أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات طفولة .3.















المزيد.....


ذكريات طفولة .3.


مهند البراك

الحوار المتمدن-العدد: 7040 - 2021 / 10 / 7 - 18:53
المحور: الادب والفن
    


في مضيف ابو الهيل الكائن بين البساتين ، صاح عبد الإله :
ـ آس !! . . ياكل !!
فكشف اللاعبون اوراقهم معلنين عن خسارتهم ، و صاح سعدون بضحك :
ـ اهـ هـ هـ هـ ها . . و . . و . . و . . بغدادي و ما يتأمّن !!
و غلبت بذلك جماعة بغداد المكوّنة من جلال ابن الأغا ، ميرزا ، الموسيقي باسيان اضافة الى عبد الإله
و استمروا بالشرب على انغام المذياع الذي كان يبثّ اغنية " رباعيات الخيام " التي غنتها ام كلثوم
و جعلتهم يدندنون معها . .
فما اطال النوم عمراً ولا قصّر في الأعمار طول السهر
ثم انصتوا لسماع جلال ابن الأغا الذي صعدت رغبته اسرع من العادة بتنفيس المكبوت، فانطلق باغنيته المفضلة واقفاً عند باب المضيف و هو ينظر الى جهة خيام الغجر . . التي بان قسم منها من بين الأشجار المحيطة :
" بغدادي و ما يتأمّن . .
و شلون حالي و شلون . .
سليماني و لافركاهم
عسى ما خيّبونا
.... خايب يا كلبي خايب على فراك الحبايب . .
فبعد انتهاء لعبة الورق الختامية ، كانوا يخرجون في العادة من المضيف الذي يحميه و يخدمه عدد من ابناء العشيرة ، ليستمتعوا بنسائم الصيف الليلية المنعشة بالقرب من النهر، و ليذهبوا الى السرادق المنصوب بمناسبة لقائهم، لتناول السمك المسكوف.
وفي نزهاتهم تلك صادفوا اكثر من مرة سماع اغنية بصوت نسائي جميل على انغام ربابة ، كان يأتي من مضارب الغجر . . وفي ذلك المساء سمعوا و هم منتشين نشوة زاد من حدتها الخمر . .
ام عيون حراّكه
كلي شو كت نتلاكه
فدوه رحت لعيونج .. خايف لايحسدونج
فردّوا جميعاً بصوت واحد وحّده السّكر و الطرب :
عيني و يابه عالهوى و اصحابه ..
كوليلي يا هالسمره . . نتلاكه ولو مرّة . .
واستمر الغناء و الطرب المتبادل بينهم و بين الغجرية على الضوء المتلامع للنيران التي كانوا يشوون السمك عليها والذي كان ينعكس على سرادقهم ذي الفوانيس . . و قابلته النيران التي ازدادت تأججاً عند مضارب الغجر. ثم انطلقت معها اصوات نقر الدفوف و الصنوج و اغاني الغجر التي شجّعت غجرية انطلقت بالرقص بملابسها الملوّنة المتلامعة تحت ضوء القمر و ضوء تلك النيران . .
. . .
. . .
مع ضوء الفجر تثائب عبد الإله وتمطىّ قبل خروجه من خيمة الغجرية التي رقصت ، و توجه الى خيمة من خيام الغجريات ، ووقف عندها يصيح على سعدون :
ـ يا الله يا افندينا . . صار الصبح !
وكرر بتمطيّ :
ـ صار الصبح . . يا سيدي !
ولم ينقطع صياحه حتى خرج سعدون من الخيمة و هو يعدّل شعره المنفوش . . ويربط حزامه جيداً و يضحك و يقهقه :
ـ شنو ؟ مستعجل ؟ ! بنت الأوادم . . كانت مثل الذئبة الجائعة، كسّرتني . .
ـ اعطيتها المقسوم ؟ لو لا . . ؟ ؟
ـ طبعاً يا معوّد . . و للصبح !!
ـ ها ها ها . . ها ها هاي .
