أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد حسين يونس - الحرب في بر مصر













المزيد.....

الحرب في بر مصر


محمد حسين يونس

الحوار المتمدن-العدد: 7147 - 2022 / 1 / 27 - 10:29
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لا نعرف الكثير عن تاريخ الحروب علي أرض (كميت) قبل أن تتكون الدولة الأولي ويرتدى الملك مينا تاج القطرين عام 3400 ق.م..
و لكن يبدو أن المعارك لم تتوقف لالفين سنة بين أبناء العصر الحجرى القديم (حوالي 5500 ق.م ) ..لقد كان كل (نوم) بمعني تجمع سكاني يريد السيطرة علي الجيران و فرض الرب ( نترو ) الخاص به عليهم .. حتي تكونت في النهاية مملكتين قويتين أحدهما في الدلتا .. و الأخرى في الصعيد .
و يبدو أيضا أنه كان من مهام ملوك الدولة القديمة قبل و بعد التوحيد تسيير الجيوش لوقف عدوان القبائل البدوية المغيرة علي الحدود الشرقية أو الغربية بشكل دائم و مستمر .
حتي .. ضعف نظام الحكم و تفكك غلي إقطاعيات بعد الدولة المتوسطة .. فلم تستطع القوات المصرية حول عام 2180 ق.م صد هجوم الهكسوس .. أو منع إحتلالهم لمساحات من الدلتا
إستمرت حالة الحرب والشد و الجذب بين الطرفين ( ثورات و معارك ) حتي نهاية 1576 ق.م عندما قام ملوك الأسرة الثامنة عشر بمحاربتهم من مدينة الصولجان ( طيبة ) و طردهم من البلاد بواسطة الإبن الأصغر(الملك أحمس) الذى كان عمره 19 سنة في ذلك الوقت .
ملوك الأسرة الثامنة عشر التالين تعلموا الدرس .. و أصروا علي إبعاد البدو عن الحدود المصرية عن طريق حرب إستباقية تسيطر من خلالها مصر علي مقارهم و بلادهم .
أبرز هؤلاء الملوك كان تحتمس الثالث الذى دمر تحالف (فلسطينى – سورى) ضخم كان ينوي مهاجمة بلده.. فى معركة كبيرة عُرفت باسم معركة (مجدو 1482 ق.م ) كانت من نتائجها المهمة تكوين امبراطورية مصرية فى آسيا.
في زمن رمسيس الثانى ( الأسرة التاسعة عشر ) قامت معركة أخرى شهيرة بإسم (قادش) ..إنتهت بمعاهدة سلام مع الحيثيين .. تمنعهم من مهاجمة حدود البلاد .
فى عهد إبن رمسيس الثاني ميرينبتاح ((قام تحالف بين الليبيين و شعوب البحر الذين نقلوا جيشهم من آسيا الصغرى لليبيا عن طريق البحر و هجموا على غرب الدلتا.. فخرج لهم الجيش المصرى و قضى عليهم.)).
ثم بدأت الإمبراطورية تتحلل و تسقط بسبب الرفاهية و الرخاوة التي عاش فيها الحكام و الكهنة ..و إنشغال إخناتون بالصراع بين ربه أتون و باقي أرباب المنطقة .. ثم أن كهنة أمون بعد إنتصارهم عليه ( أى أتون )..قرروا أن يحكموا مصر بصورة مباشرة ( نهاية الأسرة العشرين )..و يستعينوا بالمرتزقة بدلا من المصريين .. في جيوش لم تصمد بعد ذلك امام غزاه قادمون من الشرق ..
عام 677 ق.م بدأت سلسلة إحتلال مصر.. بهزيمة الجيش أمام الغزو الأشورى .. و بين ثورات شعبية متعددة وطرد المستعمر ثم عودته تبدل القادمون من بلاد ما بين النهرين خمس مرات خلال 150 سنة . إنتهي الأمر بإحتلال (فارسي) بقيادة قمبيز عام 525 ق.م ..تلاة أخر إغريقي ( يوناني ) بقيادة الإسكندر الأكبر عام 331 ق.م ثم تسليم الحكم للبطالسة بعد وفاته .
