أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات الصبا..14 تموز .1.















المزيد.....


ذكريات الصبا..14 تموز .1.


مهند البراك

الحوار المتمدن-العدد: 7124 - 2022 / 1 / 2 - 18:29
المحور: الادب والفن
    


" ذكريات بغدادية "
الجزء الثاني

14 تموز

في تلك الفترة ارسلت الخالة وجيهة الشاعرة حفيدها محمود الذي قُتلت والدته قبل سنوات انتقاماً من ابيه المناضل مزهر المحكوم مؤبد في نقرة السلمان، ارسلته الى عائلتنا حفاظاً عليه من نزاعات و انتقامات عشائرية اقطاعية اندلعت في مناطق الفرات، و صار واحداً من العائلة. و كان محمود يكبرني بسنتين و تسجّل في مدرستي الإبتدائية و صرنا صديقين حميمَيْن قلّما افترقنا . .
كنا نقضيّ العطلة الصيفية المدرسية . . و كنت اخرج منذ الفجر والأهل والجيران نائمين على السطوح في شهر تموز اللاهب 1958، حيث كانت الشوارع خالية، كان محمود احياناً معي . . و كنت التقي مع عدد من ابناء الجيران لنجمع علب السيكاير الفارغة من انواع سيكاير : التركي، لوكس، غازي العراقية، اضافة الى انواع العلب الأجنبية التي كان عدد من رواّد مقهى " محمد راغب " الأغنياء يرمون بها بعد تدخين محتوياتها، من انواع سيكاير : كات (ابو البزون)، البحّار، بلاك اند وايت ذات العلبة المعدنية .
كنّا تلاميذ محلة الشيوخ في الأعظمية نتنافس مع صبيان محلتي الدهدوينة وشارع عشرين . . نتسابق كي نحصل على اجمل العلب الفارغة لنصنع منها لُعباً كبيوت كرتونية صغيرة نلعب ونلهو بها ونريها للآخرين الذين ان اعجبوا بها، كنّا نبيعها لهم لتحسين خرجيتنا من اليوميّة الشحيحة بسبب فصل الوالد من وظيفته كمعلم بعد ان أُطلق سراحه اثر اشتراكه بالمظاهرات الصاخبة التي اجتاحت بغداد وعموم العراق تنديداً بالعدوان الثلاثي على مصر وعلى احتلال ميناء بورسعيد . . وفي مناسبات ذكرى وثبة كانون . .
. . . . .
. . . . .

