أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - صفقة مع الحزن














المزيد.....

صفقة مع الحزن


فوز حمزة

الحوار المتمدن-العدد: 7217 - 2022 / 4 / 13 - 15:07
المحور: الادب والفن
    


أزيز الصراصير هزم الصمت من حولي لتبدأ حواسي في الاضطراب و ذاكرتي في الصحو لتعود بي إلى إثنين وثلاثين عامًا إلى الوراء .. أنه الكابوس المختبىء في زوايا العتمة وفي صمت الجدران وتحت الجفون ..
الأزيز يعلو كالموسيقى المنبعثة من الملهى المطلة آنذاك إحدى واجهاته على النهر .. والآخر على مقبرة المدينة ..
كانت الألحان لأغنية حزينة تحكي هجر الحبيب والمغنية تتمايل مع الأنغام برشاقة مغمضة العينين تطلق الآه من قلبها .
شموع الصالة أنعكس لهيبها على ملامح المغنية فبدت كنقطة نور وسط سواد كالح مثل نجمة المساء ..
أنهت وصلتها الغنائية بينما نظراتهم كانت تلاحقها إلى آخر خطوة قبل أن تغيب في الكواليس ..
الأزيز يدنو مقتربًا من جسدي .. بدأ ينخر في عظامي .. ملتفًا حول رأسي عاصرًا إياه بقوة ..
نهضت من فراشي مذعورًا لأجلس على طرف السرير بعد أن شممت رائحة دماء ما تزال ساخنة تملأ أنفي ..
صراصير أفكاري خرجت من مخبئها كجيش جرار لا قائد له .. بدأت تزحف على جسدي المرتعش وهي تعيد عليّ ذكرى تلك الليلة .. بينما كنا نتحدث ونضحك ونضرب أقداح الخمر في الهواء غير عابئين بالحياة خلف الزجاج الأزرق .. سمعنا صراخ امرأة في الخارج ..
الأزيز بدأ يلتهم خلايا دماغي .. الفوضى العارمة في رأسي والتي حولته في ثوان إلى رماد أصابتني بقشعريرة حتى أخمص قدمي ثم تلاها شعور بالبرد .. إنها لعنة من زمن سحيق جعلت الظلمات تتسرب إلي من الثقوب ..
اثنان وثلاثون عامًا ما تزال تنخر في عظامي التي لم تعد تملك المقدرة على حمل جسدي ..
سكين ملطخة بالدم في يد شاب ورجل مسن يردد بصوت عالٍ وهو ينظر في وجوه الرجال ممن تجمهروا حول الجثة : لقد غسلنا عار العشيرة .. طهرناه بدم العاهرة ..
امتدت الأيادي وقبلها يدي تبارك فعلة الشاب وأبيه قبل أن يغادوا تاركين جثة المغنية ملقاة على الرصيف والدم يتنافر من رقبتها راسمًا بركة صغيرة حول رأسها شاقًا طريقه ببطء نحو نهاية الشارع ..
السماء صافية والبدر ألقى بنوره على المقبرة التي غرقت بظلام الوحشة وخيالات الظل للقبور ..
الأزيز غطى على الصمت ..
نظرت إليها .. جسدها كان ينتفض وعيناها شاخصة تطوف السماء ..
أنحنيت لأرى صورة الموت على وجهها، أنا الذي خبر الموت على وجوه الكثيرين ولم يبالِ .. مددت يدي لأول مرة أتحسس جسدها .. وجدته رقيقًا ولينًا ..
بصقت على الجثة التي كانت تغني قبل قليل مرددًا الكلمة التي كنت أطلقها على أمثالها : عاهرة ..
ولم يخطر على بالي أن الزمن سيعقد معي صفقة حزن ما تبقى لي من العمر .. !!
الغريب أنني الآن أشم رائحة بصاقي الممتلىء خمرًا مختلطًا بدمها الذي ما زال يجري نقطة أثر نقطة ..
وضعت يدي على أذني لأمنع الصوت من الوصول إليهما ..
الأزيز يقوى ويقوى .. يلتف حول جسدي بشكل حلزوني يعتصرني ثم يتركني برهة أعود للحياة ثم يعاود الكرة حتى بات صدري يعلو ويهبط وأنفاسي تتسارع للخروج من جسدي كما كانت تفعل أنفاسها في لحظاتها الأخيرة ..
حملنا الجثة والقيناها في النهر الذي سرعان ما ابتلعها بينما المدينة غارقة في النوم لم يوقظها الجلبة التي في الخارج.
كل المطر لم يمح من ذاكرتي رائحة دمها العالقة في ثيابي حتى اللحظة ..
نظرت عبر النافذة إلى السماء .. ما تزال النجوم رهينة الظلام .. خوفي يقف مترقبًا طلوع النهار .. تآمر النوم مع اليقظة علي ّ .. كيف لي الفرار من النهار الذي لا يأتيني إلا حاملًا صورتها .. ومن الليل حين يأتيني بوجهها عاريًا في الحلم ..
الأزيز يعلو ويعلو .. ويعلو ..



#فوز_حمزة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الظلال الحزينة
- بعد منتصف الحلم
- رسالة إلى العصافير
- ابنة الغجرية
- قارىء عداد الكهرباء
- مواسم العطر
- بين الظلال
- أنا ومعطفه الأسود
- موعد غرامي
- الوداع الأخير
- زهرة التوليب
- رماد الشمس
- رسالة من بين ثياب شتائية
- رحيل
- بقعة شاي
- بيرانديللو
- من مكان يدعى الروح
- امرأة في قطار
- حقيبتي السوداء
- ما رأيك ؟


المزيد.....




- -مدينة الأفكار- الرقمية تنفذ 10 آلاف مبادرة لتطوير العاصمة م ...
- صدور العدد الخامس من مجلة -سينماتيك-.. نافذة نقدية تواكب تحو ...
- اتحاد أدباء العراق يحتفي بكتاب -الموريسكيون في الرواية العرب ...
- مهرجان -تولستوي- المسرحي في روسيا يجمع 24 عرضا في نسخته العا ...
- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - صفقة مع الحزن