هذه الفترة .. منذ إضمحلال الإمبراطورية المصرية .. حتي تحولها إلي مستعمرة فارسية و يونانية .. ثم حكم البطالسة .. لا يلق عليها الضوء بشكل كاف ..و غير معروفة علي مستوى واسع إلا للمتخصصين ، رغم إنها بداية الفقد .. و مرحلة حظر تكوين جيش مصرى .. و الإعتماد علي المرتزقة و الأجانب لحماية البلاد .
المصريون في ذلك الزمن لم يعد يحاربون و لكنهم قاموا بعدة ثورات و إنتفاضات ..كانت تقمع بقسوة للاسف لا نعرف عنها الكثير .
فى العصر البطلسي خاض الجيش اليوناني المصرى.. حروبا كثيرة فى آسيا ووسع حدود مصر حتي أنه بحلول عهد بطليموس الثالث أصبح جيشهم من أقوى جيوش العالم التي يعمل حسابها ولديهم إسطولا ضخما
فى عهد بطليموس الرابع استولى أنطيوخوس الثالث على عاصمة سوريا التي كانت تابعة لمصر.. فخرج الجيش سنة 217 ق.م و معه الأسطول و أباد جيش المعتدين عن أخره فى معركة رفح.
هذه الصحوة اليونانية المصرية إنتهت مع حكم كليوباترا السابعة ففي
يوم 2 سبتمبر سنة 31 ق.م .. في البحر الأبيض المتوسط أمام شواطيء أوروبا بالتحديد في أكتيوم باليونان كانت الهزيمة الشهيرة لإسطولها والذى ترتب عليها استعمارالرومان و البيزنطيون لمصر لمدة تقترب من ستة قرون لم يسمح فيها لمصرى بحمل السلاح ..
أثناء الأستعمار البيزنطي وصل الحال في البلاد الي احط مستوى حضارى بحيث جرى إحتلالها بسهولة - بعد ذلك - بمجموعه من العربان لا يزيد عددهم عن الثلاثة الاف استوطنوها و عاثوا فيها فسادا يسترقون أهلها و يتبدلون علي حكمها ..حتي نهاية القرن الثامن عشر .
و بذلك حسم الصراع الذى دام لالاف السنين بين المستوطنين الزراعيين في مصر .. و البدو المغيرين ..لصالح البدو الذين صبغوا المزارعين بإسلوب حياتهم .
قصة حكم الأجانب لمصر منذ غزوة قمبيز .. قصة محزنة .. تم فيها نهب ثروات أهل البلد و تدمير هويتهم ..ولغتهم و دينهم ..و منعهم من حمل السلاح أو ركوب الخيل أو التدريب علي المعارك .. وإجهضت( بعنف ) كل ثوراتهم ضد المحتلين العرب ..و إبناء طولون .. و أبناءالإخشيد .. و الفاطميون من المغرب .. و صلاح الدين الأيوبي من سوريا .. و المماليك ..
وكان الغزاة ينزلون بر مصر فلا يجدون مقاومة تذكر .. ويقوم المصرى بتسليم ما بيدة للغاصب الجديد كما كان يفعل مع الغاصب الذى سبقه .
فى العصور الوسطى ( نهاية حكم الفاطميين و بداية حكم المماليك ) إستجد أن أصبح الملوك و السلاطين يكونون جيوشهم من العبيد الذين يشترونهم من نخاس .
جيوش مكونه من غير المصريين تعيش في مصر و يمول إحتياجاتها الفلاح الفقير في السلم و الحرب .
هذه الجيوش واجهت غزوات مسلحة خطيرة.. من المغول و الصليبين أكبر قوتين فى العالم فى هذا الوقت..
فلقد كانت مصر فى هذه الفترة كما يقول المؤرخ أرنولد توينبى حصن جنوب البحر المتوسط و ترسانته العسكريه.. وقد أدرك الصليبيون هذه النقطة فحَّولوا مسرح عملياتهم العسكرية من الشام لمصر..
