أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات الصبا.. ابو الهوب .4.















المزيد.....


ذكريات الصبا.. ابو الهوب .4.


مهند البراك

الحوار المتمدن-العدد: 7141 - 2022 / 1 / 20 - 22:56
المحور: الادب والفن
    


ابو الهوب

اطلقت ثورة 14 تموز انواع الطاقات الإجتماعية و الإقتصادية و العلمية الهادفة الى تقدم البلاد و رفاهها . . و اطلقت تنظيم مطالب الحقوق الاجتماعية و حقوق العمل و بناء نقاباتها و جمعياتها، و اطلاق التعليم و برامج محو الأمية، و خدمات الصحة و محاربة الفقر . .
فانطلق بناء المدارس و التوجه لتأسيس اول جامعة عراقية بيد و جهد و بعمل ابنائها، صار رئيسها احد علماء الفيزياء المعروفين عالمياً الصابئي عبد الجبار عبد الله و نائبه عالم الطب العدلي، البغدادي أحمد عزت القيسي، و فُتحت البعثات و الزمالات الدراسية الى الخارج دون قيود، و انطلق بناء المعامل و تحسين الحقول الزراعية و ادخال المكننة فيها، اضافة الى بناء و افتتاح المستشفيات و محاربة الامراض و استحداث دوائر جديدة حديثة و ملاكاتها لها . .
و جرت عناية خاصة بالفنون بأنواعها و جرى توسيع معهد الفنون الجميلة و الإعداد لإنشاء مؤسسات لدراسات فنية و اكاديمية اعلى، و ايلاء عناية خاصة بالفنانين العراقيين و استقدامهم من دول الهجرة و الإهتمام بكبيري السن منهم و تخصيص مكافئات و رواتب تقاعدية لهم، اضافة لإطلاق و انطلاق الصحافة بانواعها . .
كانت بغداد تموج بنشاط وحركة دائبة متنوعة الأتجاهات و التصادمات، التي لم تتوقف فحسب، بل انها اخذت تضمّ اوساطاً اوسع و اوسع . . و كانت تثير انواع الحذر مما يمكن ان يجري، الأمر الذي صعّد التطرف في مواقف الاطراف المختلفة مع بعضها ثم المتصارعة . . في عهد حكومة ضمّت رجالاً من كل الأتجاهات الإجتماعية و الفكرية المتناقضة والمتصارعة، و كانت بذلك بذاتها مسرحاً لصراع مرير بين الحداثة و النزوع الى الحرية والتقدم و الرفاه لأوسع الأوساط الشعبية و بين الأمية والجهل و الروح المحافظة. وكانت صراعاً لأصحاب مصالح يحرّكون وينتظرون ويدفعون، لنسج و تفجير عواطف شقّت عنان السماء في دعوات للقوة . . او للأنتقام و للسعي لإستعادة مافقده اصحاب تلك المصالح اثر ثورة 14 تموز عام 1958 .
فأخذ البلد يسبح بانواع الشعارات المتصارعة . . الممزقة والملطّخة او الملغاة حديثاً من واجهات البنايات و في مفارق الطرق، بكتابة شعارات انيقة على السابقة ذاتها، بنشاط متصاعد محموم وكأنه كان يسابق الزمن كي لاتضيع الفرصة ؟!! اضافة الى انواع الدوريات التي كانت تجوب الشوارع و تتصارع بينها ايضاً بالصراخ والأيادي و الهراوات ثم . . بالخناجر وبالرصاص احياناً ثم في اكثر الأحيان . . لضبط الشعارات واعتقال من افترضوا فيهم انهم مخرّبون غرباء لأنهم قادمون من احياء اخرى لاتُعرف ماهيّتها !!
في زمن اخذت فيه الشعارات المرفوعة و المخطوطة تتغيّر بسرعة وبشكل مخيف، من الشعارات التي طالبت بالإسراع بتنفيذ قوانين الإصلاح الزراعي، تأميم النفط، معاقبة المتآمرين، مكافحة الأمية، ايقاف التجارب النووية في صحراء الجزائر و طالبت باطلاق سراح المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد و زعماء جبهة التحرير الجزائرية، والشعارات التي دعت الى التطوّع في المقاومة الشعبية، وللدفاع عن الجمهورية الفتية . .