كان مضيف عبد المجيد بك ابو الهيل . . يقع في بستان اشجار البرتقال والحمضيات النامية تحت ظلال النخيل، مطلاً على نهر الفرات عند سدّة الهندية ، حيث بنى عبد المجيد بك بعيداً عن الأعين مضيفه الذي كان كالنادي ، و الذي كانوا يجتمعون فيه للعب القمار في نهايات الأسبوع. و كانت اللعبات تجري بين جماعته المكونة منه و من اخيه المعمم (اللابس الكشيدة بين حين و آخر الذي كان يقطع حلقة اللعب ليصلّي)، اضافة الى المحامي عبد المحسن و الملازم سعدون المتنقّل بين الجماعتين في اللعب و كان ينوب عنه عند غيابه ابن عمه مزهر . . و الجماعة القادمة من بغداد. و هو المكان الذي عُقدت فيه الصفقات التجارية بين الجماعتين من جهة و ضيوفهم الذين كانوا يُدعَون للشرب و لأكل السمك المسكوف و للهو مع الغجر في مضاربهم شبه الدائمة هناك . . في ايام الأسبوع .
ورث عبد الإله ، الأبن البكر لأبيه ، ثروة كبيرة بعد ان اضيف اليها التعويض المقرر عن استملاك الحكومة لقسم كبير من الأراضي المزروعة و المراعي المطلة على مصب نهر ديالى بنهر دجلة، العائدة للعشيرة، بعد ان احتفظ بقطعة ارض غنية بمحصولها، اشتغل فيها و زرعها و عمّرها ابناء عمه الذين كان هو ينظّم لهم دخلها و توزيعه و يحتفظ بالقسم الأكبر كدخل شهري له و لأخوانه القصّر .
بعد ان استطاع ان يضمن له حصة محترمة من تركة ابيه و امه عن طريق دائرة تسوية الأراضي التي استطاع ان يتعيّن موظفا فيها بدعم اصدقاء له . . لأجادته القراءة والكتابة الملائية من جهة و لأعتمادهم عليه في تسوية الأراضي و المنازعات على الأراضي الزراعية لصالح عشائرهم ، و امّنوا حمايته سواء كان ذلك مالياً او قانونياً بدفعهم بسخاء للمحامين الذين احتاجهم لأتمام ذلك .
كان طويل القامة، ذا عينين مستديرتين و وجه جاد، واشتهر بكونه لاعب بوكر ماهر، و له شلّة نشيطة من لاعبين و من اشقياء اعتاشوا على مواخير الشرب و البوكر و الغواني . . بعضهم كان يعيش في بيوت محظيات وممن يحيين ليالي الطرب الساهرة حتى الفجر . . كان مغامراً و عنيفاً بلا حدود ان غضب، ولم يستطع احد ان يقف بوجهه او يحدّ من طيشه و هو يبذّر اموال العائلة و اموال اخوته الذين كان وصياً عليهم لعدم اكمالهم السنّ القانونية . .
و قد ضيّع قسماً كبيراً من ثروته تلك بصرفها على النساء واقامة الحفلات الليلية الساهرة في بيوت فارهة مغلقة، و بلعب القمار والسفر الى الشام و لبنان للمتعة و للترويح عن النفس و الأصطياف ، في زمان لم يكن فيه السفر امراً عاديّاً و لامأموناً . . الى ان استطاعت خالته القويّة " راجحة " ان تحدّ من نزواته ، بعد ان وصل اليها خبر خسارته الخان الذي ورثه هو و اخوانه اليتامى القصّر عن ابيهم ، في القمار . حيث تحدّثت معه بصرامة و هددته تهديداً مخيفاً بان العائلة ستتبرأ منه وسيبقى كالكلب السائب وحيداً ان واصل سلوكه الشائن ذلك في تبذير اموال اليتامى على موائد القمار و في احضان الغانيات .
