الراحلون، اكتسبت ثقلها وشهرتها بتداول الناس لها بالتدوين أو الشفاهية"، وأما السرد فهو الموازي للحكاية بشكل ما والمختلف في ذلك الشكل ما بين الطول والقصر أو التدوين والشفاهية. في ظني العلاقة بين التراث والسرد –خاصة في بيئتنا العربية- صارت بينهما علاقة تكافلية، فكل تراث لابد له من حكاية، والحكاية لابد لها من أحداث، ولأن التراث جملة من أحداث إنسانية جمة ومختلفة التعابير، نشأة تلك العلاقة، وصار كلاهما يعتمد الآخر بل لا ينفصل عنه في أحيان كثيرة، حتى أن السرد الحديث مال كثير من المشتغلين به إلى إعادة الاعتبار لتلك العلاقة، فصارت أعمال عظيمة تُبني على ذلك التراث، وما به من أحاديث وأساطير مدونة أو منقولة بالسماع ومتوارثة.
وهنا لا أدخل في تلك المنطقة التي أكل وشرب فيها البحث ملء البطن حول شكل تلك الكتابة وتقاطعات مدارس السرد وتقنياته مع التراث الخاص والعام، وعن استلهامه وقناعة البناء عليه، ومفردات ذلك البناء وشكله، والنقطة البعيدة المراد الإشارة إليها من وراء ذلك التوظيف أو الاستناد، فكما قلت هنا أكتب عن تجربتي الشخصية بالأساس.

- فلماذا أميل إلى تلك المادة الهائلة عبر التاريخ الإنساني؟
لعل مثلي من أبناء الطبقة التي كانت فيما مضى تُسمى الطبقي المتوسطة، والتي راحت تتآكل، وكاد من على شاكلتي يختفون من تفاصيل خريطتها، هم أكثر الناس مُضيًا نحو ذلك الأمر، إذ حملنا نحن وطأة الفساد والسياسات الرديئة –وأتكلم هنا عن الحالة الجغرافية التي أنتمي إليها- ففي غالب المجايلين لي من الكتاب، تخرجنا من مدارس حكومية عبر منهج شديد التفكك، يلقي بك في النهاية في أتون ما تسميه العامية المصرية باقتدار "المفرمة" الحياتية، ومجموعة من الظروف الاقتصادية وتخبط الحكومات وفسادها، لتجد نفسك في النهاية لا بديل أمامك غير أمرين، إما أن تستسلم للأبد، وإما أن تحاول أن تتلمس مساحات لحلحلة قلقك الدائم الناتج عن أسئلتك، حين تقع في غواية الكلمة مكتوبة ومقروءة، فتهرب إلى ذلك الماضي، وهو هنا ميكانيزم دفاعي ربما ينتج بغير وعي كامل له كنوع من استيراتيجياتك الدفاعية في ظل قانون السلطة، وهذا باعتبار "فوكو" ونظريته الأنثربولوجية حول طبيعة وشكل تلك التحايلات اليومية في دائرة الصراع مع السلطة.
إذن لأتصالح مع الفكرة أنه بالأساس هروب جميل، لكن هل يقف ذلك على مجرد الهروب، إذ في كثير من الحالات السردية التي نستلهم فيها التراث أو نتقاطع أو نتناص معها، في غالبها تحمل في طيات طرحها السردي الإشارة إلى ذلك الصراع أو التنبيه عليه، وربما هذا يأتي بشكل معكوس، إذ نرتد إلى قلب التراث في محاولة للحكم على حاضرنا من خلال الحكم عليه بشكل ما، لكن العجيب في تجربتي أنني أتقدم زمنيًا في الكتابة، وهنا أقصد التقدم في زمن السرد، لأجعل من واقعي المُعاش واحدة من تراكمات التراث، وأظنني بذلك أستمد حقي كابن شرعي للتراث، وبالتالي فلي حق أصيل في الإضافة إليه، وفي الواقع شئت أم أبيت ستدور عجلة الزمن للأمام وبالحدث سيصير الواقع تراثًا لجيل ما لاحق.