بكلمات أخرى إذا كانت مصر هى المصدر الذي يخرج منه السلاح و العتاد ونفقات الجيوش فمن المنطق أنهم لن يستولوا و يستقروا فى الأراضى المقدسة إلا بعد السيطرة عليها.. و هكذا هجمت الحملة الصليبية الخامسة على مصر (1218 - 1221 ) م .
سلسلة حروب المماليك .. بدأت عام 1244 بإنتصارات بعد أن تعرضت مصر لهجوم جيش صليبى متحالف مع الشام و الكرك و بعض العربان.. ((هذا الجيش الصليبى الشامى العربانى أكبر جيش جهزه الصليبيين منذ معركة حطين.)). فخرج له الجيش المملوكي و سحق المتحالفين قرب غزه فى معركة كبيرة عُرفت باسم معركة الحربية أو معركة لافوربى..
بعدها بست سنوات هاجم الصليبيون مصر بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا و نزلوا فى دمياط و حاولوا التقدم للقاهره عن طريق المنصورة لكن خرجت عليهم قوات فارس الدين أقطاى القائد العام لجيوش المماليك و دمرت القوات المهاجمة و أجبرتها على التراجع.
وظل الجيش الصليبى مُحاصر حتى قرر لويس الهروب على دمياط فلاحقه الجيش وقضى عليه فى فارسكور وأسر لويس التاسع و قواده ولم يستطع الخروج من مصر إلا بعد دفع نصف الدية التي فُرضت عليه..
بعد معركة المنصورة بعشر سنوات خاض الجيش المصرى معركة حياة أو موت ضد المغول فى عين جالوت.. وكان مستقبل مصر و مستقبل الشرق الأوسط مُتوقف على نتائج هذه المعركة.. وكانت هزيمة الجيش المصرى فيها معناه تحويل منطقة الشرق الأوسط لولاية مغولية كبرى..
((فخرج له الجيش المملوكي بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى وانضم له بقية الجيش بقيادة سلطان مصر قطز و معه فرسان من أحسن فرسان العالم حتى حوصر جيش المغول وقُتل قائده كيتو بوقا و انهزم جيش المغول هزيمة منكره.)).
فى سنة 1365 دبر بيير دو لوزينان ملك قبرص هجوم مفاجىء على الإسكندرية وبعد أن دمرها وخربها هرب بقواته إلى قبرص قبل وصول الجيش ..هنا رد الأسطول المصرى على غزوة الإسكندرية مباشرة بمهاجمة بلاده.
و بعد ستين سنة ما بين 1424 و 1426 فى عهد السلطان برسباى رد الأسطول المصرى زيارة بيير دو لوزينان بهجمات عنيفه على قبرص.. و دمر مدنها واحدة تلو الأخرى.. ورفع أعلام مصر عليها.. وعادت القوات المصرية و معها ملك قبرص چانوس لوزينان مُقيدا فى السلاسل.
المعارك المتتالية ضد الصلبيين و المغول .. لم يكن للشعب المصرى يد فيها ..إلا بتحمل عبء تمويل الجيوش بالمؤن والسلاح و العتاد و الخيول .. في بعض الأحيان شارك العربان ( الذين لم يختلطوا بالمصريين ) .. و لكن بعد أن يدفع لهم السلطان المملوكي من ثروات المصريين المنهوبة .
الهزيمة الكبرى للماليك تمت علي يد سليم الأول السلطان العثماني عام 1517 حيث هزم طومان باى في موقعة الريدانية .. و إستولى علي مصر فحولها إلي عزبة .. لا يتعلم أهلها و لا يحكمون أنفسهم .. و لا يكونون جيشا .. و كل ما عليهم أن ينتجوا ما تستولي علية السلطة العثمانية ...فركدت الحياة و تدهورت .. حتي غزا نابليون مصر في نهاية القرن الثامن عشر 1796 و يهزم جيوش المماليك و العثمانيين .. لتبدأ صفحة جديدة من تاريخها .

فلنتوقف قليلا .. لمراجعة الأحداث منذ وحد مينا القطرين و انهي الإقتتال الداخلي الذى إستمر لألفي سنة .. وحتي مطلع القرن التاسع عشر و نهاية الإحتلال الفرنسي ..( و نشأة مصر الحديثة )..
