أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - كميل الدراسات (كتاب)















المزيد.....



كميل الدراسات (كتاب)


رائد الحواري

الحوار المتمدن-العدد: 6782 - 2021 / 1 / 8 - 12:06
المحور: الادب والفن
    


تقديم
فراس حج محمد
تنتابني حالة من الارتباك والضياع في كلّ مرة أكتب فيها عن كاتب أسير، أو كتابِ أسير، والآن تزداد الحالة وضوحا إذ إنني أكتب عن كتاب يتناول إبداعات أحد كتابنا الأسرى الأكثر إنتاجا والأخصب عطاء، وهو عطاء ممتد في حقول الرواية والشعر والرسالة والمقالة السياسية والمقال النقدي.
لم أعرف الكاتب كميل أبو حنيش خارج المعتقل، بل إلى الآن لم نلتق وجها لوجه، وإن نتبادل الاتصالات كثيرا، يحدثني وأحدثه في قضايا متعددة، كتبت في رواية كميل "مريم/ مريام" أربع مقالات، كانت رواية محفزة للقراءة والكتابة، ويدور حوار بيننا على الهاتف حولها وحول قصائده. قصائد كميل مربكة وليست سهلة، ذات حمولة معرفية وثقافية متنوعة، وروايته تتحرك في ذلك الفضاء المفترض من حياة فلسطين التاريخية، وحياة الأسير الفلسطيني، وأما رسائله ففيها الكثير من الوجع الإنساني الحاد، وأما مقالاته السياسية التحليلية فترى ما يراه الآخرون، ذات بعد نظر ثاقب، وأخيرا تتمتع مقالات كميل النقدية بمساحة تحليلية للعمل الأدبي، محاورا وكاشفا ومعللا، يسبغ عليها حمولته الثقافية، لتكون أمام كاتب مثقف ومتنور وطليعي، غير مهادن، ولكنه أيضا عقلي ينماز بالعمق والتبحر والتبصر المعرفي.
في هذه المقالات التي كتبها الكاتب الطليعي النشيط والمثابر والمثقف رائد الحواري، يجوس فيها عتمة السجن، ويستجلي نور الفكرة والبصرة التي ربما بحكم وضع وسياق سياسي صعب لم تظهر جلية للقارئ، تأتي إضاءات الكاتب رائد التحليلية كاشفة، وكم هي مهمة صعبة أن تكتب مقالة نقدية في إبداع كاتب متمرس كالكاتب كميل أبو حنيش، إذ يعترف إدوارد سعيد مثلا أن المقالة الأدبية غير كافية في إعطاء العمل الأدبي حقه، ولا تغني عن قراءة ذلك العمل.
ربما استطاع الكاتب رائد أن يقرّب النصوص الكميلية إلى القارئ، بحكم ما يتمتع به من دُربة ومران على قراءة الأعمال الأدبية، أهلته ليستطيع التفريق بين عمل وعمل من الناحية الفنية، ومفاتيح كل عمل، وكذلك فكرته وفلسفته.
لعله من المفيد أن أقول إن الناقد في خدمة الكاتب، إن هذه المقولة مهمة في حالة كميل أبو حنيش والكتاب الأسرى عموما، هؤلاء الكتاب الذين لم يبخل عليهم الكاتب رائد الحواري بقراءة ما كتبوا، بل إن له بصمات لا تنسى في مجال المتابعة والقراءة، وكان من حصيلتها كتب متعددة تناولت إبداعات هؤلاء الأسرى. فكان أن نصّب نفسه لخدمة هذا الفرع من فروع الأدب الفلسطيني، وهو أدب السجون والمعتقلات، وعرّف بكتابات لم يتناولها إلا قليل من الأقلام بالرصد والتحليل.
يضيف هذا الكتاب لبنة جديدة أخرى من جهد الكاتب التحليلي، ويساهم مساهمة فعالة في إضاءة عوالم كاتب فلسطيني أسير، أصبح له مشروعه الأدبي الذي يعمل عليه بكامل الجهد والطاقة، فكل التقدير لهذا الجهد، مع تمنياتي للكاتب الأسير كميل أبو حنيش، والأسرى كافة، أن يمنّ الله عليهم بالتحرير القريب. إنه وليّ ذلك والقادر عليه.  
مقدمة
من حق الأسرى علينا أن نهتم بهم وبما قدموه ويقدمونه، فهم "الوجع الصارخ" الذي يؤلمنا، ومن حقنا أن نعتني بجرحنا حتى يشفى ويعود سليما، من هنا، نحن الفلسطينيين ما زلنا تحت الاحتلال، نقاوم، فيصفنا المحتل وأعوانه بالإرهابين وبالمخربين، لكن، هل يعقل أن يكون هذ المخرب/الارهابي أديبا؟، أو شاعرا؟، أو روائيا؟، بالتأكيد لا، فالأدباء والشعراء والروائيون يحملون مشاعر إنسانية مرهفة، حتى أنهم لا يقوون على خدش مشاعر حمامة، فكيف يوصفون بالإرهاب والتخريب؟.
من هناك، عندما يكون أسرانا كتابا وشعراء وأدباء فهذا ينفي تهمة الإرهاب عنهم، ويؤكد على إنسانيتهم ودورهم الطليعي في خدمة الأدب والحركة الثقافية ليس في فلسطين فحسب، بل في كل العالم أيضا. فلنا أن نفتخر بهم وبإنجازاتهم، وأقول بكل تجرد: "أن وجود هذا الكم والنوعية من الأدباء والكتاب في سجون الاحتلال، يعد ظاهرة فريدة على مستوى العالم، فعدد الكتاب والادباء الفلسطينيين في سجون الاحتلال في تزايد وارتفاع مطرد، وهذا يستدعي أن يتقدم الغرب المتباهي بمفاهيم العدالة والإنسانية، أن يتوقف عن وصف نضالنا الإرهاب، ومناضلينا بالإرهابيين، وعليه أن يعدل سلوكه ورؤيته بحيث تخدم فكرة العدالة والحرية والإنسانية التي ينادي بها وتنسجم معها.
"كميل أبو حنيش" من الأدباء الذين استطاعوا أن يخطوا طريقهم متجاوزين واقع السجن والجلاد، ليقدموا لنا أعملا أدبية متميزة، لا أبالغ أن قلت أن شعر "كميل أبو حنيش" تتدفق منه المشاعر الإنسانية، ويصلح ليكون مرافعة أمام أي جلاد على وجهة الأرض، وإذا أخذنا رسائله سنجدها أيضا مترعة بما هو إنساني، لهذا رغم أنه معتقل إلا أنه يتعاطف إنسانيا مع الجلاد، أما روايته، فاجزم أن رواية "الكبسولة" تعد من أهم الروايات التي كتبت في فلسطين على مدار عقد كامل، ورواية "مريم ميريام" فيها من فكر ما يوازي عشرات المجلدات.
هذه الدراسة تناولت ثلاث روايات للأسير وهي: وجع بلا قرار، الكبسولة، مريم ميريام، وسبع قصائد هي: قلم يكتبك، فتاة البرتقال، عمت صباحا، مملكة الحزن، لعلي أعود إليها، سر الشفاء من الحنين، صفا فؤادي، نجم شحيح الضوء، وهناك خمس رسائل، هي: "كعك العيد، الأبواب الزرقاء، لقد صرت أبا، القرص المربع، الانتظار الجميل" وقد استعنت بالعديد من الشواهد، إن كانت روايات أو قصائد أو رسائل، والهدف من هذا تقريب القارئ من أدب "كميل أبو حنيش" ليتعرف عليه مباشرة بعيدا عن وجهة نظري.
وقد بدأت الدراسة بالشعر، ثم بالرسائل وختمتها بالرواية، بالتأكيد هذه الدراسة غير وافية، لكنها، يمكن أن تفتح المجال أمام دارسين آخرين يهتمون بالأدب الفلسطيني أو أدب السجون ليتعمقوا أكثر من أدب "كميل أبو حنيش" ويتعرفوا على ابداعه.





















كميل أبو حنيش الدراسات

"قلم يَكْتُبك" "كمال أبو حنيش"

أثر الكتابة في قصيدة
"قلم يَكْتُبك"
"كمال أبو حنيش"
قلنا، أن المرأة والكتابة والطبيعة والثورة عناصر تخفف من وطأة الواقع على الكاتب/الشاعر، فيمكن للكاتب/للشاعر أن يستخدم كل هذه العناصر أو واحدا منها ليزيل ما علق به من تعب الحياة، "كميل أبو حنيش" رجل أسير في سجون الاحتلال، ومحكوم بالمؤبدات عدة، لكنه ما زال متشبثا بالحياة، رافضا كل من يدعي بأننا عشاق (موت) ونبحث عن حياة أخرى في العالم الآخر، سنجد في هذه القصيدة ألفاظا وكلمات تؤكد حرص الشاعر على التشبث بالحياة، وعلى السعي نحوها رغم جدران الزنزانة.
فاتحة أي نص أدبي مهمة، لأنها تعطي المتلقي صورة أولية عما يريد الكاتب/الشاعر تقديمه، كما أن للعنوان وقعا خاصا على القارئ، فالعنوان يثيرنا ويحفزنا على معرفة (الحالة) التي يريد تقديمها لنا، وهذا ما يجعلنا نتساءل: لماذا يكتبك القلم "قلم يَكْتُبك"؟ يجيبنا الشاعر مباشرة بقوله:
"أحْتَاج لأفق أرحب
مِنْ هَذَا الأفق
الْمَسْكُون بِزفَرَاتِ الأرق"
الحديث عن الظرف/المكان/الحالة التي يمر بها الشاعر يجعلنا نتأكد من وقع المكان والظرف عليه، والشاعر لا يكتفي بتناوله للألم الذي يثقل كاهله، بل يحدثنا عن هدفه/مبتغاه من التحرر من هذا المكان والظرف، يقول:
"لِكَيْ يَخْرج بُرْكان الْكَلِمَات
المتأججة بِجَوْفِي ...
أو حَتَّى انْطَلق كماء
يَتَبَخَّر تَحْتَ الشَّمْس
وَأمِضي مِثْل بَحَّار
يَتَكَاثَف فِي شَكْل سَحَابه ...
وأواصل سَيْري فِي الرّيح
وأمطر كَلِمَات تَرَوِّي
عَطَش الأشجار ...
ببستان الْقلب"
الشاعر يستخدم "الكلمات/الكتابة" كوسيلة للتحرر من واقعه وأيضا ليتقدم إلى الأمام، متجاوزا الزمن الذي توقف في الزنزانة، ومخترقا جدرانها، متناولا الطبيعة، من خلال حديثه عن الماء والسحاب والبخار، ثم نجده يربط بين الكتابة والطبيعة من خلال:
"وأمطر كَلِمَات تَرَوِّي
عَطَش الأشجار ...
ببستان الْقلب"
يستوقفنا الحديث عن الماء، فهو عنصر الطهارة والذي ينقلنا من حالة فكرية/إيمانية/عقائدية/روحية وجسدية إلى حالة أخرى، هكذا جاء في الديانات السماوية، فالمسيحي يتعمد بالماء، والمسلم يغتسل، وجاء في الملاحم والاساطير القديمة أن الوحوش تتأنسن عندما تستحم بالماء، وهذا ما حدث مع "انكيدو" في ملحمة جلجامش.
الملفت للنظر أن الشاعر لا يستخدم الماء لطهارته هو، بل يجعل من نفسه الماء الذي تحتاجه الطبيعة وما عليها من كائنات، فهو هنا يتماثل مع فاعلية الماء وأثره وحيوية، وما يستوقفنا أن الشاعر ذكر حالتين للماء "المطر والبخار/السحاب" بمعنى الغاز والسائل، ولم يتناول حالة التجمد/الجليد، لماذا؟، وهل لهذا الأمر علاقة بوجوده داخل الزنزانة؟ فلم يرد أن يزيد من ألمه، من الألم الذي هو فيه، فاستثنى الحالة الثالثة للماء؟. المقطع الثاني يحدثنا عن أثر الكتابة عليه وعلى الحياة، حتى يبدو لنا فعل الكتابة الفعل الوحيد المخلص للشاعر:
"يَعْني ..
أن تتهيأ لاستفراغ الألم
السَّاكِنَ فِي أحشائك
أو لِاِسْتِخْرَاج الذَّهب الْخَالِص
مِنْ بَيْن صُخُور"
فالأثر الذي يخلفه فعل الكتابة مزدوج، التخلص من الألم، والتقدم بفرح/بأمل من الحياة.
من هنا نجد الشاعر يعطي القلم صفات علوية، أعلى من المكانة العادية للبشر:
"الْقَلَم طَبِيب يكشِّفُ عَنْ عِلَّتِكَ ...
يسألكَ بِمَاذَا تَشْعر ؟ مِمَ تتألم
تَخْجل أن تَتَفَوَّه قُدام الْقَلَم" هذا كلام منطقي وينسجم مع فكرة الشاعر عن الكتابة وأداتها "القلم" لكنه يفاجئنا بالمقطع التالي عندما قال:
"بِكُلِّ مَشَاعِركَ فَلِلْقَلَم وَقَاحَة عَاهِرَةٍ
لَا تَخْجل فِي جَسِّ الأسرار
النَّائِمَة عَلَى الْجَسَد ...
وَفِي أعماق الرّوْح ...
ثَمَّة أشياء لَا نَكَشِّفُهَا
ونخاف بَأن يَفَضَّحهَا الْقَلَم الثَّرْثَار"
نتساءل: كيف حدث هذا الانقلاب عند الشاعر، وجعله يستخدم لفظ "عاهرة"؟ وما هي المقدمات، الدواعي لهذا الانقلاب؟ اعتقد أن استخدام فعل "يسألك" أعاد إلى العقل الباطن للشاعر فترة التحقيق وما فيها من تعذيب جسدي ونفسي، فجعله يستخدم لفظ "عاهرة" كردة فعل لا اراديه عن تلك الفترة المؤلمة التي مر بها.
كما أننا نجد في المقطع الأول ما يدعم ما قلنا من خلال استخدامه:
"مِمَ تتألم
تَخْجل أن تَتَفَوَّه"
فنجد الألم والامتناع عن التكلم/التفوه ما زالا حاضرين ومؤثرين في الشاعر، لهذا نجده يفقد اتزانه ويتفوه بلفظ "عاهرة وثرثار.
يقدمنا الشاعر أكثر من ألمه ووجعه وقهره من خلال قوله:
" الْقَلَمِ كَرَشَّاش
يَخْرجُ مِنْه رَصَّاص الْكَلِمَات
فإن لَمْ تَضْبطْ صَمَامَ أمانه
أن لَمْ نتَحْكمْ بالسبابة
مِنْ فَوْق زِنادِه
قَدْ يجرّح أو يرْدي
مَنْ أحببناهم يَوْمَاً"
يبدو كأننا في معركة، فهناك رصاص، ورشاش، وزناد، وسبابة" وكلها تعطي صورة الجندي في المعركة، فمن أين جاء بها الشاعر؟ ولها كلها علاقة بفعل "يسألك" السابق؟.
يستمر الشاعر في تقديم صورة القلم، حتى يبدو لنا كأنه إنسان حقيقي:
"الْقَلَم كَثَائِر ...
يَتَمَنْطَقُ بِحزام نَاسِف
وَيُهَاجِمُ بِالْكَلِمَات حُصونَ الأعداء
يَزْرَعُ ألغاماً فِي دَرْب
لُصُوص الأوطان ...
وَيَحْمِي عَذْرَاء عَلَى وَشْكِ الْفَضِّ
عَلَى أيدي الْمُغْتَصبيْن
يَحْرسُ أحلام الْمَسْحُوقَيْن
وَيُسَيِّجُ كَرْم الآمال
لئلا تَخْتَالُ بِهِ
قُطعان الدَّجَالِين"
وهنا يبدأ الشاعر بالتعاطي مع القلم ككائن حي، ويرفع من مكانته ليُوصله إلى مكان مقدس، حتى يبدو لنا كأنه يمجد هذا القلم الفاعل والمُحدث لكل هذا الخير ومزيل الفساد والمفسدين من الأرض:
"يا قَلَمَي يا كُلَّ الأشياء
أنقذني مِنْ نَفْسي
وَأكْتُبنّي فِي شَكْلِ قَصِيدَة
وَاُرْسمنّي فِي شَكْلِ حَمَّامه
وَاِجْعلنَّي كَالْزَّهْرَة تَتَفَتَّح
فِي آخر سَاعَات اللَّيْل
وَكَالْمَطَر الْهَاطِل فِي الأرض الْعَطْشَى"
فقد منح القلم/الكتابة الشاعر الهدوء والسكينة، حتى أنه تحرر وتخلص وتجاوز حالة الألم، وأخذ يتحدث عن فكرة البياض الكامل، مستخدما ألفاظ بيضاء: "يا قلمي، وأكتبني، شكل، قصيدة، وارسمني، حمامة، كالزهرة، تتفتح، كالمطر، الأرض" كل هذا يعطي مدلولا إلى أن الشاعر تحرر من واقعه ووقع الزنزانة وتفتحت روحه للحياة.
لكن قبل أن انهي أشير إلى استخدام الشاعر للماء/للمطر في خاتمة القصيدة، وكأنه أراد بها أن يؤكد على دورة الحياة الجديدة، وعلى أن هناك حالة ستحل عليه من خلال المطر/الماء الذي سيغتسل/يرتوى منه.
ملاحظة: القصيدة منشورة على صفحة شقيق الشاعر على الفيس بوك.











في قصيدة فتاة البرتقال كميل أبو حنيش

العشق المتقد
في قصيدة فتاة البرتقال
كميل أبو حنيش
البرتقال، أول رمز استخدمه الفلسطيني، ليشير إلى فلسطين، فكانت المجموعة القصصية لغسان كنفاني "أرض البرتقال الحزين" إشارة إلى هذا الرمز، وقد استخدمه العديد من الشعراء والأدباء قبل ان ينتقلوا إلى الزيتون واللوز، وها هو الشاعر "كميل أبو حنيش" يقربنا من جديد من البرتقال ، لكن بشكل جديد، ومن النادر أن يستخدم أديب/شاعر " فتاة البرتقال" وهذا ما يجعلنا نقول، أن كميل أبو حنيش" حتى في عنوان القصيدة أحدث تجديدا وتجاوز المألوف، يفتتح الشاعر القصيدة:
"وهتفتِ قائلةَ:
أحبُ البرتقال
وعندها الفيتُ فستاناً
تراءى في مخيلتي
تضّوع مسكَه في أريج ضحكتك الندية
فانبرى هذا الجمال من المحال
وشرعتُ أتلو ما تيسر في حضورك
سورة الأزهار تعبق
في بساتين الفضيلة
وقرأتُ سورة برتقال
وأنا المطلُ عليك
من علياء منفايَّ الطويل
ولا ألامس غير أحلامي الظليلة
فأشمُ رائحة الأريج يفوحُ من همسات صوتك"
فاتحة القصيدة جاءت بصوت المرأة، وهذا الصوت رغم أنه قليل الكلمات، إلا أن أثره في القصيدة يستمر حتى آخر حرف فيها، وليس المهم حجم القصيدة بقدر العوالم والآفاق التي يفتحها أمام الشاعر، فسيأخذنا إلى عشتار وعناة وتموز/البعل، وزوجة العزيز ويوسف، وانكيدو، وسيزيف والجنة، والطبيعة، الكلمة/الكتابة بمعنى أن كلمة "أحبك" الصادرة منها فجرت الشاعر عاطفيا، فتجاوز واقعه ليحلق في الفضاء.
فأثر "هتفت أحبك" جاء من خلال الألفاظ البياض: "ألفيت، فستانا، تضوع، أريج، ضحكات، الندية، فانبرى، جمال، شرعت، أتلو، سورة، الازهار، تعبق، بساتين، الفضيلة، وقرأت، علياء، احلامي، الظليلة، فأشم، رائحة، يفوح، همسات، صوتك" فيما سبق من ألفاظ نجد حضور الطبيعة والقراءة، والمرأة، وبهذا يكون الشاعر قد تناول ثلاثة عناصر من عناصر التحفيف/الفرح، وأبقى عنصرا واحدا هو التمرد/الثورة غير مستخدم، فقدم لنا مقاطع شبه مطلقة البياض، فلا نجد سوى بعض الألفاظ القاسية: "منفاي، ولا".
هناك استخدم لمعنى "سورة"، سورة برتقال، سورة الأزهار" وهذا يشير إلى قدسية الحبيبة/الحب/الحالة التي يمر بها الشاعر، فأعطاها سمة لا تكون إلا في المقدس، الذي يتناوله الناس باحترام وتقدير وخشوع وتدبر، من هنا لم يكتف الشاعر بتناول الجمال والبياض الخارجي/الطبيعي، بل تعداه إلى جمال الروح والأخلاق، من هنا جاءت "الفضيلة، وهناك يأخذ الجمال الصفة والطبيعية الإنسانية.
وقبل مغادرة المقطع ننوه إلى أن الشاعر يتناول واقعه من خلال :
"وأنا المطلُ عليك
من علياء منفايَّ الطويل
ولا ألامس غير أحلامي الظليلة"
وهذا الواقع هو الذي استوجب استخدام ألفاظ قاسية، فالواقع يؤثر على الشاعر، ومن ثم سيكون له أثر في القصيدة، وهذا الواقع سنجده يقدم بطريقة استثنائية، فهتاف المرأة أحدث اختراقا للجدران والأبواب المقفلة، وأزال/محى الوجوه الكالحة التي يراها.
"لا أبالي بالحقيقة والمجاز
مذ رف وجهك فوق غمر الكون"
يعود الشاعر إلى الواقع، لكنه يتجاوزه ويتمرد عليه من خلال "لا ابالي" فصوتها، وهي، محا الواقع القاسي وأمسى المجاز يتجاوز الواقع، من هنا جاء البياض هو الصفة العامة لهذه القصيدة.
"فازدهر الوجود
مذ فاح عطر أناك
في هذي الطبيعة
فانتعشنا من ضلوعك
لم تساورنا الخطيئة والحدود
وأناك تعكس فيّ
أشواق البدايات السحيقة
وتشّع ماءً كالسراب
في قلب بيداء اليباب
فعاودتُ سيري صوب طيفك
باحثاً عني وعنك
وأقتفي معناي في معناك
أو معناك في معناي
في لغة الوجود"
"الشاعر ينتقل من حالة الحديث عنها بشكل منفصل/مستقل وأخذ يتحدث عن توحده معها، "فانتعشنا، تساورنا، وأناك تعكس فيّ ، باحثاً عني وعنك، معناي في معناك، أو معناك في معناي، فهذا التحول يعد تمرد وتجاوز لواقع الشاعر، وهنا يكون الشاعر قد استوفى عناصر الفرح/التخفيف كاملة، الطبعة، المرأة، الكتابة، التمرد.
يستخدم الشاعر خطيئة "آدم وحواء" لتأكيد وحدة المصير بينهما، وهذه الخطيئة هي التي جعلت هذا المقطع يتداخل فيه السواد مع البياض: "البدايات السحيقة، ماء كالسرب" وهذا الاستخدام يشير إلى أن لعقل الباطن للشاعر هو من يوجه القصيدة، وليس الوعي، من هنا تم إحداث (انزلاق) في الألفاظ نحو القسوة.
واللافت أن الشاعر بين فينة وأخرى يستحضر الحبيبة: "مذ فاح عطر أناك" ليستمد منها القوة على مواصلة درب البياض الذي يسير فيه، أليس استخدام هكذا ألفاظ، وتقديم فكرة الحب بهذا الشكل يعد تألقا وتمردا على الواقع؟.
" أموت عشقاً
فيَّ فيك
أدنو فيخطفني البهاء
ألا اجذبيني في مياهك يا عناة
وطوقيني وأغرقيني يا إلهتيّ الأثيرة
وابحثي عني في غابات الصنوبر
إن هذا الموت أهلكني
وألقى بي بقارعة الزمان
فواجهيه وقاتليه
وحرريني كي أعود إليك
مكتظاً بحبي يا فتاة"
يقدمنا الشاعر إلى الأسطورة وعلاقة عناة بحبيبها/البعل، من هنا يمكن أن نتفهم وجود ألفاظ القسوة والألم: "فيخطفني، اجذبيني، طوقيني، أغرقيني، ابحثي، الموت، بقارعة، فواجهيه، قاتليه" وهذا الالفاظ نجدها أو ما يشبهها في المعنى في ملحمة البعل، وإذا ما توقفنا عند الأفعال نجدها في أغلبها أفعال أمر، وهي تشير إلى اندفاع الشاعر نحو المرأة، لتحرره "حرريني" مما هو فيه "أهلكني، وألقى بي" ، لكنها في المقابل ستحصل على مكافأتها "الحب".
"فازدحام الحر فيك لساعةٍ
خيرٌ لنا من ألف عمرٍ
تسرين بي ليلاً
واعرجُ نحو سدرة منتهاكِ
موتي قليلاً فيّ
كي أحيا قليلاً فيك"
يستخدم الشاعر تعبيرات القرآن الكريم بطريقة تخدم فكرة الحب: "خير من ألف عمر، وأعرج نحو سدرة المنتهى" وكلا التعبيرين متعلقان بالليل، فالمعراج كان في الليل وجاءت في سورة النجم "ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى" وأيضا "خير لنا ألفا عمر" متعلقة بليلة القدر: "ليلة القدر خير من ألف شهر" فأجواء الليل الدينية، المقدسة استخدمها الشاعر في حالة الحب، وكأنه يقول ـ بطريقة غير مباشرة ـ أن علاقته بالحبيبة مقدسة/سماوية، طاهرة كحال النبي في اسرائه ومعراجه، وكحال ليلة القدر.
ورغم السواد في المقطع الأخير "موتي" إلا أنه تم محوه من خلال "كي أحيا" وجاء كتوثيق لحالة التوحد بينهما.
"قدي قميصي
كي أتوب عن الوقار
قدي قميصي من أمام أو من وراء
لكي أكف عن الفرار
في حضرة الأنثى
التي ردت إليّ الاعتبار
ولن أقول:
متى تحررني يداك
وردديها: هيت لك
وحرريني من قناعي
من جمودي
من وقاري
كرريها: هيت لك
ما أجملك
ما اجملك
ما أرأفلك"
يقدمنا الشاعر من قصة شغف زليخا بيوسف عليه السلام، فمن خلال فعل الأمر "قدي، كرريها/ هيت لك" يغرب الشاعر القصة ويجعل من نفسه يوسف آخر، يعرف قيمة الحب ومعنى المرأة، لهذا نجده يستخدم ألفاظ تشير إلى اندفاعه نحو المرأة: "لكي أكف عن الفرار" فأثر المرأة يكمن في حجب/منع اشياء عن الشاعر: "أتوب من الوقار، لكي أكف عن الفرار"، وأيضا عن الإقدام على أفعال جديدة مستقبلية: "متى تحررني، حرريني،" فأثر المرأة مزدوج، تمنع السلبيات/الموانع، وتفتح الإيجابيات/الرغبات أمام الشاعر
واعتقد أن هذه النقلة النوعية في الألفاظ والمعاني ما كانت لتأتي دون وجود وحضورها، من هنا نجد الشاعر يحرص على هذا الأمر من خلال : "هيت لك، ما أجملك، ما أرأفك" فالمرأة هي المحرك والسبب والموجد لهذا البياض.
"أنا مثل أنكيدو المراعي والجبال
آتيك حتى أنتهي من وحشتي
وتوحشي
فطوّعيني
أنسيني
شذبيني
أشعليني"
في البداية يقدم "أنكيدو" باستخدام (العادي) ومنسجم مع حالة انكيدو في الملحمة، إلا أن الشاعر من خلال فعل الأمر : "فطوعيني، أنسيني، شذبيني، أشعليني" يغرب الأحداث ويخلق من أنكيدو حالة أخرى، وهذا الانقلاب يخدم فكرة العشق الذي يمر به الشاعر، واعتقد أن حديثه عن أنكيدو يتجاوز الحديث عن حالة الحب الروحي، فهو يتعداه إلى العلاقة الجسدية، فأنكيدو تم ترويضه من خلال ممارسة الجنس الذي استمر ستة أيام وسبع ليال، من هنا جاء استخدام فعل "أشعليني".
"وعناة تعشق بعدها
وعناة تنقذ بعلها
من سطوة الموت الدنيء
فعانقيني
كي يموت الموت
وأفرُ من أنيابه
وأعود منتشياً إليك
وتزدهر تلك الطبيعة والحياة
أحيا طويلاً فيكِ"
تماثل المعنى مع ملحمة البعل، والاختلاف فقط في أن جعل البعل هو المتحدث، الطالب للنجاة، بينما في الملحمة عشتار، الناس، الحيوانات هي التي تطلب تخليص البعل من الموت، وهذا التماثل يعكس رغبة/حاجة/جوع الحب عند الشاعر، فهو من خلال فعل الأمر "عانقيني" يريد أن يتماثل مع البعل، فيعود من الموت، ومنتشيا، ولتعود الطبيعة "تزدهر" من جديد.
"وكأنني الأرض اليباب
وكأنك الأرض اليباب
وكأننا الأرض اليباب
وأنت سيدة البداية والنهاية
أنت سيدة الفصول
وأنت سيدة الجهات
أما أنا سيزيف
أحمل صخرتي
وسأرتقي بك نحو قمتيَّ البعيدة
وستأكل السنوات من كبدي"
أول قصيدة للشاعر كميل أبو حنيش يجعل خاتمتها سوداء، فحجم السواد والألفاظ القاسية كبير، إذا ما قارناه مع فاتحة القصيدة: "سيزيف، اليباب، النهايات، احمل، صخرتي، البعيدة، كبدي" واعتقد أن الشاعر يقدم رؤيته عن الواقع (وعبث) الحياة، عندما قال أنا سيزيف، أحمل صخرتي" فقد اختزل درب الآلام الذي يخوضه في هذه الصورة، وهذا ناتج عن عدم وجود مادي للمرأة، صوتها/"هتفت"، وهنا نتأكد أن حضور المرأة ينعكس إيجابيا على الشاعر، ومن ثم على القصيدة كبنية واحدة على ألفاظها ومعانيها.
"وسنهبط الوادي معاً
للهاويات
في الهاويات سنرتقي
نحو الذرى
فالقاع قمتنا الأثيرة يا عناة
لا لست تفاح الخطيئة
فاعبقي بأريج زهر البرتقال
يا عفاف البرتقال"
ورغم أن الشاعر يختم القصيدة بألفاظ القسوة : "سنهبط، للهاويات، فالقاع، لاـ لست، الخطيئة" إلا أن بقاء أثر المرأة جعله يتقدم من جديد إلى البياض: "سنرتقي، قمتنا، الأثيرة، تفاح، فاعبقي، بأريج، زهر، البرتقال". وقبل ان نغادر القصيدة يمكننا القول أن "البرتقال" في القصيدة جاء ليعطي رمز الثبات والأصالة الأولى، وأيضا ليعطي جمالية خاصة للمرأة، فالبرتقال جميل في شكله وفي طعمه، وبما أن الشاعر استخدم "فتاة البرتقال" كعنوان للقصيدة فهذا يعني أن المرأة/الحبيبة جميلة شكلا ومضمونا، طعما ورائحة وهيئة، إضافة إلى أصالتها وفلسطينيتها.
القصيدة منشورة على صفحة شقيق الأسير كمال أبو حنيش.