في فجر الرابع عشر من تموز ذلك العام، وفيما كان ضوء الفجر يبدأ بالظهور، حين كنا نبحث بين تخوت مقهى محمد راغب الشهير بـ " محمد الكاولي " ، عن العلب الفارغة في الساحة الخارجية للمقهى الكبير. . جاءت مجموعة ملثمة بكفيّة الرأس من ثلاثة شباب ولصقت صوراً لم تكن واضحة كثيراً لضابط كبير كما ظهر من نجماته الظاهرة في الصور حاسر الرأس، كما شاهدناها بعيوننا ونحن كامنين تحت التخوت . . لننط من مكاننا بعد ان اكملوا وشوشاتهم مع " محمد راغب " الذي كان يراقب لهم الفرع الرئيسي المؤدي الى بداية الجسر الجديد آنذاك " جسر الأئمة " . . ثم ذهبوا بخفة وبكل هدوء مع علبة اللاصق التي حملوها.
اقتربنا من الصور لنرى لمن تعود، واستطعنا بمساعدة ضوء مصابيح الشارع التي كانت لاتزال مضيئة ان نراها ونقرأ ما كان مطبوعاً تحتها . . فقرأنا تحت الصورة " الزعيم الركن عبد الكريم قاسم القائد العام للقوات المسلحة في الجمهورية العراقية " . . . بينما صاح محمد الكاولي بصوت هامس يشبه الفحيح العالي النبرة بين صوت الراديو الذي كان يبث آيات من القرآن بصوت عبد الباسط عبد الصمد :
ـ يا ولد صارت ثورة !! . . خبّروا اهلكم !! . . عدت بسرعة لأخبّر والدي الذي ولمفاجئتي التقيته وهو يخرج طائراً من الفرح من البيت وكان يصيح :
ـ " انتصرت الثورة . . انتصرت !! " ابني خبّر والدتك ان استيقظت ان لاتقلق قد لا اعود اليوم مساءً . . ابني خليّها هسّه نائمة لاتصحيّها " !
. . . .
. . . .
ومع اكتمال ضوء الصباح خرجت مع محمود وصبيان المحلة الآخرين، في وقت بدأت فيه اذاعة بغداد تبث نشيد " الله اكبر فوق كيد المعتدي " و مارشات عسكرية وبيانات تعلن عن قيام الجمهورية وانتهاء الملكية وتطلب من الناس الخروج الى الشوارع لدعم الثورة !! فيما صارت اصوات المدفعية والقذائف تُسمع بوضوح اكبر، بعد ان سمعناها آتية من بعيد و لم نكن نعرف ماهيتها ولم نعرف تفسيراً لها منذ ان بدأت بالدوي، لأننا لم نسمع مثلها قبلاً !
وعلى منطقنا الصبياني كنا نتساءل ونحلل " ايها افضل . . ملكية لو جمهورية ؟ ايها احسن واقوى ؟ وكنا نجيب الجمهورية احسن ! الجمهورية اكبر ! لأن روسيا وفرنسا والصين جمهورية بينما بريطانيا مملكة . . شوفوا مصر صارت جمهورية ! "
وصلنا الى مدخل سوق الشيوخ المسقّف القديم من جهة الجسر، لنطل على " شارع الأمام الأعظم " الرئيسي وحيث يبدأ جسر الأئمة (رأس الجسر) شاهدنا ولأول مرة في حياتنا " دبابة " . . وكانت في الحقيقة سيارة مدرعة محملة بالسعف والورود وبالناس الفرحين الهازجين المليئين بالفرح و الهاتفين " يسقط الأستعمار والرجعية "،" عاشت الجمهورية "،" الموت لنوري السعيد، الموت للوصي عبد الإله " !!
ثم اخذنا نسمع الهوسات الحماسية لآلاف مؤلفة من البشر قادمة على الجسر من الكاظمية وهي تهتف " جيش وشعب وايّاك يا قائد الثورة " ، " سنة وشيعة ايد بايد من اجل الشعب السعيد " ، " كلنا جنودك يازعيم " . . لتمر المسيرة الهائلة امامنا التي كانت تدعو الى السير نحو باب المعظم، بعد ان التحم بها قسم من جموعنا .
شاهدنا ناس متجمهرين على واجهة محل لتصليح الراديوات والتلفزيونات وكانوا يسبّون ويشتمون حيث كانوا يشاهدون صوراً فوتوغرافية بلقطات مختلفة عُرضت على واجهة المحل الزجاجية، كانت تعرض لقطات متنوعة لنساء ورجال انكليز يتضاحكون مع عدد من رجال الحكم الملكي في حدائق وفي بلكونات لأبنية اوربية الطراز، كانت بينهم صورة لشخص ضاحك (موشي دايان) الذي كان وجهه يحمل غطاءاً اسوداً على احدى عينيه، صورة كانت تثير الحشد المتنوع المتجمهرالذي طغى عليه متسوّقون و متسكّعون ونساء بعصباتهن وفوطهن السوداء، وكانوا يصيحون :
ـ شوفوا اليهود الكفّار اللي كانوا يحكمونا !!
ـ شوف هذا اليهودي اعمى العين اكبرقاتل بحق امّة محمد !!
ـ اللهم صليّ على محمد وعلى آل محمد !
فيما صاح صوت : اخوان اليهود ليسوا اعدائنا ... اعدائنا الصهاينة .
ـ شنو صياهنة ؟؟ كل اليهود اعداء الأسلام
ـ ويلك يمكن هذا يهودي بينّا . .
واستمر الهرج والصياح والشتائم، فيما كان صاحب المحل يصيح :
ـ الخاطر الله . . . ديروا بالكم لاتتدافعوا على الصور والاّ حطّمتم الواجهة الزجاجية !!