واقترحت عليه بكلام اعتبره الحاضرون من الأهل و كأنه امراً، لما تمتعت به من هيبة و قوة ، نبعت من شجاعتها و عدم تهيبها من احد في قول الحق، الذي زاد من مكانتها الأجتماعية ، التي حققتها كقارئة مواليد معروفة ، في عوائلهم و مناطق سكناهم في محلة " خضر الياس " في الكرخ القديمة و المناطق المجاورة لمناطقهم ، وكانت الوحيدة من العائلة التي لاتخشاه ، بل كان هو الذي يهابها لسبب لم يُعرف، و قيل انه كان يخاف منها لأنقاذها حياته مرتين في طفولته، و كشفت مواقع ضعفه في ظروف مرعبة مرّت بها المحلة و اهاليها.
احداها في طفولته حين كاد يغرق في الساقية القريبة من سكنهم، والثانية حين انقذته من الأختناق و هو صبي في حريق كبير لفّ المحلة و هددها بالفناء، حيث شبّت النيران في مخازن الحبوب المجاورة، و كادت تلتهم المحلة كلّها . . حين ضربته ليتحرك وادخلت الرعب في قلبه بعينيها النافذتين ذات البريق المرعب، و بوجهها المشدود المزموم الشفتين، ضربته كي يطيعها بسحبها ايّاه، وهو يصرّخ و يرفّس . . ومنذ ذلك الحين كانت حينما تعبّس و تتحدث بجد موجهة كلامها اليه، يترائى له وجهها المشدود المزموم الشفتين ، وكأنه وجه من وجوه عزرائيل القادم ليقبض على روحه و يقتله . . فيرتجف و لايجسر ان ينظر في عينيها .
قالت له بوجه عابس يتذكّره جيداً، امام جمع من الأهل :
ـ عبد الإله !! هل نسيت عندما جئت الىّ تبكي لشعورك بسبب رعبك لوفاة والدك الذي مات الله يرحمه من الحزن الشديد على والدتك التي رحلت قبله بشهور . . حين قلت لي بملئ فمك " خاله . . لقد ضعنا . . امسينا انا و اخوتي بلا بيت " ، وقلت لك لاتبتأس ابني انا في مكان المرحومة امكّ ، و بكيتَ انت من الفرح وصحتَ " صحيح صحيح ؟ ؟ من اليوم انتِ اميّ وسأكون ابنك المطيع دوماً " وقلتُ لك احلف بالقرآن امامي بذلك ، و حَلَفتَ . . . صحيح ام لا ؟؟
قال و هو ينظر في الأرض مبتعداً عن نظراتها، و بعد سكوت :
ـ صحيح !
ـ اذن اسمع لاحل لك سوى ان تتزوّج ، واخترت اليك خير عروس في اخلاقها و وفائها . . سأزوّجك ابنتي لأوفي بواجبي نحو امك وابيك و اخوانك ، وسأكون انا المسؤولة عن البيت . .
ـ . . .
غضبت لسكوته و نظرت اليه بعينين قاسيتين و بوجهها المشدود الذي كان يثير الرعب في قلبه ، و قالت :
ـ ويلك !! جاوبني بصوت عالي امام الجميع . . لاحل آخر هناك ، انت تضيع في النزول (جمع نِزِلْ) و المسافرخانات و على اقدام العاهرات، و الصغار اليتامى اخوانك يضيعون في بيوت اعمامك و خالاتك ! . . جاوب !!
رفع عينيه في محاولة يائسة لمواجهة نظرتها تلك ، الاّ انه حوّلها عنها لعدم استطاعته مواجهتها ، ونظر الى الأرض و قال :
ـ انا موافق !!
ـ حسناً ابني ، ستكون انت رجل البيت !
تزوّج عبد الإله ابنة خالته الكبرى رسمية، و انتقل الجميع ، عبد الإله و اخوانه اليتامى و عروسه و اخواتها وامها ، من " محلة خضر الياس" في الكرخ الى البيت الكبير الكائن في محلة " الفضل " في جانب الرصافة من بغداد، الذي ورثته الخالة راجحة من زوجها المتوفي. و كان البيت يقع في المنعطف الأخير لزقاق جامع محمد الفضل في محلة الفضل في الرصافة، الزقاق المتعرّج البادئ و المار بباب الجامع من جهة شارع غازي الذي صار اسمه شارع الكفاح، المفضي الى ازّقة متعددة تنفتح على ازقة محلتي السور و الميدان .
