أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات طفولة .2.















المزيد.....

ذكريات طفولة .2.


مهند البراك

الحوار المتمدن-العدد: 7037 - 2021 / 10 / 4 - 20:23
المحور: الادب والفن
    


و في ذلك الجمع، فجأة صاح احدهم :
ـ هاهو مجيد الحرامي !!
ـ ش شـ شـ ش تريد تورطنا ؟ . . تقصد درويش مجيد !!
ـ ويلك !! هذا اقرب دراويش الشيخ و احبّهم الى قلبه . .
التفت الجمع المتحمس الى رجل طويل مفتول العضل ظاهر القوة، معصّب رأسه بعصّابة سوداء
فيما كان يلبس ثوبا طويلاً اسوداً، و يضع كوفية سوداء غطّت كتفيه . كان يتفحّص الجميع بنظرات فاحصة من عينين واسعتين محمرّتين لوجه كثيف الشعر . . كانت هيئته تلك وبالخنجر الفضيّ اللامع الظاهر و المثبّت وسطه ، تهدد بالويل و الثبور لمن لا ينضبط و لا يصمت ، و لمن لايظهر حزنه و احترامه للشيخ المتوفيّ الذي اوصى بان يدفن في الأرض المجاورة لمرقد الإمام ابو حنيفة النعمان و ان يهال عليه التراب فقط و ان لايظهر من قبره اكثر من علو لا يزيد عن خمسة اصابع يد ، بلا بناء و لا حجر . . كي يستطيع سماع الآذان !
. . .
عرفت محلة الشيوخ القديمة " مجيد الحرامي " كشقي لايشقّ له غبار ، لم يعرف له اصلٌ ولايعرف من اين جاء ، لكنه كان أملاً للعديد من الفقراء و المعدمين في محنهم و آلامهم، كان يشرب الخمر و يضاجع النساء اللواتي اعجبهن ، الاّ انه لم يكن مستهتراً، ولم يعتدِ على ضعيف او فقير او على امرأة في محنة . كان ينظر بريبة و عدم احترام و احتقار لمن يتجبّر بماله و لمن يستغل الفقراء و يسوقهم و يسومهم العذاب باسم الخرافة و الدين، والدين منها براء.
سطا على بيوت اغنياء جمعوا اموالاً من الخداع، وعلى بيوت من سطا على املاك و حقوق الضعيف و اليتيم بالقوة . . وساعد بها اليتامى ومن ليس له معين ، و ساعد من احتاج و من تهددت بالأنحدار الى الشارع لإطعام اهلها او اولادها . . ممن سألوه العون و النجدة، علناً او سرّاً.
كانت الناس تعرف و تعرف الكثير عنه ، ولكن لم يجرؤ احداً على الشهادة ضده ، لنبله و شجاعته و كرمه من جهة ، ولإنتقامه الذي لم يعرف الرحمة تجاه الخائن و الحقير ، خاصة وانه لم يكن طمّاعاً او شرها او انانياً.
لم يُعرف تحديداً لماذا تسلل " مجيد الحرامي " الى حوش دار الشيخ فخري ، في ليلة شتائية قارسة البرد. ففي تلك الليلة استفاق الجيران على صوت صراخ عالٍ منبعث من دار الشيخ يطالب بالنجدة و بالرحمة، كان صراخاً متهالكاً من رجل على و شك الموت.
قالت الحاجة امينة انها استيقظت مذعورة من النوم من شدة الصراخ وكان ابنائها حولها ، ورأت على ضوء الفانوس ان افعتي الشيخ امسكتا بتلابيب رجل تثبّت على الأرض و كأنه تسمّر عليها . و انها رأت الشيخ يخرج من غرفته المضاءة و يسير بهدوء و هو يتلو آيات من الذكر الحكيم و يقترب من الأفعتين، اللتين تحرّكتا نحو الشيخ تاركتين الرجل امامه و زحفت كل منهما الى جحرها، فيما كان الشيخ ينادي على الرجل، كما قالت :
ـ ابني تُب الى الله ، انه غفور رحيم .
ـ . . .
ـ ابني لقد عصيتَ امر الله القادر القدير فنهبتَ و شربت الخمرَ و مارست الفحشاء !!
ـ لكني لم اظلمْ احدأ ، بل دافعتُ عن الفقير و اليتيم و المحروم !
ـ نعم . . ولكنك انتهكتَ حرمة بيت ولي شفيع من خدم الله في مقدَمِ شرّ!
ولم يجبْ مجيد بل اخذ ينتحب و يبكي بكاءاً مراّ كان يفتت قلب السامع و هويزحف يريد تقبيل قدم الشيخ اعتذاراً . .
تراجع الشيخ و هو يصيح بانفعال :
ـ استغر الله . . لاتحقّر نفسك . . لقد تاب عليك الله و الاّ لما نفذت من عقاب الله، ابني تركك الله تعالى صحيح معافى . . تُبْ الى الله و ليس اليّ و اطلب اليّ المغفرة معك من عنده ! كلّنا من آدم و آدم من تراب ، صدق الله العظيم !
صاح مجيد بصوت واثق :