سارت جموعنا بمحاذاة " جامع الأمام الأعظم " على طريق " الحمّام القديم " لينثر اصحاب المحلات ما لديهم من حلوى و حامض حلو علينا . . و من مأكولات ملفوفة بورق ومكسّرات، و على الجميع مجانا، والبعض نثر حتى مسكوكات نقودهم علينا . . لتنهال علينا انواع اغلى من الحلوى والشكولا من محلات لطوّفي كاكا والنقود والصمون الحار ولنستلم انواع البقلاوات والزلابيا والسندويج الغالي الثمن مجاناً . . وسط اهازيج واغاني ودعوات وتكبير " اكلوا يرحمكم الله . . فدوه (فداء) للشهداء فدوه للسجناء " !
كانت الجموع تتزايد بالتحاق جدد بها من محلات الحمّام والحارة . . . ثم من رأس الجسر القديم و محلة السفينة وازقتها ومقاهيها الى حدائق المقبرة الملكية حين صعد " عوسي الأعظمي " يحيي الجماهير بآلته الموسيقية ذات وقع الطبلة من على اعلى عمود كهرباء مشبّك مطل على ساحة الشباب . . ووصلت الجموع مقابل المقبرة الملكية ووقفت مجموعة من المتظاهرين تريد تحطيم ابوابها فاوقفهم عدد من النواطير من اهل المنطقة اضافة الى عدد من رجال الدين الذين هرعوا لحماية " قدسية المقابر و الأموات " و محذّرين من " انتقال آثامهم اليكم " . .
ثم حيّا الركب المستمر باهازيجه وبابيات من شعر الجواهري الكبير المُذكّرة بالشهداء :
يومَ الشهيد : تحيةٌ و سلامُ . . . بك و النضالُ تؤرخ الأعوامُ
يومَ الشهيد طريقُ كل مناضلٍ . . وعرٌ، و لانُصُبٌ ولا اعلام
في كل مُنعَطَفٍ تلــــوحُ بلية . . . و بكــلّ مفترقٍ يدِبُّ حِمامُ
و اهازيجه المشيدة بالشعب والوطن . . حيّا الطلبة المتواجدين في ذلك الصيف في الأقسام الداخلية العائدة لـ " كلية الملك فيصل" التي صارت لاحقاً " دار المعلمين الأبتدائية " ، الكلية التي قاد طلبتها العديد من المظاهرات و النضالات والأضرابات مشتبكين مع رجال الشرطة، من اجل الشعب و حقّه بالحياة . . و التي قدّمت العديد من الشهداء وسجناء الرأي وخرّجت عديد من الوجوه والشخصيات السياسية لكل القوى الوطنية العراقية بكل اطيافها . . .
وطافت المسيرة بشارع الشباب . . شارع تتويج الملك فيصل الثاني و زيارته مع خطيبته للمقبرة الملكية حين حمل اختي سوسن ذات الثلاث ربيعاً من يدي، شارع المظاهرات والأشتباكات والأضرابات العصية على الشرطة . . وفيما كنت مع المتظاهرين تذكّرت حدثين وقعا لي ولاانساهما في ذلك الشارع . . الأول احداث انتفاضة 1956 في الأعظمية و رمي المتظاهرين بالرصاص و الهجوم بالسكاكين على طلبة كلية الملك فيصل، و هوسة :
الله واكبر ياعرب القاهرة حرقــــوها
وارتجّت اركان السما وبور سعيد نهبوها
و الثاني : القنابل المسيلة للدموع، و قنابل الغاز التي افقدتني الوعي، وسط اضراب كلية الملك فيصل و اعدادية الأعظمية للبنين، ثم ثانوية الأعظمية للبنات . . في الذكرى الأولى للعدوان الثلاثي . .
و لتستمر المسيرة و تلتقي في ضحى ذلك اليوم الجميل في رأس الحواش بجموع هائلة اكبر قادمة من جهة الكاظمية ايضاً ولتتوحد بها، ليبدأ القراّءون بقراءة البيان الأول للثورة بالترديد المرتفع الصوت لأذاعة البيان الأول من الأذاعة العراقية . وبدأت الناس ترفع صوراً لضباط جدد معروفين لها ومن ابنائها في الأعظمية و غيرهم . . فارتفعت صور العقيد رفعت الحاج سري وصور المقدم وصفي طاهر اضافة الى العقداء عبد السلام عارف والمهداوي . . اضافة الى عقداء المربع الذهبي الشهداء صلاح الدين الصباغ و كامل شبيب ورفاقهما الذين اعدموا مطلع الأربعينات . وكانت الناس تتساءل وتجيب عن هويات الضباط الجدد و من هم ، و زاد فرحها بعد ان عرفت انهم من اوساطها الكادحة والفقيرة والمتوسطة . .