الوقت في قصيدة
"وعمت صباحاً/مساءً أيا وقتنا"
كميل أبو حنيش
الوقت له وقع على الإنسان، منا من يجده يمر سريعا ومنا من يراه بليدا خاملا، وهذا يعود إلى الحالة/الظرف الذي يمر به الإنسان، "كميل أبو حنيش" أنسان قضى في السجن ما يقارب العقدين، ومحكوم بتسعة مؤابدات، في قصيدة "وعمت صباحاً/مساءً أيا وقتنا" يحدثنا عن رؤيته للوقت، فنجد فيها أكثر من معيار نقيس به الوقت، من خلال اللفظ المباشر أو من خلال وصفه، أو مما نجده ما بين الكلمات.
رغم أننا نحلل قصيدة، إلا أننا ـ كمتلقين ـ علينا أن نرفع القصيدة إلى ما هو أبعد وأعلى من سقفها الأدبي، إلى ما هو إنساني، إلى هموم الإنسان في فلسطين/المنطقة العربية، الذي ما زال يعيش في ذيل الأمم، ولم ير/يلمس/يعش الكرامة/الحرية/الحياة السوية بعد.
القصيدة مكونة من خمسة مقاطع، وفي الفواتح الخمس يتناول الشاعر الوقت، المقطع الأول:
"وعِمْتَ صَباحاً أيا وقتَنا الدَّائريَّ الخُطى
والكلامُ الرتيبُ عن الأمنيات
التي لا تزال تُضرّج أحلامَنا بالعبير،
وتخفقُ وهماً كرايةِ ظفر نصرٍ بعيدة
ففيكَ النهارُ سيبدو كئيباً إذا لم يُبدّلْ ثوبُ الحداد
ويغدو المساءُ ثقيلاً مُملاًّ إذا لم يُبدّلْ طقوس السهاد
الطويلة"
القصيدة تفرض علي الخروج قليلا عن طريقة تناول الألفاظ المجردة والمنفردة، فطبيعتها وطريقة تناولها للوقت تستوجب هذا الأمر، نجد الوقت "دائري" والنهار "كئيبا" والمساء "ثقيلا، مملا" ويراه الشاعر بوجه عام "طويلا" وهو لا يكتفي بوصف الوقت بل يتناول مجموعة وسائل يستخدمها/يؤمن بها ليؤكد ثقل الوقت عليه: "الكلام الرتيب، وتخفق وهما، نصرا بعيدا، لم يبدل ثوب الحداد، طقوس السهاد الطويلة" حالة من اليأس شبه مطلقة، لولا وجود "أحلامنا، صباحا، المساء، الكلام، بالعبير، وتخفق، كراية، طفر/نصر" هذه الدرجة الأشد هولا على الشاعر، فهي تشير إلى الحالة التي يمر بها الأسير عند محتل، فالوقت هنا هو وقت للعذاب/لليأس/للقنوط، ولا مكان للأمل، فقد أمست كل الأحلام/الأماني وهما، فالوقت هنا ميت، لا يتحرك، وهو جثة ضخمة تثقل بوزنها الهائل على حامليها، الأسرى.
المقطع الثاني يتزحزح ثقل الوقت قليلا، فيبدو بهذا الشكل:
"وعِمْتَ مساءً أيا وقتَنا المكفهرَّ كما الأغنياتِ الحزينة
فكيف سنُرغمُ هذا المساء ليخطو سريعاً ونكسرُ هذي الدوائر
سنحيا طويلاً ونسأمُ هذا المكان/الزمان
نملُّ من الأبجديّة في لغةِ الأبديّة
ونلهو بأوهامِنا دائرين نُعيد اجترارَ الكلامِ وذات الحكايا
انتظاراً لوقتٍ جميلٍ يجيءُ وقد لا يجيء
انتظاراً لوقتٍ ظليلٍ يقود خُطانا إلى عالم الاخضرار الطويل
ونسأم فردوسنا كما يسأم الناس من وقتهم في الحياة الظليلة"
الفرق بين الكلام الرتيب والأغاني الحزينة كبير، فالأول فعل عادي، يقوم به أي شخص، بينما الثاني ـ رغم الحزن ـ يحتاج إلى قدرات وحالة من الأبداع حتى يخرج، وفيه شيء من الراحة والفرح حتى لوكان حزينا، وهذا التحول جاء بعد أن أفضى الشاعر همومه في المقطع الأول، فأخذ قسطا من الراحة، واستعاد شيئا من العافية، فجاء حرف السين: "كيف سنرغم، سنحيا" ليحثنا على الاستدلال ومعرفة طريق الأمل من جديد، لكن ثقل جثة الوقت ما زال محمولة على أكتاف الأسرى، من هنا جاء "وقتا مكفهر، سنحيا طويلا، يقود خطانا، نسأم فردوسنا"، وهنا يكون الشاعر قد قسم الوقت بين مجموعتين، وقت الأسرى، ووقت من هم خارج الأسر، فالوقت أصبح وقتين، وقت يراه ويعيشه الأسرى، ووقت يمر على الناس العاديين، وهذا ما أوضحه عندما قال:
"ونسأم فردوسنا كما يسأم الناس من وقتهم في الحياة الظليلة"
رغم جثة الوقت الثقيلة التي جاءت:
"ونسأمُ هذا المكان/الزمان
سنحيا طويلاً ونسأمُ هذا المكان/الزمان
انتظاراً لوقتٍ جميلٍ يجيءُ وقد لا يجيء
انتظاراً لوقتٍ ظليلٍ يقود خُطانا إلى عالم الاخضرار الطويل
ونسأم فردوسنا كما يسأم الناس من وقتهم في الحياة الظليلة"
"إلا أن الشاعر أوجد لنفسه بصيص أمل من خلال: ""نلهو، الجميل يجيء، ظليل، الاخضرار الطويل، الحياة الظليلة" وهذا عدا الفعل القاسي والثوري "نكسر/نسأم".
الترابط بين المقطع الأول والثاني جاء من خلال "عمت صباحا/عمت مساء" واعتقد أن تقديم الصباح على المساء يشير إلى وجود أمل عند الشاعر، "الكلام الرتيب/اجترارا الكرام" وهذا يقودنا إلى أن الشاعر يرفض ما هو عادي، ويسعى إلى الأبداع/التألق.
ويستوقفنا عدد وطريقة تناوله للوقت ـ أربع مرات" والتي جاءت: "وقت، مساء، الزمان، ومرتين "انتظار الوقت"، وكلمة "ظليلة" مرتين، وكأن الشاعر أوجد لنفسه حالة من التوازن بين "الانتظار" القاسي وبين "الظليل/ة" المفرح، من هنا تم إحداث خلل في "الدائرة" الأولى، من خلال "نكسر" وهذا يشير أن الزمن/الوقت بدأ في الاستيقاظ، ولم تعد حالة الموت الأولى موجودة، فالحياة يسر وعسر، خصب وجدب، خريف وربيع، هكذا يراها الكنعاني منذ الأزل.
في المقطع الثالث يتقدم الشاعر خطوة أخرى إلى الأمام من خلال:
" وعِمْتَ صباحاً أيا وقتَنا المُشرئبُّ كبرجِ الحراسة
ترقبُ أحلامَنا والأماني وتُحصي ثواني ارتخاءاتِ أجسادنا
ولا تتعاقبُ فيك الفصول
طويلٌ شتاءُ التمنّي قصيرٌ ربيعُ الأماني
سنلهو بأوهامِنا ساخرين
ونرنو إلى ذكريات الزمان القديم التي لا تزال تجيء
ونرسمُ أحلامَنا الآتيات التي قد تجيءُ وقد لا تجيءُ
ونسألُ تلك السماء البعيدة:
متى تُمطرين علينا زهوراً من الياسمين
ووحياً من الأغنيات الجميلة؟"
الوقت حاضر من خلال: "صباحا، وقتنا، ثواني، الفصول، طويل شتاء، قصير الربيع، الزمن القديم" ونجد وصفا متعلقا بالوقت جاء: "المشرئب كبرج الحراسة، تراقب أحلامنا، ولا تتعاقب" بالتأكيد المضمون فيه قسوة وألم ويحمل ثقل الوقت، لكن (الخلل) الذي أحدثه الشاعر جاء من خلال استخدامه لألفاظ : "المُشرئبُّ، أحلامنا، والأماني، ربيع، سنلهو، ونرنو، تجيء، ونرسم، الآتيات، السماء، تمطرين، زهورا/ ياسمين، الأغنيات، الجميلة" فهذا البياض يعبر عن أمل وفرح بدأ يتشكل في الشاعر بعد أن تخلص من ثقل جثة الوقت.
والتحول بين المقطع الأول والثالث جاء من خلال "الدائري/المشرئب، تضرج أحلامنا/تراقب أحلامنا، وترابط بين المقطع الثاني والثالث من خلال السؤال الذي جاء يستحثنا على ضرورة الفعل: "فكيف سنرغم/متى تمطرين" والفرق بينهما، أن الثاني جاء في بداية المقطع والثالث جاء في نهايته، كما أن الفرق واضح بين فعل الشد والقسوة والعنف "سنرغم"، وبين فعل الخير والخصب "تمطرين" كل هذا يجعلنا نستنتج أن عملية التحول الإيجابي مستمرة عند الشاعر، وها هو يخطو الخطورة الرابعة باتجاه الشمس:
"وعِمْتَ مساءً أيا وقتَنا اللولبيَّ المؤسس في الأغنياتِ
وأوهامنا
فتُزهر هذي القيود ويُورق هذا الجدار ويخضرّ هذا المُحيط الصغير
سنرنو إلى الأوج حيناً وحيناً نتوقُ إلى الهاوية
ففي دائرية هذا المكان/الزمان تضيقُ الفوارق بين النقائض
وتغدو الفصولُ جهات
وتُمسي الجهات فصولاُ
سيُولد فصلٌ جديدٌ ونُعتقُ من قلب هذي الظلال الثقيلة"
الألفاظ المتعلقة بالوقت: "مساء، وقت، الزمان، الفصول، فصل" تشير إلى أن الشاعر بدأ يتحرر من جثة الوقت، فما تبعها من وصف: "لولبي، تضيق الفوارق، سيولد فصل" وإذا ما توقفنا عند "دائري" في الأول التي تشير إلى حالة الحصار المطلق، وبين "لولبي" والتي تشير أن هناك رأس/نهاية، يمكن لمن يتابع المسير الصحيح أن يصل إلى الخلاص ويبدأ حياة سوية جميلة، وهذا ما فعله الشاعر، فأخذ يخطو بالاتجاه الصحيح.
لكن تستوقفنا حالة الربط بين المكان/الجهات وبين الزمن/فصول:
"ففي دائرية هذا المكان/الزمان تضيقُ الفوارق بين النقائض
وتغدو الفصولُ جهات
وتُمسي الجهات فصولاُ"
يبدو أن الحصار مطلق ومحكم، فلا مجال للخلاص منه، فالزمن والمكان يتحالفان ضد الشاعر، ولم يعد هناك مساحة/وقت للحياة، لكن هذا الأمر ليس إلا مبررا للقيام بالنقلة النوعية عند الشاعر والتي جاءت:
" سيُولد فصلٌ جديدٌ ونُعتقُ من قلب هذي الظلال الثقيلة"
فهذه النقلة لم تكن لتحصل دون ان أصبح الصراع إما حياة وإما موتا، ولم يعد هناك مكان/وقت إلا للعمل، واعتقد، بداية الفعل الايجابي بدأت من خلال قول الشاعر "تزهر القيود، ويورق الجدار، ويخضر المحيط" فالتراكمات الكمية أدت إلى تغييرات نوعية.
وتستوقفنا مجموعة الألفاظ المتعلقة بالطبيعة: "فتزهر، ويورق، ويخضر، فصل، الظلال" فهي تأخذنا إلى فكرة الكنعاني عن الطبيعة، فكرة الصراع بين الخصب "البعل" والجدب "موت" فديمومة الصراع بينهما لم تتوقف ولن تتوقف إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فرغم انتصار الموت إلا أن الخصب/البعل سيظهر من جديد، وهذا ما جاء في خاتمة القصيدة:
"وعِمْتَ صباحاً وعِمْتَ مساءً أيا وقتَنا الدائريَّ المُفخخَ
بالاحتمالِ الجميل
سنُشرعُ كل النوافذ
نغذّ الخطى والمسير اقتفاءً لآثار من سبقونا بداءِ الأمل
لنغدو طيوراً تطير
ونمشي طويلاً نَشُم عبيرَ الطفولة
ونهوى العيونَ الكحيلة"
رغم أن وقت الصباح والمساء جاء وصفهما "دائري المفخخ" إلا أن البياض كان حاضرا "الجميل" وهذا "الجميل" فتح الأبواب وأبقاها مشرعة ليغادر الشاعر زمن الجدران إلى الأبد، "سنشرع، نغذ، الأمل، لنغدو، طيورا، تطير، نشم، عبير، الطفولة، ونهوى، العيون، الكحيلة" فنحن أمام حالة تعد نقلة نوعية تختلف تماما عما بدأت به القصيدة.
واعتقد أن قلة عدد الألفاظ المتعلقة بالوقت "صباح، مساء، وقتنا" تشير إلى التحرر الكلي من ثقل الوقت، وما كان ذكرهما في الخاتمة إلا تماشيا مع وحدة القصيدة وموضوعها، الوقت.
القصيدة منشورة على صفحة شقيق الأسير "كمال أبو حنيش".











كميل أبو حنيش" "مملكة الخراب" فقد جاءت اقسامها الثلاثة متكاملة ومتواصلة، يفتتح الشاعر القصيدة بقوله:
"هذا يشوعُ وجندهُ
من جوقة الدجل الجديد وأهله
هبطوا الينا من عمود النار
والتمسوا التمثل في حكايات الضفادع والذباب
قدموا الينا من بعيد
ليوقفوا شمس الأصيل ويكملوا خوض الحروب
ويذبحوا الأشجار في قممِ الجبالِ
ويزرعوا راياتهم فوق التراب"
تستوقفنا كثرة الأفعال في المقطع السابق: "هبطوا، التمسوا، قدموا، يكملوا، يذبحوا، يزرعوا" والتي تشير إلى تركيز الشاعر على الفعل وليس على الوصف/التأمل، فهو هنا ناقل للحدث ومتأثر به، وإذا عدنا إلى النص التوراتي الذي يتحدث عن "يوشع/يشوع" سنتأثر سلبا به، فهو نص غارق في الدماء والوحشية، حيث تكثر عبارة "لم يبق فيها نسمة حياة" وهذا الأمر انعكس على الشاعر الذي لم يستطع أن يتحرر من وقع النص التوراتي ولا من أثره، فكان أسيرا له، وهذا ما وجدناه حتى في الألفاظ المجردة: "عمود، النار، الضفادع، والذباب، بعيد، الحروب، ليوقفوا، يذبحوا".
"لم يعبروا الصحراء من جهة التلال
على ضفاف النهر
بل عبروا البحار على بوارج حربهم
من أرض روما لا هدهدٌ يأتي إليهم هادياً
ودليلهم في غزوهم ظلُ الغراب
يتداخل "الوعد الإلهيّ" الأسير
بوعد بلفور الصغير
ويمزج الوعد "المُقدس" بالمُدنس
باحثين بفتحهم عن وكرِ عاهرةٍ
تقوم مقام عاهرةِ القديمِ "رحاب"
كانوا برابرةً "جنودُ الرب"
في صولاتهم مُذ قلدوا سفر الخروجِ"
إذن الشاعر لم يقدر أن يتحرر من وقع النص التوراتي، واستمراره في الاتكاء عليه أبقاه في دائرة الأسر، يدور ويلتقط الألفاظ التوراتية، ما جعل القصيدة تبقى تحت سياط الألفاظ التوراتية، وإذا أضفنا إلى ذلك وجود الاحتلال الصهيوني الذي تماثل وأكمل ما فعله "يوشع" بالفلسطيني/الكنعاني، يمكننا استيعاب حجم السواد وفهمه في الفكرة وفي الألفاظ المجرة التي استخدمها الشاعر: "ألم، الصحراء، حروبهم، لا، غزوهم، الغراب، بالمدنس، وكر، عاهرة، برابرة، جنود"، وإذا ما توقفنا عن ذكر الحيوان/الطيور/الحشرات "الضفادع، الذباب، الغراب، الهدهد" في القصيدة والتي تشير إلى حالة السواد والقسوة، وغالبا ما يأتي ذكر الحيوان/الحشرات ليشير إلى حالة الألم والقسوة التي يعاني من الكاتب/الشاعر، نتأكد أن الواقع/المحيط الخارجي ـ الآن ـ يؤثر على "كميل أبو حنيش"، وأن وقع النص التوراتي عليه كان ثقيلا جدا، بحيث أبقاه وأبقى القصيدة أسيرة لألفاظها القاسية والسوداء.
"لا صوت للعُقلاء في هذا المكانِ
فإنهم قد يزعجون مُهندسي الجغرافيا
ممن يقيسون المكان بحذاء جندي
مُدججة بالبنادق والحراب
لا وقت للشعراء في هذا الزمان فإنهم
قد يشعلون غضب المؤرخ والدجاجلة الكبار
ممن يقيسون الزمان بحسبة المرات
في هدم الهياكل وشتات "شعب الله"
عن أرض الغزالة والشِعاب
لا حظ للفقراء في هذا المكان وذا الزمان
فإنهم قد يقلقون الأثرياء
ممن يقيسون الحياة بمعجم الطبقات أو شكل الثياب
فجنودُ "يهوه" الفاتحون يواصلون قتالهم حتى
يُقيموا هيكل الذهب العظيم على الجماجم والرقاب"
يستمر الشاعر على نفس المنحى في المقطع الثاني، مستخدما ألفاظا ومضمونا يكمل ما جاء في المقطع الأول: "لا، يزعجون، بحذاء، جندي، مدججة، بالبنادق، الحراب، يشعلون، غضب، الدجاجلة، هدم، قتالهم، جماجم" يشير إلى إبقاء القصيدة ما زالت تحت تأثير واقع الحال، وإلى تأثرها بالنص التوراتي، لهذا نجدها غارقة في السواد والحروب، فهي انعكاس لأسفار التوراة، ومرآة لها.
"وعلى ثرى أرض الغزالة واليمام
يتناسلُ القتلى سريعاً فيما جنود "يشوعُ" ينتظرون
حضور مسيحهم للأرض من رحم الغياب
ليدوس أكوام الجماجمِ ويُقيم دولته "المجيدة"
فوق أرضٍ من يباب
وسيبتسم رب الجنود ويعودُ منتشياً إلى عليائه في "الميركافا"
وتقومُ مملكة الخراب"
نهاية تنسجم تماما مع البداية، فمن خلال "القتلى، جنود، يشوع، الغياب، ليدوس، الجماجم، يباب، الميركافا، الخراب" يمكننا أن نتأكد ان القصيدة تتواصل وتكمل ما بدأت به، فهي بألفاظها ومضمونها تعكس النص التوارتي وما فيه من قسوة تجاهنا نحن، الذين نتعرض لقسوة يوشع وجنوده في فلسطين والمنطقة العربية".
... وقد يقول قائل: "وهل يمكن لأسير محكوم بتسعة مؤبدات أن يكتب عن الأمل/الفرح؟، إن القصيدة ما هي إلا انعكاس لواقع الشاعر، وما يمر به من يأس وقهر ليس أكثر!!"، ونرد على هذا القول (المفترض)، من يقرأ للشاعر "كميل أبو حنيش" يتأكد انه شاعر تجاوز السجن، ويكتب بحرية بعيدا عن الزنزانة، فهو كشاعر يستطيع الخروج من وقع الجدران عليه وأكثر، وهذا ما وجدناه في قصيدة ""سِرُ الشِفاءِ من الحنين" وغيرها من القصائد التي يهيم بها محلقا في فضاء المرأة والجمال والأسطورة، من هنا نقول أن قصيدة "مملكة الخراب" جاءت قاتمة لأنها أسيرة للنص التوراتي، وليس لأن الشاعر أسير ومحكوم بأكثر من مئة سنة.
القصيدة منشورة على صفحة شقيق الأسير كمال أبو حنيش.







الفكر الملحمي في قصيدة
"لعلي أعود نهارا"
كميل أبو حنيش
الشعراء هم أنبياء هذا العصر، لأنهم يمدوننا بالعزيمة والارادة، وبالتأكيد هم لا يقدموننا من المستقبل بطريقة مباشرة، بل يعتمدون على أبداعهم وقدرتهم على تجيير اللغة لصالح افكارهم، في الآونة الأخيرة أخذ الشاعر والروائي "كميل أبو حنيش" يكتب الشعر بغزارة، ورغم كمية الإنتاج الكبيرة التي ينشرها شقيقه "كمال" على (شبكات التواصل الاجتماعي) إلا أن الفنية بقيت حاضرة، وما جلسة النقاش التي عقدها ملتقى بلاطة الثقافي والأجماع على تألق قصيدة "عمت مساء" إلا تأكيد على إبداع الشاعر، فنحن لا نتعامل معه كأسير، بل كشاعر، ونتقدم من شعره بشكل محايد وموضوعي، بعيدا عن التعاطف أو الانحياز لكميل لأنه أسير، فالشعرية هي التي تحكمنا ـ رغم الأهمية والضرورة لإيصالها للآخرين أن لدينا أدباء أسرى في سجون الاحتلال ـ من هنا سنحاول التقدم من القصيدة، لكن قبل التقدم من القصيدة نميل قليلا إلى العنوان الذي جاء بشعرية "لعلي" والبياض الذي يحمله "أعود، نهارا" وهذا كاف وحده ليجذب القارئ ويوقفه عند القصيدة التي تقدمه من عودة "البعل" المشرقة، فإذا كان العنوان عنصرا جاذبا للمتلقي، فكيف ستكون القصيدة؟.
" أمدُ يديَ إلى الأمنياتِ التي
خالجتني سألمسُ في الحلمُ ورداً
وأعشقُ هذا العبيرَ المدوي
وأصغي لناياتِ هذا النشيد
وأرنو طويلاً لذاكَ الجمالِ البهيِ"
إذن الفاتحة بيضاء: "أمد، يدي، الأمنيات، سألمس، الحلم، وردا، وأعشق، العبير، وأصغي، لنايات، النشيد، وأرنو، لجمال، البهي" ويفوح منها الأمل والفرح، فكمية البياض التي جاءت بها الفاتحة نوعيته كافية لجعل المتلقي يتحمل (قناطير) من السواد، وإذا ما توقفنا عند الأفعال المضارعة: "أمد، سألمس، وأعشق، وأصغي، وأرنو" والتي بحد ذاتها تعطي الفرح والحيوية لما هو آت، يمكننا القول أننا أمام نص ناصع البياض، يتوافق فيه اللفظ مع المعنى في خدمة فكرة الفرح والبياض، وهذا ما يجعل المتلقي يتقدم وبشهية إلى القصيدة، عنوان شعري أبيض، وفاتحة مترعة بالفرح والحيوية.
" أغذ الخطى والمسير
وأمشي وأمشي بتلك الدروب
التي توهتني فأصنع درباً جديداً
بوقعٍ خُطاي وبعدَ قليلٍ سيولُد
في الأفقِ غيمٌ ويهطُل فوق
اليباب ويروي جفافَ الصحرى"
يبدو للوهلة الأولى أن هناك (تحولا) في مسار الفرح الذي جاء في العنوان والفاتحة، فهناك ألفاظ قاسية وسوداء بدأت تتسرب إلى القصيدة: "أغض، الخطى، وأمشي، توهتني، بوقع، اليباب، جفاف، الصحاري" لكن إذا ما أخذنا فكرة الأمل والإرادة " أمشي وأمشي، أصنع" التي ركز عليها الشاعر، يمكننا فهم سبب وجود هذه القسوة، فهو يريد إيصال فكرة أن الفرح لا يكون/يحصل/يأتي دون جهد وعمل، لهذا نجد أفعال "وأمشي، فأصنع، سيولد، ويعطل، ويروي وكلها أفعال متواصولة، وكأنها بها يمحو القسوة والسواد بسرعة وبصورة متواصلة، وهي تتماثل مع تلك التي جاءت في الملحمة الكنعانية:
رسالة البعل هي:
أوقفي الحرب على الأرض
ازرعي محبة في التراب
اسكبي خمرا في كبد الأرض
صبي عسلا في الحقول" ص153، أنيس فريحة ملاحم واساطير، إذن هناك تماثل بين عودة "البعل" وعودة الشاعر والخصب الذي سيعم الأرض.
" وينمو الربيعُ ويحتلُ هذا المكانَ
جمالٌ بديعٌ فتنمو وتزهرُ تلك الأمانيِ"
اجزم أن هذا المقطع يؤكد على الفرح والبياض الذي يحمله الشاعر، لهذا جاءت الطبيعة بهية: "وينمو، الربيع، جمال، بديع، وتزهر" ومقرونة بالإنسان: "الأماني" وقد قلنا في موضع غير هذا أن الطبيعة أحد عناصر التخفيف والفرح التي يستعين بها الشاعر، كحال المرأة والكتابة، لكن الطبيعة هنا تأخذنا إلى الماضي، وإلى أثرها في الإنسان الكنعاني والأدب والفكر الذي حمله وشكله وطبيعه.
" أحنُ فأصغي إلى الأغنياتِ التي
رافقتني طوالَ الغيابِ الثقيلِ
الذي نالَ مني وأرقص ُ في الوهمِ
فوقَ المروجِ وأذوي وأذوي
سأغدو كبذرةٍ وردٍ تغورُ بقلبِ الترابِ
سأعرفُ أنَ الطريقَ إلى الابداعاتِ الجديدة"
استخدام الشاعر للفعل الماضي: رافقتني، نال" يشير إلى حالة ألم وقسوة، من هنا نجد الألفاظ السوداء: "الغياب، الثقيل، الوهم، فوق، وأذوي، تغور" وهذا التلاقي بين الماضي القاسي والألفاظ يؤكد على أن الشاعر يكتب القصيدة بغير وعي، فالعقل الباطن هو الذي يتحكم بالألفاظ والأفكار، وما الشاعر إلا وسيلة تخرج ما يحمله/يشعر به داخليا.
ولأن الفرح حاضر وفاعل، نجد الأفعال مضارعة: "وأرقص، سأغدو، سأعرف" ويستوقفنا "الابداعات الجديدة، دربا الجديد" الذي يؤكد على حيوية الفرح والأمل الذي يحمله المستقبل، "فالجديد" المستقبل/المضارع سيأتي سريعا وبهيا، لهذا جاءت حروف السرعة والوصل "السين والواو".
" يمرُ بموتٍ جميلٍ ويأتيكَ
فصلُ الحضورِ فيذوي الغيابِ
ويخضرُ هذا الجفافُ ويبعثُ
ذاكَ الحبيبِ كجرحٍ على لحنِ هذا النشيدِ..
الذي سوف يسفرُ مثلَ النهارِ
وترخي جدائلها في الهواءِ الحبيبةِ
فيحيا الحبيبُ الجريحُ ويشدو بتلكَ الأغاني"
يبتعد الشاعر عن ياء المتكلم ويتقدم من صيغة الغائب، وجمالية هذا التجديد في لغة القصيدة تمكن تأكيد فكرة "الجديد/ة" الفرح والأمل الذي تحمله القصيدة، فاللغة الجديدة تقدمنا من الملحمة "البعل" الكنعانية، الذي يتصارع فيها البعل مع الموت، وهذا المقطع كاف ليوصل لنا فكرة الصراع بين الخصب والجدب، "الموت الجميل، الحضور فيذوي الغياب، يخضر الجفاف، الحبيب كجريح" كل هذا المعاني جاءت في ملحمة البعل:
"وكنسر انتفض "الساحق" بيد البعل
فهوى يم إلى الحضيض" ص10
"فيرسل المطر في حينه.
تمطر السماء زيتا، تسيل الأودية عسلا" ص137
"سيفرح البعل، سينزل المطر في حينه
ضياءه كالبرق.
فرحت عناة بالبشرى
رقصت رجلاها ابتهاجا
كبدها امتلأت ضحكا" ص138، مصدر سابق، فتماثل القصيدة مع الملحمة بصيغة الغائب يشير إلى أن الشاعر متأثر ـ في العقل الباطن ـ بالملحمة الكنعانية، بحيث جعلته يتخلى عن يا المتكلم والانتقال إلى لغة ملحمية جديدة، ويستخدم فكرة الصراع عينها في الملحمة لكن بلغة وألفاظ جديدة، وإذا ما عرفنا أن خاتمة الملحمة تناولت انتصار "البعل" على "يم" والذي رافقه الفرح والبهجة:
"البعل يعود إلى الأرض، الناس ينعمون بالحياة
العشب ينجو من الهلاك عطشا
لأنه تحنن عليه، سقاه مطر السماء
سلام أيها الابناء، ليحل السلام
السلام الدائم، ليحل السلام" ص159و 161، المصدر السابق، يمكننا التأكيد أن فكرة الفرح والبياض هي المقصودة في هذا المقطع.
" ألوذُ لصمتي وأبحثُ في الأحجيات
التي حاصرتني وأصغي طويلاً إلى داخلي
كي أرى خارجي وأفتشُ عن مفرداتٍ
تليقُ بهذا النشيدِ..
وأوشكُ أن أتلعثمُ حين أحاولُ
نطقَ الحروفِ التي دوختني
فأمضي إلى حُلمي ساهماً
مثل ظبيٍ صغيرٍ سأخبو وأخبو لكي
أتوارى وراءَ المجازي
وأشرعُ في داخلي بانتهاكِ السؤالِ"
فكرة انتصار الخير على الشر التي أخذها الشاعر من "البعل" نجدها حاضرة في هذا المقطع، فهو يتقدم من جديد من ياء المتكلم، ولم يعد(يهتم) للقسوة والألم والسواد، الم يغب "البعل" وعم الأرض الخراب، وعاد منتصرا وعادت الحياة والخصب للأرض؟، فلا بأس إذن من تناول/الحديث عن السواد: "لصمتي، حاصرتني، أفتش، أتلعثم، دوختني، سأخبو، وأخبو، أتوارى، بانتهاك" وتأكيدا على حضور فكرة الصراع الملحمي نجد أفعالا مضارعة وأخرى ماضية في المقطع، منها ما جاء أبيض: "فأمضي، وأشرع"، وأخرى سوداء: "ألوذ، حاصرتني، أتلعثم، دوختني، سأخبو، وأخبو" وهذا الجمع الأسود والأبيض في الفعل المضارع يؤكد على دخول الشاعر إلى الملحمة حتى أنه أصبح يتكلم من خلالها.
يتغول الشاعر أكثر من الملحمة، متقمصا غياب البعل:
" فأبدو بليداً وأعجزُ
عن فكِ لغزِ الإجابة عن أحجياتي
فتبدو النفوسَ امتثالاً مملاً
بسطوةِ تلكَ الرؤى والأحاجي"
السواد حاضر وبقوة من خلال : "بليدا، وأعجز، مملا، بسطوة" لكن يمكننا فهم واحتواء هذا السواد إذا تقدمنا من ملحمة البعل، خاصة عندما تحدثت عن غاب البعل:
"ذر الرماد على رأسه
لبس المسح
طاف حزينا في الجبال
هام على وجه العراء
خدش وجهه، أدمى ذراعيه
جرح صدره كما يجرح الفلاح
بالمحراث أثلام حقله
ثم رفع صوته، نادى: مات البعل" ص141و142، إذن السواد في القصيدة له جذور في الملحمة، ويمكننا استيعاب وجوده في القصيدة لأنه سينتهي بالبياض الناصع، وهذه المعرفة المسبقة، تجعل من السواد الذي يأتي مجرد (سحابة صيف) لأن الخصب والبعل سيأتيان من جديد.
وهذا ما أكده الشاعر عندما قال:
" أتوق إلى الأمسيات التي أسهدتني
فأوقدُ شمعاً وأمطرُ شعراً
سينسابُ مثل السيول ويمضي
ويحملُ شوقاً صدىً الذكريات
التي داعبتني لأعرف أن النهارات
ثكلى وأن البلادَ التي عذبتني
بحب تكدس فوق الفؤادِ
وأهدت إليّ الصليبَ"
"فأوقد، شمعا، أمطر، السيول، شوقا، النهارات" كلها تشير إلى الخير الذي سيأتي مع وبعودة البعل، فغلبة ألفاظ البياض: "أتوق، الامسيات، فأوقد، شمعا، وأمطر، شعرا، سينساب، شوقا، داعبتني، لأعرف، النهارات، بحب، الفؤاد، وأهدت" على السوداء: "سهدتني، السيل، يمضي، ثكلى، عذبتني، تكدس، فوق، الصليب" يشير إلى قوة الفرح/الخير وقدومه، لهذا أخذ الشاعر يتقدم من السواد دون أن يأبه به.
يختم الشاعر القصيدة ب:
" فقد لا تجودَ عليّ بقبرِ لقلب
ثراها لكي أتلاشى وأنأى
بعيداً بعيداً لعلي أعود نهارا
فالغياب/الموت سيتبعه الوجود/الحياة:
" وأكتبُ هذا النشيَد الجديد
بلا فاتحينا ولا معتدينا
ليغدو النهارُ الجميلُ
شبيهاً لتلك الأماسي"
" وهذا ما جاءت به ملحمة البعل:
"يوم يمر وينقضي
وعناة تفتش عن البعل الظافر
كما تحن الرنم إلى صغيرها
هكذا يحن قلب عناة إلى البعل.
امسكت موت بطرف ثوبه، جذبته
رد لي أخي" ص145، مصدر سابق، فغياب الشاعر يتماثل مع غياب البعل،
وحضور/عودة الشاعر تتماثل مع البعل أيضا:
"فرح لطفان، امتلأ قلب إله الرحمة سرورا
فتح فاه، ضحك، قال
تستريح الآن نفسي في داخلي
لأن البعل حي، لأن سيد الأرض عاد
قام فتى وسيم يغني ويبتهج
غنى لحنا جميلا، والصنج بيده،
بصوت رخيم غنى
وصعد البعل إلى مسكنه في اعالي صافون" ص147و150، إذن الشاعر استمر في المحافظة على البياض والفرح في القصيدة، لأن فكرتها والفاظها جاءت متوازية ومتماثلة مع ملحمة البعل.
القصيدة منشورة على صفحة "كمال أبو حنيش" على الفيس.






سِرُ الشِفاءِ من الحنين"" كميل أبو حنيش

قصيدة "سِرُ الشِفاءِ من الحنين""
كميل أبو حنيش
هذه القصيدة الثانية التي يتناول فيها الشاعر الوقت، فبعد قصيدة "عمت مساء" التي كان الوقت وأثره هو الأبرز فيها، ليس على مستوى الفكرة فحسب، بل على صعيد طريقة تقديم القصيدة، وفي هذه القصيدة نجد حضور الوقت من خلال الألفاظ المجردة ومن خلال المضمون:
"قُلتَ "الفصولَ بشارةٌ موصولةٌ ببشارةٍ
بدءٌ برسم الانتهاء"
فما البداية يا صديقي،
وما النهايةُ!
نحنُ نحيا في ثنايا صولة الأيام
والزمن المُلغز
دائريٌ لا يكُفُّ عن المجيء
والأمس مثلُ اليومِ مثل الغدْ
ويدورُ هذا الكون
لا فُسحةٌ بين الفُصولِ سوى السراب
لا شيء يلمع منبئاً ببشارةٍ وسط الضباب"
تستوقفنا الألفاظ التالية: "الفصول، الانتهاء، البداية، الأيام، الزمن، والأمس، اليوم، الغد"، فكلها لها علاقة بالوقت/الزمن، وهذا ما يجعلنا نقول أن الشاعر في ـ العقل الباطن وفي الوعي ـ يستثقل الوقت، من هنا وجدنا ألفاظا (كثيرة) استحضرها في القصيدة، وما يؤكد هذا الاستنتاج وجود وصف قاس للوقت: "صولة، الملغز، دائري، يدور، لا فسحة، لا شيء" وللافت أن الشاعر جعل الواقع مقرونا بصفات الماء: "السراب، الضباب" فكلا الوصفين يعني الغباش وانعدام الوضوح، وإذا علمنا أن الماء وصفاته تعني/تشير إلى الحياة، يمكننا الاستنتاج أن ذلك الأمل مشوش وغير واضح، وبهذا يكون الشاعر من خلال الألفاظ المجردة استطاع أن يصف واقعه دون أن ندخل إلى معاني الابيات.
يتقدم الشاعر أكثر نحو الحياة من خلال استخدام "عشتار" ربة الخصب:
"خذلته عشتارٌ ولم تهبط مغامرةً هناك لعالم الأموات
أحجمت الحبيبةُ
عن فداء حبيبها في العالم السُفلي"
تغريب الحدث الأسطوري هو اللافت، فعشتار عمليا نزلت إلى العالم السفلي، لتنقذ حبيها "تموزي/البعل"، واستطاعت الخروج منه بعد ان حررت نفسها من "أريشكيجال"، لكن الشاعر يغرب الحدث، وفلسفة التغريب تكمن في إثارة تفكير المتلقي والتوقف عند الفكرة المطروحة، وإذا ما عرفنا أن عشتار (أنثى) ومن المفترض أن يكون حضورها/ذكرها إيجابا في القصيدة إن كان من خلال الألفاظ أو المعاني/المضمون، وهذا يشير إلى حجم الضغط الواقع على الشاعر، فهناك: "خذلته، ولم، تهبط، الأموات، السفلي" وكلها تجعل المقطع مؤلما وقاسيا.
ولا يكتفي الشاعر برمزية عشتار، بل يكمل تغريب الأسطورة الكنعانية فيجعل "البعل" بهذه الحال:
"لن يعرفوا كيف الحبيب جراحهُ تنمو
بعيداً في السهول وفي الجبال
لن يعرفوا أطوارها"
والصحيح أن الناس والحيوان والنباتات وعشتار كلهم تألموا وضجوا لغياب "البعل" وللافت أن الشاعر يستخدم ألفاظا أقل قسوة من تلك عندما تحدث عن "عشتار": "لن، جراحه، بعيدا" بينما ألفاظ البياض هنا جاءت أكثر: "يعرفوا، الحبيب، تنمو، السهول، أطوارها" وهذا يؤكد على أن المقصود بالبعل هو الشاعر أو من أهدى إليه القصيدة، عبد الرحيم الشيخ.
يكشف الشاعر عورة الاسطورة الدينية التوراتية بشكل مفصل ومطول: "والله يرقب حُلمنا؟ أم حلمهم؟
ولستُ أدري
كيف يغدو الله تاجرَ حنطة في شرعهم
أو صاحِب الختمِ الأسيرِ على كواشينِ الوُعود
أو كيف يغدو رب حربٍ في الهِضاب
كذبوا طويلاً كي يعودوا
من مزاميرٍ مُمَوسقةٍ على لحنِ الجنائز والخراب
وكيف يأتي اللهُ إبراهيم بالخبر السعيد
عن البِشارةِ والوُعود
ما ذنبُنا إن جاء هاجرَ حملها
فيما تأخر حملُ سيدةِ النساءِ
لكي تلد شعبَ الإله
"ما شأننا إن كان إسماعيل أو إسحاق شاةٌ للإله"
وقد تشابهت الشياه
لكي نرِث تلك الفجيعة والحداد
مُقدَمينَ كما القرابين الشهية للطُغاة
والله ينسانا طويلاً
لم يُكلمَ أُمُنا في التيه يوماً
وقتَ ساعةِ صحوها
أو عندَ ساعات الرُقادِ
يرنو إلينا من بعيد
وقد تذكر شعبه المنذور للنكبات
ويعودُ مكلومَ الفؤاد"
كثرة الألفاظ المتعلقة بالله/بالرب تنسجم وتتماثل تماما مع ما جاء في العهد القديم، وتتمثل مع المعنى/الفكرة التي جاءت به : "الله يراقب، الله تاجر، صاحب الختم، رب حرب، يأتي الله، شاة الإله، والله ينسانا، لم يكلم، يرنو إلينا، تذكر شعبه، ويعود مكلوم" هذا الاستخدام له ما يشابهه في العهد القديم، فهناك تسطيح لأعمال وفكرة الله، حتى يبدو للقارئ وكأنه أمام قصص للأطفال، وهذا (التطويل) أيضا ينسجم مع ما جاء في العهد القديم، وكأن الشاعر يريد أن يقول في القصيدة بنقض فكرة "شعب الله المختار" التي جاءت في العهد القديم بطريقة غير مباشرة، وهذا يجعل المتلقي يعرف أن هذا (التسطيح) لفكرة الله/الرب يتماثل ويتشابه مع ما جاء في العهد القديم، وللافت أن الشاعر يستخدم تعبير "مزامير مموسقة" ويتبعها ب "الجنائز والخراب" وهذا يشير إلى ارتباط تعاليم الدين/المزامير مع الفن/الموسيقى في إحداث الخراب والقتل، وهذا الصورة الشعرية تخفف من حدة القسوة الكامنة في المقطع.