ـ ربيّ اتوب اليك !! ربيّ اتوب اليك !!
وانحنى الشيخ عليه بلحيته المحنّاة و بعمامته واضعاً كفيّه على كفيّ مجيد الذي كان يرتجف ، وطلب منه النهوض فنهض، و وضع الشيخ يده على كتف مجيد و سارا معاً الى غرفة الشيخ . . ومنذ ذلك الحين صار مجيد يزوره كل يوم تقريباً و كان الشيخ يبتهج لقدومه . .
حتى صار مجيد اكثر جدية، و صار يقرأ كثيراً ليس القرآن و التفسير و حسب و انما الأدب و كتب نصرة الفقير . . ساعده الشيخ ليستقر على مهنة بعد ان اوصى به بناء على رغبته احد الخبازين المهرة فعمل خبّازاً، ثم ساعده ليتزوج ... و بقي على سعيه في الدفاع عن المظلوم . . وصار اقرب حواريي الشيخ و منذ ذاك سماه الناس " درويش مجيد " . .
. . .
. . .
في مجلس النساء لدى الحاجة امينة في بيت الشيخ ذي البوابة الخشبية العريضة المصنوعة من الخشب الهندي السميك و المرصّعة بمسامير معدنية كبيرة ، وبعد ان احكمت الحاجة امينة اغلاقه وقفله بمفتاح كبير طوله بطول نصف قدم كانت تعلّقه بجيدها ، احكاماً للعزلة و حماية لخلوة النساء، و كنّا نحن الاطفال نجلس خلف النساء او عند الاحذية مستعدين لتلبية اي طلب . .
و بعد اكمال الذّكْر والمولود الديني النسوي بمناسبة المولد النبوي بعد مرور عام على وفاة الشيخ،
تذكّرت الحاجة امينة انها نسيت ان تضع الحليب للثعبانين كما كان يفعل الشيخ كلّ صباح ، واخذت ترتجف و انقطعت عما احاطها من الكلام ، و النساء حولها يتدافعن ويتصايحن :
ـ حكَمَ عليها الحالْ !
ـ دثّرنها باغطية دافئة !
ـ . . .
وفجأة . . دفعت الأغطية ووقفت بقامتها وسط مفاجأة الجميع و ذهبت مهرولة الى سُلّم المنزل ، و حاول البعض ثنيها و استفسر البعض منهن بخوف عمّا تريد و الى اين تريد الذهاب ؟؟
قطعت الصمت كبراهما في علوم الدين التي كُنّ يدعونها بـ " الخليفة " و تصدّرت المولد و قالت :
ـ دعنها تذهب الى حيث تريد بسلام . . البيت بيتها وهو بيت مبارك . . انها تنفّذ امراً تلقته من الأعالي . . مدد ياشيخ فخري . . مدد !!
ورددت الأخريات على نقر الدفوف :
ـ مدد
ـ مدد !!
ـ غوث ياسيدنا الشيخ غوث !!
ـ حــــــــي ! الله حي ! الله حي !
. . .
ذهبت الحاجة امينة الى السطح العلوي من خلال الطابق الثاني الخشبي ذي الشناشيل .... السطح الذي كان يهتز من وقع اقدام الأطفال الصغيرة ويهتز مع الريح !
قالت الخليفة :
ـ انها ذاهبة لتناجي الملك الصالح ! لاتقلقن ! انها زوجة الشيخ والله اعلم !!
ـ اللهم صلي على محمد !!
بعد فترة ليست طويلة . . عادت الحاجة من السطح مهللة الوجه وهي تصيح من بعد :
ـ الحمد لله . . الشيخ بخير و غفر لي نسياني !!
ـ الف الف الحمد الله و الشكر !!
وبعد ان استمر نقر الدفوف و انشاد التراويح وبشكل متقطّع . .
هام قلبي عندما ذُكِرَ النبي . . النبيُّ
النبي المختار . . محمد
محمدٌ احمدٌ . . طه
طه . . يا كامل الأنوار
وبعد ان تناولن الخبز و الريحان و الخضرة العشبية وبدأن بشرب الشاي وهن يتحدّثن بامور الناس و المحلة و قضايا الزواج والطلاق و الحمل و العقم و الاخلاق و السفاهه و الفضائح و مشاكل العوائل و يحاولن معرفة رأي الخليفة فيها لإسداء النصح للناس، كما عبّرن . .
سألت احداهن من الشابات الحاجة امينة بعد البسملة و العياذ بالله و طلب المغفرة ان كانت الأسئلة تُخلّ بالشرع او الأدب او بامور لايجوز الحديث بها :
ـ حاجة امينة استغفر الله العظيم . . هل لكِ ان تحدثينا عن الثعبانين و كيف ظهرا ؟
شحب وجه الحاجة امينة و هي تستغفر الله و تكرر الأستغفار، وسط انصاتنا و تسمّعنا و فهمنا على قدر عقولنا الطفولية، و قالت :