لقد انتصرت الثورة وانطلقت الجماهير العراقية بعربها وكردها وكل قوميّاتها، باسلامها ومسيحييها واديانها، وبكل طوائفها وكل قواها السياسية رجالاً و نساءً، انطلقت بفرحها واعراسها، فرحها بما سيحمله الغد بلقاء الأحبة من سجناء العمر،الذين شابَ اكثرهم خلف القضبان، فرحها بعودة المنفيين والمهاجرين، وبفجر جديد يطلّ بعد طول نضال وتضحيات جسيمة، وبنهاية الطغاة الذين حوّلواَ ضياء العراق الى ظلام وجهالة وفقر.
كانت الناس تردد، لقد انتهى الحكم الملكي وقضي على فكرة (الحكم حق مقدّس) مقصورعلى النخبة المصطفاة، الفكرة الأساسية في انظمة الحكم الأقطاعية الدينية، التي استغلّها العثمانيون اسوأ استغلال في تثبيت حكمهم واخضاع الشعوب، وكرّسها البريطانيون بعد انتصارهم في الحرب العالمية الأولى، بتصعيدهم و تقريبهم لعدد من العوائل ذات النسب الديني، و ما اعيد صياغة قسم منه، او رُسمت صور جديدة لأنساب بعضها الآخر، بعد ان تجاوزها الشعب . .
لتلتقي الأمواج المتلاطمة بعد الظهر في الباب الشرقي، مع الأمواج والحشود البشرية القادمة من الكرخ والصالحية عبر جسر الملكة عالية (جسر الجمهورية لاحقاً) والحشود الأخرى القادمة من جهة المحلات المحيطة بساحة السباع و شارع غازي (الكفاح لاحقاً) . . ليتوالى الخطباء محرضين و داعين الشعب الى الإلتفاف حول ثورة الجيش والشعب وعلى اليقضة والحذر من مؤامرات الأستعمار واذنابه، وعلى طاعة السلطة الوطنية سلطة الجيش والشعب، سلطة العرب والكورد و الاقليات، ابتداءً من تنفيذ اوامر منع التجول، التي تمّ اعلانها.
لقد صعّدت ثورة 14 تموز المزاج الشعبي الى اقصاه، بعد ان فجرّت الطاقات الشعبية، وفتحت صفحات جديدة في حياة البلاد وخاصة في حياة اوسع الفئات الفقيرة والكادحة، وفي حياة القوميات غير العربية والأقليات والتكوينات القومية والدينية . . هكذا كانت مشاعرها و آمالها . .
وسط تحذيرات المجربين من نشاطات الأحتكارات النفطية التي لن تسكت و ستواصل بلا كلل نشاطاتها المتنوعة لإيقاف مدّ الثورة، لاعبة على اوتار التذمر و الحساسيات والتنوع العراقي القومي والديني والطائفي، داعمة كلّ من تضرر و سيتضرر من اجراءات السلطة الجمهورية الجديدة التي اعلنتها في بيانها الأول، وخاصة كبار رجال الأقطاع والأداريين وكبار الضباط السابقين و الوزراء و النواب وعدد من كبار اغنياء المدن، اضافة لعدد من كبار الضباط الذين بقوا في مراكزهم، و رجال الاجهزة الخاصة السعيدية . . و ابناء عشائرهم و اقاربهم . .
وسط انباء انتشرت بين المتظاهرين عن انزال الاسطول السادس الاميركي في لبنان، و وضع قواته على اهبة الاستعداد في الاردن للتدخل في العراق، و انباء عاجلة بثّها الترانزستر الذي كان يحمله عدد من المتظاهرين، عن الحشود العسكرية السوفيتية في القفقاس التي هددت بالتدخل و كسر اي تدخّل اميركي في العراق . .