الى شعارات متصارعة متضادة الأهداف تنبئ باحداث، ان كان يخاف ويحذّر منها كثيرون، فان الأوساط الأوسع بدأت ترتعب منها ولا تتصوّر ماهيّتها و مداها . . من (وحدة تحرر ثأر) لم يُعرف ثأر ممنْ، يسقط عملاء الدولار الممسوحة بـ يسقط عملاء الروبل، دين و عروبة و اسلام، الى . . يسقط جمال عفلق الحوراني، وحدة عربية فلتسقط الشيوعية بدلاً من فلتسقط الصهيونية . .
و بدأت محلات و ازقة بغداد تختلف و تتصارع و تتفق حسب نواع الشعارات المرفوعة فيها، وفي الأعظمية . . في " محلة الشيوخ " التي كانت الشوارع تقفر فيها عند بدء جلسات " محكمة الشعب " التي كانت تحاكم اقطاب العهد الملكي السابق والتي كانت تبدأ في الساعة السادسة مساءً، حين كانت المقاهي تمتلئ بالزبائن و المتفرجين المتجمهرين و المتحلقين على اجهزة التلفزيون . . و كان صياح الفرح و توزيع الحلويات والملبّس يختلط باصوات قرقرات النارجيلة و ضرب احجار الطاولي والزهر . . يتناغم مع اسئلة المحكمة المباشرة و الصريحة للمتهمين، و مع قراراتها و مواقف الشهود الجريئة . . صارت المقاهي تمتلئ بوجوه منفعلة غاضبة، و اخرى تكتم حقداً و الأيادي تتحرّك حركات انفعالية تهدد لايُعرف من . .
و برز في تلك الفترة شقاوات المحلات و الأزقة، و كانت النسبة الأكبر منهم من الدرك الاجرامي ممن يعتاشون على الخاوات و انواع التهديدات و على حماية المحلات و حماية اشخاص و تنفيذ اوامر من يدفعون لهم، و ممن هربوا من سجون او هاربين من القانون بسبب جرائم اقترفوها، و انتبهت الناس ان اعداداً منهم تبنّتهم احزاب و انها تستغلهم لتحقيق اهداف و نجاحات لها، كان اخطرها هو القيام باغتيالات ضد من يشكّلون خطراً عليها و على خططها الأنانية، برز منها في ذلك التوجه الخطير حزبا الإستقلال و البعث . .
حتى صارت الاشقيائية السياسية، و تكوين عصابات محلات و كأنها سمة و جزء فاعل هام و خطير في المجتمع . . و قد برزت بشكل مبكّر في الموصل بسبب قانون الإصلاح الزراعي الذي وقفت ضده اقطاعيات عشائرية كبيرة و رفعت اشكال الشعارات المختارة و كأنها تدافع عن العروبة و الإسلام، و بتشجيع و دعم مالي و بالسلاح من الجارة سوريا (الاقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة) بقيادة ناصر، فاصطدمت بالمقاومة الشعبية و بمنظمات الحزب الشيوعي و الوطني الديمقراطي و القاسميين و الديمقراطي الكردستاني هناك . .
و اشعلت اعمال الإغتيال السياسي بيد قتلة مأجورين من مجاميع الأشقيائية بتواطؤ الشرطة المحلية . . بحق النشطاء الشيوعيين و الديمقراطيين و كل من عمل و دافع عن قانون الإصلاح الزراعي، و تنظّم ذلك بين : شيوخ من شمّر عُرفوا بعلاقاتهم القوية مع شركة نفط عين زالة، الشقاوات المأجورين و دوائر الشرطة الساندة لهم، شقاوات البعث و الاستقلال، العقيد عبد الحميد السراج الحاكم العسكري لسوريا و العقيد عبد الوهاب الشواف آمر موقع الموصل في الغزلاني.
و لم تكن عصابات الأشقيائية على وئام مع بعضها، بل كانت مشاجراتهم مستمرة كلّ يحاول ان يتزعّم منطقته لوحده او ان يحاول توسيعها بلا مبالاة مما قد يحصل او يصيب الآخرين بضرر، كما حصل في احدى الليالي يوماً في الأعظمية في محلة الشيوخ، ما القى الضوء على تلك المشاجرات و ماهيتها و مستواها (الحضاري) ان كان فيها مستوى . .