يقدمنا الشاعر من ولادة المسيح:
"هزت له جذع النخيل
وقد تألقَ وجههُ
فأصاخَ سمعاً للهفيف من اهتزاز السعفِ
أدرك دربه
ها قد تعلم درسه
تلك الغزالة أرضُنا
قد مرّ قومٌ واستراحوا في الرياض
تجذروا.. طال البقاءُ
تآلفوا وتزوجوا
هذي التلال بِقربِ "يم"
والمليكةُ حينَ أدركها المخاض
وقد تكلمَ خشفها من تحتها
ابتسمت له
هزت له جذعاً
وغنت واقشعرت
حينما رأت البشارة
في ابتسامته المريرة
وسيغدو لغزاً موجعاً مثلَ الحديد
"لن يُعلن ابن نبي الله توبته
على خشب الصليب"
اللافت أن ألفاظ البياض في هذا المقطع أكثر من تلك التي جاءت في العهد القديم والتي تتحدث عن "الشعب المختار": "هزت، النخلة، تألق، وجهه، الهفيف، السعف، استراحوا، الرياض، البقاء، تآلفوا، تزوجوا، هذي، التلال، والمليكة، ابتسمت، وغنت، رأت، البشارة" وإذا ما توقفنا عند هذا المقطع والذي سبقه، سنجد الفرق بينهما، فهنا الألفاظ ناعمة وجميلة، والعبارات تنساب بسلاسة ودون أن تؤذي المتلقي، على النقيض من تلك في المقطع السابق، وهذا يشير إلى انحياز الشاعر للمسيح، الذي كشف وعرى الفهم الخاطئ لتعالم الله، ولسلوك المتوحش الذي سلكه "الشعب المختار" وهذه الفكرة لا تصل من خلال تقدم القارئ من التعهد الجديد فحسب، بل من خلال القصيدة أيضا، فالنعومة والانسيابية التي جاءت بها الألفاظ، وجمالية المقاطع كلها تبين الفرق بين العهدين/النهجين القديم والجديد.
وهنا نتوقف عند التسلسل الذي استخدمه الشاعر في القصيدة، فبدأ بالمعتقدات القديمة عشتار والبعل، ثم بالعهد القديم، ثم الجديد، وهذا التسلسل (التاريخي) منسجم ومتلائم مع الحقيقة التاريخية، وكأن الشاعر بهذا التسلسل يقول أن تاريخ "الشعب المختار" كان تاريخا مختلفا ومتناقضا مع تاريخ المنطقة، فعندما غرب اسطورة "عشتار والبعل" أكد على الخصب والحياة التي كانت تنعم بها أرض كنعان، وعندما تحدث عن المسيح الذي أعادة إلى الطبيعة الهادئة والجميلة إلى أرض كنعان، بينما حديثه عن "الشعب المختار" كانت القسوة والسواد هما المهيمن، وبما أن العهد الأسود جاء بين عهدين أبيضين، فهو عهد عابر/طارئ، ولن يستمر، فلم يترك أثرا على الحياة/الخصب.
ضمن هذا التاريخ وهذا الرؤية الشاملة يقف الشاعر، متفكرا بواقعه كأسير خلف القضبان ، فيستنتج/يصل إلى مجموعة من الأفكار ليحافظ على وجوده :
"حارب نهايتك البعيدة كي تُصالحَ أولك
واجه حماقتك الشديدةَ كي تُقابلَ حكمتك
قاتل هواجسك العديدة كي تُلاقي مأمنك
واقرأ تجاربكَ الجديدةَ كي تجد ما يكتُبك
وأفرغ وساوسك العنيدة كي تجد ما يملؤك"
رغم المباشرة التي جاءت بها الأبيات، ألا أن الحكمة التي تحملها تزيل وتخفف من (رتابة) المباشرة فيها، ويمكنا إيعاز (المباشرة) إلى أن الشاعر يخاطب/صديقه عبد الرحيم الشيخ، ومن حقه أن يخاطب نفسه/صديقه بالطريقة التي يريد، فهو لا يخاطبنا نحن المتلقين.
وإذا ما توقفنا عند الأبيات سنجد حالة من التناظر/الصراع حاضرة فيها: "نهايتك وأولك، حارب وتصالح، حماقتك وحكمتك، هواجسك ومأمنك، أفرغ وتجد" وكأن الشاعر استمد من الاسطورة والتاريخ وكتشف أن الكبوة/التراجع حالة طبيعية، فسيتبعها الخير والفرح، من هنا جاءت طريقة طرحه للحكم السابقة منسجمة مع فكرة الخير في الملحمة الكنعانية والحركة التاريخ.
إذا كانت فكرة (الخصب والجذب) قد جاء في المقطع السابق بوعي وتفكير، فأن الشاعر يقدمها في هذا المقطع بدافع من العقل الباطن:
"أُفشي لنفسي سرها
إن الحنين هلاكها
فيما الغزالات الجميلة سر قوتها ونقطة ضعفها"
لهذا جاء صريحا مع نفسه "الحنين هلاكها" ويعترف أيضا بوجود صراع نفسي يعانيه، "قوتها وضعفها، أفشي وسرها" وإذا ما اخذنا المقطع كاملا سنجد البياض يغلب على السواد، إن كان في المعنى أم في الألفاظ المجردة، وهذا يعكس الأمل الذي يتغلب على اليأس.
يقربنا الشاعر أكثر من مشاعره/مما يحس به:
"يا قلبُ ويحكَ دُلني
يا قلب أين تقودني
نحو البدايات السعيدةِ
حين كان القلب مكشوفاً على لوح الجلالة والجلال
أم نحو دهليز النهايات البعيدة
حين يغدو الغيبُ مسكوناً
بهاجس الانبعاث والاكتمال"
هذا المونولوج يعكس إنسانية الشاعر، فهو إنسان/بشري وليس آلة/ماكنة لهذا يتقرب منا نحن القارئين، كاشفا ألمه وحالة الصراع/الأمل والألم الذي يثقل كاهله، وإذا علمنا أن صيغة النداء غالبا ما تستوقف المتلقي متفكرا فيما يقدم له، يمكننا الاستنتاج أن الشاعر لا يريدنا أن نقف/نعتقد أننا أمام (سوبر مان) بل أمام إنسان، يتألم، يفكر بالفرح وبالحزن، فهو يؤكد على نقاء وطهارتها "البدايات السعيدة"، والغباش وتلوث الواقع/دهليز النهايات البعيدة، فهو يدعونا ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى التقدم من البدايات والتراجع والابتعاد عن النهايات، ونجد جمال في الطريقة التي قدم بها الشاعر المقاطع السابقة، حيث نجد العاطفة والحميمية فيها، وهذا ما يجعلها تدخل القلب والعقل معا، فترسخ كمشاعر وكفكرة.
يستخدم الشاعر اللفظ والمعنى في رسم البياض الذي ينشده:
"وألف طوبى للجمال
إذا تحدرَ من سُلالات الزواج الحُرِ
بين فراشةٍ وقُرُنفُلة"
البياض المطلق حاضر في هذا المقطع، وهو ناتج عن زاوج بين انثتين "الفراشة والقرنفلة" فالأنثى الواحدة تمنح الفرح وتنشر الجمال، فما بالنا بمؤنثتين؟.
والقصيدة لا تخلو من الصور الشعرية، التي ينثرها الشاعر بين الأبيات:
"والفصولُ بشارةٌ: للحالمين بعودةٍ بعد
الغيّاب
للعالقين بقسوةٍ في برزخٍ
بين الكهولة والشباب"
ما يحسب للشاعر في هذا المقطع أنه يقدم صورة ألم الانتظار بأقل الأضرار، فالفكرة وصلت للمتلقي، لكن الجمالية التي جاءت بها، تخفف من وطأة القسوة، فالبرزخ/الحاجز لا يكمن في المعنى فحسب، بل نجده في الألفاظ المجردة: "بعودة والغياب، الكهولة والشباب" وللافت أن هناك أيضا لفظين يشيران إلى انعدام الحركة "البرزخ وللعالقين" كل هذا يجعل فكرة المقطع قاسية لكنها تصل مخففة على المتلقي.
من يتابع ما قدمه الشاعر "كميل أبو حنيش" يجد الأمل حاضرا في قصائده، إن كان بطريقة غير مباشرة، أو في خاتمة القصائد، التي غالبا ما تجيء حاملة للفرح وللخلاص:
"والدرب يحجبه الضباب
وستنتهي هذي القصيدة
وسينتهي وجع التمني
والذهابُ إلى الإياب
بدءٌ برسم الانتهاء
عودٌ على بدء القصيدةِ
والفصولُ بشارةٌ: للحالمين بعودةٍ بعد الغيّاب
للعالقين بقسوةٍ في برزخٍ
بين الكهولة والشباب
ولربما تغدو الفصول اشارة للراقدين
براحةٍ تحت التراب
أو ربما تغدو الفصول بشارة
سِرُ الشِفاءِ من الحنين
إذا استحالَ الى عذاب
وسينتهي هذا الخريف
سينتهي
وسيُولدُ الوقتُ الجميلُ
وينتهي عصرُ اليباب"
تكرار فعل "سينتهي" أكثر من مرة يشير إلى الأمل الكامن في نفس الشاعر، والجميل في المقطع السابق، أن فعل "سينتهي" تبعه مباشرة "إلى إياب"/البدايات الطاهرة والنقية وليس الواقع/الحاضر المؤلم والقاسي، ولافت أن الشاعر يستخدم الزمن في خاتمة القصيدة ليؤكد على وحدة موضوعها، فنجد: "الفصول، الخريف، الوقت، عصر" والشاعر في الخاتمة لا يكتفي بالحديث عن الزمن/الوقت بل يربطه بالأرض/بالمكان: "الدرب، والذهاب، الإياب، بعودة، للراقدين، التراب، اليباب" فهذه الألفاظ بمجملها متعلقة بالمكان، بالأرض، فالألم والقسوة لا تجري/تحدث في الفضاء بل على الأرض، من هنا أكد زوالها من خلال سينتهي الخريف، وسيولد الجميل.
القصيدة منشورة على صفحة كمال أبو حنيش شقيق الأسير




الشاعر والمرأة والواقع
كميل أبو حنيش
"صفا فؤادي"
لا شك أن الواقع العربي في أسوأ ما يكون، وهنا يتعاظم دور الأنبياء والمصلحين/الثوريين، لكنهم أيضا بشر مثلنا، يتعبون، يتألمون، يعانون، لهذا، من حقهم على أنفسهم أن يحصلوا على استراحة، أو يستعينوا بما يساعدهم، لإكمال الدرب وإيصال رسالتهم، وبما أن الشعراء هم أنبياء هذا العصر، نراهم حاضرين في المشهد، يحدثوننا عن الإيمان، عن القهر الذي نعانيه، وعن طرق الخلاص، كاشفين المفسد من المصلح، ومقدمين الأمل على اليأس، والإيمان على الكفر.
الشاعر "كميل أبو حنيش" يبين حقيقة الواقع، ولكنه لا يكتفي بهذا، بل يضع الحلول، لكنه لا يقدمها جاهزة، بل على القارئ/المتلقي ان يكتشفها، وإلا فقدت أثرها وفاعليتها، يبدأ الشاعر القصيدة مخاطبا المرأة:
مَرحى لِرَسمِكِ يا فَتاة"
يَرِقُ قَلبي حينَ أَرْنو في عُيُونِ غَزالَتي
فَأَرَى الجَمالَ وَقَدْ تَأَلَقَ في الفُؤَاد
أرَخى سَكِينَتَهُ عَلَيّ
مَعْ أَنَّهُ ينسابُ مُكتَسِياً
بِحُزنٍ قَدْ تَقاطَعَ مَعْ ظِلاَلِ الكِبرِياء
في القَلبِ مُتَسَعٌ لهذا الحُبْ،
قَلبي تَسَمَّرَ لحظةً
ثُمَ انحَنى لِتَحِيَةِ الآتي الجِدِيدْ
فَعِمِيْ صَباحاً يا ابْنَتي
لا شَيءَ يَحجُبُ عَنْ فُؤادي سِحرَ عَينَيّكِ
اللتَينِ أَطَلَتا مِنْ خَلْفِ هذا الغَيبِ
فَانْقَشَعَ السَدِيمُ عَنِ السِنينْ
يا ظَبْيَةً شَرِبَتْ نَقِيَ الماءِ
مِنْ بَرَدَى وَدِجْلَةَ والفُراتْ
فَغَدَتْ تَمِيسُ بِسِحرِها الشَامِيُّ والبَدَويْ
وبِسِحرِ أرضِ الرافِدَيّنْ
كَيفَ السَبِيلُ الى وِصَالِكِ يا فَتاةْ
وهَذِهِ الأَوْقاتُ والآفاقُ والفُلُواتُ
تَملَؤُها السُجُونْ، حَوائِطُ الأَسلاكِ والإِسْمِنتِ
أدْفِنَةُ الحُرُوبِ
مَعَ انتشارِ الذُعرِ والأشلاءِ
في وطَنِ المَحَبَةِ والسَّلامْ"
مخاطبة المرأة بهذا الشكل وبهذا الطرح، يؤكد على أهمية حضورها عند النبي/الشاعر، فهذه الفاتحة تشير إلى تعب النبي/الشاعر، فأراد الاستعانة بها لتريحه، لتمنحه شيئا من السكون، ليتقوى على مواجهة الواقع، فهو يخاطبها ليستعين بها، إذن نستنتج: هي قوية وتمده بالقوة، بالطاقة، وهذا المؤشر لوحده كاف، لإيصال فكرة دور المرأة وأهميتها في عملية الاصلاح/الثورة، ولن أقول أن الشاعر متأثر بالشعر الجاهلي الذي جعل المرأة وحضورها في فاتحة القصائد، بل أن الشاعر يقدمها في فاتحة قصيدته، من خلال واقعه هو، واقع أمته، فكان هذا الحضور.
وما يؤكد قولنا، حضورها في متن القصيدة وحتى آخر بيت فيها، فهي المخاطبة، ونجدها في كل مقطع من مقاطع القصيدة، فهي العون للشاعر، وهي الوسيلة التي استخدمها لتكون حاجزا بينه وبين القارئ/المتلقي، فجاء خطابه بصورة غير مباشرة، موجها للفتاة، وهذا (الحاجز/الفتاة) هو الذي تلقى الخطاب عنا نحن القراء/المتلقين، فأبعدت القصيدة عن المباشرة والصوت العالي، وأيضا أضفى لمسة من الهدوء والنعومة عليها، ما جعل القارئ يتجاوز فكرة السواد والقسوة الكامنة في فكرة القصيدة، وهنا يكون أثر المرأة ليس على النبي/الشاعر فحسب، بل انعكس أيضا على القارئ، وهذا يجعل الشاعر والقارئ معا، يستوعبان مكانة وأهمية دورها.
وإذا ما فككنا أبيات المقطع الأول من القصيدة، سنجدها شبه مطلقة البياض، ـ إذا ما استثنينا البيتين الأخيرين، حيث اجتمعت الفكرة البياض والناعمة مع الألفاظ، وهذا الكم ولنوعية من البياض ما كان ليكون، دون وجود مكانة للمرأة في العقل الباطن، فبدا بياض الفاتحة وكأنه الطاقة التي يتزود بها الشاعر، ليبدأ رحلته لإيصال الرسالة التي كلف بها.
واللافت في هذا المقطع أن التحول للقسوة جاء بعد لفظ "السجون" مباشرة، "حوائط، الأسلاك، الإسمنت، أدفنه/ الحروب، الذعر، الأشلاء" وهذا ما يجعلنا نقول أن القصيدة لا يكتبها الشاعر، بل هي من تُكتبه، فبعد أن اكتملت وتغذت من قلبه وعقله، نضجت وخرجت إلينا، وإلا ما كان للفظ "السجون" أن يكون له هذا الأثر في القصيدة، أثر في المضمون واللفظ، حتى أنه محا الفتاة، فواقع الأسير خلف الجدران فرض ذاته على القصيدة، فكان هذا السواد.
بعد المقدمة، يبدأ اشاعر في مخاطبة "الفتاة" عن الواقع وما جرى فيه، فيتحدث عن الشام والعراق والواقع العربي البائس:
"والشّامُ ما انْفَكَتْ تَسِيلُ دَماً
وغزالتي قد أجفَلَتْ في رَوضِها
فَزِعَت وَفَرَّتْ في البَرارِي النائِياتْ
هذا الربيعُ قد استحالَ إلى خَريفٍ يا ابنتيْ
من بعدِ ما عَبِثَت بِهِ كُلُّ الأصابِعِ والبُغاةْ
فتَفَجّرَت هذي المآسي واستَحَلَ بِنا البِلاءْ"
هذا (السرد) الذي يقدمه الشاعر موجه بالأساس إلى الفتاة، وليس إلينا، ولكن المتلقي النبيه يعرف أن الفتاة هي الحاجز/الوسيلة التي أرادها الشاعر لتتحمل عنا قسوة الحديث عن الواقع: "دما، أجفلت، فزعت، وفرت، النائيات، خريف، عبثت، البغاة، فتفجرت، المآسي، البلاء" ولولا قوتها وصلابتها لما جعلها تتلقى هذه القسوة، وللافت أن الشاعر بعد ان تحدث عن فلسطين، "وطن المحبة السلام" وما فيها من ألم، بدأ حديثه عن الشام مباشرة، وهذا يشير إلى قربها منه، وإلى الحب والحنين الذي يحمله للشام، فهي الأقرب عليه:
"ويا بِلادَ الشامِ يا بَلَدي الحَبيبَةْ
كُلُّهم طَعَنوكِ يا بلد الرَوابي والسواقي واليَمَامْ:
الآباءُ والابناءُ
والإخوانُ والخِلانُ
والأعداءُ والحلفاءُ
والأخوالُ والأعمامُ
قد ولَغوا بهذا الدَّمْ
وتفاخروا بالفَتحِ والتَدميرِ والتَهجِيرْ
كُلُهُم ساقوا السَبايا
كلهم أدموكِ يا شامَ المحبةِ
مزقوكِ وحولوكِ إلى حُطَامْ"
يوضح الشاعر حبه للشام أكثر في المقطع السابق، حتى أن حبه انعكس على الألفاظ التي استخدمها، فكان السواد أقل رغم أنه يتحدث عن وجع وألم، واعتقد أن ذكر الاباء والابناء والاعمام والاخوال" جاءت ليعبر عن الحب والمكانة الكامنة في العقل الباطن، وهناك تأكيد في لمقطع السابق حينما قال يا "بلدي" وأتبعها ب"الحبيبة" وإذا أخذنا "يا شام المحبة" نكون أمام حالة توحد وانسجام بين الشاعر والشام.
مدلول لفظ الشام عن الشاميين يعني دمشق تحديدا، فهل الشاعر يعي هذا الأمر:
ما عادَ يَلزَمُنا المَغولُ أو التَتارُ أوِ الفِرِنجَ
لكي يَجوسُوا في الديارْ
ويدمروا بغدادَ والفيحاءَ والشَّهباءْ"
إذن سوريا هي حب الشاعر، وليس دمشق فحسب، والشاعر يتوسع في حبه، فنجد دمشق وحلب وبغداد، ويكمل الشاعر حديثه عن المآسي التي يعيشها الوطن، مبديا رؤيته حول العديد من القضايا، لكنه يختم القصية كما بدأها، يختمها بالبياض المطلق:
"وعِمي صباحاً يا ابنتي
أرنو إليكِ بِعَينِ قلبي كلَّ يومٍ
فأراكِ أجمل ظَبيَةٍ تَتَراقَدينَ على المدى
دامت لكِ الأيامُ والسَنَواتُ والعُمرُ المَديدْ
ودُمتِ لي
ولأَهلِكِ الوُدَعاءْ
يا حُلوَتي وصَفا فُؤادي
رُدي التَحِيةَ يا صفا
فالقلبُ فيكِ قَدِ احتفى
والياسمينُ وراءَ صَوتِكِ قد تَناثَرَ واقتفى
رُدي التَحِيَةَ يا فتاةْ
فَلَيسَ أبلَغ من حُروفِكِ
حين يعلو الثَغر وَهْجُ الإِبتِسامْ"
واعتقد أن هذا له علاقة بدور الرسالة، فالشاعر بهذه الخاتمة يؤكد على أن الخلاص من المآسي التي ذكرها لا يتم إلا من خلال وجود وفاعلية المرأة، وإلا ما تحول من البياض شبه المطلق الذي جاء في فاتحة القصيدة، إلى البياض المطلق في الخاتمة، وكأنه يقول ـ بطريقة غير مباشرة ـ أن المرأة قادرة على محو كل السواد القسوة الذي نعيشه، إذا تقدمت وحضرت، وهذا أكدته القصيدة، التي خلت خاتمتها من السواد، لفظا ومضمونا.
القصيدة منشورة على صفحة "كمال أبو حنيش" شقيق الأسير.








حجم ومضمون القصيدة
"نجم شحيح الضوء"
كميل أبو حنيش
هناك علاقة وطيدة بين الفكرة وحجم القصيدة، أحيانا نجد الشاعر يتماهى مع الفكرة، مع اللغة، مع النص، فيسهب في نصه، في النص، وأحيانا نجده يكتب فكرة مزعجة/مؤلمة فيستخدم كلمات قليلة، مختزلة يعبر بها عما يحمله من ألم، وكأنه بقلة الكلمات يشير إلى امتعاضه وانعدام انسجامه مع الواقع/ من يتابع ما ينشر الشاعر "كميل أبو حنيش" يجد أن قصائده موسعة، حتى تلك التي تتحدث عن الألم وواقع السجن وقسوة الجلاد، لكنه في هذه لقصيدة يقدم حجما جديدا، حجما (متواضعا) ـ إذا ما قورن بحجم القصائد السابقة، وهذا ما يستدعي التوقف عنده.
العنوان "نجم شحيح الضوء" يأخذنا إلى نجم/الأمل/الجميل/البوصلة/ لكنه شحيح/قليل/خافت الضوء، وهذا له علاقة بحجم القصيدة، فالقصيدة هي النجم الخافت/الشحيح/القليل الضوء، فالشاعر من خلال العنوان قدم لنا اشارة بأن هناك (شحا في الضوء/شحا في القصيدة ـ حجم القصيدة، كلمات القصيدة، ابيات القصيدة ـ.
يفتتح الشاعر القصيدة المكونة من خمسة مقاطع:
"أدنو وانأى عن تضاريسِي القريبةِ والبعيدةِ
كيف لي دربٌ أسيرُ عليهِ
في هذا الزمانِ الرخوِ
تغويني الدروبُ الأُخرياتُ فلا أُبالي
أنزوي خلفي
وأبحثُ فيِّ عن دربٍ قليلِ الخطوِ
عن جهةٍ تحُاصرُني وتملأنُي
إذا صارت جهاتي الستْ
يملؤها الخُواء"
يبدو أن الشاعر محتار، مضطرب، تائه، بصرف النظر عن المعنى/الفكرة نجد الألفاظ المجردة، تشير إلى هذا الاضطراب والتيه والعبث: "أدنو وانأى، القريبة والبعيدة، كيف اسير والدرب الرخو، تغويني ولا أبالي، أنزوي وأبحث، تحاصرني وتملأني" كل هذه الكلمات تشير إلى حالة الاضطراب، فهو (تائه) لا يستطيع تحديد الجهة/المكان الذي يجب أن يتجه/يذهب إليه، لهذا نجده يعبر عن هذا الاضطراب (انعدام قدرته على تحديد المسار) من خلال التناقضات، القريب والبعيد، وللافت أن حالة التيه تتفاقم، فأصبحت الجهات الأربع عنده "إذا صارت جهاتي الستْ" فمين أين أتت هذه الاضافة؟، واللافت أن الجهات الست، وليست الأربع يملؤها الخواء، وهذه اضافة تضاف إلى حيرته واضطرابه وتردده.
وإذا ما توقفنا عند كلمات: "انأى، الرخو، فلا ابالي، انزوي، تحاصرني، الخواء" نتأكد أن هناك حالة من (السيزيفية) يمر بها الشاعر.
"أرنو وأُغمض مقلتي فلا أرى بحراً أمامي
كي أشُقَّ مياهَهُ بعصا هيامي
أرتقي هذا الصعودَ
أنامُ مُكتظاً بحلمٍ ظل يغشاني طويلاً
ثم أغرقُ مُشرِعاً أملي
لعلي أقتفي أثراً النسورِ الطائراتِ بحبلها نحو السماء"
في هذا المقطع نجد الاضطراب لم يأت واضحا كما هي الحال في فاتحة القصيدة، بل نجده في (تشتت) الألفاظ والكلمات، "أرنو وأغمض، ، أنام مكتظا بحلم" فهنا نجد الفعل ونقيضه، ونجد التباعد في لفظ "بحرا وأغرق"، (ست عشرة كلمة)، وبين "وأغمض وأنام" (أثنا عشرة كلمة) وبين "الصعود والنسور" (ثلاث عشرة كلمة)، وبين "أرى وأقتفي" (واحدة عشرون كلمة)، كل ذا يشير ويؤكد حالة الاضطراب والتيه التي يمر بها الشاعر.
"أسمو وأهبط في كِياني
ليس لي أُفقٌ أطيرُ إليه
كي أمضي عن الإسمنتِ والأبواب
من حولي فأغفو ثُمَّ أحلمُ
أن هويتي تغولُ لِقِّمةٍ منثورةٍ بالياسمينِ
فلا أعودُ لصخرتي في الهاوياتِ
ولا أكِرُ إلى الهبوطِ أو الصعودِ
وينتهي عهدُ الشقاء"
في هذا المقطع نجد استخداما عاليا للحروف واسماء الاشارة: "في، لي، عن، من، ثم، إليه، أن، كي، فلا، ولا، إلى، أو" وهذا يحمل بين ثناياه (تعب) الشاعر فيتكلم بأقل عدد ممكن من الحروف، ليعبر عما هو فيه من (ألم ووجع)، كما أنه يؤكد على حالة الأفعال المتناقضة: "أسمو أهبط، الهبوط والصعود" وهنا يمكننا أن نجيب على السؤال من أين جاءت الجهات الست، فالأعلى والأسفل، الهبوط والصعود، هما جهتان تضافان إلى الجهات الأربع، وهما يتماثلان مع حالة سيزيف الصعود الهبوط.
ونجد (العبث) من خلال العقل الباطن للشاعر الذي استخدم تعبير "فلا اعود لصخرتي" فهو هنا يتحدث عن سيزيف حامل الصخرة، وهذا تأكيد آخر على حالة الاضطراب وضعف اليقين عند الشاعر.
"أطفو وأرسو في مياهي
ليس لي أرضٌ تُسَّمِرُني
فأرنو للسماءِ
فينجلي نجمٌ شحيحُ الضوءِ في أُفقي المحاصَّرِ
يستثيرُ عزيمتي ويحُثُني
كي أستقيمَ مواصلاً
درب السباحة للأمام وللوراء "
نجد التأكيد على الحالة (السيزيفية) من خلال "أطفو وأرسو، للأمام وللوراء" لكن هناك بزوغ (لإرادة/لعزيمة) جديدة، نجدها في (كثرة استخدام للألفاظ البيضاء: "أرسو، فأرنو، أرض، سماء، فينجلي، نجم، الضوء، أفقي، يستنير، عزيمتي، يحثني، استقيم، للأمام" لكنها لم تكتمل بعد، وما زالت في طور النمو والتطور، وهذا الأمل/الأفق تضعيف:" فينجلي نجمٌ شحيحُ الضوءِ في أُفقي المحاصَّرِ".
"أغفو وأصحو
باحثاً عن سلمٍ للارتقاءِ لعالمي
والانعتاقُ من الدوائرِ والدهاليز
التي تُرخي سدولِ ظلامِها
في مُقلَتيَّ
وأحتفي متلمساً
أثرَ الدروبِ المُفضياتِ إلى البهاء"
خاتمة تقدم (القليل) من الأمل، وهذا ينسجم مع (قلة عدد الكلمات) في القصيدة، وإذا ما توقفنا عند هذا المقطع نجده منقسما بين السواد الذي جاء في البداية: "سدول ظلامها" والبياض الذي ختم به: "وأحتفي أثر الدروب" وأعتقد أن استخدام الألفاظ البياض: "أصحو، للارتقاء، والانعتاق، ترخي، مقلتي، وأحتفي، المُفضيات، البهاء" تحمل بين ثناياها الأمل والفرح، رغم
(سيزيفية) القصيدة.
القصيدة منشورة على صفحة شقيق الأسير كمال أبو حنيش

.