ـ في البداية لازم تعرفي ان الشيخ فخري، علّمته امه التقيّة و هي مؤسسة التكية النقشية في وادي العمادية، كانت زوجة الضابط العثماني الكبير الذي قتل في حرب القرم على يد المسقوف الصليبيين . . و تولّت امّه بعد مقتل ابيه رعاية و تربية ابنها الوحيد منه . . كانت الأم ابنة شيخ متصوف من مريدي الشيخ الشطيّ الكبير من ديار بكر، التي هربوا منها اثر المذابح التي قام بها العثمانيون بحق الارمن و الاديان الأخرى و بحق الكرد و كلّ معارضيها من المتصوّفة . .
و كانت تعرف عديداً من اللغات، من الكردية و التركية و الفارسية و الآشورية و الى الفرنسية وكانت قد ورثت المشيخة و الطريقة من ابيها و علّمتها الى ابنها في وادي العمادية الى ان اشتد عوده، فنقلت المشيخة الى الموصل و اسست هناك تكيتها، و اورثتها الى ابنها الوحيد الذي اسس هو و اقرانه كلية الشريعة الأسلامية العائدة الى مقام الإمام ابو حنيفة النعمان في الاعظمية . .
و بعد ان اكمل الشيخ رحمة الله عليه بناء هذا البيت ، قال ، ان هناك نَفَسٌ طاهرٌ في هذا البيت، وانه رحمه الله لمس علاماته بنفسه ورآها بعينه ، و ( اننا سنتوفق فيه فكوني سعيدة و احملي دوماً بشائر الفرح) ، ولم يزدْ ، ولم اسأله كيف و ماذا لمس .
بعد فترة و عند غروب شمس ذات يوم ... فوجئت بافعى سوداء ثخينة يتماوج بريق لونها مع تماوج حركتها و جسمها، كانت تمر بهدوء امامي و تليها ثانية، فجفلت و جمدت في مكاني لأني و كما اعرف ان الأفعى السوداء مباركة و تحسب على ملاك السادة الأشراف . . و ما ان رأيت الشيخ حتى صرخت اطلب منه انجادي ...
فقال :
ـ لاتقلقي و دعيهما يسرحان كما يريدان انهما بركة و ستر !! يحميان الطارمة المسقوفة و غرفة الكتب المقدسة و التفاسير و الاجتهاد، الصغيرة . و اضافت : عادة ما يستقران عند الحديقة الصغيرة وسط الحوش حيث شجرة الرمان ليشربا الماء و الحليب، ثم يذهبان لسماع الشيخ و هو يتلو بآيات الذكر الحكيم . .
. . . .
. . . .
كانت جدّتي امينة تصطحبني معها لزيارة قبر جديّ في مقبرة الخيزران، كلّما رأت ما رأت في حلم ما زاد شوقها اليه، او جاءتها رؤيا او شافت العزيز بالحلم، كما كانت تقول و كانت تناقشه و توضّح له عند قبره، وسط دهشتي لأني لم اكن ارى احداً . . كنت احمل معها الجرك (نوع من المعجنات) و الخبز و الريحان و الكُراّث، ماريّن في ازقة و سوق محلة الشيوخ القديمة . . لتوزيعها على فقراء الجامع القريب من جسر الأئمة الذي شُيّد بعد سنين هناك، اضافة للشموع لإيقادها ان هبط الظلام و هي في تسبيحها و تلاواتها المتنوعة لسور من القرآن. كانت تلك الزيارات تشيع في جدتي حبها لنا و تشيع فيها الشجاعة و العزم و التحدي التي شهدناها بعد سنين و عقود.
في تلك الاوقات كان الناس يتحدثون في مجالسهم و في البيوت عن الذكريات المرّة لحوادث العنف في زمن الملك غازي و انقلاب بكر صدقي الذي وصفوه بكونه بداية للصراعات الدموية بين العراقيين لتولي الحكم و لإستخدام العنف بحق قومياته و اديانه، من مذبحة الآشوريين في سميّل و الى الاعمال العسكرية القاسية و انواع القصف بحق الكرد و عرب الفرات . .
و يتحدثون عن مظاهرات حاشدة كانت تندد بالحكومة و كانت الاعظمية احدى ساحاتها الرئيسية . . و عن كيف جرى توزيع منشورات بخط اليد و على الكاربون تدعو الناس لإسقاط الحكومة، و قال البعض انهم شاهدوا درويش مجيد فيها و اسموه البدوي الولي، و كان من انشط المتظاهرين و انه كان ملثماً بالكوفية و وزّع منشورات مطبوعة !! يقولون انها من عمل الروس المسقوف لأنها تدعو الى اخوّة المسلمين و المسيحيين و الكفّار و هيجي دعوات لابد انها قادمة من البلشفيك او البلاشفة او لاتُعرف تسميتهم جيداً . . و تدعو الى مساعدة العوائل الهاربة من مذابح بكر صدقي التي التجأت الى بغداد و الى الاعظمية في كمب الصليخ . .
ـ لكن اخوّة و مساواة البشر بقومياتهم و اديانهم كان يدعو لها الشيخ فخري نفسه!
ـ نعم و لكن لم يقل اخوّة مع الكفار !!
. . . .
. . . .