كانت الأحاديث والألسن تلوك بسلوك و تصرفات بنات ام سناء و خاصة شكرية (المتحررة) اكثر من اللزوم !! سواء باظهار اطراف ردائها الداخلي الشيفون الاحمر من حافة تنورتها البيضاء او الفاتحة اللون، او بقميصها المفتوح الصدر اكثر من اللزوم الكاشف عن تلاقي الثديين، و لكن المعلّقة عليه مصوغة ذهبية كبيرة لإسم الجلالة (الله) . . او بالزيارات المتكررة لمفوض من شرطة المحلة لهم، بإعتباره ابن خالة شكرية، كما كان يُقال . .
حتى قالت احدى الجارات القريبة لأم سناء، انه كلما جاء (ابن خالتها) المفوض، كانت ام سناء تخرج الى بيت ابنتها كريمة الساكنة في الطرف الآخر من المحلة عند مقهى الحجازي، وانها اي تلك الجارة كانت تسمع قهقهات شكرية ذات الدلالات معه في البيت، وهما جالسين لوحدهما او متحاضنين او مادّاً يده في ستيانها يداعب ثديها، او مادّها على ظهرها ممسداً ايّاه ذاهباً الى الأسفل، و هي تبدي الفرح و التشجيع . . في الحديقة الخلفية للبيت ذات الأشجار المتشابكة،حيث كانت تستطيع ان تراهما من فوق، من شباك غرفة نوم ابنتها.
و اكدت الجارة الاخرى الحاجة ام سعيد في جلسة نسائية كبيرة، ان شكرية في تلك الزيارات كانت ترسل اختها الصغرى نوال الى القسم الأمامي للبيت لتراقب لهما باب البيت و لتجيب على من قد يزورهم لأن اكثر من واحد و وحدة لديهم مفتاح البيت . .
و روت عجائز في تلك الجلسة كيف انهن كنّ يجلسن في السطوح المطلة على مقهى محمد غائب لمشاهدة برامج التلفزيون الكبير المنصوب في ساحة المقهى . . وكانت شكرية و نوال يتضاحكن بقهقهات ممطوطة (انثوية لجذب الذكر) كما وصفنها، و باصوات مسموعة، و كانتا تسترقان الغمزات والإشارات مع شاب متأنق بوردة و ليس برباط، حتى وصل الأمر الى ان ترمي ابنتها الصغرى نوال له بقطعة حلوى فتح غلافها وفضّ قراءة ورقة صغيرة محشوة داخلها و اجابها بابتسامة (ذكر استجاب لأنثى) على حد قولهن، موافقاً بهزّ رأسه لها بإتجاه محدد بدا انه كان متّفقاً عليه، و استجابت له نوال بدورها بأن صعد الدم الى خدودها و ابتسمت على استحياء !
فيما كان محمد غائب يفتل بشاربيه الكثيّن و بنظراته الجانبية المصوّبة الى الأعلى نحو شكرية متضاحكاً و هو يعدّل مابين ساقيه بيده، لتستجيب له بضحكة ملأت وجهها. . وهو يقول :
ـ طول عمري ما انسى افضال أم سناء و شكرية . . لولاهما لما عشت ؟!
حيث كان يقال ان محمد غائب عندما كان طفلاً، كان قد اختُطف من الشارع من قبل الغجر . . وبعدما شبّ هرب منهم واخفته ام سناء في دولاب تحت فراش شكرية، حيث كان ينام معها ليلاً في ذلك الفراش تحت غطاء واحد (و الله أعلم ماكان يجري بينهما، و لكن لله الحمد لم ينتج عنهما نغل او طفل سِفاح) . . كانت ام سناء تستدرج الأطفال الى بيتها بالملبّس و الشكولا، لتستقي اخبار الجيران، و لتسوقهم لرمي الأوساخ وتنظيف المنزل . .