كميل أبو حنيش وكعك العيد
أحيانا نحتاج إلى راحة/استراحة، لكي نتقدم بصورة سليمة وقوية إلى الأمام، فكثرة مشاغل الحياة تجعل من الاستراحة ضرورة لا بد مهنا، شاءت الظروف أن يكون بداية (العمل) بمقالة "كعك العيد على بوابة السجن"، كنت قد قرأت مجموعة قصصية بهذا العنوان منذ زمن بعيد، وها هو "كميل أبو حنيش" يذكرني بها لكن بطريقة واسلوب جديدين، في مقالته يتحدث عن زيارة صديقه الدكتور "حسن" وما واكبها من مشاعر إنسانية (تشتت) بين الاهتمام بصديقه "حسن" أم بشقيقه "فؤاد": "كانت تساورني تلك اللحظة مشاعر الخجل فكيف سيكون بوسعك أن تكون مرتاحاً في زيارة الأهل بينما يمضي رجلٌ عدة ساعات في قاعة الانتظار" الكاتب "كميل أبو حنيش" في هذا المقطع يؤكد على أنه ما زال مترعا بالإنسانية بكل ما فيها، ولم ينل السجن ولا السجان منها قيد أنملة، فإحساسه المرهف ما زال متقدا ومتوهجا، ينير الدرب أمامه، فالإنسانية هي العمود الفقري والمركز الذي يستند إليه الأديب، ليبقى حاضرا كإنسان قبل أن يكون أديبا..
ويحدثنا عن الهدية التي أعدتها "سميرة، أم ديمة" زوجة الدكتور "حسن" والمتمثلة بكعك العيد: "لقد أعدت لك سميرة كعكاً بيتياً وأرسلته معي كهديةٍ للعيد". :وهنا يصعد الأديب درجة أخرى ترفع مكانته إنسانيا، يعبر عن هذه المشاعر بقوله:

"أثارت عبارته أحاسيس مدفونةً في أعماقي، إذ كيف بمقدورك أن تشرح عن قيمة هذه اللفتة الرائعة وهي تنبض في الفؤاد، فطوال سنوات أسرك السبع عشرة لم يتذكرك أو يخصك أحد بهدية مماثلة" التواصل بين الأديب ومن هم في الخارج هو المثير والمدهش، فكلاهما يهتم بالآخر، ويفعل ـ قدر المساحة الممنوحة ـ ما يسعد ويفرح الطرف المقابل، وهنا يدخلنا الأديب إلى من يقف حائلا دون التواصل الطبيعي بين الفلسطينيين، وحتى التواصل بين إنسان هو أدين ظلما بقوة قانونهم المجرم وبين أهله وأصدقائه، فالممنوعات والمحظورات لا تعد ولا تحصى: "أما الوجه الآخر والأجمل لهذه الحكاية هو أن السيدة سميرة لا تعلم أنه من غير المسموح به إدخال مثل هذه الهدايا إلى السجن، أما ما هو مسموح بإدخاله فيقتصر على الثياب والكتب بشرط إدخالها من خلال الأهل أثناء الزيارة" إذن هناك حاجز يحول دون اتمام التواصل الطبيعي بين (السجين) وأهله/أصدقائه، فما هي طبيعة هذا الحاجز، ومم يتشكل، وما هي طريقة عمله؟: "لم يساورني شك بإمكانية السماح بإدخالها لأن ذلك يعني تغييرا في الإجراءات والسياسات، الأمر الذي يحتاج إلى قرارات عليا، قد تصل إلى وزير الأمن الداخلي في ظل بيروقراطية جافة وطويلة وعنصرية، لا تفهم لغة المشاعر الإنسانية، ويصبح أفراد هذه البيروقراطية مجرد براغٍ في آلة صماء" الملفت للنظر أن البشر من الطرف الآخر/الاحتلال يتحولون إلى آلات، فلم يعد يربطهم بالإنسانية شيء ـ إذا ما استثنينا الشكل/الهيئة، وما دونه أمسوا ماكنات تعمل بطريقة آلية، وتستجيب فقط لما تؤمر به من المُشغل، يوضح لنا الأديب هذا الأمر بقوله: "لا تفهم لغة المشاعر الإنسانية، ويصبح أفراد هذه البيروقراطية مجرد براغٍ في آلة صماء" المفارقة بينهم وبين الفلسطينيين أنهم يتوقدون إنسانية، فها هو الدكتور "حسن" يأتي من (فج عميق) يتحمل تبعيات السفر، وإجراءات التفتيش الدقيقة والانتظار الطويل، لمجرد أن يزور صديقا لا يعرف هيئته ولا شكله، فقط يعرفه من خلال ما يكتبه من شعر وروايات ومقالات، فتكونت بينهما علاقة إنسانية تطورت بأن تعمل "سميرة" زوجة الدكتور كعكا للأديب، بينما السجان الذي يعيش مع (السجين) ويرى ويسمع أجراس الإنسانية التي تقرع يوميا داخل السجن يبقى "صما بكما عميا" وهنا تكمن المفارقة بين الفلسطيني وبين الاحتلال، السجان.
ويختم الأديب مقالته رابطا بين حالته وحالة اصدقائه وأهله من جهة، وبين وحالة السجن والسجان والنظام الرسمي العربي من جهة أخرى: " وكانت سلة الكعك رسالة احتجاج ومظاهرة على بوابة السجن أربكت السجان أكثر مما تربكه المدافع العربية، احتاج إلى أن يلجأ إلى مستشاره القضائي كي يمده بفتوى تسمح بدخول الفرح " وبهذا يكون "كميل أبو حنيش" قد اكمل الصورة، صورة الأسير الفلسطيني وصورة الأهل والأصدقاء، وصورة السجان والاحتلال.
المقالة منشورة على صفحة كمال أبو حنيش على الفيس




















"الأبواب الزرقاء" والحرية كميل أبو حنيش


"الأبواب الزرقاء" والحرية
كميل أبو حنيش
بداية أنوه إلى أننا امام شكل أدبي جديد، يجمع بين المقال والرسالة، ويحمل افكارا جديدة، غير مطروحة "تصوف الأسير" والتي تحرر جسده من الجدران وغرف الزنازين، والانعتاق إلى الفضاء والحرية، والطريق التي يتبعها "كميل أبو حنيش" تمثل بالتوحد والحلول في التخيل، والتي ستمنح/تعطي الصوفي طاقة الكتابة، والتي تمثل المظهر (الخارجي) لتصوف الأسير، لكنها أيضا تحمل صورة وحقيقة هذا الحلول/التوحد وتوصله إلى حالة الكمال الكلي.
عندما يكون الإنسان محكوما بتسعة مؤبدات، فهذا يعني له انتهاء الحياة، لكن عندما يكون سبب هذا الحكم البحث عن الحرية، أو للحصول على الحرية، أو طريق الحرية، فسيكون هناك طريقة أخرى للتعامل مع هذه المؤيدات التسعة.
الرسالة المنشورة من (داخل السجن) مفعمة بالحرية والانطلاق، فالكاتب يبدأ الحديث بصيغة أنا المتكلم، عن أنا: "أحتار في تفسير أسباب اختيار اللون الزرق لطلاء أبواب الغرف والزنازين في السجون الإسرائيلية، سأجازف وأقول بأن السبب يكمن في أهداف عدوانية لما ترسمه الألوان القاتمة في النفس البشرية"
أن ينطلق الإنسان من واقعه امر طبيعي، لكن أن يُبدأ الحديث عن مواجهة هذه "الغرف والزنازين" من خلال الحركة عكس الزمن/الوقت، فهذا يشير إلى الحركة والفاعلية والصدام/المواجهة "الكائنات البشرية التي تقبع خلف الأبواب الزرقاء الموصدة طيلة الوقت، عدا عن بعض الساعات القليلة التي نمضيها في الدوران في ساحات السجن الضيقة، ندور بعكس عقارب الساعة بصورة لاإرادية وكأننا لا شعورياً نتمرد على الزمن الذي يسلب منا حقنا في الحياة الطبيعية" الكتاب يطرح المواجهة بشكل واضح (ومباشر)، لكن فكرة الحركة العكسية هي الملفتة للنظر، وهي ما تؤكد على أننا أمام كاتب محترف، يحسن التعبير ويتقن فن صياغة الكلمات، وهذا أول تمرد (غير مباشر) على السجن والزنازين، وأيضا أول مظهر من مظاهر الحرية التي (ينعم بها) كميل أبو حنيش.
إذن الكتابة الابداعية أحد أشكال الحرية التي يمارسها "كميل أبو حنيش"، وقد عبر عن هذا الأمر بصورة (مباشرة) عندما قال: "وحين أكتب أحاول استيجلابها من خلال اللغة، فكما يقول فرناندو بيسوا " عندما أكتب أزور ذاتي بجلال"/ "عندما أكتب ما يمليه عليّ حدسي لأن الكلمة حرة ومن خلالها سأكون حراً" أبداع الكاتب يكمن في أنه عندما يتحدث بشكل (مباشر) يقدم أفكارا عميقة، أبعد مما تبدو على السطح، وهذا يستوجب من القارئ التوقف والتأمل فيما يقدم له من أفكار، فالحرية فيما سبق تمتزج بين الكتابة والذات الكاتبة، وكأن الكاتب يقول عن الكتابة ـ وهي أول مظهر لوجود الحضارة والثقافة الإنسانية ـ ها أنا أؤكد وجودي وحضوري الثقافي والإنساني من خلال ممارستي لها، فأنا بالكتابة أخلق/أوجد ثقافة إنسانية جديدة.
والمظهر الثاني للحرية نجده في العقل الباطن للكاتب، فهو يتحرر من (أنا) المتكلم، ويبدأ الحديث عن الآخر/الآخرين، فقد انعتق من الأسر وتحررت نفسه من الغرف والزنازين، وأخذ يتحدث (من خارجها): "ومع الوقت سيزودك الأسر بمفاتيح ستفتح بها أبوابك السرية، وهنالك خلف أبوابك ستكتشف هذا العالم اللامتناهي ليس للنفس البشرية بتكويناتها العجائبية فحسب وإنما قد تصل بك إلى المسارب الوجودية التي تفتح لك فضاءات الوجود بجلالها الشاهق وجمالها الساحر، وستجد الطريق والمسالك مفتوحة على مصاريعها أمامك، فهل تجرؤ على عبورها؟.
هنالك خلف أبوابك التي كانت موصدة والتي لتوك باشرت بفتحها والولوج من عتباتها، ستعثر على معالمك الأثرية وعلى خرائطك وكنوزك المدفونة في الأعماق وستتراءى أمامك مدن الأحلام بجماليتها الفاتنة، ستجد هناك ذاتك التائهة والحائرة، ومجاهيلك الشاسعة، وستجد أن قضية الزمن هنالك خالية من أي معنى" لهذا جاءت كلماته تغوص في الأعماق، وتحمل أفكارا تتحدث عن إثبات الوجود وتحقيق الذات، فهو ـ بعد ان حرر ذاته ـ وهو الحكيم العالم بحقيقة الزنازين يقدم خلاصة أفكاره (للآخرين المعتقلين)، ويقدم لهم كل خبرته في الحصول على الحرية، فيتحدث عن الوقت وكيف ينتصر عليه، وعن التخيل ودوره في تحرير العقل، ولكن التخيل هنا يتجاوز المفهوم العادي/الذي نعرفه، فهو يقترب من شكل "اليوغا" و حالة التصوف، الذي تحل فيه النفس في الذات الإلهية، فيكون المتصوف وفكرة التخيل شيئا واحدا، واعتقد ان فكرة (تصوف الأسير) فكرة جديدة لم تطرح بهذا العمق وبهذا الشكل، وهذا ما يجعلنا نؤكد على تحرر الكاتب وتحلقه بعيدا في آفاق الفكر والوجود.
وقبل أن تغادر هذا المقطع، نتوقف عند الألفاظ البياض التي يستخدمها الكاتب، والتي سنجدها تتغلب وتتجاوز السوداء، وهذا دلالة على أنه يعطي مثلا حيا على فكرة (تصوف الأسير)، فهو لا يكتفي بتقديم النظرية فحسب بل يطبقها: "بمفاتيح ستفتح بها أبوابك، ستكتشف هذا العالم اللامتناهي، المسارب الوجودية التي تفتح لك فضاءات الوجود بجلالها الشاهق وجمالها الساحر، وستجد الطريق والمسالك مفتوحة على مصراعيها أمامك، ... باشرت بفتحها والولوج من عتباتها، ستعثر على معالمك الأثرية وعلى خرائطك وكنوزك المدفونة في الأعماق وستتراءى أمامك مدن الأحلام بجماليتها الفاتنة" اجزم أن مثل هذا البياض لا يمكن أن يأتي إلا من نفس حرة وذات متحررة، وهنا نتقدم خطوة أخرى من فكر (تصوف الأسير) الذي يمحو ويزيل الجدران ويفتح الأبواب ويشرع النوافذ، ويقدم نظرية فلسفية: "أبحث عن العالم في ذاتك... ولا تبحث عن ذاتك في العالم... ابحث عن الوجود في ذاتك... ولا تبحث عن ذاتك في الوجود... إنها جدلية الإنسان في رحلة التيه الطويلة... هي مأساته الكبرى وهو يبحث عن المعنى في قلب عالم بلا معنى، "لكنها مقرونة بشواهد واقعية، ولا ادل من هذه الرسالة، التي تمنح الحرية لكل من يعمل بها، فالحرية عظيمة، وتحتاج إلى بذل جهد وطاقة، "وكميل أبو حنيش" يعطي مثلا حيا على هذا الأمر، ليس من خلال "المؤبدات التسعة، فقد تجاوزها وتحرر منها، فمن يكتب مثل هذه الرسالة بالتأكيد هو حر، وإلا ما قدم هذه الفلسفة وكتب لنا هذه الافكار التي تسهم في تقدم الثقافة الإنسانية وترفع من مكانة الإنسان ودوره في تجاوز الواقع، حتى لو كان قاسيا ومؤلما.
"لا تحفل بالأبواب الزرقاء بعد أن سلمك الحلم مفاتيح الذات الموصدة فهنالك خلفها يتراءى عالم الحرية وهنالك حتماً ستكون حراً وبلا قيود تفتح أبوابك ونوافذك على الوجود لكي يدخلك الهواء النقي فتعبرك الشمس بدفئها، وتنبعث بك روائح الخزامى والياسمين، وهنالك سينمو في أحشائك عالم جديد"
خاتمة الرسالة جاءت لتؤكد فاعلية وواقعيته "تصوف الأسير" فالبياض الكامن فيها، وغلبة الألفاظ الناعمة الحاملة للأمل، على تلك السواداء تؤكد على نجاح فكرة "كميل أبو حنيش" (تصوف الأسير).
الرسالة منشورة على صفحة كمال أبو حنيش شقيق الأسير.
.




























كميل أبو حنيش
لقد صرت أبا
رسائل من القلب
ارتأيت تسمية ما يرسله كميل أبو حنيش من المعتقل برسائل، لأنها تحمل مجموعة قضايا وأفكار، ولوجود مشاعر نابعة من داخل الشاعر، منها ما جاء بوعي، ومنها ما يأتي دون وعي، وللافت في هذه الرسائل حضور المناضل الإنسان، وليس المناضل الخارق الفولاذي، وما يحسب لهذه الرسائل أنها تعد شكلا من أشكال مواجهة السجان، الاحتلال، فعندما يكون هناك شاعر/أديب، يقدم أدبا راقيا وبلغة جميلة، تحمل أفكارا تحررية وإنسانية، ومن داخل الزنزانة، فهذا يعد اختراقا وتجاوزا لجدار السجن، وانتصارا على السجان الذي يعمل على قتل السجين، قتله كإنسان، وقتله كمبدع/ككاتب.
ولكي نتعرف على "لقد صرت أبا" ألخص ما جاء في الرسالة، تبدأ بالحديث عن الأسرى، منهم العازب ومنهم المتزوج، فهموم الأعزب تكون أقل، بينما هموم المتزوج أكثر، لكن مع الزمن يشعر الأعزب بالوحدة، يحلم (المرسل) بأن تكون له بنت "شادن" والتي جاء اسمها بسبب الظبية التي ماتت بعد أن أرضعها حليبا اصطناعيا، من خلال النت وبواسطة شقيق الأسير "كمال" يتم التعرف على "صفاء"، فتاة من سورية ترغب بأن يكون "كميل أبو حنيش ابا لها، وهنا يحدث (صراع) بين ابوة شادن الحلم، وأبوة صفاء الحقيقة، ضمن هذه الوقائع تتأتي رسالة "لقد صرت أبا".

الوقت
الوقت أحد عناصر الضغط على الأسير، لهذا يشكل ثقلا عليه، فهو (شيء/عنصر) يتعامل معه الاسير بغير ما يتعامل معه من هو حر طليق، يقدم لنا المرسل هذه الرؤية عن الوقت/الزمن: " كنت في السابعة والعشرين من عمري عندما ولجت قدماي عتبة السجن المؤبد، وبوسعي أن أزعم أن إحساسي بالسجن لم يتغير حيث لا زمن إحساس فلقد توقف عمري عند السابعة والعشرين رغم وجود ستة عشر عاماً على وجودي في الأسر وبهذا يكون عمري الحقيقي اليوم هو ثلاثة وأربعين عاماً؛ فالعمر يقاس بالشعور لا بعدد السنوات كما يقال،"
هناك الفرق بين من العمر الحقيقي والافتراضي، فالعمر الحقيقي هو المدة التي كان الأسير ينعم بالحرية، فزمن الاعتقال لا يحسب من العمر، لأنه أوقف مسار الحياة، من هنا يكون العمر الافتراضي ثلاثة وأربعين عاما، والحقيقي الذي نعم فيه بالحياة وعاشها بشكل طبيعي وسوي سبعة وعشرين عاما.
والمرسل لا يتحدث عن نفسه فقط، بل نجد الشعور بموت/توقف الزمن عند كل الأسرى: "ويشعرون بأن أعمارهم قد توقفت عند اللحظة التي دخلوا فيها السجن" عرفنا في الروايات التي تناولت الاعتقال عن ثقل وبلادة الوقت، الذي يسير برتابة وبطء، لكن هنا نجد الزمن ميتا/جثة لا تتحرك بالمطلق، لهذا نجد الأسرى يعانون من موت الوقت: "ففي السجن ثمة نزيف متواصل لسنوات العمر وشعور عميق بالخسارة والحرمان،" وهنا اشارة إلى إنسانيتهم التي يثقلها فقدان الزمن وضياعه.
ومن مشاكل الأسرى مع الزمن الحياة الرتيبة والمتكررة يوميا، بحيث يشعر الأسير ب: "ويجد نفسه يحيا في زمنا أيامه وإجراءاته متشابهة، وبهذا يظل يدور في هذه الحلقة الجهنمية المفرغة" فالأثر السلبي لا يأتي مرة واحدة بل من خلال التكرار، الذي سيعمل على إحداث تغيير سلبي على الأسير، فتعداد/كمية التكرار يؤكد على: "ومع توالي السنوات يصيبك نوع من الضجر وأنت تعيد اجترار الذكريات الماضية" إذن الزمن ميت بالنسبة للمرسل، وحتى عندما يواجه واقع السجن بالأحلام، ويختلق "شادن" الابنة، يبقى الزمن ثابتا عند لحظة ولادتها، فتبقى طفلة تحبو رغم مرور ثماني سنوات على ولادتها: "ولا تزال تحبو ولم تكبر منذ ثمانية أعوام وتوقف الزمن لديها مثلي، لا تزال في عمر الزهور" كان يمكن أن نستوعب موت الزمن بالنسبة لواقع/لحقيقة الأسر، لكن أن يوقف الأحلام/الخيال، فهذا يعد كارثة مفجعة، كيف لا تنمو تتطور الأحلام وتتفاعل مع الزمن؟، وهنا يطرح المرسل حجم الضغط الواقع على كاهل الأسرى بطريقة غير مباشرة، فواقع الجداران انعكس على طريقة التفكير، ومن ثم أمات وجمد كل الأحلام، وأبقاها تعيش تحت سقف زمني لا يتحرك.
لكن بعد دخول "صفاء" السورية ابنة الثلاثة والعشرين عاما في حياة المرسل، وجدت نفسه أمام معضلة الوقت، الوقت الحقيقي والوقت الافتراضي، "بدخول "صفا" في حياتي تنبهت لعمري وتنبهت للزمن فأنا أكبرها بعشرين عاماً عندها شعرت بالرعب فنحن نحسب أننا ما زلنا صغاراً، وبعد أن بدأت باسترجاع ذاكرتي وجدت أن من هم في عمري بات لديهم أبناء وبعضهم بات لديهم أحفاد، كيف انهمكنا بحياة السجن ونسينا أعمارنا التي نبتت دون أن نشعر بها ؟. "السؤال الذي جاء في ذيل المقطع الأخير موجها للأحرار، لمن هم خارج السجن، فهو يختزل مأساة الزمن بالنسبة له ولرفاقه، فابنته في الثالثة والعشرين وهو ابن ستة وعشرين، فكيف سيكون ابنا لصفاء؟.
المذهل في هذه الرسالة وجود الابنة الحلم "شادن" والابنة الحقيقية "صفاء" فالأولى بقيت تعيش معه ولم تنم، تكبر، كحال المرسل تماما، فقط توقف الزمن بالنسبة له ولأحلامه "شادن"، لكن الابنة "صفاء" جعلته يعي الحقيقة، يعي واقعه، يعي الزمن الذي ذهب منه ولم يحي به أو فيه، وهنا نكتشف حقيقة الهم الإنساني وكامنه عند الأسير.

الهموم العائلية
الأسير عند بداية الاعتقال لا يعي ما ستؤول إليه حياته، نفسيته، فما يراه في بداية الاعتقال مقبولا ويمكن التعايش معه، سيكون مع السنين القادمة مشكلة: "وبهذا العمر الذي دخلت به السجن لم تكن العائلة والأطفال تشّكل هماً لي ولكثيرين مثلي ممن اختاروا طريق النضال،... لذا دخلت السجن وكنت متحرراً من أي أعباء عائلية وهو ما يبعث على الارتياح قليلاً قياساً بالأسرى الذين تركوا خلفهم زوجات وأطفالا وطفقوا يتجرعون ألوان العذاب والحرمان والشوق والأوجاع والحسرات" قد تبدو هذه الرؤية منطقية بالنسبة للأسير، الذي حُكم لمدة تتجاوز العقل والمنطق، تسع مؤبدات، لكن في الواقع الإنساني هذه الرؤية خاطئة، وهذا ما أكده المرسل عندما اكتشف: "فمن كان لديه زوجة وأطفال يتمنى كما لو أنه كان اعزب مثلنا ومتحرراً من أية أعباء، ومن ناحية ثانية فإن الأسير الأعزب مع توالي السنوات يتمنى لو أنه تزوج وأنجب أطفالاً،" وهنا يؤكد المرسل على حالة العذاب والتألم التي يعانيها الأسير، بصرف النظر عن حالته الاجتماعية، متزوج أم أعزب، فالعذاب متعلق بالحالتين معا، ويتألمان بنفس المقدار، لأن الحديث لا يدور عن قطعة خشب، أوحديد، بل عن إنسان، وهنا يكون المرسل قد طرق بابا لم يطرق من قبل، إنسانية الأسير، وتألمه أسريا، عائليا، بصرف النظر عن حالته الاجتماعية.
الأولاد/الأبوة
هناك مشاعر كامنة في النفس، لا يمكن أن تمحى أو تزول، وهي موجودة كغريزة طبيعية في كل الكائنات، ونقوم بها أو ندفع نحوها دون وعي، كحال اسماك السلمون التي تذهب برحلة طويلة، وعكس التيار النهري، ورغم الأخطار المعيقة تتقدم إلى المكان الذي يجب أن تضع فيه بيوضها، لتموت بسلام، بعد أن أدت مهمتها وأمنت تجدد نسلها، هذا الأمر ينطبق على الإنسان الأسير، فكل إنسان يحمل بداخله مشاعر الأبوة/الأمومة: "فتستيقظ الهواجس والرغبات الوجودية المدفونة في أعماق نفسك وأهمها التوق لتحقيق الرغبة الجامحة بالأبوة" بهذه الروح الإنسانية يتحدث الأسير عن همومه، عن أرادته في الحياة، عن ضرورة أن يمارس الحياة بشكل سوي وطبيعي، لكن الجداران والسجان يحولان دون أن يكون إنسانا طبيعيا، يعيش حياته بشكل سوي، وهنا يخترع الأسير طريقة يتحدى بها السجان، ويتحرر من حصار الجدران: "ومع الوقت أخذت تنمو هذه الرغبة حتى أصبحت حلماً مقدساً أن أنجب طفلة وهذه الطفلة ولدت في مخيلتي منذ ثمان سنوات وباتت ترافقني كظلي وتلازمني كأنفاسي والاسم الذي اخترته لابنتي المتخيلة هو "شادن" الفكرة واضحة، لكن ليس المهم في الفكرة فقط، بل في اللغة، الألفاظ التي استخدمها المرسل، فنحن أمام مقطع مطلق البياض، يتحدث عن فكرة الحياة الجديدة/الولادة، وأيضا يستخدم ألفاظا بيضاء ناعمة وهادئة، من هنا يمكننا الدخول إلى ما هو في داخل الأسر، إلى العقل الباطن، فرغم واقع الأسر والممنوعات، وثقل الوقت، إلا أنه يشكل لنفسه (حلما) يستطيع من خلاله أن يتجاوز السجان والجداران، فيستخدم لغة بيضاء، حاملة لفكرة الحياة واستمرارها.
الأبوة/الولادة جعلت المرسل يتحول ايجابيا بأفكاره وبلغته، لهذا نجده يتحدث كثيرا عن حالة الفرح التي خلقها/أوجدها: "إذن باتت "شادن" تستوطن بروحي منذ ثمانية أعوام وغدت أسوة جميلة وأرقاً رائعاً وغيبوبة عشق صوفية لا أرغب في الصحو منها وكلما استذكرتها في خلوتي مع ذاتي تضجر قلبي بالياسمين، وأزاحت عن نفسي أي تجهم وتكدر، أرنو إليها بعين قلبي كل يوم فأجدها أجمل أوهامي على الإطلاق ولولاها لما كان بوسعي مقاومة الأسر وكما يقول محمود درويش:
والسرابُ كتابُ المسافر في البيد
لولاه، لولا السراب، لما واصل السيرَ
بحثاً عن " المقطع الطويل والذي جاء بالعديد من الألفاظ البيضاء، وانتهى ببيت من الشعر، يؤكد على الأثر الإيجابي الذي منحته "شادن" للمرسل، لكن واقع السجن والأسر ما زال حاضرا، من خلال: "أرقا، غيبوبة، تضجر، تجهم، تكدر، أوهامي" فرغم أننا أمام نص نثري، وليس شعرا، إلا أن العقل الباطن حاضر فيه، وهذا مؤشر إلى أن الكاتب يكتب من قلبه، وبإحساس مرهف نابع من مشاعر جياشة، ففعل الكتابة كفعل الولادة، يخرج المولود بعد الألم والتعب، لكن هذا الألم لذيذ وممتع، ويتأثر بالمحيط الخارجي هو في رحم امه، من هنا نجد أثرا لواقع السجن من خلال الألفاظ المستخدمة.


إنسانية المشاعر
أهم ما في الرسالة الإنسانية التي جاءت بها، إنسانية الاسير، فهو بشري وليس خارقا، لهذا يدخلنا إلى ما يفكر به، إلى رغباته في الحياة: "ومهما حاولت إشغال نفسك إلا أن ثمة أشياء تبدأ بالتزاحم في رأسك، وثمة هواجس ومشاعر وحاجات ورغبات تستيقظ من مراقدها بصورة لا إرادية مهما حاولت قمعها أو التحايل عليها إلا أنها تظل تلح عليك وتتدفق من الدهاليز العميقة للنفس الإنسانية." تأكيد على بشرية الأسير، فهو إنسان، يتألم كغيره من الناس، ويسعى للفرح، فرغم (منطقية) التحليل للأعزب في الأسر، إلا أن رغبة الأسير في الحياة، تجعله يفكر بضرورة أن يكون أبا: "فتستيقظ الهواجس والرغبات الوجودية المدفونة في أعماق نفسك وأهمها التوق لتحقيق الرغبة الجامحة بالأبوة، وتبقى هذه المشاعر تتسلل إليك ومع الوقت تشّكل درباً ومساراً عبر الذاكرة وأنا شخصياً مررت بلحظات تفكير عميقة حاولت فيها مراراً مقاومة هذه الرغبة التي لم يخيل إليّ يوماً أنها ستساورني أو تشّكل حاجة ملحة وضرورية في حياتي، ومع كل مقاومة كانت تتلبسني هذه الرغبة وتهيمن عليّ إلى أن استسلمت أمامها رغبة أو توقاً يشبه الحلم ويُشّكل لي ملاذاً وملجأ معنوياً بلحظات الخلوة مع الذات." اللافت أن المرسل يتحدث عن كونه إنسانا وليس بطلا خارقا، فذكره لرغباته بالأبوة تأكيد على بشريته، فهو كبقية الناس يريد أن يمارس هذه الرغبة، هذا الدور في الحياة، فواقعية الرغبات والمشاعر هي العمود الفقري الذي بنى عليه الكاتب رسالته، وأرادنا أن نصل إليه إنسانيا إلى متطلباته الإنسانية.
الهدف من الأسر/السجن
الغاية من السجن تتمثل معاقبة المجرم، ليتقدم من جديد من الحياة السوية الطبيعية، لكن عند المحتل للسجن هدف آخر، تحطيم السجين إنسانيا، وتعذيبه نفسيا، فهو من خلال السجن يمارس ساديته وعنصريته على الفلسطينيين، من هنا ينظر للسجن أنه على حالة مواجهة جديدة، شكل نضال جديد: "إن واقع الأسر بإجراءاته المصممة بعناية فائقة تهدف إلى قتل إنسانيتك، ومن خلال هذه الإجراءات تتحجر مشاعرك وأنت تعيش بحكم العادة وتسلبك أي قدرة على مغادرة واقع السجن؛ فالسجن يحتجز طاقتك ويسعى إلى ترويضك ويضعك في قلب معركة متواصلة مع الذات ومع الآخرين ومع إجراءات السجن، وهنا يتجلى صراع الإرادات" فالاستسلام يعني للأسير الموت، لهذا فالمواجهة والصراع والتحدي سلوك طبيعي وضروري لتحقيق وإثبات الذات: "وكأن هذه الإجراءات تقول لك: إن السجن هو قدرك النهائي ولا سبيل لك سوى الإذعان والقبول بالأمر الواقع"، في السجون المدنية يتم تعليم النزيل عادات وسلوك يحوله من مجرم إلى شخص سوي، لكن عند الاحتلال يحدث العكس، فهو يعمل على قتل إنسانية الأسير، وجعله مجرد آلة/ماكنة، تعمل ما يطلب منها، فحتى المشاعر النبيلة يعمل على قتلها، فهو لا يريده إنسانيا، من هنا نجد الحصار والمضايقات حتى داخل المعتقل، فيمنع عنه الزيارة، الكتب، الهاتف، التلفاز، كل هذا وغيره ليخضع الأسير ويستسلم للسجان.
واقع السجن وأثره
الجميل في هذه الرسالة هو الموضوعية التي جاءت بها، فهي بعيدة عن المغالاة، وتتحدث عن السجن بشكل واقعي، عن أثره على الأسير، فهو مكان لا يليق بالإنسان بكل تأكيد: "وعالم السجن ليس عالماً مثالياً كما يتصور بعضنا، بل هو عالم يغص بكل ما يثقل النفس البشرية من تناقضات وهواجس تبدأ من الصراع مع الذات وهواجسها وتناقضاتها، ثم تناقضات مع الآخرين ممن هم حولك من الأسرى، وصولاً إلى الصراع مع السجان وإجراءاته، ولعل أشرس هذه الصراعات هي الصراع مع الذات حين تستيقظ الهواجس وتولد الرغبات والآمال والأحلام وتحاول مقاومة كل أشكال الحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية." اللافت وجود العديد من الألفاظ السوداء والقاسية: "يثقل، الصراع، أشرس، الحرمان" ، وهذا يؤكد على أن السجن يحمل معنى الألم والعذاب، وهو مكان غير مناسب للحياة، فالكاتب هنا لا يتحدث عن السجن السلبي فقط، بل يقوم ـ بطريقة غير مباشرة ـ بدعوة للتخلص من السجن والسجان، من هنا نجده، حتى وهو في السجن يقاوم ويتعارك ويتصادم مع السجان، ويفعل ما يستطيع ليثبت وجوده كإنسان حي، فاعل ومؤثر، ومبدع، وليؤكد أيضا على أن السجن مكان لا يتناسب وطبيعة الأنسان: "ولا سبيل لكسر هذه الحلقة إلا عبر الآمال والأحلام وسعة الخيال؛ فالخيال هو سلاحك للحفاظ على ذاتك من التكلس وحماية إنسانيتك من كل ما ينتهكها" رغم شح أدوات المقاومة، إلا أن المرسل يخترع أداة يستطيع بها أن يصارع المحتل، ورغم (وهنها)، إلا أننا سنجدها فاعلة وتسهم في إبقاء الأسير إنسانا، محافظا على كيانه وعلى تركيبته ليس البيولوجية فحسب، بل الفكرية والسلوكية، واللافت في الفقرة السابقة أن الصراع/المواجهة لم تقتصر على المعنى العام فقط، بل جاءت من خلال الألفاظ أيضا: "لكسر، الحلقة، التكلس،" وبين "للحفاظ، وحماية، إنسانيتك" وهنا تكون شمولية المواجهة، التي نجدها حتى في الألفاظ كما هي في الوسيلة/الفعل.
"الخيال ونبش ذاكرة الماضي لإيقاظ كل لحظة راقدة والبحث في كل محطة وكل حادث مر في حياته، أو يحلم في حياته القادمة ويرسم أحلامه وآماله وما يتوق إليه في الحياة إن حدثت المعجزة وجاءت لحظة الحرية." فعل المواجهة/المقاومة ليس بالأمر السهل، بل تحتاج إلى جهد وإرادة، من هنا نجد المرسل يستخدم افعالا بحاجة إلى جهد: "نبش، لإيقاظ، البحث، يرسم" لكن هذا الجهد سيكون ختامه "بالحرية"، وهذا الترتيب والتناسق في الفقرة يؤكد على أن الجهد والعمل إذا ما خطط لهما سيكون لهما أثر ايجابي على الأرض.
المواجهة وأثرها
الأثر الذي ستتركه المواجهة بالـتأكيد سيكون إيجابيا على الأسير، فهو بأدوات متواضعة يواجه آلات حديثة ومتطورة، ورغم تفاوت الامكانيات/الأدوات يستطيع الأسير أن يثبت حضوره ووجوده، وهنا يكمن الأبداع: "وقد مثلت "شادن" عامل استقرار نفسي وعاطفي ووجداني وحالة جمالية روحية استشعرها وأتذوقها في كل لحظة وحافظت على دفء روحي وحمتني من التبعثر والجفاف لهذا أبقيتها حية في أعماقي، وكلما تعكر صفوي دأبت على الفرار إليها لتهدأ نفسي." الفقرة السابقة جاءت بألفاظ ناعمة وهادئة، حيث كانت "شادن" هي الباعث على هذه الألفاظ والمعاني البيضاء، لكن عندما تحدث عن واقعه استخدم ألفاظا القاسية: "الجفاف، تعكر، الفرار" وهذا يعكس أثر الأنثى الناعم على المرسل، فالواقع قاس، لكن حضورها يجعله هادئا ناعما، أليس هذا تحديا وانتصارا على الجدران وعلى السجان؟.
الواقع والرمز
في حكاية الغزلة والظبية يتحدث المرسل عن حادثة حقيقية، لكن، اعتقد ان هناك رمزية أرادها ووجدها العقل الباطن للمرسل، دون أن يعي ذلك، فالغزالة الوالدة بعد أن تشاهد الكاتب يحمل مولودتها تيأس من استخلاصه وتتركه، بعدها أحس بهذه المشاعر: "وترمقني بنظرات غامضة أقرب إلى التوسل والاستهجان والجزع"، يأخذ الظبية ويربيها مع الماعز، وتعودت الظبية على رضاعة حليب الماعز، لكن عندما قدم لها حليبا آخر حدث: "قررت أن أجلب لهذه الغزالة حليباً صناعياً حتى تكبر بسرعة إلى جانب حليب الماعز، وما أن رضعت الحليب من القارورة الأولى التي اعددتها لها حتى أخذت تتمايل وتقع أرضاً وبعد ساعة وجدتها ميتة لقد قتلها الحليب الصناعي" فالسبب يمكن أن يكون علميا، الحليب الصناعي لا يتناسب والظبية، لكن هناك رمز "الحليب الصناعي"، فكل ما هو غريب غير متناسب مع الطبيعة يضر ويشوه الحياة، هذا ما أراد أن يقوله المرسل في العقل الباطن.
والرمزية لم تقتصر على موت الظبية، بل ايضا على الاسم، "شادن"، الذي يعني الظبي الذي يستطيع الاعتماد على نفسه ويقدر الابتعاد عن أمه: "مشهد الغزالة حين عثرت عليها يتكرر في مخيلتي وهي تحاول الوقوف في محاولة للحاق بأمها ثم تعود وتقع وتعاود الكرة ثانية." وهذا الفعل هو الذي جعل المرسل يستمر في الوقوف/المواجهة، وكأنه تعلم من الغزالة المثابرة رغم الضعف ورغم قوة الخصم.
شادن الحلم وصفاء الحقيقة
الحلم والواقع متناقضان، كلاهما ينفي الأخر، فكيف سيتعايش المرسل مع واقع متناقض، علما بأنه يسعى لحالة من الاستقرار، فقد أتعبه السجن والسجان، من هنا يصف هذا (الصراع) بقوله: "أما الوجه الآخر في معاناتي فقد أخذت "صفا" تزاحم "شادن" بالقلب، الواحدة منهما تطرد الأخرى وتحل مكانها وتتناوبان على الصراع في قلبي، وبت استشعر عذاباً وقهراً ووجعاً." ورغم أن المرسل يتحدث عن مشاعره، تجاه كائن افتراضي "شادن" وآخر بعيدا جغرافيا وجسديا "صفاء"، إلا أنه يتعامل إنسانيا مع الحلم "شادن" والواقع "صفاء"، فهما بالنسبة لنا نحن المتلقين (حلم/وهم/خيال) لكن بالنسبة للمرسل هما واقع، هما حالة إنسانية: "المسألة ليست قبولاً أو رفضاً لأبوتي لـ"صفا" إنها مسألة إحساس إنساني وجودي هام لي ولها، لقد كانت "شادن" تمثل حالة السكينة والجمال المطلق في وجداني، ثم جاءت "صفا" وحركت مياهي الراكدة وأهيم لهذه الحالة التي باتت تتملّكني كيف تسنى لهذه الفتاة أن تحدس توقي للأبوة؟ وتدخل على أمواج أثيري؟!." من هنا نقول أن المرسل يتجاوز الواقع، فهو لا يتمرد على السجان بإنجابه "شادن" وقبول ابوة "صفاء" بل أيضا تمرد على المجتمع، الذي (يستغرب ويستهجن) وجود أبوة بالتبني بهذا العمر ثلاثة وعشرين عاما للأبنة و ثلاثة وأربعين للأب، فالمجتمع المجبول بالتهويل والحرام والدين، يرفض مثل هذا الأمر، لكن المرسل أراد إيصال قراره بالتمرد والثورة، ليس على المحتل فحسب، بل على مفاهيم المجتمع الذي ينتمي إليه. فقراره قبول تبني "صفاء" يتماثل مع تمرده وثورته في مواجهة المحتل.
لكن اللافت أن المرسل يُوصل فكرة التمرد على مفاهيم المجتمع بطريقة ناعمة، من خلال الأحداث، وهنا يكون أثرها أقوى في المجتمع، الذي سيمر على الفكرة ـ الصادرة من أسير ـ مرورا سريعا دون أن يتوقف عند معانيها الاجتماعية والدينةـ
شادن وصفاء السورية
المرسل يتعامل مع "شادن" الحلم بالألفاظ عينها التي يتعامل بها مع "صفاء الحقيقية، يقول واصفا مشاعره تجاه شادن: "ولم تكبر منذ ثمانية أعوام وتوقف الزمن لديها مثلي، لا تزال في عمر الزهور" وحين تحدث عن "صفاء" قال: ""صفا" فتاة سورية بعمر الزهور أكملت قبل أيام عامها الثالث والعشرين وتدرس الهندسة الزراعية" فالمرسل هنا استخدم "بعمر الزهور لشادن ولصفاء، علما أن الأولى طفلة تحبو، والثانية ناضجة وراشدة، وهذا يعود إلى أنه يرى حتى في "صفاء" الواقعية حلما، فهي في سوريا وهو معتقل عند الاحتلال، لكن حاجة المرسل إلى الأبوة جعلته يقبل أن يكون أبا لصفاء.
وهنا نسأل لماذا (أنجب) المرسل ابنتين وليس ابنة وأبنا أو أبناء؟، اعتقد أن واقع السجن فرض عليه أن يكون هناك جنس ناعم يخفف عنه شيئا من الضغط الواقع عليه، من هنا نجد مشاعره تتدفق عندما يذكر "شادن أو صفاء"، وينهمر الجب والحنان، وتأتيه الألفاظ الناعمة والهادئة في الرسالة: "وهناك التقيت "بشادن وصفا" عانقتهما بكل ما أوتيت من فرح، وهما يلامسان أوتار قلبي وأشرقت شمس البهجة في أعماقي، وضج قلبي بنشوة لم أعرفها يوماً ولم أقاوم دمعة سقطت من عيني لقد صرت أباً."
.أثر ابوة صفاء زمانيا
في البداية تحدثنا عن الزمن وثقله على المرسل، فالزمن كان ميتا/جثة، لكن بوجود "صفاء" تحرك الزمن، وليس بطريقة عادية، بل قفز ستة عشر عاما مرة واحدة: "أخذ طيف "صفا" يداهمني وانتابتني مشاعر متضاربة أفكر فيها على الدوام، ماذا يعني أن تكون ابنتي لقد كان الوجه الأهم في معاناتي يتعلق بالزمن فأنا أحس بأن عمري سبعة وعشرون عاماً فكيف تكون ابنتي في الثالثة والعشرين؟" نجد أن المرسل بحاجة للتكيف من الواقع/مع الزمن، فجاءت "صفاء" لتعيد الزمن إلى مساره الطبيعي: "شكلّت لي "صفا" وجها للمعنى فإذا كان السجن يشّكل لي خسارة فقد كسبت بعد ستة عشر عاماً فتاة صغيرة لقد كانت تعويضاً لي عن خساراتي ."
الفارق الزمني بين الأب، صاحب السبعة والعشرين عاما وبين الأبنة بنت الثلاثة والعشرين، كان لا بد من إيجاد حل له:
صفاء وتحريك الزمن
"بدخول "صفا" في حياتي تنبهت لعمري وتنبهت للزمن فأنا أكبرها بعشرين عاماً عندها شعرت بالرعب فنحن نحسب أننا ما زلنا صغاراً، وبعد أن بدأت باسترجاع ذاكرتي وجدت أن من هم في عمري بات لديهم أبناء وبعضهم بات لديهم أحفاد، كيف انهمكنا بحياة السجن ونسينا أعمارنا التي نبتت دون أن نشعر بها ؟." وهنا نتسأل، هل كان المرسل مخلصا إنسانيا عندما قبل تبني "صفاء" أم أنه احتاجها لتساعده على تخطي حاجز الزمن؟، أم أنه هناك ـ في العقل الباطن ـ ميل نحو الأبوة التي تحدث عنها في البداية، جعلته يقبل هذا التبني؟ـ أم أن هناك تزاوجا بين الحاجة والرغبة؟، أم أنه أراد تأكيد واستمرار المواجهة مع المحتل، فقبل التبني؟، يتحدث المرسل عن واقعه فيقول : "... إذاً من المنطقي أن تكون "صفا" ابنتي"، فهو يريد أن يكون ابا، بمعنى آخر، أن يكون طبيعيا، يمارس حياة سوية، وهذا الأمر جاء من خلال العبارة السابقة، والحالة السوية هي التي أرادها المرسل، هي المركز الذي تدور حوله الرسالة.
أثر صفاء إنسانيا/نفسيا
"صفاء" لم تكن حائلا دون ممارسة المرسل حياته (الطبيعية) رغم السجن والسجان، يقر بحاجته ليكون إنسانا سويا: "كم نحن قساة بحق أنفسنا نحن الرجال، نحن المتجهمون دائماً تحت قناع الجدية والوقار، نحن الذين اخترنا طريقاً وعراً فًرض علينا أن نظل متحفزين للمواجهة ونألف سجون الخيال وحين نخلو إلى أنفسنا نغدو أطفالاً، لدينا قلوب رقيقة تنبض دفئا لعالم من صقيع." فالواقع القاسي لم يؤثر سلبا على قلوب الأسرى، بل بقوا يحملون قلوب أطفال، واعتقد أن المرسل لم يرد أن يستخدم عبارة (قلوب تبكي كالأطفال) حتى لا يأخذها المحتل كتعبير عن الضعف، لهذا استخدم "رقيقة وتنبض دفء العالم" وهو يرد على من يريد من الأسرى أن يتحولوا إلى آلات بشرية، من خلال تناوله للحاجات العاطفية للأسرى.
فالأثر لذي ستتركه صفاء على المرسل سيكون إيجابيا بالتأكيد: "أخذت "صفا" تحتل مساحة شاسعة من القلب والوجدان أرسلت لي أشعارها وكلمات دافئة، وأرسلت لها رسائل قصيرة عدة طرت بها فرحاً وأمطرتني بسيل متدفق من المشاعر الإنسانية الدافئة، ومنذ ظهورها في حياتي أزاحت كثيراً من الغيوم الداكنة في سمائي وأخذت حياتي تصفو ويتألق اسمها في فؤادي وصار لديّ متسع من الحلم ولن أتعب من مواصلته." اللغة البياض التي جاءت في الفقرة السابقة كافية لتؤكد أهمية وجودها في حياة المرسل، فاثرها الايجابي لم يكن على صعيد المشاعر فحسب، بل أيضا على صعيد الكتابة، الوسيلة التي يثبت بها المرسل دوره ووجوده وحضوره في الحياة، ويتحدى بها المحتل، من هنا نجد العديد من الألفاظ متعلقة بالكتابة: "أشعارها، كلمات، رسائل" وهنا يستمد المرسل طاقة جديدة تجعله يعيش حياة/حالة (طبيعية)، لهذا يمكننا القول أن "صفاء" الابنة فتحت آفاقا أمام المرسل، ليتقدم نحو الحياة بطريقة جديدة تحمل الفرح. متجاوزا واقع السجن والسجان.
الذروة
يختم المرسل رسالته بهذا المشهد: "أرسلت لي "صفا" عدداً من صورها تأملتها مراراً كانت جميلة ومشرقة ومن عينيها يتسلل بريق من الجمال والبراءة والحنان، وبوجودها في صحراء غيابي تسلقت جبلاً شاهقاً من السعادة ووصلت إلى قمة سعادتي، وهناك التقيت "بشادن وصفا" عانقتهما بكل ما أوتيت من فرح، وهما يلامسان أوتار قلبي وأشرقت شمس البهجة في أعماقي، وضج قلبي بنشوة لم أعرفها يوماً ولم أقاوم دمعة سقطت من عيني لقد صرت أباً." أليست هذا الخاتمة تحديا للواقع، للمحتل؟، ألم يثبت "كميل أبو حنيش" إنسانيته ويمارس حياته الطبيعية، فأنجب "شادن وتبنى "صفاء"؟، وذروة الإنسانية كانت حينما تخلى عن (صلابته) من خلال: "ولم أقاوم دمعة سقطت من عيني"، فبدا لنا إنسانا كاملا طبيعيا وسويا.
الرسالة موجودة على صفحة شقيق الأسر كمال على الفيس.