لقد كانت هناك هزائم عديدة و إنتصارات محدودة .... هزائم عندما يتفتت الشعب أو ينحي خارج دائرة الفعل و يقوم بالدفاع عنه الأغراب أو المرتزقة .. و إنتصارات .. عندما يتوحد تحت قيادة راشدة .. فيطرد الهكسوس .. و يبني إمبراطورية .. و لكن في كل من الحالتين كان الشعب هو الخاسر الذى عليه دائما دفع التكاليف لجمبع الأطراف
و إن كانا.. نستطيع دون أن يجانبنا الصواب أن نقول أنه منذغزو قمبيز لمصر و الهزائم لم تتوقف حتي في زمننا الحديث و السبب دائما كان ضعف و قلة خبرة القيادة و عدم ثقتها في الشعب
خمسةعشر قرنا منذ هزيمة إكتيوما ..لم يكن للمصريين ذكر في حروب المنطقة .. إلا ما قام به المماليك في زمن قطز و الظاهر بيبرس .. من وقف هجمة المغول.. بمعركة عين جالوت عام 1260 .
نكمل الحديث
مع حكم محمد علي في بداية القرن التاسع عشر .. و الإطلال علي التكنولوجيا المعاصرة .. بدأ إسم مصر يتردد من جديد و جيش مصر الذى جنوده من أبناءها تؤخذ قوته في الإعتبار.
ففي عهد مُحمد علي شن الجيش المصري حملة على السودان.. و حارب الوهابية في الحجاز .. كما شارك بحرب المورة بهدف مساعدة الجيش التركي في إخماد الثورة باليونان
ولكن لا تأتي الرياح دائما بما تشتهي السفن
فالإنتكاسة (التي تشبه هزيمة إكتيوما) لجيش و أسطول مصر.. حدثت في20 اكتوبر 1827 امام خليج نفارين باليونان وأنهت قدرتها البحرية .. لقد تم هزيمة الاسطول العثماني ،المصرى، الجزائرى بقيادة ابراهيم باشا من اسطول فرنسي، انجليزى، روسي و تم تدمير الجزء الاكبر من القوات المصرية المشاركة في إخماد الثورة اليونانية.
و منذ ذلك التاريخ (1827) إنتهي ذكر الجيش المصرى ..لقد أصبحت استراتيجية الاستعمار العالمي ( إنجلترا و فرنسا ) هو عدم السماح له بان يصبح قوة مؤثرة في المنطقة ..
بدأ ت القصة مع تقدم إبراهيم باشا في حملة على سوريا قوامها 30000 مقاتل بسبب عدم وفاء الخليفة العثماني بتعهداته في حرب المورة ..
ونجحت القوات في ضم سوريا ودحر الجيش التركي الذي أرسله السلطان العثماني لإيقاف الغزوالمصري، واستطرد زاحفا إلى الأناضول حتي وصل إلى حدود الآستانة
و هنا تدخلت دول أوروبا واجبرت إبراهيم أن يتوقف و السلطان العثماني علي قبول الصلح فيما عرف باتفاقية كوتاهيه.8 إبريل 1833
التي قضت بأن يتخلى السلطان العثماني لمُحمد علي عن سوريا وإقليم أضنة مع تثبيته على مصر وجزيرة كريت والحجاز مقابل أن يجلو الجيش المصري عن باقي بلاد الأناضول...
معاهدة لندن 1840 قامت بتحجيم الجيش مقابل إستقلال محمد علي بحكم مصر و بدأ الإضعاف التدريجي للجيش المصرى ..ثم فرض الوصاية علي الحكام من ابناءة و اغراقهم في الديون ودخول القوات البريطاني مصر بعد هزيمة جيش عرابي في التل الكبير 15سبتمبرمن عام 1882
اخر الجيوش الملكية تم هزيمته مرتين ،احداهما 47/1948 و الثانية عام 1956 امام اسرائيل بدعم غربي أمريكي استكمالا لاستراتيجية اضعاف القوات المسلحة المصرية وتهميش دورها في المنطقة.