في تلك الليلة جاء الشقي (عزوّز) بدشداشته و بكوفيته البيضاء (المقدّسة) النجدية، و عدد من مساعديه و كان الشقي (منعم ابو الجاج) و واحد من ولد الصفرة جالسين معاً . . و جرى نقاش حاد بين عزوز و منعم، و لكن بصوت واطئ و همس . . الاّ انه ارتفع فجأة بصيحة منعم ابو الجاج :
ـ ولك شيسويّ سروال (لباس) شكرية بسيارتك ؟؟؟
صاحت شكرية بأعلى صوتها من فوق السطح :
ـ انجب ويلك منعم . . مو اخبرتك انه اراد اخذي بالقوة ؟؟ مو احسن من ان يأخذني بالبوكسات و الدم ؟؟
ـ سديّ حلكج ولج !! منو اذن الج بالكلام ؟؟
و جاءت في تلك الأثناء من الجهة الاخرى للمقهى ويزي الخبازة حاملة ساطور السمك، الساكنة في خرابة جنب بيت الريّس، و التي بيتها ملتقى اشقيائية عزوز (المقدّسين) على اكلات سمك الجريّ المجّاني المقلي التي كانت تعدّها لهم، بعد ان ثبّتوها في تلك الخرابة مقابل الأكل و توفير المكان لـ (كضيان الوكت بالونسة و شرب العرق و لعب الورق)، و صاحت ويزي بحرقة معاتبة :
ـ ها عزوّز انت مو قلت ععععععععو
فكمم فمها احد مساعدي عزوّز قائلاً :
ـ ولج عرفي حدودج و سديّ حلكج !! عزوّز احد الأولياء المقدّسين و ما تجيبين اسمه بالعاطل او بالسفاهه و الاّ اقتلك !!
فيما حاولت ام سناء تكميم صوت شكرية و هي تصيح على منعم :
ـ آني ماكو احّد يحكم عليّ بالكلام او السكوت . . جان احسن منّك، يعرف يداري المرأة . . مئة مرة احسن من عععععععععو . . و الله تونّست ععععععععععو . . شكو ععععععو نسيت لباسي عععععو جنت سكرانه، و الله و الله شبّعني ويسكي و شبّعني ععععععو ههههههههههه . . حتى نسيت راسي من رجلي. يعني قوة و دكّ و فلوس . . بعد المرأة شتريد ؟؟
ساد السكوت في مقهى محمد راغب و الكل متفاجئ و مستحي مما يجري و بهذه النقاشات الفضيحة
و باصوات عالية بين شكرية و منعم ابو الجاج و صيحات ويزي التي كُتمت . . و اخذ الزبائن يغادرون المقهى و لا احد يعرف من اوصل سروال شكرية الى منعم، و هل كان سروالها فعلاً . . ثم ماهو نوع تلك العلاقات ؟؟
بدأ ضرب البوكسات و اللكمات و ضرب الكراسي في منتصف ليلة الخميس ذلك و وصل الى اطلاق الرصاص بينهم و كلٌّ اخذ من التخوت سدّاً له . . حتى خلت المقهى و اطفئت الأضوية و انسحب الطرفان بلا ضجة و لكن وجدت دماء كثيرة . . و اختفى منعم ابو الجاج و قيل انه وجدت جثته ملقاة في احدى المزابل، و انتشر خبر ان الصراع كان بين قوميين وبعثيين على زعامة المنطقة بين منعم ابو الجاج سارق الدجاج المعروف في صباه و عزّوز القاتل المأجور . .
. . . .
. . . .
فسّر الأكثر خبرة و دراية . . تلك الصراعات الحادة في المحلات و الازقة، بكونها كانت تعكس الصراعات و ماكان يجري في قمة الحكم ذاته، بسبب تنوّع كبار ضباط الثورة من الضباط الأحرار و عدم اتفاقهم و تعاملهم الصحيح مع جبهة الاتحاد الوطني للاحزاب التي عقدت قبل عام من الثورة، عدم اتفاقهم على ماهية البديل للحكم الملكي و تركيزهم على الانقلاب العسكري و سبيل نجاحه . . بسبب تنوّعهم سواء على صعيد بيئاتهم الإجتماعية او ثقافاتهم التي لم تكن مختلفة فقط و انما كانت متضاربة، بين الأديان من جهة، و الدين الإسلامي و مذاهبه و العلمانية و المدنية من جهة اخرى، و بين حملة الافكار القومية و الأممية و الإشتراكية . .
و قد عبّر الضباط الأكثر قرباً من الزعيم بكونه كان اضافة الى كونه ضابط كفوء محنّك في تحقيق النصر العسكري و كان منحازاً للفقراء ساعياً لتلبية حاجاتهم، و انه كان يعتقد ان اقوى مايمكنه الإعتماد عليهم هم الفقراء و لكن لم يكن واضحاً لديه بأية آليات و بأية ادوات؟؟ و انه لم يكن سياسياً حزبياً و اعتمد على سياسيين جاملوه و داهنوه لمصالح، او لحذرهم من انفعاله، او ممن لم يروا بديلاً قادراً يحل محلّه، و هو الذي قاد ثورة كبرى هزّت البلاد و المنطقة، و يواجه مخاطر متعددة وحده بتقديره، حتى بدأ لايتقبّل النقد بسهولة، و يعتبر النقد تقليلاً من شأنه او لإضعافه . .