لقد امتلأت الساحات وشوارع العاصمة بالجماهير رجالاً و نساءً . . وبقينا نطوف ونطوف مع الجموع منذ فجر صباح ذلك اليوم الصيفي والى ليله، حيث فتحت ابواب البيوت و المطاعم والمصالح ابوابها لإطعام المحتفلين والمتظاهرين مجانا . . بعد ان امطرونا مرّات و مرّات بالملبّس والحلويات بل وبالنقود، و نحن نطالب باطلاق سراح السجناء السياسيين . . و عدنا انا و محمود بباصات المصلحة التي بقيت في واجباتها الى ساعة متأخرة من الليل، مجاناً . .
. . . . .
. . . . .
و بعد مطالبات و عرائض عاجلة، صدرت اوامر بإطلاق سراح السجناء السياسيين وفق قوائم كانت تُعلن في الصحف اليومية . . لتستمر الفرحة ونسافر الى سجن بعقوبة لإستقبال ابن عمي عدنان، بعد ان سافر محمود الى الحلة لإستقبال والده مزهر الذي أُطلق سراحه من نقرة السلمان . .
انتظرنا وانتظرنا وسط حشود عوائل السجناء السياسيين متذكّرين انتظارنا في مواعيد الزيارات السابقة وقال الحرس بأدب هذه المرّة . . " رجاءً انتظروا . . انهم يكسّرون حديدهم !! و قد لايستطيعون المشي بسهولة بعد تكسير الحديد !! " . . وتذكّرنا انّنا سألنا السجناء الشيوعيين عند مواعيد المقابلات السابقة تلك عن سلاسل الحديد الرابطة بين حديد اليدين وحديد القدمين، واجابونا بلطفهم و بضحكاتهم الرنانة " انهم يشدوّنه علينا عند المقابلة فقط . . لأنهم يخافون !! "
حين قالت جدّة احد السجناء في ذلك الحين : وِلْدي يخافون من مَنْ ؟
ـ مننا ومنّكم !!
ـ ولكنكم في السجن ! ونحن مطوقون بالحرس . . !
وقال صوت جاد متألم وبخفوت :
ـ انهم مقيّدون طوال الوقت، حسب نوع العقوبة !
فجأة سمعنا صوتا كالرعد يهتف بحياة ثورة الشعب ! " عاشت ثورة الشعب " !
و سرت اصوات عالية قائلة : كسروا حديده ! انه يخرج الآن . . انه المناضل زكي خيري !!
لم نستطع ان نراه حين التفت الجموع حوله وتصاعدت الأكف بالتصفيق والحناجر بالهتاف بحياة الحزب ومناضليه . .
كنا ننتظر خروج ابن عميّ عدنان البراك !! الذي رأيناه لأول مرة عند موعد المقابلة السابقة في سجن بعقوبة . . حين كانت صورته مؤطرة باطار ثمين ومعلقة على سجادة حائطية صغيرة نظيفة على الدوام ، كانت تثير فينا مشاعر الحنين وكأننا نقف امام احد كبار الأتقياء الورعين . . حين كانت تنساب الدموع من عيني امي عندما تلحظها ونحن جنبها . .
خرج عدنان بهدوئه و كبريائه و الهزال و الشحوب باديان عليه و على رفيقيه عبد الرحيم شريف الذي انتظرته خطيبته المربية منيرة عبد الرزاق و عائلتيهما، و عزيز محمد الذي لم تأتِ والدته بعد، وسط التصفيق و انواع الإشادات بمواقفهم . . و وسط ابتساماتهم المشرقة و انواع الدعوات لعزيز محمد لإستقباله في بيوت العوائل البغدادية، شاكراً ايّاهم و مفضلاً انتظار والدته التزاماً بموعدهما الذي حددته ببرقية ارسلتها من اربيل الى سجن بعقوبة . .
بعد اسابيع عادت د. نزيهة الدليمي من ابعادها للنجف الى بغداد، د. عبد الصمد نعمان من ابعاده الى حلبجة و اعاد فتح عيادته المعروفة لأهالي الأعظمية، و عاد د. عبد الأمير السكافي من ابعاده للرمادي الى اهله في النجف و بدأ بزيارتنا و استأجر مشتملاً في الاعظمية. . من جهة اخرى عاد الوالد الى وظيفته في التعليم و اعيد اعتباره و صرفت له رواتب الفصل السياسي، التي ساعدتنا على شراء تلفزيون بالتقسيط . .