و مع كل هذا الإحباط يتمسك المصريون ويؤكد لعم رجال الدين بما جاء في حديث نبوى ((عن عمرو بن العاص رضي الله عنه: حدثني عمر رضي الله عنه أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إذا فتح الله عليكم مصر بعدي فاتخذوا فيها جندًا كثيفًا؛ فذلك الجند خير أجناد الأرض))
رغم أن التاريخ يقول أن العرب لم يجندوا المصريين في جيوشهم أو يستخدمونهم في حروبهم لقد كانوا نكرة يطلق عليهم موالي .. أما من كانوا يسمونهم (أهل مصر ) فهم العرب الذين هاجروا إليها و إستعمروها إستعمارا إستيطانيا
كذلك يقول لنا التاريخ ..أن المصريين القدامي لم يصمدوا لاى غزو .. الفرس الإغريق الرومان ..العرب .. الأتراك .. الفرنسيين..
و المحدثين أيضا لم يصمدوا للغزو الانجليزى فى رشيد والاسكندرية والتل الكبير وفروا وتركوا مواقعهم فى دارفور وحرب 48 و 56 ومناوشات الكونغو وقبرص وهزموا فى اليمن و67 ، ولم ينتصروا فى 73 بعد أن أصبح عدوهم على مشارف القاهرة محاصرا جيشا كاملا فى سيناء مانعا عنه الغذاء والماء .. حتى حرب الكويت ضد صدام كان دورهم ثانويا ومحاطا بغموض وشك دولى مريب .
المصريون منذ نهاية نفوذ إبراهيم باشا ..وجيشهم لم يحققوا أى انتصار عسكرى الا على صفحات الجرائد أو فى برامج الاذاعة والتليفزيون أو عندما يريد رجال الدين تملق الضباط ..
وحتى جنود الأمن المركزى وضباطهم هربوا أمام منتفضى ميدان التحرير العزل وتركوا أقسام البوليس للبلطجية والنهابين .
خير أجناد الأرض في الغالب لا ينتصرون إلا داخليا علي الشعب المستباح بضرائبهم و مكوسهم و سجونهم .. و قسوتهم ..
الجنود قد يكونوا علي درجة من الشجاعة و الصمود و لكنهم يحتاجون لقيادة عصرية واعية متعلمة مدربة تتقن عملها فى حين أن هذه النوعية من الضباط فيما بعد إبراهيم باشا ..تم اغتيالها أو تهميشها لأسباب سياسية ، أو تنافسية على كراسى الحكم
جيش محمد علي المنتصر ، تم حله وتفكيكه وتحويله الى وحدات استعراضية شرفية يقودها أجانب ويوجهونها لخدمة أهدافهم الاستعمارية ، بحيث .. عندما قرر الملك فاروق خوض حرب 48 كان جيشه محدود العدد والعدة ولا يتقن الا أداء الاستعراضات فى أعياد جلالته ( ميلاده أو تتويجه ) أو فى مواسم الاحتفالات بالمحمل وسفر كسوة الكعبة مع صرة نقود الصدقات التى كان يرسلها المصريون لفقراء الحجاز
وهكذا لم يكن غريبا أن يلقى هزيمة ساحقة من القوات الاسرائيلية التى تفوقها عددا وتدريبا ويعود ضباطه ليلقون باللائمة ( ظلما وزورا وعدوانا )على الاسلحة الفاسدة التى ادعوا ان الملك قد اشتراها لهم تجنبا لأن يواجهوا أنفسهم بأنهم ليسوا خير أجناد الأرض لسبب بسيط أنهم لم يتدربوا.
انقلب العسكر على النظام .. ودعم الشعب جيشه ، كانت قوافل الحض على التبرع تذيع أغنية عبد الوهاب (( زود جيش أوطانك واتبرع لسلاحه )).. فتسرع السيدات متبرعات بمصاغهن والأطفال بما فى صناديق التوفير والرجال بأجر يوم عمل .. كل فئات الشعب تبرعوا .. ثم .. اختفت هذه التبرعات ولا يدرى الشعب أين ذهبت هذه الأموال التى جمعت ولم أدرى ماذا فعلوا بتحويشة الطفولة والصبا التى تنازلت عنها بطيب خاطر لهم .