وكان الدخول الى المحلة يبدأ بزقاق ضيّق وسط بيوت وشناشيل بغدادية قديمة لم تنقطع مياه الصرف الصحي الوسخة عن الجريان في ساقيته الوسطية والتي تصبّ نازلة بخرير مسموع الى ساقية الشارع العام . . شارع الملك غازي، الموصل باب المعظم بالباب الشرقي .
بقيت ليلة دخلة عبدالاله على زوجته، مرتسمة بشكل مخيف في خياله، و يبدو ان ماقالته الصانعة ابنة قمرية الغسالة عن تلك الليلة كان صحيحاً، حيث قالت :
ـ اعددت قهوة ثقيلة و حملتها للعرسان كما امرتني الآنّه ( الجدة بالتركية) و اغلقت الباب بعد ان خرجت، و شاهدت الآنّه جالسة في الظلمة قرب الباب . . و بعد فترة رأيتها تنظر من ثقب الباب و هي تصيح :
ـ ليس هكذا . . ولك حيوان بهدوء و على كيفك مو راح تقتل الصبية !!
ـ ارفع !! ادخل ادخل دخّل هسه . . ادفع حيوان !!
وكانت تلك الذاكرة تسبب له اضطراباً يؤدي به الى عدم القدرة على مواصلة الوقاع بسبب العنّة التي كانت تصيبه مع كل انثى جديدة يقابلها لأول مرة، او يشعر بأنه مُجبَر عليها، و بالعكس فانه يحسّ بالهياج الشديد ان شعر هي التي مجبرة عليه، و انه هو المنتصر !! هكذا كان يفكّر . . و كان الغواني يفسّرنه بأنه (الادمان علينا، و هو نوع من الادمانات) !!
. . .
. . .
مرّت السنين و رزق عبد الإله ببنين و بنات ، و تزوّجت اخوات زوجته رسمية و سكّن في بيوت تقع في محلات اخرى من بغداد، و بقيت الخالة راجحة و اخوه الصبي " رحيم " بعد وفاة اخوين من القصّر احدهما بالكوليرا و الثاني بالتيفوئيد و بعد تبني الخالة الوسطى و الصغرى للأخوين الآخرين ليعيشا في بيتيهما مع اطفالهما . . عاشت الخالة راجحة على حصتها الشهرية من عائد الحمّام الذي اورثه ابوها لأخوانها و لها، و عاش عبد الإله و عائلته على راتبه الشهري و على ماتدرّه الأرض المتبقية من الورث الذي كان يصرف منه على اخوته . و لم يعرف احد موارده الأخرى الكبيرة من عوائد تسوية الأراضي التي كان يصرفها له ملاكو ارض كبار، الذين كان يعمل لهم كوكيلهم في سراي الحكومة .
. . .
. . .
ورغم كونه رجل البيت و مسؤوليته عن عائلة كبيرة منها عائلته هو ، زوجته و بناته و ابنائه، استمر عبد الإله بخفاء محكم على لعب البوكر، و على تكوين حلقات جديدة فيه ، واستمر على السهر على موائد القمار . . التي كانت تستنفذ مدخوله الشهري من وظيفته. في زمن شاعت فيه العاب الحظ و قراءة الفنجان و اعمال العرّافات . . و شاعت فيه بطاقات سباق الخيل و اليانصيب و العاب الورق ، التي اشتهرت منها لعبة البوكر و البقرة التي اعتبرها عبد الإله . . محاولة للحصول على اعلى الأرباح كمورد بجهد الفرد و حظّه و تطويع الحظّ سواءً بالخديعة او التهديد ، و سعى بدأب على تشكيله الشلل و التعاون مع شلل اخرى لتحقيق الأرباح و تجنب الخسارة . .