في وقت واجه الزعيم فيه، بانتصار الثورة احزاباً كبيرة ناشطة تستطيع تحريك مئات الآلاف باشارة منها و خاصة الحزب الوطني الديمقراطي، و الحزب الشيوعي الأكثر فاعلية في تحريك الشارع و البارتي الكردستاني، اضافة الى الاحزاب ذات الاذرع العنفية و التي تستطيع تحريك انواع المجرمين او تحريك افراد لغايات اجرامية او مخالفة . .
فاخذه الحذر ثم الخوف منها في اجواء مليئة بانواع التطرفات اليمينية و اليسارية الداخلية، و انواع الدول الطامعة بالبلاد . . و اشار قسم من الضباط، ان الكتاب الأثير لدى الزعيم كان كتاب " الامير" لميكيافيلي لما فيه من طرق ذكية لتحقيق حكم ناجح، كما كان يعبّر . . و عبّر عن ذلك في مرّة يتيمة للصحافة . . في وقت كان التذمر يزداد بين اعداد من الضباط الأحرار، لأنه لم يتحقق تشكيل مجلس للثورة، و لا توجه جاد لبناء برلمان بإجراء انتخابات كما وعد البيان الأول للثورة . .
و كلّها من جهة و من جهة اخرى محاولات عبد الناصر المستمرة و المتنوعة لجرّ البلاد اليه آنذاك و مهاجمة الزعيم و تركيز النار عليه بدلاً من دعمه و مساعدته لقيادته ثورة كبرى ضد الإستعمار، و وضع بلاده على سكّة التحرر الذي كان ينادي به ناصر ذاته، اضافة الى انواع نشاطات شركات النفط و الدوائر الغربية العليا و اسرائيل . .
انفجر الوضع في الموصل في آذار 1959 باعلان العقيد الركن عبد الوهاب الشواف آمر موقع الموصل عن قيام انقلاب عسكري، بدعم و اسناد القوى المذكورة آنفاً، بادئاً باوامر انتشار القوات المسلحة في شوارع الموصل للـ (السيطرة على الانفلات الأمني بالمدينة) الذي اشاعه الاشقياء و انواع المتطرفين من كل الاطراف من مهاجمين و مدافعين لضياع القانون، و بدء استباحة الموصل بالحملة العشائرية التي هاجمت مدينة الموصل داعية الى ( حضرية و بيت) الداعية الى نهب و مصادرة بيوت الموصل بنسائها . . اثر انتهاء اعمال المؤتمر العام لأنصار السلام بنجاح في الموصل بمشاركة عشرات الآلاف من كل مكوّنات لواء الموصل، الدينية و المذهبية و القومية، و بعد ان كشف عمال السكك عن وضع عبوة ناسفة كبيرة في الشرقاط لتفجير قطار انصار السلام العائد الى بغداد . .
اعلن العقيد الشواف البيان الاول للانقلاب من اذاعة محلية اهدتها شركة نفط عين زالة للانقلابيين، و تلى البيان الاول الوجه البعثي المعروف في الموصل فاضل الشكرة . . معلناً اسقاط حكومة بغداد و الغاء قانون الاصلاح الزراعي، على يد القوات المسلحة في الموصل و كركوك التي كان يقود فرقتها العسكرية الزعيم ناظم الطبقجلي . . و اعلن عن انتصار و اعلان الوحدة الفورية مع الجمهورية العربية المتحدة و اليمن ؟؟
الاّ ان الانقلاب فشل ساعة اندلاعه على يد القوات المسلحة الشرعية و القوة الجوية التي اعلنت ولائها مجدداً للزعيم و للحكومة الشرعية في بغداد، وبدعم و مشاركة منظمات الحزب الشيوعي، القاسميين، الديمقراطي و البارتي اضافة لدعم عدد من فصائل المقاومة الشعبية، لأن قسم من فصائلها هناك كانت تعود للقوى القومية و البعثية المشاركة بالانقلاب، يوم كان الإنتماء لها طوعياً لكل مواطن بغض النظر عن اتجاهه . .