الكاتب القديم كائن لاطبيعي نوراني:
هل ألجأ إلى ذلك الاندفاع الزمني وتحويل الواقع إلى تراث، حتى ولو قريب جدًا، أو بعيد جدًا، لأنه يمنحنا مساحة أرحب في الحكم على الواقع وتصدير رؤيتي التي أظن، وقناعاتي التي تتكون حول الواقع والماضي من أحداث؟ ربما. أو ربما كان الاستلهام واعتماد التراث في كتاباتي السردية تلك نوعًا من حنين ساذج ومقهور باعتبار نظرية "فوكو" للسلطة، ولأقرب الفكرة، سأطبق عمليًا بالمثل العامي المصري "يا بخت من بات مظلوم ولا بات ظالم"، فهل شعور ما بالظلم أو القهر بمعناه الإنساني الأشمل لمجتمع كامل، هو ما يدفعنا إلى التراث ليرضي تلك المظلومية التي تكونت في قرارتي البعيدة، والتي ستنحاز إلى اعتبار الكاتب بشكل ما فيه من اللاطبيعي الداخلي والتعقيدات التي طرحتها أسئلة قلقه حول المفاهيم المطلقة داخل المجتمع؟! أظن التراث في تلك الحالة لن يكون بخيلاً إذ سينتصر المظلوم منذ حكاية "إيزيس وأوزوريس" وحرب الطفل "حورس" مع الإله "ست" ومرورًا بحكايات "عنترة وعبلة"، و"أبوزيد الهلالي سلامة"، وآلاف من الحكايات التي نجد فيها متنفسًا لانتصاراتنا الشخصية، حتى ولو كانت بالقراءة المجردة لها كما في "حكاية يوسف –عليه السلام- وأخوته"، و"موسى وفرعون"، حتى نصل إلى تاريخنا المعاصر الذي يمكن أن يحول صعلوكًا إلى ذلك البطل الشعبي الذي يمثل العدالة الألهية على الأرض، وفي ذلك أمثلة كثيرة لا حصر لها في التراث وسردياته المتواترة والمتوارثة، خذ مثلا على ذلك البطل الشعبي المصري "أدهم الشرقاوي".
هل نبحث عن تلك الحالة التي ترضينا وتسكن غضبنا؟ وكيف أستوعب أن هذا التراث علاته وتناقضاته التي تفجرها أدوات البحث الحديث وأسئلة الباحث؟!
في حالتي الكتابية أظن الجميل في التجربة سؤال بعيد جدًا حول ما كتبته، والذي أحاول تخيله بعد مئات السنين وقد بات تراثًا بالحكم الزمني، فأجد الفكرة ملفتة جدًا، إذ على الدوام تتلبسني حالة من الطهر أخلعه على كل من يكتب، وهنا لا أنتبه إلى الطبيعة الإنسانية قدر ما أركز على تلك الفكرة التي تجعل من الكتابة وممارسين فعلها كائنات أشبه بكائنات نورانية يمكنها أن تضيء لك مساحة ولو يسيرة للغاية متى قبضت عليها، وهو ما يحدث لي في كل حكاية وسردية تراثية بأي شكل من أشكال ذلك السرد. من يكره أن يكون ذلك الكائن النوراني ولو بعد عشرات ومئات السنين؟ أنا لاأكره.
في هذه اللحظة –لحظة قراءتك- ربما تعجب أو تضحك أو تسخر من الفكرة، لكن لا تنسَ أننا معشر الكُتاب معجنون بتعقيد أسئلتنا القلوقة، وباحثون عما يقضُّ مضاجع بال مرتاح بالتورط والتوريط في فعلي الكتابة والقراءة، وهو دافع جديد أحاول التخفف من ضغطه بتلك الاستدعاتوالتناصات التراثية، وهنا لا أروج لفكرة الارتداد للخلف للتعلم، أو قراءة الماضي لاستشراف المستقبل، فظني أن كل عصر له قراءته الخاصة وأسبابه المنطقية.

تسونامي السرد:
دعني أخذك إلى هاجس آخر في ظل ما أحب تسميته –والتسمية شخصية تمامًا- موجات التسونامي الكتابي، فمن الملاحظ أن طرائق السرد والكتابة تخطفها موجات كتابية لا ينجو من الغرق فيها إلا النادر، فمرة تسونامي التأريخ، ومرة تسونامي التصوف، ومرة تسونامي القوميات، ومرة القيم المطلقة، والحرب والسلام، وصراع الإنسان مع القدر ومسألة الإيمان والكفر، موجة تتلوها موجة، وهو ما يجعل سؤالا يتردد في ذهني طوال الوقت، متى تنتهي تلك الموجات –وهي للعلم في كل أنواع الأدب والفن غالبًا- ولا تتوقف على الشكل السردي؟ وهل يمكن أن نتخيل أنفسنا باعتبارنا تراث الأجيال القادمة فنكتب أنفسنا المجردة من تطعيمات تلك الموجات والتي يحضر فيها المشهد التراثي بقوة؟ الأوائل لم يكن لهم أسطورة أو تراث لكنهم صنعوا ذلك كله حتى من دون الانتباه حين حدوثه أنه مادة تراث في المستقبل، وإلا فلتدعنا نتخيل بشكل فنتازي مثلاً "وقفة عرابي" أمام قصر عابدين، ونشطح بخيالنا السردي لو أن كلاهما –عرابي والخديو- انتبه أنه مشروع تراث في المستقبل للأجيال فكيف سيكون التصرف على الطرفين، المثل هنا أسوقه كواحد من تلك السياقات السردية التي يمكن أن تعتمد التراث، دون الحكم على الحدث التراثي نفسه، إنما للدلالة على ما يمكن أن نفعله مع التراث وسياقاته السردية المختلفة في بناية مشروعنا السردي.