وتكونت حلقة لاعبين شبه ثابته تكوّنت من جلال ابن الأغا ، ميرزا ، الموسيقي باسيان اضافة الى عبد الإله، و اخذوا يفوزون بلعب الورق بشكل شبه مستمر، جمعتهم القرابة و الصداقة و المصالح اليومية والوظيفية، والأسرار في ممارسة الممنوعات ، التي مارسها رجال من عوائل شكّلت قسماً واضحاً من وجوه عوائل المجتمع البغدادي آنذاك . . من ملاكي الأرض و موظفي الحكومة و رجال في الشرطة والجيش ، فيما شاعت عادات عدد كبير من موظفي بغداد ان يلتقوا كل شهر عند استلام الراتب، للعب و اللهو و ارتياد دور البغاء .
و قد اعتادت عائلة عبد الأله على غيابه عن البيت لأسابيع بين اونة و اخرى ، لسفره الى " الهندية " و قضائه اياماً هناك ، لإدارة اعماله و عقد " صفقات تجارية " كما كان يقول . . و كان في العادة يعود محملاً بالفواكه و الخضر من الهندية و بحلوى التمر المضغوط و المطعّم بالجوز و اللوز من كربلاء هدايا للصغار الجدد ، بعد ان كبر و شبّ اخوه رحيّم الساكن في بيته وشبّ ابناؤه هو ، حيث صار رحيّم معلما في بعقوبة بعد ان تخرّج من دار المعلمين الريفية ... مجسدا طموحه بالأستقلال عن اخيه. و صار ابنه يقظان طالباً في الثانوية و صديقاً لأخيه الصغير صلاح . .
. . . .
. . . .
و بالحقيقة لم تكن تلك " الصفقات التجارية " سوى اتفاقات على اعداد بيانات بملكية الأرض و تثبيت عائديتها لأفخاذ و عشائر، كان يعدّها المحامي عبد المحسن من خلال علاقاته بمحامين و موظفين كبار في اسطنبول حيث كانت تأتي مختومة و مصدّقة من الدوائر العثمانية مقابل عمولات و هدايا، و كان يثبّتها عبد الإله في دائرة تسوية الأراضي في بغداد بهدايا و رشاوي، في الوقت الذي كان فيه الضابط سعدون يهدد من لايوافق من الملاكين الصغار بالقتل او بحرق الدار و سبي النساء، عاملاً على إثارة الضغائن و الأحقاد و الثارات القديمة، مستنداً الى ابناء عشيرته وخاصة على ابن عمه مزهر الذي ذاع صيته بالشجاعة و الكرم من جهة ، و بالأنتقام العنيف الذي لم يعرف الرحمة، تجاه من لم يمتثل لما يريد و فق مشيئة شيوخ العشيرة، (الذين يحمون البلاد من الأنكريز) ، و (لكي لاتقع الأرض بايدي المحتلين الكفار) كما كان يردد .
اشتهر مزهر الذي غزا الشيب رأسه مبكراً ، بشجاعته منذ صباه و سمي باسم " مزهر ابن وجيهة " . . وجيهة الأم الشجاعة التي تجيد الرمي و اصابة الاهداف و حملت بندقية زوجها الضابط العثماني، لمقاتلة الأنكليز اثر مقتله برصاصهم في معركة " كوت الإمارة " الشهيرة في جنوب العراق، بعد ان غاب اخواها في معارك البلقان . . و هي الشاعرة التي اشتهرت بقتل ذئبين، عُلّقا على حائط غرفة الضيوف بعد تحنيطهما.
وعرف عن مزهر رحمته و عطفه على فقراء الفلاحين و على عموم المحرومين من اية قومية كانوا، شرط ان لايكشفوا عطفه عليهم، ويغضبوا الشيوخ، و خاصة الأكثر شدة منهم تجاه فقراء الفلاحين . . عشق ابنة خاله سالمة، التي نذرتها امها وقفاً لسيّد معمم من آل البيت، و سبب ذلك له الماً ممضاً دام طويلاً . .