و فيما انطلق الشعب العراقي بكل مكوناته الى فضاء رحب مبشّر بمستقبل افضل، و كأنه هو المقصود في الكتاب المنتشر آنذاك للكاتب اللبناني اليساري المعروف " رئيف خوري " المعنون بـ " شعب عظيم يخرج من قفص " واصفاً فيه انطلاقة الشعوب الإيرانية اثر انقلاب مصدق في ايران و كيف تعاون الشاه و الدوائر النفطية الغربية و الاستعمارية و جنرالات الشاه و قوى الاقطاع و كل القوى و الاحزاب اليمينية و الرجعية في القضاء على ثورته القاضية بتأميم النفط الإيراني . . و تأمين الخبز و الحرية و العدالة الإجتماعية.
تشكّلت " محكمة الشعب " كمحكمة عسكرية عليا خاصة علنية برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي . . التي اطلعت الشعب و كشفت له و اعانته على معرفة الاحداث الحقيقية و انواع الاتفاقيات الغربية لإستغلال البلاد و خطط كسر اية معارضة او اي صوت عارضها، بعد ان عاش الشعب و الشباب انواع المجالس العرفية العسكرية السريّة التي حكمت شباب البلاد بأحكام قاسية حطّمت حياتهم و تسببت بالعديد من الشهداء، منها محكمة النعساني السريّة سيئة الصيت . . محكمة الشعب التي رغم نواقصها و اخطائها، الاّ انها شكّلت اول تجربة علنية لمحاكمة اعداء الشعب و فاسديه من انواع مليونيرية ذلك الزمن . .
كانت مقاهي الأعظمية تكتظ بروادها لمشاهدة تلك المحاكمات العلنية الجريئة التي كانت تبدأ بحدود الساعة السادسة مساءً في كل يوم من تلك الأيام . . و كانت تلاقي الترحيب و التصفيق و انواع النقاشات و من مختلف الإتجاهات لتأييد ما دار فيها، وسط سكوت البعض و هم يشاهدون الشعبية الهائلة للشيوعيين ورثة النضال العنيد ضد الرجعية و الإستعمار . .
الشعبية التي لم تأتِ بقرار او بأمر خارجي، و انما بأعمال و تضحيات جسيمة و ايمان اثبت صحته بدور الشعب و اهمية تنظيمه في نقابات و جمعيات و اتحادات . . فتشكّلت و انطلقت انواع المنظمات المهنية بمبادرتهم و تشكّلت لها قيادات انتُخبَت و ضمّت كل القوى اليسارية و القومية و الوطنية و من كل المكوّنات القومية و الدينية و المذهبية و الفكرية، نساءً و رجالاً . . وفق برامج دعت الى تقدّم و خير البلاد و الشعب و شبابه.
منها ما كان يدور في مقهى محمد غائب في الأعظمية مقابل بيتنا، لرؤية جلسات المحكمة العلنية و اخرى لمناقشة ما كان يدور في البلاد في ايام الخميس والجمعة . . حتى صار شبه مجلس دوري للمناقشات السياسية، ضمّ : والدي، الوجه الديمقراطي عبد الفتاح ابراهيم، الضابط مكي الدباغ، القيادي البعثي عبد الرحمن الضامن، المحامي القومي عبد الوهاب الضامن، الوجه النقابي المعلم عبد الحميد الهيتي، الاستاذ الجامعي عبد الفتاح الملاّح، عبد الحكيم نعمان الأعظمي، الاستاذ جاسم الرجب اخو صاحب مكتبة المثنى، الصحفي الرياضي برهوم، القومي الديمقراطي كرامة الريّس . .
و بمشاركة من حين لآخر حسب مشاغلهم للقياديين الشيوعيين عدنان البراك و عامر عبد الله، المحامي كامل قزانجي الوجه الديمقراطي المعروف الذي اشتهر بمواقفه في محكمة الشعب و تطوّعه في الدفاع عن الشعب الإسباني و جمهوريته ضد الدكتاتور فرانكو و عصابات الفالانج في الأربعينات . . و كان يلتف حولهم عدد كبير من رواد المقهى و يشاركون في النقاشات متفقين او مختلفين في اجواء حوارات كانت تحترم الآراء آنذاك . . (يتبع)