التراث صادق والصدق محبوب:
بقى سؤال في ذهني أخير، هل نلجأ إلى التراث باعتباره منوط الصدق على ما فيه من تناقضات السرد والمنطق، وهنا لا أقول الصدق المجرد اما الكذب المجرد، بل أقصد ذلك الصدق الناتج عن القدم والاصالة، إذ يميل الكثير إلى اعتبار القدم والأصالة دليل الصدق المطلق، فالتراث غير كاذب ولا يجوز أن يكذب، حتى ولو تواترت الحكايات التي تزيد الشكوك في الكثير من مشهور هذا التراث المنقول، وذلك لاعتبارات كثيرة أبسطها من نقل وكيف نقل ولمن نقل وعمن نقل وبأمر من نقل؟ وغيرها من أسئلة أراها ضرورية أمام السرديات التراثية المشهورة.
في النهاية اعتراف بأنني تعاملت مع المفهوم لكلمة تراث في معناها القريب من عملي فكان ذهني يستدعي تراث الحكاية والسرد المدون والشفاهي على الدوام، وكروائي وباحث أدبي، يتمنى أن يقرأه الناس بعد سنوات طويلة كتراث، فللفكرة على نرجسيتها بعض ما يرضي نفس كاتب معجون بالقلق و"الكلاكيع" النفسية للأسئلة التي لا تنتهي، كما ان الناس يحبون الصادق لا الكاذب.



#مختار_سعد_شحاته (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين
حوار مع المناضل الشيوعي الاردني سعود قبيلات حول الحرب الروسية - الاوكرانية وابعادها سياسيا واقتصاديا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ضع رهانك
- جنازة خرساء
- الاستعمار حمَّال أوجه
- رسالة إلى الكلب البلدي المسكين
- عيد ميلاد مجيد
- عكازان ونصف ساق
- في القطب الجنوبي
- لقاء عابر في البار
- الجيوب الثقافية والأديب الذري الجائل... -مبدع القرية مثالًا-
- من تاريخ النشر والطباعة
- التاريخ الحي وكتابة الحدث التاريخي المعاصر
- وداع جديد
- في انتظارك يا ربّ
- مفاوضات البرد
- يد الله
- إعلان
- سيرة ذاتية
- يا الله!!
- قراءة فائضة في كتاب -حتى ينتهي النفط- لصامولي شيلكه
- النزلة


المزيد.....




- كأنه مشهد مقتبس من فيلم رعب.. أعضاء فريق بيسبول واجهوا أشباح ...
- نتفليكس تسرّح 150موظفاً في الولايات المتحدة بعد تراجع مشتركي ...
- من تونس، المغرب وفلسطين...5 مخرجين يمثلون السينما العربية في ...
- الممثلة الأممية في العراق تحذر في كلمتها من -دبلوماسية الصوا ...
- العراق يحتفي بأيقونة السرد محمد خضير.. من هو وماذا يقول عنه ...
- المسلمون في الهند: ما هي أصول اللغة الأردية؟ ولماذا تثير حفي ...
- زيلينسكي يخاطب مهرجان -كان- السينمائي بلباسه العسكري
- انطلاق جائزة الشارقة للإبداع العربي/ الإصدار الأول
- 50 ألف دولار للفائز بالجائزة العالمية للرواية العربية
- الفنان محمد صبحي يعلن قرب تقديم مسرحية -ملك سيام- بعد تأجيل ...


المزيد.....

- رواية راحلون رغما عن انوفهم - الجزاء الاول / صبيحة شبر
- من الشعر نفحات / عيسى بن ضيف الله حداد
- - شعر - قطوف من خارج المالوف / عيسى بن ضيف الله حداد
- المجموعة الشعرية الكاملة في الشعر السياسي / عيسى بن ضيف الله حداد
- المُلحد / عبد الباقي يوسف
- أمريكا كاكا / عبد الباقي يوسف
- حنين احلام مصادرة / رواية خماسية - رواية الجزء الاول ( هرو ... / أمين احمد ثابت
- ديوان شعر ( مترائي . . الثورة المفقودة ) / أمين احمد ثابت
- حزن الشرق / السعيد عبد الغني
- حتى أكون / رحمة شاذلي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مختار سعد شحاته - أسئلتي حول السرد والتراث