عبد الناصر خاض معاركه الخاصة بالتخلص أو إخضاع زملاء انقلبوا معه على النظام ، بدأ بالقائد محمد نجيب ، ومفجر الانقلاب يوسف صديق ، ثم عبد المنعم أمين وخالد محيي الدين ووزع من تبقى منهم على مؤسسات الدولة ومصالحها الحكومية ، يعيثون فيها فسادا مخليا الجيش من الثوار الا صديقه وخليله عبد الحكيم عامر.
عبد الناصر فى مواجهة ( القوى الامبريالية ) قام بتأميم قناة السويس وكانت حرب 56التى تبخرت خلالها قوات ( عامر ) منسحبة من سيناء تاركة إياها للعدو الاسرائيلى و تاركة أهالى بورسعيد لمواجه القوات العادية والمعادية التى كادت أن تعيد احتلال مدن القناة لولا أوامر من أيزنهاور وتهديد من بولجانين فينسحب الغزاة.
المصريون ( خير منشدى الأرض ) انتصروا فى معركة الأغانى فلقد نتج عن العدوان أجمل الأناشيد التى رددها الشباب بحب وحماس لازلت كلما ذكرتها تدمع عيناى ..
هل تعلم المصريون من الهزيمة العسكرية في 56؟.. بالتأكيد لم يتعلموا لأنهم لم يعترفوا أصلا بالهزيمة ، لقد حولوها إعلاميا الى انتصار لشعب المدينة الباسلة ضد عدوان ثلاثى غاشم .
وهكذا دامت القيادة لسيادة المشير الذى طهر جيشه من القيادات التى تفوقه علما وقدرة وخبرة ولم يبق الا على ندماء جلسات الفرفشة أو من كان بمقدورهم كسب وده بمعسول الكلام .. ليظهر مدى تفكك وضعف الجيش فى اليمن .
يمن الامام احمد كان شديد التخلف والبدائية ، وكان من الصعب على المنقلب عبد الله السلال أن يسيطر بقواته المحدودة على القبائل التى تسكن فى اماكن وعرة لا يمكن الوصول اليها فاستعان بعبد الناصر بعد نجاح انقلابه العسكرى على الامام مباشرة ..
عبد الناصر الذى خرج مجروحا من وحدته مع سوريا ثم انفصالها وجدها فرصة دعائية لقوميته العربية فأرسل قواته الى هناك لتواجه بأشرس حرب عصابات قامت فى المنطقة مؤيده بواسطة ملك السعودية سعود ثم فيصل ..ويلقى خير أجناد الأرض هزيمة مدوية.
هزيمة 5 يونيو 1967 كانت نقطة التحول التى فقد عندها المجتمع المصرى لاستقلال دام لعقد واحد من الزمان ( 1956 ـ 1967 ) بعد أن تسبب هروب خير أجناد الأرض من المعركة تاركين أسلحتهم وتحصيناتهم وخمسة آلاف أسير من جميع الرتب فى إعادة احتلال سيناء .. وسقط الحلم القومى بأمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.
المصريون بعد الهزيمة استيقظوا على كابوس أن الثوار لم يكونوا ثوارا بل كانوا مغامرين وجدوا الفرصة سانحة للقفز على كراسى الحكم فقفزوا، وأن العسكر لا يصلحون للحكم فقد دمروا المجتمع الليبرالى الديموقراطى و هرسوا بالبيادة حقوق الانسان وكمموا الأفواه رعبا من المعتقلات والسجون التى تديرها دولة بوليسية فاشيستية ساحقة .
السنوات الخمس التالية للهزيمة شهدت التزام العسكر بدورهم الرئيسى بعيدا عن تدخلاتهم السابقة فى إدارة الدولة والمجتمع المدنى ، لقد كانت سنوات صمود القوات والتحدى لإزالة العدوان وآثاره ، استرد فيها الجيش وعيه بأنه أداة الشعب للدفاع عن الوطن وليس أداة النظام لقهر المواطنين .