فشل انقلاب الشواف الذي قُتل اثناء الانقلاب . . الاّ انه فتّح قروحاً و جروحاً في البلاد من اقصاها الى اقصاها و ترك ندبات قد لاتُمحى لسنوات طويلة، لكونه كان التحديّ الاول للزعيم، من القوات المسلحة و بالذات من رفاقه من الضباط الاحرار . . فتصاعدت النزاعات المحلية و اعمال الاغتيال و تزايد بروز الاشقيائية في محلات بغداد . .
و تحوّلت مقاهي الأعظمية ذات الاتجاه الناصري القومي الى شبه مآتم حين كان يشاهد جالسوها محاكمات المتهمين بإنقلاب الشواف من عسكريين و مدنيين في جلسات محكمة الشعب المنقولة على الهواء في التلفزيونات، بل و تحوّلت الى شبه مظاهرات قاد اغلبها اشقياء و قوميون و بعثيون متطرفون . . نادت بسقوط الزعيم و المهداوي رئيس المحكمة و هاجمت المحلات و حاولت الهجوم على رجال الشرطة و الانضباط العسكري . . و دقّت انذاراً للانتقام من كل من ايّد الزعيم و البدء في الاعظمية !!
. . . .
. . . .
خليل ابو الهوب

في تلك الظروف الكثيرة التعقيد، برز من عالم الشقاوات المأجورين و القتلة . . في عالم السياسة العراقية، اسم الشقي النبيل خليل ابو الهوب " خليل ابراهيم العبيدي " (ابو سرحان) من فقراء محلة السور ـ الفضل البغدادية الذي امتاز بشجاعته و قيمه النبيلة في دعم الفقراء و المعوزين و العوائل المحرومة و الدفاع عنها و عن حقوقها، و كان سنداً حقيقياً لكل من لاذ به . .
و قد نشأ نشأة اي شقي آخر، من حياة الفقر و الحرمانات . . الاّ انه كان يحمل اخلاقاً و مُثُلاً جعلت منه راية بارزة تحمل الخير، راية نبعت من العالم السفلي الإجرامي . . كان محكوماً بجريمة قتل عادية و كان يقضيّ محكوميته في سجن بغداد المركزي في قاعة السجناء العاديين المحكومين بسبب جرائم قتل و غيرها من الجرائم العادية.
و قد دأبت سلطات العهد الملكي على استخدام السجناء العاديين للإعتداء و لضرب السجناء السياسيين الشيوعيين الذين احبّهم خليل ابو الهوب لحسن تعاملهم معه و احترامهم ايّاه و وجد فيهم من كان يبحث عنهم . . رجال ذوو رجولة و حنكة و وفاء لأهلهم و لشعبهم، و ذوو علم و معرفة و اخلاق، و مثلما انجذب لهم انجذبوا له و احبوّه . .
في احد الأيام عمل رجال (الحرس الخاص) للسجن مكيدة للسجناء الشيوعيين ليقوم السجين العادي الخطر محمود قرداش و جماعته بمهاجمتهم في القاعة، بانواع الهراوات و الاسلحة الجارحة، فتصدىّ له خليل ابو الهوب الذي سبب له الفزع و جمّد جماعته، لكبر اسمه و هيبته و سمعته في الشجاعة و الإقدام، و نزل فيه ضرباً موجعاً، جعل الحراس الاغبياء يسعون لإنقاذ قرداش منه. و تسبب ذلك بمواجهة ابو الهوب تعذيباً قاسياً و زيادة في عقوبته و اتخاذ ادارة السجن موقفاً معادياً له، و تمّ نقله الى سجن الكوت حيث تلقّفه السجناء الشيوعيون هناك كرفيق عزيز عليهم و اهتموا بتعليمه و ثقافته و توطّدت الصلات و المحبة و الاحترام بينهم . .
و لم تقصّر العوائل البغدادية بزيارة ابو الهوب في سجن الكوت، ابو الهوب ذلك الشقي الذي ترك اثرا واضحاً في مناطق نفوذه وهي مناطق الفضل وما يحيط بها من احياء مثل العزة والجوبة والمعدان وسيد عبدالله وشارع الشيخ عمر الصنائعي و غيرها من المحلات و المناطق التي كانت تعيش بأمان تحت حمايته، و لإنضباط اشقيائييها رهبة من مكانته . . .