2 /1 /2022 ، مهند البراك



#مهند_البراك (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكريات طفولة..مظاهرات قلبت موازين .16.
- ذكريات طفولة.. قصر الرحاب 15
- ذكريات طفولة..اخافة الوصي .14.
- مذكرات طفولة.. العراق المنصدك .13.
- ذكريات طفولة..السجن ليس لنا .12.
- ذكريات طفولة. . مفاجئات .11.
- ذكريات طفولة. . من هو .10.
- ذكريات طفولة. . زمن الملاريا .9.
- ذكريات طفولة.. ذات صيف .8.
- ذكريات طفولة..تحطم طائرة .7.
- ذكريات طفولة سعدون .6.
- ذكريات طفولة .5.
- ذكريات طفولة .4.
- ذكريات طفولة .3.
- ذكريات طفولة .2.
- عن بيان سماحة المرجع الاعلى حول الانتخابات
- ذكريات طفولة .1.
- الانتخابات: التشرينيّون و صراع الميليشيات .2.
- الانتخابات: التشرينيّون و صراع الميليشيات .1.
- المناضل الكبير كاظم حبيب . . وداعاً !


المزيد.....




- إقبال على تعلم اللغة الروسية في مدارس سوريا
- جائزة نوبل للآداب -الساعية للتنوع- قد تحمل مفاجأة هذا العام ...
- شمس البارودي.. فنانة مصرية من أصول سورية
- إيلون موسك مهتمّ بقراءة أخبار وسائل الإعلام الروسية!
- صفعة الأوسكار تطارد ويل سميث في فيلمه الجديد
- ليلى بورصالي: تجربتي في التمثيل ساعدتني في مسيرتي الموسيقية ...
- العراق يزيد رقعة زراعة القمح لنحو مليون فدان في 2022-2023
- شاهد: أوكراني يستخدم صندوق الموسيقى اليدوي لنشر -السعادة- في ...
- شاهد: اندماج لوحات فنية عملاقة تفاعلية من مبدعي العالم في مع ...
- منح جائزة نوبل في الطب هذا العام للسويدي سفانتي بابو


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات الصبا..14 تموز .1.