أكتوبر 73 كانت حربا حقيقية بين قوتين متكافئتين عبرت فيها القوات المصرية القناة ودمرت تحصينات العدو شرقها واحتلت بيسر ملحوظ جزء من سيناء ..
ثم خاضت بعد ذلك معارك عديدة انتهت بحصار جيش كامل بسيناء وحصوله على إمداداته من طعام ومياه بواسطة الأمم المتحدة فى عربات يقودها اسرائيليون تتمركز قوتهم على مشارف القاهرة .
الحرب نجاح وفشل ..توفيق وعدم توفيق .. وهكذا لم تكن قيادات خير أجناد الأرض موفقة فى قراراتها فتم الدفع بالفرق المدرعة فى وقت ومكان غير مناسب أدى الى تدميرها وحدوث ثغرة ثم اختراق النسق الثانى والوصول الى الكيلو 101 من ميدان رمسيس على طريق السويس .
عندما اغتال جنود مصريون قائدهم المؤمن ، حكموا على القوات المسلحة بتهميش دورها فى مقابل تعظيم دور الأمن والشرطة، وهكذا قضت خير أجناد الأرض أكسل ثلاثة عقود فى تاريخهم إذا استثنينا نزهة الذهاب للخليج والعودة ببدلات السفر والمكافآت .. أو تجهيز ثلاث فرق لكرة القدم غيرت موازين القوى فى الدورى المصرى ..أو عدم ضرب المتظاهرين فى ميدان التحرير.
ضباط جيش الملك فاروق الذين كانوا يلتفون حول موائد القمار أو يشربون أفضل أنواع الخمور فى بارات نواديهم كان أغلبهم ـ رغم هذا ـ اعضاء فى جماعة الاخوان المسلمين وبعضهم كان منضما الى تنظيماتها السرية ..
بعد محاولة اغتيال عبد الناصر فى المنشية تم تصفية أغلب من لهم ميولا دينية واضحة فى الجيش والسماح لمن بقى بمطاردة الراقصات والممثلات والمغنيات والسهر للصباح فى فرفشة وأنس .
بعد هزيمة 67 كان هم القيادة الجديدة إعادة الانضباط العسكرى فشهدت السنوات الخمس التالية تخفيض لامتيازات الضباط وزيادة فى معدل الضبط والربط والمحاسبة على السلوك الشائن ..و إعداد الجيش للحرب
بعد 73 وتغير المجتمع بسبب الانفتاح الاقتصادرى أصبح لا يستهجن مشاركة الضباط فى مشاريع استثمارية أو عمل مشاريع خاصة بهم تعوض الارتفاع المستمر فى نفقات المعيشة .
أخر أعمال الحرب التي قام بها الجيش المصرى .. كان في 18 يناير 1974 عندما وقع اللواء محمد عبد الغني الجمسي رئيس الأركان في جنيف إتفاقية فك الإشتباك الأولي بين القوات المصرية و الإسرائيلية .. أعقبها في أول سبتمبر 1975 في نفس المدينة إتفاقية فك الإشتباك الثاني والتي تنص علي .
إتفقت حكومتي جمهورية مصر العربية ودولة إسرائيل على ما يلي؛-
المادة الأولى: إن النزاع بينهما وفي الشرق الأوسط لا يتم حله بالقوة المسلحة بل بالوسائل السلمية، وقد شكلت الاتفاقية المعقودة بين الطرفين في18 يناير 74 في إطار مؤتمر جينيف للسلام خطوة أولى نحو سلام عادل ودائم وفقاً لأحكام قرار مجلس الأمن 338 الصادر في 22 أكتوبر 73،وإذ يعتزمان التوصل لتسوية سلمية نهائية وعادلة عن طريق المفاوضات فإن هذه الاتفاقية خطوة هامة نحو تحقيق هذا الهدف.
المادة الثانية: يتعهد الطرفان بعدم استخدام القوة أو التهديد بها أو الحصار العسكري في مواجهة الطرف الآخر.
المادة الثالثة:
سيستمر الطرفان في مراعاة وقف إطلاق النار براً وبحراً وجواً والامتناع عن أي أعمال عسكرية أو شبه عسكرية ضد الطرف الآخر.