بعد وفاة ابيه الشيخ اخذ محمد ينام خارج البيت، قالوا انه مستأجر في بانسيون او لدى اصدقاء، و قد صار و كأنه واحداً من عائلة غازي لكثرة تردده و وجوده و مبيته هناك وقد اجتذبه جمال فتياتها الداغستانيات البيضاوات والممشوقات القوام، ذوات العيون الواسعة الملوّنة و الشعر الكستنائي و الأشقر، بملابسهن الخفيفة و المهفهفة . .
و كان لصديقه غازي تطلعات قيل انها اوروبية، من اهتمامه بالكلاب التي صارت و كأنها من اهل البيت و خاصة الوولف دوك و البولدوك و كان يصرف على طعامها الخاص و يشتري علبه من الكرادة الشرقية، و يشرب مشروبات غالية و خاصة الويسكي، قيل ان صديقته العانس الثرية كانت تصرف عليه، بعد ان تعرّف عليها في مسبح الـ ( واي .ام .سي .اي) جمعية الشبان المسيحيين في السعدون، و قيل انه كان يرقص مع صديقاته اللواتي تعرّف عليهن في المسبح، على انغام الموسيقى الغربية الراقصة، رقصات السامبا و الرومبا . . التي بدأ محمد يتعلمها معه و مع صديقاته . .
ليأتي حمودي الباشا في العادة بسيارته المكشوفة السقف، بعد لعبه على ملعب سباق الخيل ..
حيث كان حمودي ابن عبود باشا الذي ذاع صيته كاحد اوائل صناعيي البلاد و صاحب اكثرمن معمل لصناعة السيكاير في بغداد . . الذي تعرّف عليه محمد من مجالس السكر و القمار وسباق الخيل، وتعرّفا من خلال ذلك على غازي، ابن العائلة التي قيل انها من اصول تركية، التي كان ربّها يعمل كموظف تموين لمصالح كانت تجهّز القاعدة البريطانية في الهنيدي ( صارت معسكر الرشيد لاحقاً)
في وقت كان فيه محمد شاباً وسيما و انيقاً، و كان يستنزف الكثير من مال العائلة و باع البيت الذي ورثه من ابيه، و عمل مع حمودي الباشا في افتتاح فرن الصمون الكهربائي الذي كان من اوائل افران الصمون الكهربائية في البلاد، و لم يُعرف من اين حصل على المال . .
صار محمد يشتاق شوقاً مضنياً لرؤية اخت غازي الصغرى مريم . . التي كانت تفتح له الباب كلما جاء، وكانت والدتها تشجّعها على الصداقة معه، خاصة بعد ان عرفت ان اخت محمد هي سعاد التي كانت زميلة ابنتها الكبرى نزهت في الدراسة، التي كانت طالبة مجتهدة و متّزنة و من عائلة معروفة . . و كانت تفتح مواضيعاً مخلّة في جلساتها مع محمد و مريم لتعميق التقارب بينهما . . و قد سألت محمد ذات مرة عن الحفّافة لميعة اليهودية و كيف تستطيع مقابلتها عن طريق سعاد، وكانت ام غازي كما قالت، تريد الوصول الى حفّافة تعرف عوائل المحلة و اهلها و دواخلهم، و تستطيع كتمان سرّها ان طلبت منها ان تحفّ اماكن حساسة من جسمها، كي تستمتع بالحياة اكثر، كما كانت تقول . .
الامر الذي اثار اكثر من تساؤل بين الشابين محمد و مريم، عن ماهية تلك الاماكن الحساسة و لماذا ؟؟ و تفاجئا باجوبة الام المباشرة و خاصة ابنتها مريم عمّا تعنيه بحفّ الاماكن الحساسة و لماذا، بلا احتشام و لا حدود . . و كانت تكثر من تلك الاحاديث المثيرة معهما، حتى حدث يوما مالم يكن بالحسبان . . حيث فتحت الأم باب غرفة الضيوف بعد وقت من خروج الضيوف ووجدت محمد يعانق ابنتها ملتصقاً بها و هي باكتافها و صدرها البض شبه العاريين، بعد ان تعمّد التاخر . .