الرهبة التي تكوّنت من ان هذا الشقي النبيل لم يأخذ خاوة او اتاوة يوماً من معوز او محتاج، بل كان ما يجنيه من الاغنياء لايبخل به على محتاج . . . ولم يكن شقياً مؤذياً او ظالماً بل شقي يتحلى بخلق رفيع وكرم فاض بجوده على المحتاجين ، و حيكت حوله مئات الحكايات التي مجّدت دوره و حياته و مُثُله.
و اثر ثورة 14 تموز ، حين بدأ المجتمع بالتغيّر نحو الأمام و وفّر اجواءً جديدة عمقت الشعور العالي بالوطن والاحساس بالوطنية بعد ان تعرّض ابان العهد الملكي الى انحرافات وسلوكيات بعيدة عن قيمه واخلاقه، و بتلك الأجواء ساهم خليل ابو الهوب والمئات من كوادر وقيادات اليساريين والديمقراطيين بمحاربة السلوكيات الخاطئة واحلال قيم الثورة ومبادئها في الخبز و الحرية و نحو العدالة الإجتماعية . .
حيث تحولت عشرات المقاهي الشعبية الى مقرات لإتحاد الشبيبة الديمقراطي القريب من قوى اليسار و الديمقراطية، لتشكل منتديات ثقافية داعمة للثورة ومنجزاتها، و انتشرت اخبار ابو الهوب بأنه كان احد المساهمين البارزين في تحويل المقاهي (المشبوهة بالتعامل بالممنوعات) الى مقرات للشبيبة وبذلك ساهم بسد طرق الانحراف والرذيلة وحوّل تلك الاماكن الى منتديات تربّي على الوطنية وتبني ثقافة المجتمع الجديد الخالي من (الادمان والمقامرة والمخدرات).
و بشعبيته و تواضعه و نفوذه الواسع في عالم الأشقياء، و لصدقه في التعامل و جرأته، و حزمه بحق المذنبين و الإعتدائيين . . استطاع ايقاف العديد من الأشقيائية المأجورين عند حدّهم في محاولاتهم لمهاجمة الناشطين اليساريين و الديمقراطيين . . و بنشاطه النقابي و بعيداً عن البهرجة و المظاهر و المرافقين . . انتخب رئيساً لنقابة عمال النقل، ثم عضواً بارزاً في المكتب التنفيذي للإتحاد العام لنقابات العمال في العراق . . (يتبع)


21 /1 / 2022 ، مهند البراك



#مهند_البراك (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكريات الصبا..الملا مصطفى .3.
- ذكريات الصبا الخال مزهر.2.
- ذكريات الصبا..14 تموز .1.
- ذكريات طفولة..مظاهرات قلبت موازين .16.
- ذكريات طفولة.. قصر الرحاب 15
- ذكريات طفولة..اخافة الوصي .14.
- مذكرات طفولة.. العراق المنصدك .13.
- ذكريات طفولة..السجن ليس لنا .12.
- ذكريات طفولة. . مفاجئات .11.
- ذكريات طفولة. . من هو .10.
- ذكريات طفولة. . زمن الملاريا .9.
- ذكريات طفولة.. ذات صيف .8.
- ذكريات طفولة..تحطم طائرة .7.
- ذكريات طفولة سعدون .6.
- ذكريات طفولة .5.
- ذكريات طفولة .4.
- ذكريات طفولة .3.
- ذكريات طفولة .2.
- عن بيان سماحة المرجع الاعلى حول الانتخابات
- ذكريات طفولة .1.


المزيد.....




- وفاة الفنان المصري المعروف صلاح السعدني عن عمر ناهز 81 عاما ...
- تعدد الروايات حول ما حدث في أصفهان
- انطلاق الدورة الـ38 لمعرض تونس الدولي للكتاب
- الثقافة الفلسطينية: 32 مؤسسة ثقافية تضررت جزئيا أو كليا في ح ...
- في وداع صلاح السعدني.. فنانون ينعون عمدة الدراما المصرية
- وفاة -عمدة الدراما المصرية- الممثل صلاح السعدني عن عمر ناهز ...
- موسكو.. افتتاح معرض عن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا
- فنان مصري يكشف سبب وفاة صلاح السعدني ولحظاته الأخيرة
- بنتُ السراب
- مصر.. دفن صلاح السعدني بجانب فنان مشهور عاهده بالبقاء في جوا ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات الصبا.. ابو الهوب .4.