اللغة والألم في
"القرص المربع"
كميل أبو حنيش
الشاعر/الكاتب الجيد هو الذي يحسن تقديم أفكاره، فيستخدم طريقة سهلة، ولغة ناعمة، وأسلوبا سلسا، يخفف بها على المتلقي شيئا من قسوة الأحداث/الأفكار، وهذا يخدم التقارب بين الكاتب/الشاعر وبين القارئ، فعندما يكتشف حجم الألم والقسوة التي جاءت في النص، واللغة الناعمة والهادئة التي قدمت بها، يعلم القارئ أن الكاتب/الشاعر يحرص على مشاعره واحاسيسه بحيث يحاول أن لا يؤذيه أو يؤلمه بقسوة الفكرة.
بكل حيادية هذه الرسالة من أنعم الرسائل واقساها التي أرسلها "كميل أبو حنيش"، وهذا (التناقض) هو ما يميز "القرص المربع" فالعنوان يستوقفنا، حيث جمع بين متناقضين، القرص والمربع، فرغم أن كليهما يشير إلى الانغلاق، إلا أن الشكل الهندسي مختلف تماما، وهذا يستوقف القارئ ويجعله يدخل إلى الرسالة، متقدما منها ليعرف ماهية القرص المربع.
مقدمة أي نص أدبي مهمة وضرورية كالعنوان تماما، فهي أيضا تسهم في تقديم المتلقي نحو النص، أو تراجعه عنه، من هنا يقدمنا المرسل بطريقة تاريخية وعلمية من رسالته:
"هي الشمس، أم الكائنات، ومعبودة الأمم الغابرة، ملهمة الشعراء، ورمز الفلاسفة والمفكرين،...منها اشتققنا أجمل الاستعارات والدروس والمعاني، فهي رموز الحرية والعلم والثقافة والجماليات في الوجود" يكشف المرسل مكانة الشمس تاريخيا وانيا، وهذا الشكل من التقديم جاء بلغة بيضاء وناعمة، بعيدا عما يعكر مزاج المتلقي، فالمرسل حريص على مشاعرنا ولا يريد أن يؤذينا باستخدام ألفاظ قاسية أو مؤلمة.
"كيف أحجمت شمسنا أن تبدو لنا قرصاً دائرياً في عالم السجن؟ وما الذي أرغمها أن تبرز لنا مربعة الشكل؟" قلنا أن العنوان إشكالي ويثير لدى المتلقي معرفة العلاقة بين القرص والمربع، وها هو المرسل يقربنا من الإجابة، لكنه يضيف كلمة "السجن" ويتبعها بكلمة "أرغمها" وهنا يتبين للقارئ أن المرسل يتحدث من عالم/مكان غريب، غير مرغوب إنسانيا، وهنا يكون المتلقي أمام أول المفارقات، يقرأ نصا أدبيا بلغة جميلة وناعمة، لكن كاتبه/مرسله يقبع في السجن، ...كيف حدث هذا؟، هل يمكن لمن هو داخل السجن ويعاني من قسوة الجلاد والجدران أن يقدم نصا أدبيا بهذه اللغة وبهذا الشكل؟، وهنا يتقدم القارئ أكثر من الرسالة ليعرف ما تحمله من خفايا، ولتجيب عن تساؤلاته.
"فهنا حيث نحيا في السجن كمكان تنقلب فيه الأشياء والعوالم، إذ تضفي معالم السجن القاسية بصمتها المشوهة على حواسنا، فينعكس على الوعي فتبدو لنا الطبيعة مقلوبة على رأسها، ويبدو الوجود عالماً سريالياً لا معنى له" نجد مجموعة كبيرة من الألفاظ القاسية: "السجن، تنقلب، القاسية، المشوهة، مقلوبة، لا" والمضمون جاء أقسى، فكيف ينقلب اسلوب المرسل من النعومة وإلى القسوة؟ وهل هناك داع/تبرير لهذا الانقلاب؟، بداية، المرسل قدم أسئلة قبل أن يدخلنا إلى عالم السجن، كيف، وما الذي" وهذا أسهم في (قبول) المتلقي لهذه القسوة، فقد جاءت إجابة على سؤالين، ثم أن الكاتب يتأثر بمحيطه، فهو يكتب من خلف الجدران، ويتأثر بما يكتب، بمعنى أن الفكرة والألفاظ التي يستخدمها تؤثر على لغته، وإذا ما توقفنا عند المقطع السابق نجد فيه "تنقلب، المشوهة، مقلوبة" وهذه يشير ـ بطريقة ما ـ إلى الانقلاب الذي حدث في الرسالة، وهنا تكتمل الحلقة، سيكون هناك انقلاب في الرسالة، تعكس حالة/واقع المرسل (سجين)، وتشير إلى تأثره بالألفاظ التي يستخدمها، وفي ذات الوقت تجيب على العلاقة بين القرص والمربع.
"ففي هذا المكان بمقدورك أن ترى الشمس لكنك لن تراها كما عرفتها قبل ولوج قدميك لعقدة السجن، لأن السجان سيصر على أن يضع بصمته المشوهة على قرصها الدائري، ففي سقف الساحة حيزنا الضيق الذي نتنسم فيه هواءنا ونغتسل بأشعة الشمس كل يوم.
ثمة شبك حديدي منقسم إلى مربعات بأحجام مختلفة كبيرة ومتوسطة وصغيرة، ومع الوقت سيُخيل إليك كلما حدثت بالشمس بأنك تراها أقرب إلى الشكل المربع،" رغم طول المقطع، إلا أن القارئ يتلقاه على دفعة واحدة، ودون أن يتأذى، وهو يفسر العلاقة التي شوهت الأشكال، فحولت القرص إلى مربع، وهذا يحمل بين ثناياه شيئا من الرمزية، فالسجان ـ (قوي وقادر) ـ ويغير معالم الكون، قرص الشمس إلى مربع، فيبدو وكأنه إله، لكنه إله للتشويه وليس إلها للإبداع والجمال.
إذا ما تأملنا في المقاطع السابقة نجد تكرار معنى لفظ "مشوهة" وهذا التشويه نجده يمتد وينتشر في الفكرة التي يريد تقديمها المرسل: "ويساورك شعور أنك في عالم آخر، وكلما توالت السنوات ستألف شكلها المربع، فتتساءل في نفسك لو تسنى لك أن ترى القمر أحدب هل سيكون قرصاً مربعاً هو الآخر؟" أن يتم (تربيع) القمر فهذا أكثر غرابة، لأن الشمس ثابته بشكلها ـ إذا ما استثنينا فترة الشروق والغروب ـ بينما القمر متغير، واشكاله مشتقة من الدائرة، بمعنى أنه من المستحيل أن يُرى مربعا، لكن قدرة (إله التشويه)، قادرة على إحداث هذا الانقلاب.
"تنتابك الحيرة في وسط هذا العالم، أهو عالم القرص المربع؟ أم عالم الزمن الدائري؟ أم عالم الزي البني؟ أم عالم الأبواب الزرقاء؟ أم عالم الثنائيات الصارمة؟ أم عالم التفاصيل الصغيرة؟" اعتقد أن المرسل أجاب عن العلاقة بين القرص والمربع، لكن، بعد أن أفضى ما في نفسه لنا، وقربنا منه، شعرنا أنه قريب منا، أليس من يحدثنا عن وجعه قريبا منا وعلينا؟ لهذا يدخلنا إلى مواضيع جديدة، الزمن لدائري، الألوان، الثنائيات الصادمة، التفاصيل الصغيرة، ويستخدم الأسلوب السابق عينه، إثارة الأسئلة، وهنا، سنتشوق لسماع الاجابات: "ثمة أبواب زرقاء نراها في كل السجون، ثمة كاميرات في كل زاوية، ولباس بني يلازم حياتك على الدوام،" ثلاثة اشياء مزعجة للمرسل، الأبواب الزرقاء" ـ وقد كتب عنها رسالة في السابق، كاميرات المراقبة، ولباس بني، اثنان لهما علاقة بالألوان "الابواب والباس"، وثالث بدور الإله المراقب، الذي يعرف كل شيء عن (مخلوقاته).
المرسل يقدم (الإله) المراقبة بهذا الشكل: "أما إجراءات السجان اليومية المتكررة بكثافة ستجعل الزمن دائرياً بلا أحداث استثنائية تكسر حلقته المفرغة، العدد الصباحي، الفحص الأمني الصباحي، الفسحة الصباحية، عدد الظهيرة، فسحة الظهيرة، الفحص الأمني المسائي، الفسحة المسائية، العدد المسائي، التفتيشات الدورية، وجبات الطعام الثابتة حسب الأوقات والأيام" إذا ما توقفنا عند الألفاظ المستخدمة سنجد تكرارا في "صباحي، المسائي، الفسحة، الفحص، الأمني، العدد،" وهذا التكرار يزعج المتلقي، كما أزعج المرسل، وهنا، تصل فكرة الرتابة والروتين المؤذي للمتلقي من المعنى ومن الألفاظ المجردة، وهذا ما يجعله يشعر بألم وقسوتهما الحال والظرف الذين يمر به المرسل.
ونتوقف هنا متسائلين: لماذا رغب المرسل في البداية بالقرص (الدائرة) وهنا يرفضه؟، في البداية تحدث المرسل عن جمالية الشكل الدائري، لهذا رغب فيه، كما أنه يريد ويرغب أن يرى الأشياء على طبيعتها، ودون أن يتدخل بها (إله التشويه)، وبما أنه موجود أصلا بسبب مواجهة تحد (للإله)، لهذا نجده يرفض كل ما يصدر عنه من قرارات وأفعال.
(إله التشويه) يختزل الجهات والأزمنة: "أما الرباعيات في عالمنا فإنها ستتحول إلى ثنائيات صارمة، فالجهات الأربعة لا معنى لها في عالمنا، ولا نستخدم مفردات الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، وستكون مفردات زائدة عن الحاجة ويستخدم بديلا منها بثنائية اليمين أو اليسار.
أما الفصول الأربعة ستختصر في فصل الصيف والشتاء، فلا ربيع ولا خريف، بينما ثنائية الداخل والخارج ستصبح بعداً خاصاً يتلاءم مع هذا الحيز الصغير،" أيضا يستوقفنا معنى لفظ "ثنائية" وهذا ما يؤكد على أثر الالفاظ والواقع على المرسل، بحيث يؤكد على أنه (أسير) ليس بجسده فحسب، بل أسير لألفاظه أيضا، وكأنه يشركنا الأسر معه، فالمضمون والألفاظ ستجعلنا نتأثر بها كما تأثر المرسل، واللافت أن المرسل استخدم للجهات اليمين واليسار، وللفصول الزمن "الخارج والداخل" فالاستخدام الأول يتوافق مع الجهات "شمال جنوب غرب شرق"، بينما الثاني يختلف تماما، فما علاقة الداخل والخارج بالفصول؟، وهنا يكمن أبداع المرسل، إثارة المتلقي وإيصال فكرة أن الزمن يتوقف داخل السجن، فالخارج سيعرف تغييرات ومرور الزمن، والباقي يجهله.
وهنا يقدمنا من (إله التشويه) ونظريته عن الداخل والخارج والشعور بالزمن: "أما الداخل فيعني إما داخل الغرفة أو داخل القسم.
وعندما تم سؤال الأسيرة المحررة عهد التميمي عن السجن أجابت بعفوية ” أنها دأبت مع الأسيرات على الخروج إلى الخارج تحت الشمس، ويضحكن ويتناولن الطعام عندها جن جنون الدولة العبرية، كيف تسنى لهذه الطفلة أن تخرج للخارج، فيما السجن مصمم ليكون داخلاً فحسب" المميز في هذه الرسالة، أنها تدخلنا بسلاسة إلى مواضيع مؤلمة، فما أن نعرف شيئا إلا ونجد المرسل يقدمنا من شيء جديد ومثير، وكما أنه يبين تفاهة هذا (الإله) الذي يثار لمسألة (عادية) خروج طفلة إلى الشمس، فهو كالإله "يهوه" سرعان ما يثار ودون سبب، فهو (إله) متقلب، مزاجي كحال (إله التشويه) تماما.
" فعندما صدرت قصة ” سر حكاية الزيت” التي خصصها الأسير القائد وليد دقة للأطفال جن جنون الدولة الفاشية، فوليد في فردوس حريته المفقودة ويزرع الابتسامة على شفاه الطفولة استهجنت الدولة العبرية قدرته على الإبداع، فكيف تسنى لأسير بعد هذه السنوات أن يتحدى السجن وينجو من هندسة الوعي وصار بوسعه كتابة قصة للأطفال" الذي أمضى حتى الآن 33 عاماً في عالم القرص المربع، والتمس من خلال الأدب أن يرسم قرصاً دائرياً للشمس لتي خبرها في فردوس حريته المفقودة ويزرع الابتسامة على شفاه الطفولة" الأسرى يواجهون (الإله) ويتحدونه، ويظهرون قدرتهم الابداعية ويؤكدون على إنسانيتهم رغم محاولات (الإله) محوها وقتلها، ومع هذا يتجاوزن جدرانه، ويتقدمون ليس كأشخاص عاديين أسوياء فحسب، بل كأشخاص مبدعين متألقين، فالأدب والكتابة فعل إنساني ابداعي، لا يقدر عليه إلا من تجاوز (العادية)، ولم تقتصر ابداع الأسرى على الكتابة (العادية)،للراشدين، بل تلك المتعلقة بالأطفال، وكلنا يعلم أنها من أصعب أنواع الكتابة، بها يكون الأسير قد انتصر على (الإله) وتجاوزه، فبدا (الإله) مضطربا وغاضبا من هذا الانتصار الذي حققه الإنسان عليه.
"فالجلاد الذي طالما تقمص دور الضحية سيرى نفسه جلاداً، أما (الإرهابي) المفترض فإنه يعلن بإبداعه أنه ضحية تضج إبداعاً وإحساساً إنسانياً ويفيض حباً وشوقاً وعطاءً وانتماءً لكل ما هو إنساني" المرسل يوضح سبب غضب (الإله) وانزعاجه، فقد انتصر الإنسان عليه، وهو ليس انتصارا (محدودا/داخليا) فحسب، بل انتصار خارجي، له علاقة بحركة الزمن، فتجاوز سجن 33 سنة ليس بالأمر السهل، وله علاقة بتجاوز (العادي/السوي) إلى الابداع والتألق، وهنا يكون الإنسان الفلسطيني كسلفه جلجامش، قد تحدى الإلهة وقراراتها وقوانينها، وقرر أن يكون فعله وتحديه حاضرين متداولين بين الناس، وأسمه يدوي في الفضاء، فخلد هو وأهملت (الآلهة).
الرسالة منشورة على صفحة شقيق الأسير "كمال أبو حنيش"



هم ونحن في
الانتظار الجميل
كميل أبو حنيش
يستمر الأسير كميل أبو حنيش في ارسال رسائله، بلغة جميلة وناعمة رغم الألم والوجع الكامنين فيها، وكأنه من خلال جمالية اللغة يحاول أن يخفف علينا شيئا من تلك الآلام والقسوة، ولا ابالغ إن قلت كلما اشتدت قسوة الرسائل تألقت اللغة، وهذا الأمر لا يأتي من حالة الوعي عند المرسل، بل يأتي من خلال العقل الباطن، الذي يوجهه إلى مواطن الألم، فيخلق مخففات ومسكنات لهذا الألم والقسوة.
واللافت في هذه الرسالة أنه وجه خطابه إلينا مباشرة، في اكثر من موضع، كما أننا نجد الزمن الدائري، اللولبي: "فلولا هذا السراب لما كانت علينا مواصلة شيء دائري"، والأبواب الزرقاء "، وخلف الأبواب الزرقاء الموصدة لم نعد نشعر بالزمن"، ونجد صورة الشمس باهته: "وتتسلل الأمال كأشعة الشمس إلى عتمات زنازيننا الضيقة" فالشرح الطويل يعكس المعاناة التي يمر بها الأسير ورفاقه الأسرى.
ويكشف أثر الجداران عليه والعزلة التي فرضها المحتل، بحيث أمسى لا يهتم بالألقاب والمسميات: "سيقال عمن يتخطى عتبة ربع القرن في الانتظار (جنرالات الصبر)، ونحن نتساءل بدون أي جدوى كانت كلامية ما هو الصبر؟ نحن لم نعد نعرف له أي معنى، لم تعد لهذه المفردة أيّة دلالة أو قيمة في هذا المكان، وفي هذا الزمان الذي لا يحدّه أي حد... ففي هذه الصحراء الشاسعة من المؤبد الرمادي يتعين عليك أن تخطو" فهو يخاطبنا نحن، وكأنه يدعونا لنتحرك باتجاهه، فلم تعد الكلمات الكبيرة التي نطلقها عليهم، والتي نريد بها أن نقنع أنفسنا بأننا قمنا بواجبنا تجاه الأسرى، فقد جعلناهم قادة وجنرالات، فماذا يريدون أكثر من هذا؟، لكنهم في حقيقة الأمر يبقوا بشر، يشعرون ويتألمون، ويريدون الحياة السوية و(العادية)، لهذا لم تعد الألقاب ذات أثر عليه ولا على رفاقه.
وإذا ما توقفنا عند الألفاظ المستخدمة سنجدها قاسية ومؤلمة، وهذا أيضا يشير إلى الواقع الصعب الذي يمر به الأسرى.
ويتقدم أكثر في توضيح الواقع الذي يمر به: "لسنا جنرالات وليس الصبر طريقا لهذا الانتظار الطويل" وهو هنا يرد علينا الألقاب، فلا يريد كلاما، بل شيئا ملموسا يسهم في تحريره وتحرير رفاقه، وحتى أنه يرد علينا عجزنا حينما نقول: "الصبر مفتاح الفرج"، والذي به نحاول أن نبرر عجزنا وعدم فاعليتنا تجاه الاسرى، فنحن عندما نقول للأسرى: "الصبر" لا نريدهم أن يصبروا، فهم بالأساس مجبرون ومكرهون على الصبر، لكننا نريد به أن نبرر لأنفسنا، عجزنا وتقاعسنا تجاه الاسرى، فقد قدمنا لهم (كلمة بوزن جبل).
ويتقدم أكثر في تبيان عورتنا نحن (الأحرار): "ونحن أيضاً بتنا متشابهين من الداخل والخارج، في الظاهر والباطن، أحلامنا وآمالنا متشابهة. نحتسي الآمال المعبقة" فنحن وهو مكبلون بالأصفاد، وبما أنه هو في الواقع أسير، فلا عيب أو ضرر عليه، بينما نحن (الأحرار) والذين ندعي أننا معهم ونعمل لأجعلهم، نتساوى معهم في الدوران.
بعد أن كشف المرسل عورتنا أمام أنفسنا وأمام الأسرى، يعمل على إعطائنا جرعة من الأمل، فقد علمنا وعرفنا مشكلتنا: "أحلامنا متحفزة للانطلاق من مراقدها حينما تصير لها أجنحة.... فهنا كبرت أجسادنا ولكن لم تشخ أرواحنا ونحن نحيا حالة الانتظار الجميلة والجليلة" فلا يريدنا أن نقنط، لهذا يرفع من معنوياتنا ويمدنا بالطاقة من خلال الحلم، الأمل، وكأنه يقول إذا كنا نحن الأسرى في السجون منذ اكثر من ربع قرن متمسكين بالحلم والأمل، فما بالكم أنتم؟، وأهمية الرسالة أنها تبين عيوبنا/مشاكلنا وفي الوقت ذاته تقدم الحل، فالمرسل صاحب رسالة سامية، لهذا هو لا يريد أن (يفش غله) بل يريد أن يقدمنا من المسار الصحيح.
"هنا تستيقظ أحلامنا في النهار وتعود في الليل إلى طفولتها البريئة، فنحن لم نكبر، لازلنا أطفالكم ولم تصدقوا بأننا نغدو أطفالاً كلما كبرنا، تقصر أعمارنا لأن عالمنا صغير، وحتى مرحلة الطفولة نشرع في رحلة على أجنحة الخيال لكي نوسع آفاقنا، فالخيال الواسع هو زادنا وعتادنا لكي نحلق من خلاله بعيداً عن عالمنا الضيق والصغير" يعلم المرسل أننا محبطون ومستسلمون لواقعنا، لهذا يتقدم أكثر في اعطائنا مزيدا من الطاقة، واعتقد عندما ذكر "أطفالا" أراد به مدنا بمزيد من الأمل/الأحلام.
"كميل أبو حنيش" يسهب أكثر في رسم الأمل، الأمل المبني على أسس صحيحة وليس على أوهام: "لأن الترقب شكل من أشكال الابتذال.
أما الانتظار فإنه حالة من حالات العشق المكتسي بالأحلام الجميلة بإشراقة شمس الحرية في أرواحنا الحالمة. وهنا نحجم عن مواصلة الانتظار، ولن نكف إطلاقا عن الحلم، حلم الحرية، ولن نسمح لشكوك أن تساورنا في جدوى النضال،" فهو يدعونا ـ بطريقة غير مباشرة ـ للعمل والنضال لتحرير الاسرى، فهم ما زالوا ينتظروننا لنفتح لهم الأبواب، وينالوا الحرية.
"ولكم أن تطمئنوا نحن لم نتكلس بعد، بعضنا شارف على إتمام أربعة عقود في الأسر ولم يتكلس حلمه وإيمانه العميق بمعنى الحياة، وما برحت تنمو في أعماقنا غابات السنديان "وهذا تـأكيد على إيمانهم بحتمية قدومنا إليهم وفتح الأبواب الزرقاء لهم، فهم ما زالوا بخير وعافية، ليست العافية الجسدية فحسب، بل الروحية والمعنوية كذلك، وما علينا إلا التقدم باتجاههم.
"ولن تتجهم أرواحنا يوماً لأن الزمن سيبتسم لنا ويخبئ لنا في غيبه أجمل اللحظات" بهذا الخطاب نكون أمام الحقيقة التالية: الأسرى (ينتظروننا) بشوق، وما زالوا متمسكين بقدومنا إليهم، قدومنا كمحررين ومخلصين/ فمتى نحقق حلمهم؟.
"تستقبلوننا حينما يأتي موعدنا مع الحرية كبشر عاديين" يستمر المرسل في تقديم المزيد من الطاقة لنا نحن (البائسين)، فعندما استخدم الفعل المضارع "تستقبلوننا" أراد به أن يحفزنا أكثر على العمل، على افتراض انه قد انتهي من تعبئتنا بالمعنوية والارادة والفكر.
"ونحن وأنتم في أوج الفرح والحرية... انتظرونا ونحن ننتظر معكم انتظار جميل سيتكلل بالنهايات السعيدة، فنحن حتماً عائدون."
يختم الاسير رسالته بهذا الكلام، مؤكدا على أنه ما زال عاقد الأمل علينا، وللافت في خاتمة الرسالة أن المرسل بعد أن أنبأنا وكشف عيوبنا حينما قال: "بتنا متشابهين من الداخل والخارج" ها هو يزرع فينا الأمل والقدرة على العمل، جمع بيننا من جديد، هم الأسرى في الداخل، ونحن الاحرار في الخارج، لكنه هذه المرة جمع إيجابي.
الرسالة منشورة على صفحة شقيق الأسير كمال أبو حنيش