صاحت مريم و شهقت الأم قائلة :
ـ حلّكم الوحيد هو ان تتزوّجا فوراً !!
قيل ان ذلك قد تم بتخطيط و تنفيذ من والديّ غازي للحصول على الجنسية العراقية، لأن عائلة غازي كانت مسجلة على اللاجئين من الداغستان في القوقاز اثر هجوم المتطرفين الارثودوكس عليهم . . و تزوجا على نفقة والد غازي و بدون معرفة الحاجة امينة و العائلة، و فرحت عائلة غازي لأنهم تسجلوا على الجنسية العراقية، بعد ايام من الزواج . .
و بعد مقاطعة عائلته له، سكن محمد و مريم في بيت صغير و لكن متين قيل انه كان لتاجر يهودي أُجبر على ترك البلاد، و قد دفع اجرته ابو غازي . . كان البيت في محلة السفينة في الاعظمية، و يطل على نهر دجلة مباشرة في منطقة قَطْعٍ بُني بالاسمنت، تطل شبابيكه على ماء النهر مباشرة، و يقع جنب جسر الاعظمية القديم المشيّد على الدوَبْ (جمع دوبة) و كان لايسمح بمرور السيارات و يُسمح فقط بمرور العربات التي تجرها الخيول (الربل)، التي يحدث مرورها ضجيج متتالي " بلم بلم بلم . . " . .
بعد شهور و بعد ان هدأت الخواطر، بادرت اخت محمد بزيارة العروسين صحبة صديقتها و نحن الصغار الذين اصابتنا الرهبة من بيت تصل مياه النهر العملاق الى مترين تحت جدار النافذة، و كنا ننظر بتساؤلات على الضحك العالي لمريم التي لاتعرف الخجل بحضورنا و على قدر عقولنا، و هي تشرح للضيوف عن ملابسها الداخلية الحمراء الممزقة المنشورة على الحبال لتجف قائلة :
ـ هههههههههههههههه هو محمد مايعرف يؤدي واجبه الاّ بعد تمزيق الملابس ههههههه. المهم الان استقلينا عن اهلي اللي كنت اخجل من النظر الى وجوههم و انا اخرج من غرفتنا كل صباح !!
و لم انسى الخوف و الرعب الذي اجتاحنا خلال زيارة اهلي و نحن الاطفال بصحبتهم، ايام الفيضان بعد ان قلقت العائلة على محمد و مريم و خافت عليهم من اجتياح المياه لبيتهم، خاصة بعد تصدّع سدة ناظم باشا الترابية وتدفق الماء مرعباً في منطقة الكسرة في الأعظمية و سُميّت المنطقة بـ " الكسرة"، و كان الماء مهدداً باجتياح المزيد من الأراضي المزروعة التي كانت تشكّل حزاما اخضرا حول بغداد اضافة الى البيوت والشوارع . . كان بيت محمد و مريم صامداً صموداً هادئاً . .
في وقت شهدت فيه الأعظمية، اثراء اشخاص و انكسار و فقر آخرين، بسبب معاملات حجز المياه و التموين و النقل و الادوية، والصراع بين الأخلاص والنزاهة والطمع في وقت تفشي الأمراض المعدية . .
و ظهرت حوادث لم تشهدها قبلاً، تزايد اللصوص و تكونت عصابات اختطاف الاطفال و ازداد ظهور الغرباء من غجر و كاولية و افغان، و قُتل ابراهيم العمر الموظف في التفتيش القضائي و ضاعت زوجته و طفله، اختفاء لطوّفي كاكا و نهب محله الفاخر، انفضاح رجال الأمن السريين و صاروا معروفين و كانت اعدادهم كبيرة . . و بقيت مقرات الجمعيات الخيرية و الجوامع تعمل ليل نهار و انتشرت البيانات السياسية التي تدعو الناس للتلاحم لإنقاذ بغداد . . (يتبع)