بعد قتاله و ربعه من العشيرة، العشيرة الجارة من اجل الماء الضروري لسقي مزروعاتهم و سقي مزارع ابو الهيل، اكتشف ان ابو الهيل كان على علاقة قوية بالأنكليز عن طريق الاقطاعي الكبير الشيخ بلاسم صديقه الحميم من ايام سفره الى لندن، عندما استنجد به لمواجهة الفلاحين الثائرين المطالبين بحقوقهم اثر الجفاف الذي اصاب الأرض في ذلك العام . . فأخذ مزهر يعيد النظر بمواقفه و يرى عدالة مطالب الفلاحين الفقراء . .
و تحوّلت ثورة الفلاحين تلك الى ثورة ضد حكومة نوري السعيد و طاقمه، التي واجهتها بالرصاص و بقصف الطائرات و ادّت الى سقوط مئات الفلاحين قتلى و جرحى، و لم يتمكن من اخمادها، و لم تستطع الشرطة السيارة ايقافهم عند حدّهم، بل تقهقرت بعد ان تكبدت بخسائر كبيرة بالأرواح و المعدات . . و وصل الأمر الى قصف الطائرات البريطانية لقرى الفرات، بعد ان انتشرت الإنتفاضة الى مناطق الغراف و الحي . .
و اخيراً تمكنت السلطات بوضع كل القوات المسلحة تحت اقصى حالات الإنذار و ساقت كل ماممكن سوقه و بدعم القوات البريطانية لإخماد الإنتفاضة باسرع ماممكن و بكل الطرق الممكنة و الوحشية و اللاأخلاقية، و هي خائفة من تجدد انتفاضة كردستان . . و القي القبض على آلاف العوائل الفلاحية و العشائرية و عوملوا بكل الاساليب الدنيئة . .
و عند جلب مزهر و عشرات الفلاحين و هم مكبلين بالسلاسل للتحقيق في محكمة الحلة، بعد ان تم نقلهم من سجن نقرة السلمان، الى موقف سجن الحلة الواقع في السراي . . اندلعت انتفاضة نساء الفرات بتحريض و قيادة والدة مزهر " وجيهة الشاعرة " و وصلن الى سرايا الحكومة، و واجهتهم وحدات من الخيّالة و وحدات خاصة بملابس لأول مرة تظهر و واجهنهن بقنابل الغاز المسيّل للدموع و بأخامص البنادق حتى اصيبت الخالة وجيهة و رفيقاتها بوجههن و لم ينقطع نزيف الخالة وجيهة و استمريّن مطالبات باطلاق سراح ابنائهن و ازواجهن و ابنائهن و ادخالهن الى قاعة المحكمة . . و سمحت السلطات البريطانية بمكالمات لاسلكية سريعة بادخالهن الى قاعة المحكمة و اسعافهن كي (لا تموت احداهن و تزداد الانتفاضة استعاراً) . . كان ذلك يجري و وثبة كانون 1948 كانت ملتهبة على اشدّها . .
حُكم على مزهر ابن وجيهة بالسجن المؤبد بتهمة ( قتل شرطة و مدنيين ابرياء و العبث بأمن الدولة) و العفو عن والدته التي أعتبر وجودها بالمحكمة كتوقيف لها يُسجّل في ملفّها الأمني. و سُجن مزهر انفرادياً و سيق الى سجن نكرة السلمان لقضاء محكوميته . .
و طول الطريق كان يُفكّر و يردد مع نفسه، انه رغم المعركة العنيفة التي حصلت مع عشيرة ابو الهيل التي تكشّف فيها من هم الشجعان و من هم الخونة الجبناء و المتواطئون مع الحكومة و الانكريز، اكتشف ان هناك قوى متنوعة منظّمة تقاتل الأنكليز، و اخذ يبكي بصمت و هو يتذكّر مقتل زوجته التي بنت له حبّاً لم يحلم به، و هام بها . . كيف قتلوها و هم يعلمون بغيابه، اثناء هجوم الشرطة بالرصاص و دون انذار، على بيته في القرية ؟؟ . .