رواية التيه والبحث عن الذات
مريم/مريام
كميل أبو حنيش

لأول مرة أتوه ولا أعرف من أين ابدأ، في هذه الرواية مجموعة اشكاليات، حيث تقدم شخصية الهجين "إبراهيم/أبرا"، فهو من أب فلسطيني "إلياس/إيليا/إيلي"، ومن أم يهودية "شلوميت/سلام، فهو في العرف الفلسطيني فلسطيني، وفي العرف اليهودي يهودي، وله أخت "عنات" من جهة الأم أي يهودية كاملة، وله أخوة من جهة الأب أي عرب كاملون، لكن السارد تجنب الحديث عنهم، وهذا يستوجب التوقف عنده والسبب وراء اهمال السارد لذكرهم، فهل أراد التركيز على الخلاف بين الفلسطيني واليهودي/الصهيوني فقط؟، أم أن تجنب ذكرهم، يشير إلى العلاقة العادية/السوية فأراد أن الابتعاد عن الخوض في تفاصيل عادية مملة لا تفيد القارئ بشيء، ولا تخدم فكرة الأزمة/الصراع التي تعاني منها شخصيات الرواية؟.
وهناك جدته "مريم" الفلسطينية التي استشهد زوجها "محمود" وهو يدافع عن قريته "صفورية"، وجدته "مريام" الناجية من المحرقة النازية، والتي تحسن العزف على البيانو، ورغم أن "إبراهيم/أبرا" حفيد لهما إلا أن الهوة التي تفصل بين "مريم ومريام" هائلة، بحيث لا يمكنهما الالتقاء/التوافق، لأن "مريام" تسكن البيت الذي هجرته "مريم" مكرهة، كما أن كل واحده منهما تعتقد أن أبنها/ابنتها سرقت أبن/بنت الأخرى بهذا الزواج غير (الطبيعي).
"عنات" أخت "إبراهيم/أبرا" تأخذ مكانة رفيعة في الرواية حتى أنها تتوازى مع أهمية "مريم ومريام" وهذا يأخذنا إلى العقل الباطن للسادر، الذي كان صادقا في سرد روايته، فانحاز/اتجه إلى أخته ليفضي لها ما فيه من ألم ومعاناة، ورغم حالة الشجار العامة التي اتصفت بها علاقتهما، إلا أن حضور "عنات" كان يشير إلى المكانة والحاجة التي يكنها "إبراهيم/أبرا" لها، لهذا كانت حاضرة وبقوة في الرواية، وإذا عرفننا أن "إبراهيم/أبرا" لم يتزوج ولم يقم أية علاقة مع أية مرأة، يمكننا الاستنتاج أنه اكتفى بعلاقته بأخته "عنات"، واعتقد أن تغيب كل الشخصيات المحيطة ب"إبراهيم/أبرا" من خلال الموت وإبقاء "عنات" المتبقية الوحيدة يؤكد على أن السارد يسرد روايته من العقل الباطن أكثر من حالة الوعي، وإذا أخذنا الكيفية التي تناول فيها السارد الذكور نجدها بهذا الشكل، استشهاد جده "محمود" وهو يدافع عن صفورية، وموت جده "آدم" أثناء مواجهته للفدائيين الفلسطينيين، ثم استشهاد صديقه وملهمه الفكري "عيسى أبو سريع"، ثم موت أبيه "إلياس/إيليا"، فكل الذكور ماتوا في الرواية، وهذا يتماثل في طريقة تعامل الأديب العربي مع الآباء/الذكور، فهم غالبا ما يتم تغيبهم، أويتم تقديمهم بصورة سلبية، وإذا تقدمنا من أحداث الرواية نجد أن موت الأب أو الزوج كان ينعكس سلبا على المرأة/الزوجة، فبعد موت محمود وآدم وإلياس عانت كل من "مريم ومريام وشلوميت" حتى ان شلوميت/سلام" توفيت مباشرة بعد رحيل إلياس/إيليا" وهذا ما يجعلنا نتأكد أن السارد ينحاز للنساء، لهذا قدمهن كضحايا يتعرضن للألم بعد رحيل رجالهن.
شخصيات الرواية
"إبراهيم/أبرا"
الشخصية المحورية في الرواية، وكل الأحداث والشخصيات مرتبطة بها، وإذا أخذنا مجرى أحداث الرواية وانعكاسها على شخصياتها نجدها بمجملها عاشت المعاناة، وبما ان "إبراهيم/أبرا" انتاج لها فأنه سيحمل همومها وألمها، لهذا هو يتحمل العبء الأكبر في الرواية، ويتعرض لضغوط من كافة الجهات، فكان يعاني كإنسان وكفلسطيني أجبر على ترك وطنه، وكيهودي عاش المحرقة وعرف المعناة والقهر، لكنه في الوقت ذاته يمارس عقلية (المنتصر) على أعدائه، فيبطش بهم ويهجرهم من بيوتهم، يفتتح السارد حديثه قائلا: "ربما تساعدني العزلة في تفكيك طلاسم روحي المبعثرة، بعدما سكنتها لعنة لا أدري كيف أصفها،... لعنة اسميتها تعدد الهويات وأزمة الانتساب... مشكلتي هي اختلاط الأزمة أنا ابن المكان وثمرة كل الأزمنة... مأساتي من نوع أخر أنها صراع الهويات، وأزمة الانتماء، فمن أنا وإلى من أنتمي؟!" ص13و14، مثل هذه الفاتحة المضطربة تفتح فضول القارئ لمعرفة أسباب أزمة السارد، فهو يتناول مسائل في غاية الأهمية "تعدد الهويات" والتي يعاني منها حتى القارئ العادي، ذلك الذي يعيش مواطنه كاملة ويحمل جنسية وطنية، فما بالنا عندما يحمل الشخص هوية فرضت عليه فرضا، ولا يشعر بأنها هويته الوطنية/القومية؟، أو لشخص يعيش مقسوما بين ولاءين/انتماءين/حياتين؟.
يقدمنا السارد اكثر من مشكلته "تعدد الهويات" فيقول: "أحببت المريمين: العربية واليهودية، جدتي اللتين أغدقتا علي حبا وسط الكراهية... مع أنني مرغم على القول إنهما كانتا ضحيتين تناوبت عليهما الفجائع" ص17، اهمية هذه المعلومة انها تقدم القارئ أكثر من الرواية، فهي تأخذه إلى حب الاطلاع والتعمق لمعرفة تفاصيل أكثر عن الجدتين، وهذا الأسلوب في السرد يحسب للراوي الذي عرف كيف يجذب القاري إلى الرواية.
الجدتان "مريم ومريام" يمثلان حالة الصراع على الأرض وعند "إبراهيم/أبرا" لهذا نجد حضورهما في العديد من فصول الرواية: "اعتادت مريم كلما رأتني أن تغمرني بأحضانها، ثم تمطرني بسيل من القبلات، وتغني لي بعض الأغنيات من ذاكرتها البعيدة، بعدها تقص علي حكايات أسطورية، لا تزال محفورة في ذاكرتي، ولا ألبث حتى أغفو بين ذراعيها.
أما مريام، فقد تأخرت في التقاط ذبذبات محبتها لي، ولم آلفها سريعا، ولم أفلح في التخلص من شعوري بالنفور منها إلا بعد مرور وقت طويل، مع أنني كنت احب شكلها وهندامها وعزفها على البيانو" ص93، إذا ما توقفنا عند طريقة الحديث عن "مريم ومريام" نجد السارد يتحدث كثيرا وبإسهاب وبمحبة عن مريم، بينهما حديثه عن "مريام" أقل، ونجده فيه "تأخرت، لم آلفها، لم أفلح" وهذا يأخذنا إلى العقل الباطن للسارد الذي ينحاز لمريم أكثر من مريام، فلو أخذنا طريقته في الحديث عنهما، وأخذنا الألفاظ المجردة نجدها لصالح مريم، "فمريم" أهم من "مريام" وافضل منها، ويأخذنا الحديث عن "مريم" إلى العلاقة الحميمة التي تربط "إبراهيم بمريم"، فحبها له نجده في "تغمرني، بأحضانها، تمطرني، القبلات، وتقص، وتغني" هذا الوصف متعلق بالعلاقة الروحية وبالسمع، فالغناء والحكايات لها علاقة بالسمع، بينما علاقته مع "مريام" متعلقة بالمشاهدة/النظر، لهذا ذكر هندامها وجلستها للعزف على البيانو، ولم يحدثنا عن أثر سماعه للعزف، وكلنا يعلم ان السمع أهم من البصر، فيمكن للمرء أن يتألق ويبدع وهو فاقد البصر، لكنه من الصعب أن يبدع وهو فاقد السمع، وهذا ما يأخذنا إلى العقل الباطن للسارد، الذي يقول ـ بطريقة غير مباشرة ـ أن ابداعه في سرد الرواية ناتج عن مريم وليس عن "مريام".
حالة ازدواج الجنسية تجعل الإنسان معلقا، لا هو مقبول من هذا الطرف ولا من ذاك، فقد تعرض "إبراهيم/أبرا" للمضايقات من الطرفين، من الفلسطينيين: "...أحد التلاميذ متسائلا بازدراء أنت ابن اليهودية؟" ص95 ومن اليهود: "... يغمغم بكلمات لم افهمها والتقط حجرا وقذفني به، ولم يلبث الآخرون أن تسارعوا بقذفي بالحجارة، ما التقطه مسامعي: عربي ... عربي" ص95، أعتقد أن هذه المعاناة تشير إلى ضرورة حسم أمر الجنسية/الأصل، وكأن السارد من خلال هذا المشهد يقول أن كل (مخلوق) يأتي بطريقة (التزاوج غير الطبيعي) سيكون مشوها، ولن يقبله الأخرون، ولن يعامل بطريقة سوية، وسيكون وجوده مثيرا للمشاكل/النزاعات، فهو يدعو ـ بطريقة غير مباشرة ـ إلى النهي عن حدوث هذا (التزاوج) الهجين.
السارد الذي تعلم الحكمة من حكايات جدته "مريم" انعكست على سلوكه وعلى تعامله مع أهله: "...مع الوقت تعلمت كتمان مشاعري كي لا اسبب أي ضيق لأمي" ص97، فالمحافظة على مشاعر امه مرتبطة/ناتجة عن جدته مريم، فهي من قصت عليه الحكايات وغنت له.
يحلل لنا "عيسى/أبو سريع" الحالة التي يعيشها "إبراهيم/أبرا" بقوله: "...في حالة انتمائك الإنساني والأخلاقي، فإنك لا ترى بمريام سوى مستوطنة مغتصبة.
أما مريم فلن تجدها سوى ضحية، وفي هذه الحالة، لا يمكن أن يتساوى الحب والاحترام لكلتيهما، وإلا فإنه سيكون خلل أخلاقي وليس خللا جينيا! وأحسب أن عقدتك تبدأ من هنا لمن ستنحاز؟ لمريم أم لمريام؟ أما هروبك من مواجهة هذا السؤال الحاسم فهو اشبه بسلوك النعامة التي تدفن رأسها بالرمال، إذن عليك أن تواجه ذلك بكل شجاعة، أما التظاهر بعدم الاكتراث وتصنع الحيادية، فإن ذلك هو جذر المشكلة" ص147، اعتقد أن دخول "عيسى/أبو سريع" (على الخط) أراد به السارد كشف حقيقة معناة "إبراهيم/أبرا"، فهو لم يكتف بما سرده "إبراهيم/أبرا" عن نفسه، فالسارد "إبراهيم/أبرا" لا يعي طبيعته/معاناته/مشكلته، فكان مجرد شخص يعاني ويتحدث عن معاناته، لهذا كان لا بد من كشف هذه المعضلة/المعاناة وأسبابها ودوافعها من خلال حديث "عيسى"، وأهمية ما قاله "عيسى أبو سريع" تكمن في هذا الحدث: "... بل تقدمت خطوة حين التقطت الحجارة أسوة بالمتظاهرين، وأخذت بإلقائها على قوات الجيش، وهتفت مع الهاتفين. تملكتني حينها سعادة عارمة، واحسست بنشوة الانتماء.. أجل، كانت لحظة فارقة عندما غمرتني تلك المشاعر المتوثبة، وأحسست في تلك اللحظة بانتمائي العميق لهذه الجموع الغاضبة التي تدافع عن حقها في الوجود، ما كنت أعاني لحظتها من أية عقدة في الانتماء، التي لازمتني منذ طفولتي" ص150، إذن التسلسل والتتابع المنطقي في الأحداث يعد احدى عناصر الابداع في الرواية، ولم يكن دخول "أبو سريع" من باب الحشو او الطرح المباشر، بل له وجود عضوي في بناء الرواية، وفي تناول شخصية "إبراهيم/أبرا".
رغم هذا التفاعل العضوي والذي استراح به ومن خلاله "إبراهيم/أبرا" إلا انه لم يكن كافح لتخلصه من ازدواجية الانتماء، هناك احتفاء عند اليهود بالاستقلال، وفي ذات الوقت هناك ذكرى النكبة عند الفلسطينيين: "...سأحاول اتخاذ قرار حول المشاركة من عدمها في فعاليات الغد، فعاليات الذكرى الخمسين لاحتفالية (استقلال إسرائيل) وفاعليات الذكرى الخمسين للنكبة" ص157، رغم الطهارة والصفاء الذي حصل عليه "إبراهيم/أبرا" بعد مشاركته في مواجهة الجيش، إلا أنه يتقهقر ويعود إلى حالة المعاناة وصراع الهوية، فهو يقول بطريقة غير مباشرة ـ بضرورة حسم أمر الإنسان وعدم البقاء في منتصف الطريق، فإما أن يكون هنا أو هناك، ولا داعي لوجود أو البقاء في هذا الصراع.
وجود "مريام" في حياته له أثره في الصراع، وكان لا بد من حسم أثر هذا الوجود في حياة "إبراهيم/أبرا": "كنت في تلك اللحظات، أحسم تدريجيا مسألة الانحياز والانتساب، لم يكن منطق مريام مقنعا، كنت منحازا بكل جوارحي لمريم ومنتسبا لمأساتها، أجل، كانت مريم الضحية في هذه المعادلة، ووجدت نفسي انتمي للضحية، غمرني شعور بالارتياح، ها قد بدأت أحسم أمري، أنا انتمي للحق، ولا أنتمي للباطل الذي يرتدي قناع الحقيقة" ص198، عندما حدثنا عن مريم ومريام وجدناه يميل إلى الحكايات والغناء، السمع، ولم تبهره صورة مريام وثيابها الجميلة ولا جلستها المتحضرة وهي تعزف على البيانو، وها وهو يؤكد من جديد على هذا الأمر من خلال تعلقه بالروح/العاطفة/مريم، ويبتعد عن الصورة/قناع الحقيقة، هذا التكامل والتواصل في المشاعر يؤكد على وحدة وقناعة السارد بما يشعر/يتكلم به، فهو صادق بما يقول، ما يتحدث به، لأنه خارج من العقل الباطن كما هو خارج من حالة الوعي، فلو كان هناك (كذب/زيف) في قوله لوجدناه بين الكلمات، أو في تناقض الفقرات، لكن "إبراهيم/أبرا" الذي عرف المعاناة من خلال "مريم ومريام" وعاش الظلم والقهر مع "مريم" التي كانت ترى وطنها/بيتها ولا تستطيع ان تزوره أو تصل إليه، جعله يحسم امر الانتماء.
لكن الإنسان ليس ماكنة/آلة بل هو نسيج علاقات اجتماعية وإنسانية، ويتأثر بما هو عام وما هو شخصي، فهل يستطيع هذا (الحسم الفكري) أن ينهي مشاعر الحب تجاه "مريام" وكأنها لم تكن في حياة "إبراهيم/أبرا"؟، يجيبنا السارد بقوله: "كان قلبي مكتظا بالحزن والغضب والارتياح، حتى غادرت بيت مريام، مشاعر متناثرة، لا أدري كيف أصفها! حسنا، كنت حزينا، لأنني تشاجرت مع الجدة مريام، وأن العلاقة معها باتت مشحونة بالتوتر، وأجهل كيف ستنتهي العلاقة معها، وكنت غاضبا، لان المشاجرة كانت بالغة الحدة معها، وربما كنت غاضبا من نفسي، لأني سمحت لها أن تكون حادة في حضرة مريام.
أما الارتياح، فمبعثه هو تحرري من خنوعي، وانكسار صوتي، وحيرتي وتذبذب مواقفي التي دأبت عليها" ص199، في هذا المقطع نجد إنسانا بكل معنى الكلمة، فهو يعرف كيف يفرق بين ما هو شخصي وما هو وطني/قومي، ويعرف كيف يحكم على سلوكه، ويحلل مشاعره تجاه الآخرين وتجاه نفسه، كل هذا يجعلنا نتأكد أننا امام شخصية تعاني وتتألم، وتعرف معنى الألم والمعاناة، لكنها لا تنحرف بسلوكها، فلا تؤذي الاخرين رغم عدم سوية موقفهم وسلوكهم، ومثل هذا التوازن في السلوك يؤكد على كمال الشخصية واتزانها سلوكيا وفكريا.
وهذا الموقف الإنساني نجده عندما حدثنا عن علاقته بأخته "عنات": "بيد أنني لا أشعر بأي عدائية تجاه أختي عنات، إنها أختي الوحيدة حتى لو كنا في معسكرين مختلفين، ومتعاديين، ولكن كيف سيكون بمقدوري إفهامها أن علاقتي بها شيء وانتمائي لقضيتي شيء آخر؟ كيف لي أن أحل هذه المعضلة التي استأثرت بي، واسدل الستار على حياتي السابقة التي طالما واكبها الشعور بالضياع؟ كيف لي أن ابارح هذه المنعطفات وأوصد الباب نهائيا على حالة الاغتراب التي لازمتني طوال السنوات الماضية" ص219، مثل هذا الألم يؤكد على إنسانية "إبراهيم/أبرا" وعلى صفائه الاخلاقي، فهو يعرف كيف يفرق بين ما هو شخصي وبين ما هو وطني/قومي، ويفكر بالآخرين كما يفكر بنفسه، فهو ليس جلادا، ولا يلعب دور الضحية يمارس/يبرر بطشه وقسوته على الآخرين، وكأنه بهذا السلوك السوي يرد على منطق "مريام" التي بررت وجودها في صفورية وفي بيت "مريم" بسبب اضطهادها من الآخرين، "فإبراهيم/أبرا" يتعرض لاضطهاد/معاناة مزدوجة، من الدولة التي احتلت أرض جدته مريم، ويعاني من مواجهة أهله "جدته "مريام" وأخته "عنات" ومع هذا يبقى متماسكا إنسانيا ومحافظا على سلوكه وأخلاقه وتفكيره ومشاعره، كل هذا يجعلنا نتوقف متفكرين بالطريقة التي قدمت بها "مريام" مأساتها وسبب وجودها في أرض ليست لها، وفي بيت احتلته غصبا، فهي لعبت/استخدمت دور الضحية لتكون وتمارس دور الجلاد، ولتبرر لنفسها سبب وجودها في أرض وفي بيت ليسا لها.
الألم النفسي الذي تعرض له "إبراهيم/إبرا" قاس وشديد، فهو يعيش حالة الصراع الإنساني والوطني/القومي معا، ومع هذا أخلاقه وتفكيره تبقى محافظة على نقائها، يصف هذا الألم بقوله:
"هذا جناه أبي علي وما جنيا على أحد.
فأنا أشبه حال هذا الشاعر، ليت أبوي لم ينجباني، ليت شلوميت استأصلت رحمها قبل ولادتي، فأنا لا أرغب في إنجاب أبناء للحياة كي لا يعيشوا مأساتي، لن تصدقي لو قلت لك إنني أخشى ملامسة امرأة، أخشى الارتباط، وأخشى صخب الأطفال وأخاف الاختلاط بالناس، لقد أصبحت عقدي مستعصية على الحل!" ص243، فالسارد من خلال هذا الألم يدعو القارئ لعدم الإقدام على فعل غير طبيعي/سوي، لأنه سيكون له أثر سلبي على الفاعل نفسه وعلى الآخرين، فيكون الضرر مزدوجا ومتشعبا، كل هذا يجعلنا نتأكد ان الفكرة الأساسية تتمحور حول الزواج/الجمع بين المتناقضات لا يمكن ان ينتج عنه شيء طبيعي/سوي، فالمقدمة الخاطئة تؤدي إلى نتيجة خاطئة، والبداية العرجاء لا يمكن ان تُوصل إلى الهدف.
يستمر "إبراهيم/أبرا" في نهجه الوطني/القومي ومفهومه الاخلاقي محدثا توازنا بعلاقته مع أخته "عنات" المتبقية الوحيدة من أرث "مريام وشلوميت" مؤكدا على أنه إنسان وليس كائنا فضائيا بلا مشاعر: "...أنا اعترف أن أمي سلام وأبي إلياس لم يكونا يستحقان هذا الجفاء من جانبي مهما بلغت المبررات، وصار لزاما علي وعلى عنات التشبث ببعضنا كإخوة ـ أننا في معسكرين متعاديين ـ ما أغرب هذه الحياة! شاءت لنا الأقدار أن نكون أخوة أعداء، ... ندنو وننأى، تعبس وتضحك، نتشاجر .. ثم نعود ونتصالح، هي أختي الوحيدة، ومع أنها في المعسكر الآخر، فإن الإحساس الإنساني الوجودي كان أعمق من أي شيء آخر" ص250، فيما سبق يكون "إبراهيم/أبرا" قد وصل إلى حسم موقفه وأصبح شخصا كاملا يعرف الفرق بين ما هو شخصي وبين ما هو قومي، وعندما ابدى مشاعره ورأيه في أبويه "إلياس وشلوميت" كان يقول أنهما مارسا قناعتهما في خلق حالة سلام على هذه الأرض، لكن الواقع/الناس لم يسمحا لهما أن يكون سلاما عاما وشاملا، فالحواجز كبيرة، والتناقض في الأفكار وفي السلوك لم ولن يسمحا بوجود الحياة الطبيعية والسوية، بهذا الاكتشاف عرف "إبراهيم/أبرا" كيف يحدد علاقته بأخته "عنات" وأستطاع أن يبقيها إلى جانبه كأخت، يحتاجها إنسانيا كما تحتاجه، فهل هناك دليل أكبر من هذا على استحالة وجود سلام/حياة طبيعية بين المتحاربين على أرض فلسطين؟.
"مريام" كانت تعد الحاجز الأصعب امام تحرر "إبراهيم/إبرا" لهذا عندما تجاوزها كان من السهل عليه مواجهة أبويه "إلياس وشلوميت": "ماذا يعني زواجكما في ظل هذا البحر من الكراهية المتلاطمة الامواج؟ ماذا يعني إنجابي وإلقائي وسط هذا البحر الذي طفقت أسبح وسط أمواجه باحثا عن شاطئ للأمان، ولا أخال أني سأعثر عليه؟... إن محاولاتي لأكون مثلكما محايدا ومسالما ومتعايشا باءت بالفشل، وخلقت مني إنسانا معاقا ومعطوبا في الهوية، ويعاني فصاما في شخصيته: تارة أنزع للانتماء للعرب، وتارة أنزع ناحية اليهود، وفقدت القدرة على بناء شخصيتي المستقلة، وأفتقد القدرة على اتخاذ لو قرار صغير" ص202و203، رغم الوضوح في قول "إبراهيم/أبرا" إلا أنه جاء بطريقة غير مباشرة ـ من خلال السرد الأحداث ـ وطرح ضرورة تحديد الهوية، وعقم الزواج الهجين، يشير إلى أن كل عمل/فعل لا ينسجم مع الواقع/الحقيقة لا يمكن ان يدوم/يستمر بالبقاء بشكل طبيعي وعادي، وما وجوده إلا حالة مؤقتة، أو لوجود حالة غير سوية/طبيعة تجعله موجودا، هذا القول يلخص رؤية "إبراهيم/أبرا" للصراع الفلسطيني الصهيوني، فهو صراع لا يمكن أن ينتهي إلا بإنهاء مسألة الهوية، أما أن تكون فلسطينية عربية، أو يهودية صهيونية، فالجمع بين هذين المتناقضين لا يمكن ان يكون طبيعيا، ولا يمكن أن ينتج عنه شيء سوي.
وهذا ما طرحه "إبراهيم/أبرا" بعد وفاة "مريم ومريام": "أنا لست حفيدهما المشترك فحسب، بل أنا بؤرة التقاء الأزمنة والأديان والتاريخ والصراعات، أنا الجسر الذي لو أمكنهما عبوره لكان التاريخ يدخل حقبة أخرى مغايرة!" ص234، حسم طبيعة الصراع في فلسطين، فليس ولن يكون هناك لقاء/حياة طبيعية بوجود اليهود الصهاينة والعرب الفلسطينيين في فلسطين، هذا ما أكده "إبراهيم/أبرا" فهو لم يقدر أن يجمع جدتيه معا، لم يستطع أن يكون وسيطا بينهما، رغم انهما يحبانه أكثر من "إلياس وشلوميت، فكيف يمكن ان يجتمع اشخاص مختلفون، لا يربط بينهم رابط أو لا يوجد ما يجمع بينهم؟.
يتقدم أكثر "إبراهيم/أبرا" من حقيقة الصراع وواقعيته في فلسطين فيقول: "ما هي الصراعات؟ الحروب العبثية؟ نحن على هذه الأرض؟ من نحن؟ نحن شعبان أشبه بهاويتين، هاوية تحدق في هاوية، وتكن لها كل الكراهية والعداء، وهاوية تحدق في السماء، ولن يكون مصيرنا سوى البقاء في الهاوية السحيقة" ص245، إذن هذا هو الواقع على الأرض، لا يمكن أن يكون هناك جامع بين الفلسطيني والصهيوني، ولا يمكن أن تجمعهما مصلحة واحدة، فأحدهما ينفي الآخر، ووجود أحدهما يعني معاناة الآخر، هذا هو الواقع على الأرض.


"مريم"
"مريم" تمثل مأساة الفلسطيني، امرأة عاشت حبها في "صفورية" وتزوجت خيرة الشباب "محمود" القوي وكامل الرجولة، ورغم مأساتها إلا أنها لم تضعف، وبقيت صلبة ومتشبثة بحقها، ورفضت مساومة "مريام" على حقها في منزلها، فهي نموذج للمرأة الفلسطينية المكافحة والصلبة، وإذا قارنا حالة "مريم" بحالة "‘براهيم/أبرا" سنجد "مريم" امرأة تعرف ما تريد وتمتلك مشاعر وأفكارا واضحة ولا ينتابها أي اضطراب في مواقفها او في طريقة تعاملها مع الآخرين، إن كانوا أصدقاء أم أعداء، فهي كاملة وناضجة وواضحة وحاسمة.
بداية مأساتها كانت بهذا الشكل: "لو لم تقصفنا الطائرات اليهودية لما غادرنا صفورية، ولمل تمكنوا من قتل محمود، لولا الطائرات لبقينا، وبقيت صفورية، وظل محمود حيا" ص19، بكل موضوعية تتحدث عن سبب مغادرتها "صفورية" فهذه المرأة التي عاشت خيرة عمرها في بلدتها أجبرت مكرهة على تركها بسبب الطائرات التي قلبت موازين المعركة ولم تترك بيتا أو حيا إلا وقصفته.
وبعد الهجرة نجدها تتحدث عن ارتباطها وحنينها للمكان: " قالت لي إنها كانت قبل النكبة تطل من صفورية على الناصرة وبعدها انقلبت الآية، فأخذت تطل من الناصرة صوب صفورية" ص21، تبديل الأماكن أكراها يجعل الإنسان يشعر بوجود خلل ما، قبل النكبة كانت الناصرة تمثل الهدف/المكان المرفه، وبعد النكبة انقلبت الصورة فكانت صفورية هي الهدف/الغاية/الحلم الذي تسعى إليه "مريم"، فماضيها الجميل في صفورية وحبها الأول كان فيها: "قال لها بعد زواجه منها: "كانت شفتاك تشبهان حبة التين وهي تسيل بعسلها، وهو ما كان يغريني لحظتها بالالتهام!" فتسأله مريم بخبث: تلتهم حبة التين أم الشفتين." فيجيبها هو يتفرس في ملامحها بشبق: "كلها مها!"
...تعمد أن يسبقها إلى التينة عند الفجر، ويلتقط أشهى حباتها ويتسلل إلى باحة بيتها، ويتركها لها في حوض النعناع" ص22، هذه العلاقة الجميلة والهادئة لا يمكن أن تنسى أن تمحى من الذاكرة، ولا يمكن لأي مكان أن يكون بديلا عن صفورية ونبع الماء والتينة، ولا يمكن لأي شخص أن يحل مكان "محمود" فهو رجلها وحبيبها وحبها الأول والأجمل.
ورغم هذا الحب والحرص على الاستمتاع بالحياة، إلا أنها لم تتخاذل عندما نشبت الحرب، وقدمت صيغتها لمحمود لكي يشتري بارودة يدافع بها عن صفورية: "طفق الناس يبحثون عن السلاح بأي ثمن، وفي تلك الأيام القاسية، جمعت ما في حوزتي من حلي ذهبية ووضعتها في كف محمود، وقلت له بحسم: بعها وأشتر بثمنها بارودة" ص23، فالحب والحبيب ونعيم الحياة لم يكن حائلا امام التفاعل الوطني والقومي مع ابناء وطنها، فقدمت حليها وزوجها ليكونا في مقدمة المدافعين عن صفورية.
وهذا الموقف جعل "محمود" يرفع من مكانة "مريم" بين المقاتلين ويقول: "أنا سأقاتل بذهب زوجتي!، إنها مفخرة لي ولأهالي بلدتها!" ص24، فالعلاقة بين "محمود ومريم" كانت حلما/نموذجا لكل فتاة وشاب، فالحب حاضر بينهما، والتفاعل الوطني متقد، والمديح موجود، وعندما اشتد الحصار وحميت المعركة قالت لزوجها وحبيبها: "عدني أن تحافظ على حياتك من أجلي ومن أجل أبننا" ص24، لكن "محمود" الرجل الكامل والحكيم أجابها: "؟أعدك أن أدافع عن صفورية، وعنك وعن أبننا، ولو استدعى الأمر دفع حياتي ثما لذلك" ص24و25، أليس هذا هو الرجل الذي تحلم به كل فتاة؟، ألم يكن محمود يمثل الزوج والمقاتل الباسل؟، لهذا كانت حسرتها عظيمة عندما جاءها خبر استشهاده.
تنتقل "مريم" مع اهل زوجها إلى الناصرة، ويطرح أبو محمود عليها أن تتزوج "عمر" شقيق محمود والذي يصغرها بأربع سنوات، توافق كأي امرأة، فالحياة الاجتماعية والاقتصادية تفرض نفسها على الفرد: "لم أكن أمتلك سببا للرفض، بالأمس كان عمر طفلا ندله جميعنا دلال الأطفال، وسيغدو طفل الأمس زوجا لي! وما الغرابة في ذلك وقد غدا كل شيء غريبا في حياتنا الجديدة؟" ص35، هذا الزواج يضيف معاناة جديدة على مريم، ومع هذا تجاوزتها، وتكيفت مع الواقع والظرف.
بكرها "إلياس" الذي خرج عن أمرها وتزوج بيهودية، حسمت أمرها معه وتركته وكأنه لم يكن: "...ولكني رفضت أباك وأمك، كنت فارغة تماما بعد استفراغ أبيك من أعماقي، لكني امتلأت بك، وزرعتك في أعماقي، وغدوت من يومها أغلى ما أملك في هذه الدنيا"ص45و47، تستوقفنا إنسانية مريم، فهي أم، لكنها في المسائل الوطنية لا تهادن أحدا، ألم تقدم زوجها ومالها في سبيل الوطن؟، وها هي "تستفرغ" بكرها "إلياس" بعد أن قرر الزواج بيهودية، وهذا الموقف يحسب لها، فهي تستطيع ان تحسم الأمور بسرعة ودون تأخير، وتعرف الفصل بين ما هو وطني وما هو شخصي، لهذا هي منسجمة مع ذاتها.
"ومريم" كانت ناضجة سياسيا، وتعرف حقيقة مأساتها وطبيعة عدوها، بعد اتفاق "أوسلو" يسألها "إبراهيم/أبرا" عن موقفها فتجيب: " اليوم فقط أدرك أني لن أعود إطلاقا إلى صفورية، لقد تهاوي الحلم الكبير" ص106، إذن هي ناضجة نفسيا وفكريا وسلوكيا، وتعرف كيف تحكم على الأحداث، لأنها تعرف حقيقة مأساتها وطبيعة عدوها، فكانت أكثر نضوجا من المحتفلين بتوقيع اتفاق السلام.
بعد اكتشاف أن أخاها عادل حي، وها هو يعود مع العائدين إلى الوطن، تحتفي بهذه العودة بطريقتها الشعبية: "صبغت شعرها وكفيها بالحناء، وكانت تتضوع منها رائحة زكية، أقامت بعد يومين حفلة دعت إليها الأقارب وأهالي الحي، غنت ورقصت وعلت زغاريد النسوة في سماء الحي" ص124، هذه البساطة والشعبية في الاحتفاء بعودة "عادل" تشير إلى أن "مريم" ما زالت محافظة على سلوكها الذي عرفته في صفورية، وهذه الاستمرارية في الفرح تؤكد على بقائها ثابته وراسخة على ما ألفته في صفورية.
العمر له أثره على الإنسان، وهو يحول دون القيام بأعمال الشباب، لكن في حالة "مريم" لا نجد له اثرا، فروح العطاء والتفاعل ما زالت متقدة، مع واحياء ذكرى النكبة، تتقدم "مريم" لتكون من المشاركين في هذه الذكرى الأليمة، وما أن وطئت قدمها صفورية حتى تخلصت من خمسين عاما من عمرها: "بعد قليل بسطت ساقيها كي تتهيأ للنهوض، مددت يدي لها كي أساعدها، إلا أنها أبت، نهضت وحدها، وأحسست حينها أن مريم قد عادت عشرين عاما للوراء، نفضت التراب عن ثيابها، وقالت بصوت مفعم بالعذوبة والأمل: هيا نرجع، دهشت وأنا أراها تسير بلا عكاز، وقد كانت تمشي بخطوات ممتلئة بالعزيمة والإرادة، وخيل إلي لحظتها أنها كانت تتضوع منها رائحة الصبا، لقد استعادت عافيتها حينما لامست الذكريات." ص163، في هذا المشهد نجد أثر المكان على الفلسطيني، ونجد الوحدة والتكامل بينهما، فهما كالروح والجسد، لهذا ردت الروح "لمريم" بعد دخولها صفورية، وتحولت إلى تلك الفتاة التي كانت في ريعان الشباب تنعم بالحياة، وهذا التفاعل بين مريم وصفورية يشير إلى استمرارية وثبات "مريم" وانسجامها مع ذاتها، لهذا تنفعل بإيجابية وتنشط وبحيوية بعد أن شاهدت ولامست ما فقدته في صفورية.
النضوج الفكري والسياسي سمة تضاف إلى تكامل "مريم" وانسجامها فبعد ان عرضت عليها "مريام" المنزل الذي احتله أو قبولها التعويض، ترد على هذين المقترحين باستفاضة، تحليل دقيق: "...أتريد أن تنزع مني قرارا عاطفيا؟ ماذا سأقول بحق مستوطنة جاءت من أقاصي الدنيا لتحتل مكاني؟ وتقيم سعادتها فوق حطامي وحطام أهلي؟ وعلى رفات زوجي وأهلي؟ وتجرعت بسببها ومن هم على شاكلتها ألوان العذابات والمآس، ... لنقل أنني قررت أن أتسامح وأعفو وأغفر ما حل بي من مآسي، وهب أنني قبلت التعايش والتسليم بالأمر الواقع، بماذا يمكن لجدتك مريام أن تتسامح وتعفو وتغفر؟ ماذا خسرت مريام لكي تسامحني وتغفر لي؟ ستقول لي إنها خسرت زوجا كان يقاتل الفدائيين الذين هجرهم من بلادهم؟ ستقول لي: إنها خسرت أهلها في المحرقة، إنها عانت في معسكرات النازية؟ هل نحن من قتلنا أهلها؟ هل نحن من احتجزها لسنوات في المعسكر؟ ليس بمقدوري أن أكون بلا قلب، ولن أقول لتذهب مريام هي وجميع اليهود إلى الجحيم، لن أقول ذلك على رغم مما حل بي من مآس ونكبات، ليس بوسعي إلا أن أتعاطف مع أصحاب المآسي جميعا، ولكن أعطني سببا يجعلني أتسامح مع مريام ومستوطني صفورية، وهم لا يزالون يحتلون أرضنا وبلادنا، ويشيدون سعادتهم على حساب بؤسنا وتشردنا وشقائنا" ص173و174، هذا النضوج والوضوح والكمال ما كان ليكون دون اكتمال "مريم" وانسجاها فكريا ونفسيا، فموقفها وطني وقومي ولا مجال للتلاعب به، فرغم أن من أوصل الرسالة شخص عزيز عليها "إبراهيم/أبرا"، إلا أنها في المواقف الوطنية تعرف كيف تفصل بين ما هو شخصي وما هو وطني وقومي، لهذا حسمت الامر بسرعة وببديهية، والملفت للنظر ـ رغم نكبتها ومأساتها ـ أنها إنسانية الموقف، فهي لا تريد الألم للآخرين، فقد ذاقت وعرفت مرارته، وحتى لأعدائها لا تريده، وهذا ما يؤكد على إنسانية "مريم" حتى عندما تتحدث ألم الأعداء ومآسيهم.