3 /10 /2021 ، مهند البراك






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن بيان سماحة المرجع الاعلى حول الانتخابات
- ذكريات طفولة .1.
- الانتخابات: التشرينيّون و صراع الميليشيات .2.
- الانتخابات: التشرينيّون و صراع الميليشيات .1.
- المناضل الكبير كاظم حبيب . . وداعاً !
- افغانستان و تغيّر الستراتيجية الاميركية .2.
- افغانستان و تغيّر الستراتيجية الاميركية .1.
- التغيير: روح الدستور، مطالبات تشرين !
- من اجل بقاء العراق موحداً .3.
- من اجل بقاء العراق موحداً .2.
- من اجل بقاء العراق موحداً .1.
- الإنتخابات، مخاطر توحّد الفساد و الإرهابيين ! .2.
- الإنتخابات، مخاطر توحّد الفساد و الإرهابيين ! 1
- عندما يكذب الحكام !
- عندما يكون الفساد حاكماً !
- البابا يدعو لمطالب تشرين !
- في ذكرى 8 شباط الاسود .2.
- في ذكرى 8 شباط الاسود .1.
- لا نهوض دون الكهرباء! 2
- لا نهوض دون الكهرباء ـ1ـ


المزيد.....




- عالم مصريات: القاهرة طالبت بعودة رأس نفرتيتي وألمانيا رفضت ب ...
- البيجيدي يطلب رأي مجلس المنافسة حول احترام شروط التنافس في س ...
- لم أضغط على الزناد.. أول تصريحات أليك بالدوين بعد مقتل مديرة ...
- التقدم والاشتراكية يؤخر مؤتمره ومطالب بعودة بن عبد الله إلى ...
- وزير الخارجية الروسية يحل بمراكش
- أبو ظبي: انطلاق برنامج الشعر النبطي «شاعر المليون»
- تجاوزات عواطف حيار تغضب موظفي وزارة التضامن..
- مكتبة قطر الوطنية تحتفي بمرور 880 عاما على ميلاد الشاعر الأذ ...
- مصر.. ضبط خمور مهربة بمليوني جنيه في ملهى ليلي يمتلكه فنان ك ...
- بعد سرقتها قبل 30 عاما.. لوح جلجامش وقطع أثرية أخرى تعود إلى ...


المزيد.....

- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم
- أحاديث اليوم الآخر / نايف سلوم
- ديوان الأفكار / نايف سلوم
- مقالات في نقد الأدب / نايف سلوم
- أعلم أني سأموت منتحرا أو مقتولا / السعيد عبدالغني
- الحب في شرق المتوسط- بغددة- سلالم القرّاص- / لمى محمد
- لمسة على الاحتفال، وقصائد أخرى / دانييل بولانجي - ترجمة: مبارك وساط
- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات طفولة .2.