كسبه سياسيون في المعتقل المؤبد . . و بقي يتذكّر فلاحاً شاباً منهم اسمه كاظم الجاسم الذي سحره بشجاعته و ماروي عنه من مواقف بطولية، و بقي يتذكّره و يتذكّر حججه في الجلسات معه عن الفلاحين الفقراء و عن ثورة اكتوبر، التي حققت مطالب اوسع كادحي روسيا الكبرى في نهاية الحرب العالمية الاولى و كانت جيوشها القيصرية قد وصلت الى خانقين و رواندوز التي دافع اهلها الشجعان ببطولة عن المدينة و افنيت كتيبة خيالة روسية كاملة بسقوطها في هاوية احد القطوع الجبلية الرهيبة المحيطة بالمدينة التي منذ ذاك سميّت تلك الهاوية بـ (وادي الموت) ، و كيف راسل قادة ثورة العشرين في البلاد قائدها (ايلين) و نقاشاتهم مع مبعوثيه ، و اكتشف ان الشيوعيين و دعاة القومية العربية و الكردية التحررية موجودون فعلاً و يناضل الجميع من اجل الخبز و الحرية و حقوق الفلاحين الفقراء، و تعرف و اختلط مع وجوه مدين الحلة و بغداد و كل مدن العراق و اشترك في الصفوف الثقافية التي كان ينظمها الشيوعيون في السجن الكبير . . ليصبح مزهر آخر بمعارفه و ثقافته ! ( يتبع)

7 /10 / 2021 ، مهند البراك






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكريات طفولة .2.
- عن بيان سماحة المرجع الاعلى حول الانتخابات
- ذكريات طفولة .1.
- الانتخابات: التشرينيّون و صراع الميليشيات .2.
- الانتخابات: التشرينيّون و صراع الميليشيات .1.
- المناضل الكبير كاظم حبيب . . وداعاً !
- افغانستان و تغيّر الستراتيجية الاميركية .2.
- افغانستان و تغيّر الستراتيجية الاميركية .1.
- التغيير: روح الدستور، مطالبات تشرين !
- من اجل بقاء العراق موحداً .3.
- من اجل بقاء العراق موحداً .2.
- من اجل بقاء العراق موحداً .1.
- الإنتخابات، مخاطر توحّد الفساد و الإرهابيين ! .2.
- الإنتخابات، مخاطر توحّد الفساد و الإرهابيين ! 1
- عندما يكذب الحكام !
- عندما يكون الفساد حاكماً !
- البابا يدعو لمطالب تشرين !
- في ذكرى 8 شباط الاسود .2.
- في ذكرى 8 شباط الاسود .1.
- لا نهوض دون الكهرباء! 2


المزيد.....




- عالم مصريات: القاهرة طالبت بعودة رأس نفرتيتي وألمانيا رفضت ب ...
- البيجيدي يطلب رأي مجلس المنافسة حول احترام شروط التنافس في س ...
- لم أضغط على الزناد.. أول تصريحات أليك بالدوين بعد مقتل مديرة ...
- التقدم والاشتراكية يؤخر مؤتمره ومطالب بعودة بن عبد الله إلى ...
- وزير الخارجية الروسية يحل بمراكش
- أبو ظبي: انطلاق برنامج الشعر النبطي «شاعر المليون»
- تجاوزات عواطف حيار تغضب موظفي وزارة التضامن..
- مكتبة قطر الوطنية تحتفي بمرور 880 عاما على ميلاد الشاعر الأذ ...
- مصر.. ضبط خمور مهربة بمليوني جنيه في ملهى ليلي يمتلكه فنان ك ...
- بعد سرقتها قبل 30 عاما.. لوح جلجامش وقطع أثرية أخرى تعود إلى ...


المزيد.....

- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم
- أحاديث اليوم الآخر / نايف سلوم
- ديوان الأفكار / نايف سلوم
- مقالات في نقد الأدب / نايف سلوم
- أعلم أني سأموت منتحرا أو مقتولا / السعيد عبدالغني
- الحب في شرق المتوسط- بغددة- سلالم القرّاص- / لمى محمد
- لمسة على الاحتفال، وقصائد أخرى / دانييل بولانجي - ترجمة: مبارك وساط
- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند البراك - ذكريات طفولة .3.