"مريام"
"لمريام" مأساة أيضا، فقد عانت من النازية ونجت من المحرقة بإعجوبة، فالممارسة النازية كانت وحشية، تحدثنا "مريام" عن تلك المحرقة: "...لا زلت أذكر كيف تعلق إيريك بثوب أمي، كان مشهدا مأساويا، أمي كانت تدرك الحقيقة، لم تشأ أن تفجعنا، راحت تطمئننا أنها ستعود، وفي تلك اللحظة، أدركت أنني لن أرى أمي أو أبي ثانية...اقتادوني مع ألاف الفتيات الصغار إلى جهة بعيدة في المعسكر، ...كنا نعمل كالعبيد من ساعات الصباح وحتى المساء نعود مشيا على الأقدام إلى مهاجع عامة تشبه زرائب الحيوانات، أجل تعاملوا معنا كالبهائم....
... أزاحت مريام كم قميصها لتريني الرقم الموشوم على ذراعها.
"كنا نجهل مصيرنا، قيل ينقلون الرجال والنساء إلى معسكرات ماي دانك للعمل هناك في الاشغال الشاقة، ... عشرات الألاف...مئات الألاف ...اقتيدوا إلى خارج أوشفيتز، وسيمر وقت طويل قبل ان نفهم أنهم كانوا يقادون للإبادة... بوسعك أن تموت آلاف المرات يوميا، ليس هناك البتة أصعب من انتظار الموت، هكذا أستنزفوا قوانا وأعصابنا... ما أسوأ أن تعيش الموت وأنت تدرك بأننا سنساق كالخراف للذبح والحرق" ص50-52 ، مأساة حقيقية لا يمكن ان تنسى، فهي عالقة في الذاكرة، وكان من الطبيعي والمنطقي ومن المفترض أن ترفض هذه الضحية التي تعرضت لهذه الوحشية ان تكون جلادا للآخرين، "فمريام" ضحية من ضحايا النازية، لكنها غير منسجمة مع ذاتها، كضحية أو كإنسانة، فرغم معرفتها بقذارة الوجع والألم، إلا أنها تبرر قيامها بجلد الآخرين(المنهزمين)، هذا ما اخبرنا به إبراهيم/أبرا": "مريام التي تعيش على انقاض مريم تعي تفاصيل الحكاية، لكنها لا تشعر بالعار، ولا يساورها أي شعور بتأنيب الضمير" ص101، إذن "مريام" تبرر وجودها في مكان ليس لها، وتعي انها ليست على حق، وهي توافق على حل مشكلة "مريم" الفلسطينية ضمن هذه الرؤية: " فأنا مع الاتفاق ما دام يبقيني هنا في بيتي، وطالما لا يتيح لمريم العودة إلى بيتها، ولكن من ناحة أخرى أشفق على حال مريم وأهالي صفورية، إنهم أمامنا طوال الوقت" ص111، "مريام" تفكر بمصلحتها فقط، أما حال الآخرين الذين هجروا من بيوتهم فلا يعنون لها أي شيء، سوى أنهم يذكرونها بالمحرقة التي نجت منها تهرب من تذكرها، فهي عندما قالت "أشفق على حال "مريم" أرادت أن تقول أشفق على نفسي لأني أرى مأساتي عندما أرى هؤلاء المهجرين.
"مريام" غير واضحة وغير منسجمة مع نفسها، وتمارس لعبة العمى/الخداع بحيث لا ترى إلا ما تريده ولا تسمع إلا ما يعجبها، فهي تميل إلى المحافظة على ما هي عليه، ولا تريد لأحد أن يعكر صفو وجودها بأي شكل من الأشكال، فمنطق المنتصر أعمى بصيرتها وجعل منها وحشا من وحوش الغاب: "أنها الحرب والمنتصر بها هو من يقرر مصير المهزوم، ونحن من حسم هذه الحرب، ونحن بالتالي من يقرر نتائجها ويحسم مصير المهزومين...هل من العدل أن نترك تسيبوري بعد خمسين عاما ونسلمها للعرب؟ أنت نفسك يا عنات أين ولدت ونشأت وترعرعت؟ ...هل من العدل أن تغادري موطنك ومسقط رأسك بعد ل هذه السنوات؟" ص176، هذا المنطق نفسه الذي ترفضه "مريام" ينطبق على حالة "مريم" الفلسطينية، ومع هذا "مريام" لا تشعر بأي تأنيب للضمير، أو أن هناك شيئا غير منطقي، شيء متعلق بهؤلاء المهجرين الذين تشاهدهم طوال الوقت، فهم بالنسبة لها غير موجودين، وإن وجدوا فهي تتألم لنفسها، حيث يذكرونها بما تعرضت له من وحشية على يد النازيين.
بعد لقاء مريم ومريام وتدخل "إبراهيم/أبرا" تميل "مريام" قليلا نحو حقيقة كونها مستوطنة تعيش في مكان وبيت وأرض للآخرين، فتحاول أن (تصحح) شيئا من الخطأ الذي وقع على "مريم" كفرد وليس الذي وقع على مجموع الفلسطينيين، فتطرح هذه المبادرة: "أنا مستعدة لمساعدة مريم في استعادة بيتها، وسأمنحها بيتي هذا... أو تقبل مني تعويضا ماليا، وقبل أن أعلق، أردفت تقول: بهذا أبرئ ذمتي تماما وأريح ضميري" ص187، تبدو هذه المبادرة فيها (شيء) من الحقيقة/العدالة، لكنها في حقيقتها أرادت بها "مريام" أن تقنع نفسها بأنها فعلت ما يجب أن تفعله كضحية، كإنسانة، وقد كانت تعي تماما أن "مريم" لا يمكن ان تبقل بهذا المساومة، لأن مشكلتها ليست شخصية فحسب، بل وطنية/قومية، ومن هنا عندما جاء الرد برفض هذا العرض لأنه لا يلبي طموح "مريم" تتقهقر "مريام" وترجع إلى طبيعتها وحقيقتها كمستوطنة/كجلاد مكشرة أن أنيابها وعن أفكارها الصهيونية: "هذه البلاد بلادنا ولسنا طارئين، نحن شعب تعذب طويلا في رحلة شاقة، امتدت لآلاف السنين... ومأساتنا لم تبدأ بالهولوكوست، إنما هي قديمة منذ أكثر من الفي عام... أنا لست مستوطنة على أنقاض الآخرين، بل الأخرون هم الذين يعيشون على أنقاض وطني وأجدادي، وأنا عدت لأعيش في بلادي" ص195، انكشف القناع وظهرت حقيقة "مريام"، شخصية تمارس النفاق وتحاول ان تخدع حتى نفسها، فهي لم تكن إلا جلادا، ولم تمل قيد أنملة نحو الإنسانية، وإذا توقفنا عند حالتها عندما تحدثت عن كونها ضحية، سندينها مرتين، مرة بكونها مستوطنة، ومرة بكونها ضحية تمارس قهر الآخرين. فجريمتها مزدوجة، ولا يمكن غفران جريمتها.
إذا توقفنا عند حالة "مريم" وموقفها وحالة "مريام" وموقفها سنجد الأولى واضحة كالشمس ومنسجمة مع ذاتها ومع أقوالها وأفعلها، فرغم ألمها الطويل والمستمر إلا أنها لم تفقد البوصلة، أو تنزلق نحو الشر، فبقيت محافظة على إنسانيتها حتى في الامتناع عن تمني الشر لأعدائها، بينما كانت "مريام" الضحية تمارس دور الجلاد دون أي تأنيب ضمير، ولم تكتف بهذا بل أرادت أن تمارس نوع آخر من الجلد عندما عرضت تسوية مع مريم، والتي قصدت بها زيادة ألم "مريم" ومعاناتها وليس حل ازمتها/عذابها، كما نجدها شخصية تمارس النفاق والكذب حتى على نفسها، من هنا يكمن الفرق بين مريم الفلسطينية وبين "مريام" الصهيونية، وإذا أخذنا مهمة "مريام" معلمة عزف بيانو" بمعنى أنها تهتم بالفنون والموسيقى وتتذوق الأنغام التي تهذب النفس وتصقلها، وقارنا هذا الأمر بسلوكها وطريقة تفكيرها "بمريم" الفلسطينية يمكننا أن نجد التناقض بين مهنتها المتحضرة وبين تفكيرها المفرط في السادية،، بينما نجد "مريم" امرأة فلسطينية عادية، لم تحصل على تعليم (متحضر) ولا تجيد العزف ومع هذا كان موقفها الإنسانية المطلقة، حتى تجاه عدوها ومن سلبوها بيتها ووطنها، وهنا يكمن الفرق بين الفلسطيني والصهيوني، فمهما يظهر الصهيوني من سلوك (متحضر) يبقى ساديا في طريقة تفكيره تجاه الآخرين، أليسوا شعب الله المختار!!.


جمع المريمين
يحاول "إبراهيم/أبرا" أن يقلص المسافة بين المريمين، فبعد الحادث الذي تعرض له "إبراهيم/أبرا" يتم اللقاء بينهما لكنه لقاء جاف، لقاء أجساد دون روح ولا حتى كلام، فلكل منهما عالمها الخاص، فرغم حبهما وحرصهما على "إبراهيم/أبرا" إلا أنهما كانتا متباعدتين بعد السماء عن الأرض: "كان الصمت مطبقا في المكان، كانت تنطلق بعض العبارات القصيرة من إحدى المريمين لتهنئني بالسلامة، وبوجوه متجهمة وابتسامات باهتة، بينما بوسعي أن أتخيل حجم العواصف والأعاصير التي تضرب أعماق الجميع...يا إلهي .. ما الذي حل بأهلي؟ وما هذا الدمار والتهتك الذي أصاب العائلة؟" ص167، بهذا المشهد يمكننا أن نستنتج الهوة العميقة التي تفصل الفلسطيني عن الصهيوني، مريم تعي التفرقة/الفصل بين ما هو شخصي وبين ما هو وطني/قومي، بينما "مريام" تحاول أن تلعب على الوترين معا، مستغلة حالة الضحية "مريم" لترمي عليها مزيدا من الثقل.
وبعد رحيل "مريم" عبرت "مريام" عن حزنها بهذا الشكل: " أتدري ماذا فعلت يوم رحيل مريم؟ لقد أمضت ليلتها تعزف على البيانو، عزفت مقطوعة موسيقى على روح مريم، كان عزفا جنائزيا حزينا" ص227، ولا ندري هل هذا العزف كان فعلا يعبر عن حزن "مريام" على رحيل "مريم" أم حزن "مريام" على نفسها حيث لم تقم بأي عمل يسهم في تخفيف معاناة "مريم".
وهنا نستنتج: إذا كان "إبراهيم" الجامع بين المريمين، ومع هذا لم يقدر على اتمام التصالح بينهما، فكيف يمكن أن يكون هناك لقاء/تصالح مع جموع متفرقة ولا جامع بينها؟، وهذا الطرح/الرؤية يقدمها السارد من خلال الأحداث وليس من خلال قول مباشر، وهنا تأتي أهمية شكل تقديم الفكرة.



إلياس/إيليا/إيلي
"‘إلياس" ابن الشهيد "محمود"، وبكر "مريم"، في البداية أخذ يعمل مع عمه "عمر" في المطعم، لكن كثرة الشجار بينهما جعلته يتجه نحو العمل في تركيب القرميد، يدخل إلى صفورية للعمل وهناك يشاهد جمال "شلوميت/سلام" ويأخذان في اللقاء ويقررا الزواج رغم المعارضة الشديدة من أهلهما، فهو يعاني من حالة انعدام الانسجام مع محيطه، إن كانوا عربا أم يهود، فهو مرفوض/منبوذ من الطرفين، حتى أن أمه "مريم" (استفرغته/خلعته) من نفسها واعتبرته غير موجود، وهذا الفقدان لحنان الأم وعاطفتها، كان لا بد من وجود مغذ آخر يستطيع به أن يعوض عاطفة وحنان الأم "مريم" لهذا توطدت علاقته أكثر "بشلوميت/سلام" ولأنهما "منباذين" كان عليهما ان يتوحدا معا أكثر، فالعلاقة "الحميمة" بينهما والتي استمرت دون وجود أي خلاف بينمها واعاشا في توافق وانسجام، له أسباب في المحيط الخارجي، فهما يتعرضان لهجوم شرس من الخارج، وعليهما مواجهته وأن يثبتا للآخرين أنهما على صواب ولم يقترفا أي خطيئة، هذا الأمر نجده بين السطور عندما تحدث "إلياس" مع "إبراهيم" عن ماضيه: "ـ ...أنا أدرك مدة الحيرة والأسئلة التي تعصف برأسك، ما أستطيع أن أقوله لك إن ما جرى بيني وبين أمك مسألة تشبه القدر، ولا يمكننا إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، نحن لسنا نادمين على هذا القرار، علينا أن نتعامل مع هذا الواقع، ولا داعي لفتح الماضي" ص65، استخدم "إلياس" لا يمكن إرجاع عقارب الساعة، علينا التعامل مع الواقع، لا داعي لفتح الماضي" كلها تشير إلى أن هناك (ندما) وانعدام اليقين تجاه صحة ما فعلاه، لكنه يرفض الاعتراف بهذا الندم/الخطأ لنفسه فيكف له أن يظهره للآخرين؟.
وبما أن "إلياس" ابن الشهيد والرجل الكامل "محمود" فإنه كان يشكل عليه عبئا: "أنت ابن الشهيد محمود ... بهذا الكلام طوقتني الألسنة والعيون أينما وليت وجهي، وبقدر ما يحمل هذا الكلام من فخر وتميز بالنسبة لي، كان يشعرني أيضا بعبئه الثقيل!" ص66، عندما يكون الإرث أكبر من أن يُحمل فإنه سيكون عبئا على الوارث، وهذا ما حصل مع "إلياس" واعتقد أن هذا الإرث له علاقة بالخلاف بين "إلياس وعمه عمر"، "عمر" الذي تزوج "مريم" وأنهى وجود الزوج والشهيد والحب الأول "محمود" من حياة "مريم وإلياس" انعكس على سلوك وعلاقته مع عمه وزوج أمه فكان الخلاف هو سيد الموقف بينهما.
حديث "مريم" عن صفورية حفز "إلياس" وأثار فيه حب معرفة تفاصيلها، فعندما عرض عليه العمل فيها وجدناه تقبله حتى لوكان فيه شعور بالإذلال:
"...رأيت بحزن بيوت المستوطنة وسكانها الغرباء وبضعة بيوت عربية في صفورية، ... إذن أرض الحكايات والأحلام والأحزان المكبوتة! ليس في وسعي إلا الخشوع بحزن، ولا أرى في الدخول إلى صفورية سوى المشهد الأكثر إذلالا! ومع ذلك، فقد آثرت كبت مشاعري من دون مبالاة.
... دهشت حين رأيت شجرة التين العسلية القريبة من عين الماء التي حدثتني أمي عنها" ص71، مشاهدة بلاد الأحلام، البلاد الممنوعة أثارت "إلياس" وبدأ عقله الباطن يبحث عن طريقة تجعله حرا في مشاهدة ودخولها "صفورية"، فحكايات "مريم" عنها جعلت منها الجنة، الفردوس المفقود، وها هو يجده امامه، كما أن حضور "مريم" "التينة حدثتني عنها أمي" ـ جعلت العقل الباطن عنده ـ أكثر اصرارا على ضرورة إيجاد طريقة يدخل بها إلى صفورية.
المكان الجميل والذكريات وماضي أهله جعلته يتقرب إلى المكان: "...حيث ترقد أسفله عظام أبي وأجدادي ومأساة أهلي في صفورية، وفي هذا المكان، في بيت أعدائي الذين يدوسون على عظام أبي، سأعثر على توأم روحي :شلوميت" ص73، إذن اقتران "إلياس بشلوميت" لم يأت يكن عن حب صاف، بل له أسباب متعلقة بأزمة "إلياس" ومأساته وأمه وأهله" فلو توقفنا عند إرث الأحزان والمآسي التي سمعها من أمه "مريم" لوجدناه يشكل حاجزا كبيرا أمام الإقدام على إقامة علاقة مع "شلوميت"، لكنه كان أضعف من أن يحمل ذاك الثقل الذي حملته مريم" فقرر أن ينهي ألمه ومأساته من خلال الزواج "بشلوميت/سلام".

شلوميت/سلام
"شلوميت/سلام" لم تكن صهيونية، وكانت منسجمة مع ذاتها كما هي الحال "مريم" وما كان زواجها من "إلياس" إلا تأكيدا على رفضها للصهيونية، وقد دفعت ثمنا باهظا مقابل زواجها من العربي "إلياس" "ومنذ ذلك الحين وأهلنا ينبذوننا ويقاطعوننا، ومحيطنا الاجتماعي بات محدودا" ص76، فترك الحياة السوية والإقدام على حياة قاسية ومريرة، يعتبر تحديا للمحيط، وأيضا يشير إلى نبل من قام بالفعل وإنسانيته، ورفض ما هو سائد.
وقد يسأل سائل، أليس هذا الأمر ينطبق على "إلياس"؟ بالتأكيد لا، "فإلياس" بزواجه حصل على حرية مشاهدة الأرض المحرمة ودخولها، كما أن حياته في "الناصرة" لم تكن سهلة، بينما حياة "شلوميت" كانت هنية ورغيدة، وزواجها من "إلياس" حولها إلى حياة صراع ومواجهة مع الآخرين/المحيط الخارجي، وقطيعة مع الأهل، ومع أمها "مريام" وأخيها "بنحاس" ، بينما حياة "إلياس" كانت شقاء وألما، ولم يتغير عليه عبء الحياة وثقلها.
تحدثنا "شلوميت/سلام" عن أثر حكايات أمها "مريام" عليها: "حديث مريام الدائم عن عائلتها التي قضت في المحرقة النازية فتح وعيي وضميري مبكرا على المأساة الإنسانية، وأورثني حزنا عميقا على أمي المسكينة التي قلما رأيتها تبتسم، وإحساسا مرهفا، فطفت أرسم منذ صغري وجوها جميلة مع ظلال للحزن" ص81، إذا توقفنا عند هذه الكلام، نجد أن أثر (السمع) أحداث المحرقة صقل "شلوميت/سلام" إنسانيا، بينما من عاش المحرقة ـ "مريام" ـ وشاهدها لم تؤثر على إنسانيته ونظرته للضحايا الآخرين، فأثر سماع المآسي يكون ـ أحيانا ـ أكبر من أثر خوض التجربة/المأساة نفسها، ورغم أنها تعرضت لغسيل دماغ من والدها "آدم": "... بدأ والدي بحشو دماغي بالكراهية، ولطالما أصغيت إلى والدي الضابط في الجيش وهو يتحدث عن العرب و"المخربين" حين باتوا يتسللون عبر الحدود" ص81، إلا أنها بقيت محافظة على صفائها ونقائها الإنساني،، وإذا ما توقفنا عند طريقة نقل الأحداث نجد "شلوميت/سلام" تتحدث بحيادية، فهي لم تستخدم عبارة "يتسللون عبر حدودنا" وقالت "الحدود" وهذا يعكس انحيازها للضحية وليس الوقوف مع الجلاد.
وعندما تم لقاؤها "بإلياس" وعرفت أنه ضحية من ضحايا صفورية الذين هجرتهم دولتها، كانت ردة فعلها بهذا الشكل: "كما كنت أروي حكايتي لأول مرة، فحدثتها عن والدي الذي سقط في هذا المكان، وعن امي اللاجئة، وعن سكان بلدتي الذين ينزحون في حي الصفافرة.
دهشت شلوميت وتأثرت لدى اكتشافها حقيقة أصلي، وأن بيتها يقوم على رفات أبي وأهله، وغادرتني سريعا، اكتشفت لاحقا أنها كانت تبكي، عند هذه اللحظة، أدركت فعلا أني أحبها" ص74، كل هذا جعل من "شلوميت/سلام" مستقلة بقرارها وتفكرها عن محيطها الصهيوني، وحتى انها تقدمت خطوة إلى الأمام عندما تجاوزت الحياد وانتقلت لتقف مع الضحية: "أمك ليست صهيونية، وكما تعلم، دأبت تشجب أعمال دولتها وتقف في صدارة المدافعين عن الحقوق الفلسطينية" ص77، إذن بعد شخصية "مريم" نحن أمام شخصية نسائية ثانية منسجمة مع ذاتها، تتفاعل بإيجابية مع الأحداث والمحيط.
وعندما نقف عند طريقة حديث "شلوميت/سلام" نجد فيها تجريم دولة الاحتلال، وبما أنها جزء من الدولة/المجتمع فهي تحمل نفسها أثم وجرم ما حل بالفلسطيني: "تأثرت حين أخبوني أن تسيبوري تقوم على أنقاض بلدته صفورية المدمرة، وعلى رفات والده وأقاربه، عندها احتقرت نفسي، واحتقرت دولتي ومزاعمها وخرافاتها الأسطورية، وأدركت أننا نفتقر إلى قوام الإحساس والإنساني" ص90، استخدمها للفظ "دولتي، أننا نفتقر، دليلا على أنها تعد نفسها مشاركة في الجريمة، وهذا الإحساس بالذنب يؤكد على نبلها وإنسانيتها.

"عنات"
"عنات" أخت "إلياس" من جهة الام، وقد كانت الأقرب عليه في كافة الأوقات، وحتى عندما يشتد الخلاف السياسي بينما كانت تستمر العلاقة بينهما، فحالة الانسجام بينما كانت متميزة:
"ـ نحن أعداء بحكم الصراع القائم على الأرض، ...أجل أنا أنتمي لصفورية المكان الذي سقط به جدي محمود وقلب جدتي مريم.
...إسمع أبرم، أنت تعلم أنني لا أحب السياسة، ولا أتقن الخوض فيها، لا تعكر صفاء هذه الأمسية" ص185و186، أعتقد أن سبب الارتباط الوثيق بينهما يعود إلى أن "عنات" لم يكن لها أخوة أو أخوات غير "إبراهيم/ أبرم"، ولعدم قيام "إبراهيم" بإقامة علاقات مع نساء أخريات، فكان يجد في "عنات" البديل مكتفيا بها، يفضي لها ما فيه من اضطراب وألم، ورغم التناقض بين "مريم ومريام" إلا أن علاقة "مريم و"عنات" كانت طيبة.
وإذا توقفنا عند النساء الفاعلات في الرواية سنجدهن "مريم، مريام، عنات" والذكور الفاعلين "إبراهيم، وإلياس" بمعنى أن عدد النساء يتفوق على عدد الرجال، وهذا يشير إلى انحياز سارد الرواية للمرأة، وقد قلنا أنه قد تم تغيب الرجل "محمود، آدم" بينما بقيت "مريم ومريام" وبعد رحيل "إلياس" رحلت "شلوميت/سلام" كل هذا يجعلنا نتأكد أن العقل الباطن للسارد يميل نحو المرأة، لهذا كان حضورها أكبر وأكثر وأهم من دور الرجل.
التناص مع القرآن الكريم
من الجميل أن يقدمنا السارد من القرآن الكريم، فهو يعيدنا لنكتشف جمالية الصور القرآنية، وهذا بحد ذاته يحسب للعمل الأدبي، تسرد لنا "مريم" ولادتها "لإلياس" بهذا الشكل: "أسفل شجرة رمان جاءني المخاض، كنت جائعة وظمأى ومحبطة... أتشبث بجذع شجرة الرمان، ... كنت أود أن أهز جذع الرمانة لتسقط علي أمنا وسكينة، علها تبشرني بالطمأنينة، وتبارك ولادتي، وتخفف عني آلام جسدي وروحي" ص28، لقاء وتماثل مع قصة مريم وولادتها للسيد المسيح، وكأنها بهذا الأمر أرادت أن تقول أن ولادتها "لإلياس" تتماثل وولادة "مريم العذراء للمسيح" وبما أن هناك توافقا في الاسم "مريم" فهذا يشير إلى وجود ارتباط بين الولادتين.
العقل الباطن في السرد
يخبرنا السارد في حالته كسجين ـ دون وعي ـ من خلال هذه المقطع: "هنا" و "الآن" مفردتان تقومان مقام المكان والزمان بحيادية باردة، لكن من سيهن لأمري إذا زعمت أن ال "هنا" تشكيل يشكل حبكة الحكاية، الحكاية بنسقها الزماني الطويل، أما "الآن" فإنها تشير إلى حاضر يكتظ بكل ألوان المآسي والأكاذيب القديمة، والجديدة" ص14، فالسارد يتحدث عن رواية "الآن هنا" لعبد الرحمن منيف التي تتحدث عن الاعتقال والتعذيب الذي يتعرض له السجين، والسارد أوصل لنا حالته ووضعه كسجين ـ دون وعي ـ بأنه يعاني كما عانت شخصيات "الآن هنا".
وأيضا نجد العقل الباطن الذي يكشف حقيقة/واقع السارد السجين من خلال: "...ستظل تكسوني لغة الصمت، وأبقى قابعا أسفل قوقعة عزلتي، مواظبا على جمع شتات روحي المبعثرة" ص15، فذكر "القوقعة" رواية "مصطفى خليفة" التي تتحدث عن السجن تجعلنا نعرف ان السارد سجين يقبع في قوقعة.
الرمز
لم يعد هناك مسار/خط واحد للعمل الأدبي، فتعدد المدارس/الأشكال الأدبية وتداخلها يعد حسنة ويعطي جمالية للعمل، فرغم أن الرواية تميل نحو الواقعية، إلا أننا نجدها تخرج/تتمرد على المحافظة على شكل/نسق واحد، فالسارد يقدم لنا "شجرة التين العسلية" بطريقة رمزية، وأحيانا يعطيها بعدا "ميتافيزيقيا، فبعد زيارة "مريم" لنبع الماء والتينة العسلية" تدب فيها الحياة من جديد، وكأنها في ريعان الشباب:" دهشت وأنا أراها تسير بلا عكاز، وقد كانت تمشي بخطوات ممتلئة بالعزيمة والإرادة، وخيل إلي لحظتها أنها كانت تتضوع منها رائحة الصبا، لقد استعادت عافيتها حينما لامست الذكريات." ص163، فتبدو التينة وكأنها عشبة الشباب التي بحث عنها جلجامش، وهناك قول (مباشرة) لمريم، تتحدث فيه عن رمزية التينة العسلية: "...هذه التينة هي زمان ومكان وشاهدة على الذاكرة تأبى أن تتوارى في مراقد النسيان، أما التينة في الحدقة ، فهي تلخص زمنا آخر يشبه الضياع، هذه التينة أصل، وتلك يشبه نكبتنا، هذه التينة عنوان صمود لا تنفك تقاوم، أما تلك فهي عنوان استسلام ولاجئة مثلي ومستسلمة" ص162، ورمزية التينة لا تقف عند هذا الأمر، فنجدها أيضا عندما يقوم "بنحاس" بقلعها بالجرافة، وإزالتها نهائيا، لكن وجود" فرع منها في الناصرة في بيت "مريم" يبقي رمزيتها حية.
سرد الرواية
هناك نقلة نوعية في سرد الرواية وفي لغة الشخوص بعد ظهور "عيسى/أبو سريع" فأخذت اللغة تميل ـ احيانا ـ نحو الطرح الفكري/الأيديولوجي، وإلى الطرح المباشر: "لا عيب في ذلك، المهم أن يترجم ما يحمله من ثقافة في الميدان، ويسعى دائما لأن يكون منسجما مع ما يحمله من مواقف" ص131، وهذا الكلام العالي والمباشر يتماثل مع شخصية "أبو سريع" المناضل والمثقف، لكن كان لهذه اللغة أثر على مجرى السرد، فعندما دخل "إبراهيم/أبرا" منزل أهله واخذ يتفقد محتويات المكتبة كان هناك العديد من الاقتباسات من كتب ومسرحيات: "...مسرحية كاتشوب لحانوغ ليفين:
هي الأرض الكاملة ولن أضحي بروحي من أجلها، وما وعد به الرب ليفي به على حسابه الخاص" ص254، وهناك اقتباس آخر جاء فيه "... لان الصهيونية تحولت من حركة سياسية عادلة في زمنها إلى آلة حرب مدمرة، تبرر عندم أخلاقيتها بادعاءات ومزاعم واهية" ص254و255، وهذا يشير إلى تأثر السارد بالشخصيات وبما يتحدثون به.


اللقاء بين
"عائد إلى حيفا ومريم/مريام"

ليست هذه الرواية الأولى التي تتلاقى مع "عائد إلى حيفا" فهناك رواية "الرقص الوثني" لإياد شماسنة، التي أكمل فيها قصة "خلدون/دوف" وفي رواية "مريم/مريام" نجد علاقة تكاملية بين الروايتين، فهما تناولان الطرح الفلسطيني والطرح الصهيوني، وهما تحدثان عن الأسس الفكرية التي يتعمدها كل طرف، ونجد تقدم رواية "مريم/مريام" على "عائد إلى حيفا"، حيث تتعمق أكثر وتعرفنا على تفاصيل دقيقة من الطرح الصهيوني، وتؤكد ـ من خلال أحداث الرواية وشخصياتها ـ على استحالة اللقاء/التوافق بين الفلسطيني والصهيوني، وهذا يعود إلى زمن الكتابة، وإلى شخصية الكاتب، وظرف الكاتب والكتابة.
أسم شخصية المرأة الصهيونية في عائد إلى حيفا "ميريام" وهو أسم عينه "مريام"، وكلتاهما عاشتا المحرقة "ميريام" وفي عين المكان: "كانت "ميريام" فقدت والدها في "اوشفتيز" " ص379، "لكنا نجهل مصيرنا ...يقبع الآلاف.. عشرات الآلاف .. مئات الآلاف ... اقتيدوا إلى خارج أوشفيتز" ص51و52.
وكل من "سعيد وإلياس" شعرا بالذل والإهانة عندما دخلا إلى "حيفا وصفورية، "لا أريد الذهاب إلى حيفا، أن ذلك ذل، وهو أن كان ذلا واحدا لأهل حيفا فبالنسبة لي هو ذلان" ص359، "ولا أرى في الدخول إلى صفورية سوى المشهد الأكثر إذلالا!" ص71.
ونجد عين الفكرة الفلسطينية عن العودة الطبيعية للوطن/للبيت/للمكان: "كل الأبواب يجب ألا تفتح إلا من جهة واحدة، وأنها إذا فتحت من الجهة الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة" ص341، "...ألم اقل لك منذ البدء أنه كان يتوجب علينا إلا نأتي ...وأن ذلك يحتاج إلى حرب" ص412، "العودة إلى بيوتنا تحتاج إلى حرب" ص107.
والنظرة الفلسطينية للوطن/للحل متماثلة: "...إن أردتم استرداده، أن تستردوا البيت، ويافا ونحن ... الصورة لا تحل مشكلتكم" ص393، "ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان ظلا في الغرفة عشرين سنة؟ الطاولة؟ ريش الطاووس؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي؟ شجرة البلوط؟ الشرفة؟ ما هو الوطن؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟" ص405، "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله... فلسطين التي في الذاكرة أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص" ص411، "المسألة ليست مسألة بيت ، ...لكن ثمة فارق بين بيت وبيت، بيتي هذا هو أشبه بالبرزخ، مكان مؤقت يرمز لتشردي ولجوئي حتى ولو كان قصرا أمام بيتي السابق في صفورية، فهو مكاني الذي تكتظ به الذكريات ويقتلني الحنين إليه... المسألة ليست شخصية بيني وبيم مريام، إنها تتعلق بشعب وقضية وصراع طويل ومرير" ص 190.
ونجد الطرح الصهيوني نفسه، ومبررات احتلال فلسطين وتشريد أهلها: "زوجتي تسأل إن كان جبننا يعطيك الحق في أن تكون هكذا، وهي، كما ترى، تعترف ببراءة بأننا كنا جبناء، ومن هنا فأنت على حق، ولكن ذلك لا يبرر لك شيئا، ... إن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائنا من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي تبرر له أخطاءه وجرائمه" ص410و411، "أنها الحرب والمنتصر بها هو من يقرر مصير المهزوم، ونحن من حسم هذه الحرب، ونحن بالتالي من يقرر نتائجها ويحسم مصير المهزومين...هل من العدل أن نترك تسيبوري بعد خمسين عاما ونسلمها للعرب؟ أنت نفسك يا عنات أين ولدت ونشأت وترعرعت؟ ...هل من العدل أن تغادري موطنك ومسقط رأسك بعد كل هذه السنوات؟" ص176.
ملاحظة: مراجع عائد إلى حيفا ، الآثار الكاملة، الروايات، غسان كنفاني، الطبعة الثالثة 1986.
الرواية من منشورات دار الآدب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2020



