و هكذا تحققت مقولة السادات أن حرب أكتوبر كانت أخر الحروب
و منذ ذلك اليوم تغيرت طبيعة المهام التي تشغل القوات المسلحة بحيث أصبحت مدنية الطابع ..كما أرادها المشير أبو غزالة
حتي جاء اليوم الذى صور فيه التلفزيون في منطقة شرق التفريعة ..الرائد أحمد سامي قائد خط الجنبرى .. و هو يشرح مرتديا زيه الميرى للسيد الرئيس مهام وظيفته و إنجازاته .
ننهي هذا المقال بما كتبه الدكتور جمال حمدان عام 1983 في كتابة شخصية مصر متنبأ بما نحن علية منذ فك الإشتباك الثاني مع إسرائيل سبتمبر 1975 .
((وهكذا بقدر ما كانت مصر تقليديا ومن البداية الى النهاية شعبا غير محارب جدا أو الى حد بعيد فى الخارج ، كانت مجتمعا مدنيا يحكمه العسكريون كأمر عادى فى الداخل وبالتالى كانت وظيفة الجيش الحكم أكثر من الحرب ووظيفة الشعب التبعية أكثر من الحكم ، وفى ظل هذا الوضع الشاذ المقلوب كثيرا ما كان الحكم الغاصب يحل مشكلة الأخطار الخارجية والغزو بالحل السياسى وأخطار الحكم الداخلية بالحل العسكرى، أى كان يمارس الحل السياسى مع الأعداء والغزاة فى الخارج والحل العسكرى مع الشعب فى الداخل، فكانت دولة الطغيان كقاعدة عامة إستسلامية أمام الغزاة بوليسية على الشعب.))



#محمد_حسين_يونس (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين
حوار مع المناضل الشيوعي الاردني سعود قبيلات حول الحرب الروسية - الاوكرانية وابعادها سياسيا واقتصاديا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إستمرار الحكم العسكرى ..أهو قدر
- تأملات في ذكرى ثورة
- مافيا الهدم و الجمهورية الجديدة
- هل مصدرالقيم والأخلاق هو الدين ؟
- مش قلتلكم بلاش قنزحة .
- المسكوت عنه في إتفاقية السلام
- إنهم معروفون لنا، وبعضهم درس عندنا
- و عاد يناير ليجد الوضع علي حاله
- محنة تحقق كابوس(الجد )
- الإبحار في ظلمات الماضي
- أسئلة ثمانيني لم تجد الإجابة
- ثم فقدوا الأمل ( رمز الأمل ).
- بلاش قنزحة سيبوا لعب الكرة للأغنياء
- مرت الأيام .. وتبخرت الأحلام (3 )
- مرت الأيام .. وتبخرت الأحلام (2 )
- مرت الأيام .. وتبخرت الأحلام (1 )
- ألازلنا نحرث في البحر
- هكذا تكلم ول ديورانت .
- السباحة عكس التيار أم حصاد الفاشيست
- تاريخ مذهل و حاضر تعس (2 )


المزيد.....




- الدوري الفرنسي: فوز احتفالي لباريس سان جرمان بعد تمديد عقد م ...
- حزب تركي يكشف عن مرشحه -الأنسب- إلى الانتخابات الرئاسية القا ...
- - بايدن يعاني من صعوبات-.. ميدفيديف يعرض فيديو قصيرا لهفوات ...
- مستشار عسكري لميركل يشكك في أن كييف تحتاج حقا إلى أسلحة ثقيل ...
- إعلام تركي: جريمة بشعة يرتكبها نائب أوكراني سابق في تركيا
- السعودية تؤسس أكاديمية للصناعات العسكرية
- تدمير مراكز قيادة ومستودعات ذخيرة أوكرانية
- شاهد مجسم لقبة الصخرة شيد في كابل
- أوكرانيا.. إصابة عمدة مدينة في مقاطعة زاباروجيه وحراسه بانفج ...
- صحيفة تركية: الآلاف يحتجون في إسطنبول على إدانة مسؤولة في ال ...


المزيد.....

- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر
- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد حسين يونس - الحرب في بر مصر