الكبسولة كميل أبو حنيش





رائد سلمان
الاثنين 08/04/19 12:49 مساءً
• أنت

الكبسولة
كميل أبو حنيش
مفخرة لفلسطين أن يكون أسراها متفوقين أدبيا، فهم يتماثلون مع "فوتيشك وعبد الرحمن اللعيبي" في تألقهم وعطائهم الأدبي، فقد أصبح عندنا عدد كبير من الأدباء الأسرى، يكتبون في مختلف فنون الأدب، من القصة إلى الرواية إلى القصيدة، مرورا بالمقال والتحليل السياسي.
هذا العمل الروائي الثاني لأسرى، يجمع بين الشعر والرواية، وكاتبه شاعر وروائي، فبعد رواية نرجس العزلة" لباسم خندقجي، جاءت رواية "الكبسولة" تتحدث كما تحدثت سابقتها عن المرأة، وعن (خيبة) المناضل في التحرير، بعد أن تحول النضال إلى شركات والمناضلون إلى (واقعيين)، وبكل موضوعية أقول أن هذه الرواية الفلسطينية الثالثة التي تبهرني، فبعد رواية "الرقص الوثني" لإياد شماسنة، ورواية "انهيارات رقيقة" لهشام نفاع جاءت "الكبسولة" لتحدث الدهشة من خلال فكرتها في تقديم الأحداث، فنحن أمام رواية يصبح فيها الخيال/التخيل واقعا، فهي تجسيد لما يعرف ب(البايروسكلوجي) الأبعد والأعلى من علم النفس، فمن خلال أحداثها وشخصيات "سميرة الحبيبة وعدنان، والفتاة الراعية وخلود وعدنان، وبين سميرة الأبنة وعدنان"، يمكننا ان نقول أننا أمام تجسيد "لبايروسكلوجي"، فمن خلال هذه العلاقات والأحداث نصاب بالدهشة.
واللافت في الرواية مكانة المرأة فيها، فهي التي علمت "عدنان" كيف يكون إنسانيا، وحولته من مجرد راع إلى إنسان نبيل، إلى شاعر، إلى مناضل، إلى مفكر، إلى مقاتل، فبدت "كالبغي" بالنسبة "لانكيدو"، فهي سبب سعادته وتحوله من حالة التوحش إلى التمدن والتحضر، هكذا فعلت "سميرة" بعدنان، وكما كان لقاء البغي "بانكيدو" في الفلا وعند انبع الماء، كان لقاؤهما عند بركة الوادي، وكما تعلم "انكيدو" الحب من البغي تعلمه "عدنان" من سميرة،، من المصدر ذاته، فالعلامة الفارقة في الرواية هي المرأة وحضورها وأثرها.
"الكبسولة" ما هي إلا ناتج من نتائج المرأة، وما كانت لتكون دون "سميرة" التي تسببت بوجودها وظهور الرواية، فالمرأة هي مُوجد الأحداث، وكما انتهت الحال ب"سميرة" إلى امرأة عجوز تزوجها "الأخرس" عدوها اللدود بعد أن اغتصبها، انتهى الحال بالكبسولة التي اختلطت وساحت وتشابكت فيها الكلمات والحروف فلم يعد من الممكن قراءتها، وقد انتهى زمانها ولم تعد ذات أهمية، فبعد اربعين عاما جاء "عدنان" ليسلم الكبسولة إلى صاحبها "أبو اسعد" فيخبره بأنها لم تعد مهمة، وأن ما فيها من معلومات قد تم نقله إلى زوجته "ام اسعد" شفهيا أثناء زيارتها له في السجن.
من بداية الجزء "43" وحتى نهاية الرواية يصبح الزمن متشابكا ومتداخلا، فتقرأ "سميرة" ابنة "عدنان" أوراقه التي تركها لها، وفي الوقت ذاته يكون "عدنان" يقوم بالأحداث، وهذا الشكل من تقديم الأحداث هو المدهش والمثير.
شخصيات الرواية قدمت من خلال ظرفين، قبل اجتياح بيروت عام 1982، وما بعده، فكل الشخصيات قبل الاجتياح، ـ إذا ما استثنينا الأخرس ـ إن كانت في فلسطين أو في الأردن أو في لبنان قدمت بصورة ايجابية، لكن بعد الاجتياح، أخذت في (الانحراف)، وبعد "أوسلو" انتهى بها المطاف إلى السقوط، وهذا يعكس الحالة السياسية التي مر بها الفلسطيني والقضية الفلسطينية، ففي حالة النضال كانت الشخصيات متفانية في عطائها، وإثناء النزاعات والخلافات كانت تحمل شيئا من الخلل، وبعد أوسلو أمست في الحضيض.
قبل خروج "عدنان" من فلسطين كانت كافة الشخصيات ايجابية باستثناء الأخرس، "سميرة، أبو اسعد، أبو زهدي، أبو ثائر، مروان، خالة أبو عمر، أخوه حسان" وفي لبنان قبل الاجتياح عام 82 تقدم أيضا بصورة ايجابية، "علياء" التي ستصبح زوجة "مروان" والفتاة الراعية التي توهمها "عدنان" "سميرة" فيتقدم منها كحبيب مبديا لهفته وتولعه بها، فتمنعه، فيحدث (اشتباك جسدي/جنسي) بينهما، إلا أن الراعية وأهل قريتها يعفون عن "عدنان، قُبيل الاجتياح، وأثناء حرب المخيمات تأخذ الشخصيات منحى آخر، يعود "عدنان" إلى ألأدرن بعد عام 1987 وهناك يجد مجتمعا غارقا في الفساد، ف"خلود" تحدثنا عما تعرضت له من زوج أمها، وصاحب محل الملابس الذي وجدها فريسة سهلة، والرجل العاجز الذي يتحرش بها رغم كبر سنه وشلله، والتي تجبر على الزواج منه لتستطيع أن تواجه متطلبات الحياة، وعن أولاده الذين يرمونها بعد أن يموت العجوز، وكيف يعاملها المحيطون بها. وهذا الواقع يمكننا أن نربطه بنفسية "عدنان" الذي ابتعد عن مكانه كمناضل، وأمسى مجرد رجل (عادي) يمارس حياة (عادية)، وبعد "أوسلو" تتحول "علياء" سلبا، فيطلقها مروان، الذي يتحول إلى رجل هو أيضا (واقعي) متخليا عن تاريخه.
وإذا ما توقفنا عند بدايات الشخصيات ونهاياتها، نجد، منها من تحول وتبدل "مروان علياء" ومنها من استمر في نقائه "خاله أبو عمر" ومنها من يحتضر "عدنان، سميرة، أبو اسعد وزوجته" فالشخصيات لم تكن ثابتة بل متغيرة ومتحركة، فالمكان له أثر عليها، منها من حافظ على نقائه وتوهجه ومكانه: "خاله أبو عمر" الشيوعي الذي بقى في الأردن لم يغادرها، وشخصية "أبو اسعد" الذي بقي في بيته حتى بعد مرور أربعين عاما لم يغيره أم يضف عليه، وهذا انعكس على شخصيته، فبدا (عتيقا) أصيلا كحال البيت، "وسميرة" بدت هرمة (متكيفة) مع الواقع بعد ان تزوجها الأخرس، لكن "مروان" الذي انتقل من الأردن إلى لبنان إلى تونس إلى فلسطين تغير وتبدل وتحول إلى انتهازي، "وعلياء" التي انتقلت من سوريا إلى لبنان إلى تونس إلى فلسطين" تخلت عن كل شيء وامست (سيدة اعمال).
وهذا ما يجعلنا نقول أن العقل الباطن للسارد يتحدث عن علاقة المكان بالشخصيات، فالمكان هو من يمنح (النقاء والصفاء) للشخصية، فكل من بقى موجودا في مكانه لم يتغير سلوكه، بينما الشخصيات التي انتقلت من مكان إلى آخر، نجدها انحرفت، وانحرفت كثيرا عما كانت عليه.
سميرة الحبيبة
ليس من حقي التدخل في الرواية، لكنني لو كنت أنا كاتبها لأسميتها "سميرة" فهي الأجمل والأهم، وهي باعثة الفرح ليس "لعدنان" فحسب بل للقارئ أيضا، فنجدها أكبر وأعمق من المرأة العادية/المجردة، فهي المعلمة: "اعتادت سميرة أن تتحدث أكثر مني، اتعلم منها ماهية الحياة التي كنت اجهلها تماما قبل التعرف إليها، ...أجلس في حضرتها مستمعا بكل ما تقوله، حتى شرودها الذهني وصمتها كان يشدني إليها" ص22، بهذا الشكل كانت "سميرة"، فهي معلمة، وملهمة، ومهدئة "لعدنان".
يتقدمنا "عدنان" أكثر من "سميرة" فيخبرنا:
"بربك هل ضممت إليك ليلى قبيل الصبح أو قبلت فاها
وهل رفت عليك قرون ليلة رفيف الأقحوانة نداها"
تسألني بشقاوة إن كنت فهمت معنى هذا الشعر، تضحك وهي تفسر لي معنى البيت الأول، فاها: يعني فمها، تشيح وجهها خجلا: ثم تتدارك وتسألني:
هل تعرف ماذا يعني يقرون ليلى؟، يعني جدائلها" ص27، "عدنان" كان صغيرا لا يفقه شيئا عن الشعر والشعراء، لكن "سميرة علمته الشعر، فبعد انتقاله إلى لبنان، أخذت مروان" تعلمه القراءة والكتابة وأصبح مثقفا وشاعرا.
وتعلمه التأمل في الطبيعة وما فيها من انسجام وجمال، فهي التي تمنح الهدوء والسكينة: "سميرة تعشق الطبيعة، قالت إنها في حالة انسجام معها، تفهم لغة الأزهار الأشجار والطيور، تسمع الأغاني عبر المذياع فترى توافقا بين الموسيقى والكلمات وما بين الطبيعة الخلابة قالت لي:
انظر من حولك، الأشجار تشبه ابيات الشعر، الوادي يشبه القصيدة، استمع لخرير الماء ونقيق الضفادع، استمع لتغريد البلابل والحساسين وتحسس النسائم، ستفهم الحياة، أنها الحياة الحقيقية يا عدنان، أن تغتسل بأشعة الشمس كل صباح، أن تترك النسائم تداعب وجهك في يوم قائظ وعبير الزهور يتغلغل في مسامات جسدك، أن تحدق في النجوم في السماء المفتوحة أمامك طوال الوقت" ص29و30، عندما قلنا أن سميرة تتماثل مع البغي معلمة "انيكدو" لم نكن مغالين، فما تحدثت به آنفا، يمثل عناصر الفرح والهدوء كاملة، فالمتحدث "سميرة" امرأة، وقد تُحدثت العنصر المهدئ الثاني الكتابة/القراءة، الشعر والغناء، وتناولت العنصر الثالث، الطبيعة، بتفاصيل دقيقة، وأضافت إلى هذه ضرورة التوقف والتأمل بها، فهي مانحة الفرح بشكله المطلق، لهذا سيكون أثرها على عدنان يتجاوز العقل والمنطق، فيأخذنا إلى ما وراء/ابعد من علم النفس "البايروسكلوجي".
وتعلمه الانسجام مع الطبيعة وما فيها، بحيث يكون جزءا منها، فيكون عليه واجبات تجاه الطبيعة وما فيها، وعليه أن يغير سلوكه (المتوحش) تجاه الكائنات الطبيعية: "رأتني مرة أدوس ضفدعا بقدمي واقتله، حزنت وغضبت مني،...فالت لي إنها تشعر أنهم ابناؤها، وينبغي أن تحافظ عليهن، أراها تداعبهن وتتحدث إليهن كما يداعب الاطفال... التقطت ...فرخي حمام... بهدف ذبحهما وشوائهما لنأكلهما انا وسميرة، غضبت وأجبرتني على إعادتهما إلى العش، ...حرام عليك، ماذا ستفعل أمهما حينما تعود ولا تجدهما في العش" ص32، إذن لم يقتصر تعليم "عدنان" على الأفكار والنظريات فحسب، بل طال السلوك والتصرف، وهذا ما جعلها ـ بالنسبة له ـ أكثر من معلمة وأكثر من امرأة.
بعد أن يشاهد "عدنان" "سميرة" في بركة الوادي، وتراه يراقبها، تعلمه درسا في الأخلاق، فيشعر بهذا الشعور: "كنت أود لو تبتلعني الأرض لأتخلص من شعوري بالخجل والإهانة، الخجل من نفسي والإهانة على يد سميرة" ص37، وهنا يأخذ "عدنان" درسا في الأخلاق ومحاسبة الذات قبل أن يحاسبها الأخرون، فكان دائما رجلا نقيا صادقا مع نفسه ومع الأخرين، وما كان لهذه الأخلاق أن تترسخ فيه، دون "سميرة":
"وغض طرفي إن بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها
تصور يغض بصره عن جارته إذا رآها تخرج أو تطل من خيمتها، فما بالك لو رآها عارية، كما رأيتني أنت؟" ص43، استخدام "سميرة" لمقاطع شعرية يمثل تجاوزا للمباشرة في تقديم الأفكار، وهذا ما جعل "عدنان" يميل إلى الشعر ويصبح شاعرا.
ولا تكتفي سميرة (بالتنظير) بل تقدم نموذجا عمليا في السلوك السوي، فبعد أن أنبت "عدنان" على (تلصصه) عليها: "...أنظر لعينيها الجميلة وشعور الخجل ما زال يأكلني، عندها قذفت بجسدها نحوي واحتضنتني، احتضنتني طويلا وهي تهتف:
أنا آسفة.. اعتذر منك... سامحني" ص40، هذه المبادرة من "سميرة" علمت "عدنان" أن يكون مبادرا لتصحيح خطئه، وعلمته أن يكون صارما ومسؤولا تجاه الآخرين، فلا يقلل من أثر أي فعل او قول، وهذا ما جعله حريصا على إيصال "الكبسولة" إلى أصحابها بعد أربعين عاما.
وتعلمه الشهامة ورفعة النفس:
" لا تسقني ما الحياة بذلة بل اسقني بالعز كأس الحنظل
اعشق سميرة وهي تروي الشعر، أكون كالتلميذ الصغير في حضرتها، وهي تلقي دروس الحب والشهامة والفروسية" ص45، طريقة "سميرة" في (التعليم) طريقة عصرية وحديثة، فهي تجمع بين الشكل والمضمون وطريقة التقديم، فعندما تأتي الفكرة من امرأة فإن لها أثر أكبر على الرجل، وعندما تأتي الفكرة ببيت شعر، فأنها ترسخ الفكرة النبيلة وفي الوقت ذاته تحبب المستمع للشعر الذي يسهم في تصفية النفس، فيكون أثر الكلام/الدرس (ثلاثي الأبعاد)، المرأة، الشعر، وطريقة التقديم.
وتعلمه الحب: "اتحسس صدرها وأهبط رويدا رويدا، بعد قليل قالت: قبلني. اقترب منها كالمنوم مغناطيسيا، أطبع قبلة صغيرة فوق جبينها وعلى وجنتيها، ضحكت وقالت:
أهبل، ألم تتعلم كيفية التقبيل؟ القبلة تكون في الفم
اقترب منها ثانية وأقبلها قبلة العمر التي ما انفكت تنبض في عروقي، قبلة كانت أشبه بشهادة ميلاد جديدة كتبت لكلنا في تلك اللحظة" ص48، إذن بداية الحب وما فيه تعلمه "عدنان" من سميرة، وهي من جعلته يعرف الحب الحقيقي وما يتعلق به، فهنا لم تكن العلاقة جنسية، بل علاقة حبية، لهذا كان الانسجام والتأثر والاثر باق ومستمر فيهما.
أثر الحب لا يقتصر على الحبيبين فحسب، بل يطال المحيطين بهم أيضا: "حتى أغنامنا بتنا نبذل جهدا كبيرا في فصلها بعضها عن بعض في موعد إعادتها للبيت، وكأنهن صرن عاشقات مثلنا." ص50، طريقة التفكير هذه تشير إلى أن عدنان وسميرة" متوحدان معا، لهذا ينظران إلى الأشياء/الأغنام بهذا الشكل المنسجم مع حالتهما.
وتعلمه الرومنسية: "قلت لسميرة سأتزوجك. ابتسمت وقالت: ليس الآن. أرغب في أن أتذوق الحب قبل الزواج، أرغب بأن أعيش قصة حب كما في الأغاني والقصائد الشعرية، لا تتحدث الآن عن الزواج، واترك لعلاقتنا أن تنمو وتزهر لنرى كيف تثمر. اتركها كما هذا الوادي، لنرى كيف ستشق مجراها، ,أين يكون مصبها" ص50، هذا التلذذ بالحب لا يأتي إلا من امرأة تعرف معنى الحياة، فلا تستبق/تسلق المراحل، بل تعيش المرحلة، وتعطيها زمانها/حقها، وهذا يشير إلى أنها لم تكن (شبقة) جنسيا، بل منسجمة مع الطبيعة، وإذا ما ربطنا ما جاء على لسانها فيما سبق، نتأكد أننا أمام امرأة استثنائية، تجمع نقاء القول بصفاء الفعل، وتميز بين الرذيلة وبين الحب، وبين الحب وبين الزواج، فعندما شاهدها "عدنان" عارية ردت عليه بقسوة، وبعد أن عرف خطأه احتضنته، وبهذا الاحتضان علمته الفرقا بين الحصول على شيء سرقة، وبين الحصول عليه برضا، وعلمته ان هناك فرق بين الجسد/الشهوة وبين الروح/الحب، فرغم أنهما يتشابهان شكلا، إلا أن مضمونهما ودوافعهما تختلف تماما.
وتعلمه معنى الهزيمة: "أواخر شهر أيار أرى سميرة قلقة متوترة، أسألها عن السبب فتجيبني بسؤال استنكاري يستهجن جهلي: إلا تتابع الأخبار؟ ...الحرب على الأبواب...النكسة، لم أكن أدرك في ذاك العمر ما معنى الهزيمة لكنني فهمتها من دموع والدي، عرفتها من ملامح سميرة الشاحبة والدموع التي ملأت عينيها" ص52و53، وكأن "سميرة" تُكبر "عدنان" قبل أوانه، فالحرب والهزيمة تجعل من الصغار كبارا، وعليهم أن يتكيفوا مع واقعهم، مع حالة غير سوية.
بعد الهزيمة، أي بعد ان (كبرت) "سميرة" "عدنان" أصبح: "كبرت سميرة، اتفرس بملامحها ونحن نشرب الشاي، بدت كما لو أنها كبرت عدة أعوام مرة واحدة، وازدادت إشراقا وجمالا" ص56، إذا ما توقفنا عند هذا الكلام، يتبين لنا أن الذي كبر هو "عدنان" وليس "سميرة" فهو الذي نضج وأصبح يميز التغييرات فيها.
وتعلمه الوطنية: "حدثتني عما جرى في الأغوار بعد الحرب، وعن تمشيط الجيش المعادي للجبال والبيارات، عن مداهماتهم الليلية لخيمة أهلها، وأسئلتهم المتكررة عن الفدائيين والسلاح، ... وعن الجندي الذي أطال النظر إليها، وخلعه بنطاله وتبوله بالقرب منها، دون مراعاة مشاعرها" ص59، هذا الحديث يستفز "عدنان" عاشق "سميرة"، فكيف لهذا الجندي أن يجرح مشاعرها، او يفكر بالنيل منها، وكيف جنود الاحتلال أن يعكروا صفوها من خلال اقتحامهم للخيمة، كل هذا يجعله يربط المقاومة بالحبيبة، فعندما يقاوم الاحتلال هو يدافع عن حبيبته، من هنا كان وقع الحديث عليه أكبر.
سميرة تحب الشعر، تسمعه أبياتا شعرية لعدد من الشعراء منهم "عبد الرحيم محمود":
"سأحمل روحي على راحتي والقي بها في مهاوي الردى" ص60
وهنا تكون "سميرة" قد ربطت بين نبل الفكرة وتقديمها، من خلال الشعر، فترسخها في العقل والقلب معا.
وبعد أن يقع "عدنان" بين أيدي جنود الاحتلال، ويتعرض للضرب المبرح يستحضر "سميرة" لتمنحه طاقة وقوة للصمود: "...وبأشعار اعتدت على سماعها من سميرة، القتها سميرة كالبذار فنبتت في احشائي وأثمرت تحديا وعزة وكرامة، وأنا اقاوم الضربات، كان صدى صوت سميرة ما زال في تلابيب دماغي وهي تهتف:
فطعم الموت في أمر حقير كطعم الموت في أمر عظيم
فأزداد صمودا، أنشد الموت على أن أبوح بسر الفدائيين، واتسبب لهم بالأذى أفضل الموت على ايدي هؤلاء السفلة على أن اعترف فيلتصق بي العار" ص 73و74، تكرار اسم سميرة" يشير إلى تعلق "عدنان" بها، فهي من يمنحه القوة ويستمد منها القوة على الصمود والجلد، وكأن لفظ اسمها يجعله يتذكر كل ما تعلمه منها، الأفكار والأخلاق، فيصبح أكثر ثقة وقوة وتحمل، هكذا كانت "سميرة" بالنسبة لعدنان عندما اعتقل.
وأثناء الاعتقال نجدها حاضرة وفاعلة: "وسميرة ... أنا المشتعلة في القلب، ويأبى أوارها أن ينطفئ، اعتدت استحضار طيفها كل يوم، اجتر ذكرياتي معها، وأعد الساعات والأيام لأعانق شمس الحرية وأعود إليها" ص86، مثل هذه الطاقة التي تبعثها "سميرة" كافية لجعل "عدنان" أكثر صلابة وأكثر إصرارا على الحرية، فهناك "سميرة" تنظره، والتي تعطيه الأمل في الحياة وفي الخلاص من الأسر.
وبعد أن يعبر إلى الضفة الشرقية من النهر، ويستعيد الكبسولة من أخيه "حسان" ويعود بها من الطريق عينها، تحدث اشتباكات بين الفدائيين والاحتلال، فيحاصر، ولا يستطيع التقدم أو التراجع، وهنا تأتيه المخلصة "سميرة": " ...فأتذكر سميرة كل ما ينتمي للطبيعة يعيدني لسميرة، الأشجار.. الطيور.. الأنهار.. التلال البساتين .. آه سميرة" ص112، عندما تكون المرأة بهذا الحضور وبهذا الظرف بالتأكيد فأنها تتجاوز مكانتها كامرأة، فهي شيء أكبر وأعلى من المرأة المجردة، واعتقد ان تكرار اسمها ثلاث مرات في أقل من سطرين يؤكد الطاقة والقوة التي يستمدها "عدنان" من الاسم، فتبدو وكأنها قريبة من الإله، الذي نستعين به وقت الشدة والضيق.
سميرة بين الخيال والواقع
ما قدمناه من اقتباسات في السابق كان ضروريا لمعرفة العلاقة التي تجمع "عدنان بسميرة" فهي ـ بالنسبة له ـ ليست امرأة عادية، وهذا ما أكدته لنا أحداث الرواية، بعد ان يذهب "عدنان" إلى لبنان ويشاهد الراعية اللبنانية تعود به الذاكرة إلى الأغوار وما كان بينه وبينها، فتتجسد له سميرة بهيئة الفتاة: "المكان ذات المكان، وعلى طرف الوادي كانت هناك بين أغنامها سميرة، خرج اسمها شهيا من أعماقي .. كانت جالسة على ضفة الوادي، ساقاها في الماء تلتقط الأحجار الصغيرة وترمي بها في الماء، قدماي تحثان الخطى وتسرعان كلما ادارت وجهها قليلا، إنها سميرة.. أجل سميرة.. لا ادري إن كان ما يجري أمامي حقيقة أم خيالا" ص161، هذه الحالة تشير إلى تعلقه بها، وهذا ما جعله يتقدم منها مبديا رغبته في ضمها وعناقها، لكنه يفاجأ بصدها ومقاومتها له، فيتعرض للضرب من رفاقه الفدائيين ويغيب عن الوعي، وبعد أن يصحو يعلم أنه كان في حالة بين الحقيقة والوهم، ف"سميرة" هنا، ليست امرأة عادية، وهو لم يردها كجسد، بل كما عرفها، معلمة وحبيبة ورفيقة.
وعندما يعود إلى الأردن، تأتيه "خلود" فيحسبها "سميرة" ويضاجعها، لكن في الصباح وبعد أن يجد بجانبه "خلود" وليس "سميرة"، يعلم أن "خلود" استغلت حالته العاطفية وحاجته الجسدية ومارست معه الجنس: "لا أدري ما حدث لي، اعجز عن تفسير كيفية اختلاط الحلم بالواقع كل ما اعرفه أنني استيقظت من نومي على صوت الباب وهو يفتح ومن بين العتمة تبينت وجهها الفته وعشقته، كانت سميرة، سميرة بذات هيئتها، تقاسيم وجهها، رائحتها التي اميزها عن ملايين الروائح، اشم عبيرها، وهي تقترب مني بدأت ابتسامتها الساحرة المفاجأة، اذهلتني، رفعت رأسي قليلا واسندته على حافة الكنبة من خلفي وهتفت بذهول
ـ سميرة؟!!!" ص248، في الحالة السابقة "عدنان" من (باغت) الفتاة الراعية، فكان يفيض عاطفة وحبا، وهنا تأتي "خلود" وتأخذ حاجتها منه أثناء تلبسه لطيف "سميرة"، أليس هذا دليلا على حالة التوحد بين "عدنان وسميرة" وعلى أنهما يتواصلان رغم مرور الزمن وبعد المكان؟، وعلى أنهما في علاقة حميمية مستمرة ودائمة؟.
طيف سميرة
فيما سبق تداخل الواقع مع الخيال، والخيال دخل على الواقع، لكن هناك حالات/ظروف يأتي بها طيف "سميرة" متوافقا مع الواقع الذي يعيشه "عدنان" فعندما يدخل السجن ويطلب منه "أبو أسعد" ان يجرح رأسه بعد أن يضربه بالجدار ليدخل العيادة ويسرق منها "قلم حبر" تأتيه "سميرة": " اشتم الاخرس وألحقه فيهرب من أمامي،... ثم توقف فجأ، التقط حجرا من الأرض وقبل أن أصل إليه، قذفني بالحجر، ليفتح رأسي ويهرب، أتحسس رأسي بيدي فأرى الدماء تسيل من جبيني فأصرخ على سميرة .. لكن سميرة اختفت... استيقظ بعد أن هزني أبو أسعد بيديه" ص96، أن تأتي سميرة بهذا الظرف وبعد أن شج رأس "عدنان" ويحلم بأنه ينزف بعد ان ضربه الأخرس عدوه وعدو "سميرة"، يشير إلى أن العقل الباطن ل"عدنان" متعلق بها ومرتبط ارتباطا وثيقا.
وبعد أن يقرر "عدنان" الزواج من "خزامى" تأتيه سميرة: "لكن سميرة عادت تزورني في أحلامي بعد انقطاع استمر شهرين، كانت جميلة بحضورها كالعادة،...من تلك القردة التي تنوي الزواج منها" ص267، تأكيدا على حضورها وتفاعلها مع الأحداث، فهي تتأثر باي خطوة تمس علاقتهما، فتريد أن يكون "عدنان" لها وحدها وليس لغيرها، رغم مرور عشرات السنوات على آخر لقاء بينهما.
والشعر الذي تعلمه منها ما زال حاضرا فيه، لهذا نجدها تأتيه ليغير أبيات قصيدة كتبها لها:
"...وسأكسر أضلاعي
حتى لا أغرق في اثم
خطيئتنا ثانية"
ـ أنا أقول لك كيف. أكسر جميع أضلاعك، أبق على واحدة
ـ لكن ذلك صعب.
ـ ليس صعبا عليك أن تقول:
وسأكسر أضلاعي ـ إلا واحدة ـ
حتى لا أغرق في الاثم
قبلتني وهمست ثانية
ـ وعليك أن تكملها لتصبح
وأحن إليك
رغم صلاة التوبة
ستعود الرغبة
وسيكسو رب العشق الضلع المتبقي لحما
وتعود اللعبة" ص272و273، للوهلة الأولى، يبدو أن المشهد يمثل حرص "سميرة" على إبقاء ضلع سليم، والذي أراد به أن تؤكد حضورها ووجودها وتعلقها بعدنان، لكن العكس هو الصحيح، ف"عدنان" وهو الذي يحمل في داخله، في العقل الباطن "سميرة" ويبقها حية وفاعلة ومؤثرة فيه، فما تعلمه منها، جعله يستحضر الجانب الأخلاقي فجعلها "سليمة" وليست مكسورة.
العقل الباطن
ما تعلمه "عدنان" من سميرة، جعله يبتعد عن أي أحداث قاسية أو مؤلمة، فبعد أن يتم اعتقاله في سجن "الخيام" في لبنان، نجده: "أهرب من الأحاديث والجدالات العقيمة والحكايات المروعة التي يرويها الوافدون الجدد إلى الأسر، عن حرب المخيمات والانشقاقات التي أصابت الجسم الفلسطيني بعد خروج الثورة من لبنان، ولا أرغب بالاستماع إلى المزيد من الحكايات الموجعة" ص206، هذ ا الشعور ما كان ليكون، دون الأثر الذي تركته الطبيعة عليه أثناء وجوده في أغوار فلسطين مع "سميرة" فقد علمته كيف يصغي إلى العصافير والأشجار والنسمات، فالشعر وسميرة والطبيعة جعلت من "عدنان" رجلا هادئا وناعما، تزعجه الأحاديث لقاسية والمؤلمة.
علاقة "عدنان بسميرة" لم تتوقف عند الواقع والخيال والأحلام والشعر فقط، بل وصل تأثره بها إلى استخدامه لغتها وألفاظها: " لكن حلم العودة للوطن بات يهيمن علي، ينمو ويتضخم في أحشائي، كبر الجنين والأم المخاض توجعني وتلح علي، سأولد من جديد" ص230، لغة الأنثى/المرأة هي الطاغية فيما قاله عدنان" وهذا يؤكد على أن تأثره بسميرة تجاوز المعرفة والتعلم والحالة النفسية ووصل إلى استخدام لغتها وألفاظها، فيبدو وكأنه يقول: ليس أنا عدنان المهجر، بل أنا سميرة المهجرة والتي ترغب بالعودة إلى الوطن، لهذا استخدم "أحشائي، المخاض، الجنين، توجعني".
ونجد أثر "سميرة" فيه حتى عندما يريد ان يتحدث عن مشهد أو حدث: "أواجه وجهه، أتأمله ويتأملني... بينما وقفت زوجته العجوز مسمرة حائرة إزاء هذا المشهد" ص363، استخدام "عدنان" لفظ "مسمرة" ليشير إلى هيئة العجوز يحمل اثرا من "سميرة" فتقارب اللفظين كبير بينمها، وإذا ما رجعنا إلى تعلقه باسمها والذي تكرر كثيرا وفي اكثر من موقف، نتأكد أن "مسمرة" ما هو إلا ناتج عن تعلقه بها وباسمها.
ونجد العقل الباطن يتحكم في سرد الأحداث، فيخلي "عدنان" مساحة من السرد الرواية "لخلود" لتتحدث بثلاث صفحات كاملة عن همومها وعن الجماع الذي تم بينها وبين عدنان: "جسدك العاري يدعوني أن أغتسل به، يداك تتسللان إلى أنحاء جسدي، أشعر بالانقباض وأنت تهتف باسم سميرة لكن قبلاتك كانت أكبر من ان تقاوم فاستسلم تحت دفء انفاسك" ص251، فحالة (الأنثى) التي تتشارك بها "خلود وسميرة" هي ما جعله يعطيها هذا المقدار من التحدث وبحرية، كما أنها عندما ذكرت له اسم "سميرة" الذي يردده دائما وباستمرار، زاد في المساحة التي اعطيت لها لتروي ما تريده.
ونجد العقل الباطن، عندما "جعل "خزامى" تموت بحادث سير مفاجئ: " ...نكبة جديدة نتعرض لها أنا وسميرتي الصغيرة بعد تعرض خزامى لحادث سير مروع أودى بحياتها، استمرت سميرتي حزينة مدة من الوقت قبل أن تنشغل بجامعتها" ص319، يبدو لنا الحادث وكأنه تخلص من "خزامى" أكثر منه حادث منطقي، فليس هناك أي مقدمات لهذا الحادث، كما أنه مر عليه سريعا، ولم يعطنا أية تفاصيل عنه أو آثار له، فكأن به يمهد لعودته إلى حبه الأول إلى "سميرة".
أثر سميرة على اللغة
في الطبيعة الخلابة تعرف "عدنان بسميرة" وتعلم منها الشعر والغناء والسماع إلى لغة الطبيعة وما فيها، يعبر عن علاقته/حاجته "لسميرة" بقوله: "كان جسدي كصخرة ظمآى، وجسدها كسحابة ممتلئة بالغيث" ص40، مثل هذه الصورة تشير إلى أن "عدنان" أخذ يتعلم ويعمل بتوجيهات "سميرة، فتشبهه نفسه بالصحراء الظمآى، وسميرة بالسحابة الممتلئة لم يأت إلا بعد أن تأمل بالطبيعة عرف الاستماع إليها.
ونجده يستخدم فكرة الجفاف عينها وحاجته للماء عندما قابل أمه بعد غياب دام اكثر من ثلاثين عاما: "كنت جافا كالأرض الظمآى للمطر، وبعد ان سمعت صوت امي امتلأت وتخصبت روحي بالسعادة الجارفة" ص 234، مثل هذه الصورة ما كانت لتكون دون المعرفة التي أخذها من "سميرة" فهي من جعله يحسن الاصغاء والتأمل، فكان بهذه الصورة الأدبية يؤكد على إتقانه للتأمل والتعبير عما يشاهده/يسمعه، وإذا ما توقفنا عند حالة "الظمأ" التي يستخدمها نجد فيها حاجته للاغتسال، حاجته للماء، أي حاجته للتحول من حالته الآن، إلى حالة أخرى جديدة، فالاغتسال بالماء له دلاله التحول والانتقال من حالة متأخرة إلى حالة متقدمة ليس على صعيد الماديات فحسب، بل على صعيد الفكر، الروح/الإيمان.
وإذا ما توقفنا عند الأفعال السابقة نجدها متعلقة بالأنثى "الظمآى للمطر، تخصبت" وهذه اللغة ناتجة عن الـتأثر بالأنثى/بسميرة، فكان متماهيا معها في وصف مشاعره، حتى أنه استخدم لغتها.
"ونجده يحسن التعبير عن المواقف السياسية: "لن تطول تلك المدة التي ابهجتنا، ونحن نتدفأ بالنار التي اشعلها صدام لنا في زمن البرد العربي الطويل" ص281.
وبعد أن أصبح "عدنان" شاعرا وأتقن فن الشعر، يقدم ما يريد طرحه بلغة جميلة، فيعبر عن رؤيته لحياة الغربة: "كم الغربة قاسية دون صديق" ص233، ويعبر عن التعاطي العربي مع الماضي والتاريخ: "عندما تنتكس أمة تخترع الأسطورة المنتظرة، التاريخ" ص283، ويكشف حقيقة (جرائم الشرف) فيقول: "هل الدفاع عن شرف العائلة تعويض عن شرف الأمة المنتهك؟" ص315، ويعبر عن حال المهجرة ووقعها على الإنسان فيقول: "خطيئتي كانت في مغادرة الوطن، خطيئتي في إيقاف محاولات العبور" ص340.

الزمن والمكان
علاقة "عدنان" بالمكان والزمان في حالة تنافر، فالزمن يراه ثقيلا، بطيئا في حركته، ويرى المكان متحركا إلى الأمام وبسرعة، ففي حالة العشق وجد الوقت كطفل يحبو ببطئ شديد: "...قال قريبا، لكن قريبا هذه احسها ألف عالم" ص55 ويرى في مكان اللقاء متحركا بسرعة مبتعدا عنه: "أشعر أن المسافة طويلة من هول اشتياقي إليها" ص55، وبعد أن سجن عامين عند الاحتلال، وعندما تحين لحظة الإفراج، يكون الوقت بهذا الشكل: "يقودني السجان إلى احدى غرف الانتظار لأمكث قليلا قبل أن تجري لي بعض التفتيشات الروتينية .. وبعد دهر من الانتظار فتح أخيرا الباب الخارجي" ص100، بهذا الشكل لم يكن الزمن/الوقت طبيعيا عند "عدنان" فقط تعاطى معه على أنه يريد أن يسرق منه لحظات الفرح، وعندما حدثنا عن الطريق إلى الجسر ليلحق بأخيه "حسان" قبل أن ينتقل للضفة الأخرى للنهر: "تتحرك السيارة، أشعر ببطئ حركتها رغم حركتها السريعة" ص105، إذن كان "عدنان" في حالة صراع وسباق مع الوقت، ولم يشعر بأنه يمضي/يمر بشكل طبيعي أثناء وجوده في فلسطين، وهذا يعكس نفسيه السارد الذي يجد في الوقت عامل ضغط.
وبعد أن يتم الاعتداء على الفتاة الراعية، يقرر "أبو زهدي" اجراء محاكة "لعدنان" وحينها بدا وقت المحاكمة بهذا الشكل: "أقف مقيدا/ معصوب العينين، جسدي يتصبب عرقا، أنتظر بيأس انتهاء الاجتماع بين أبي زهدي ومروان، أكنت حينها استعجل انتهاء اجتماعهما، أم كنت اتنمى له أن يطول، لا أعرف حينها ما قيمة الزمن، الزمن محايد ازاء هذا الانتظار" ص160، حتى في لحظة محاكمته لم ير في الوقت صديقا، بل وجده محايدا، وهذا يعكس حالة السارد الذي يعاني من ثقل الوقت داخل المعتقل.
أما بخصوص المكان، فهو أيضا لم يكن في حالة وفاق مع "عدنان" فبعد أن استعاد الكبسولة، وأراد أن يرجع إلى الضفة الغربية للنهر: "... بهبوط الظلام، لأهبط بعدها مسافة قصيرة وأختبئ بين الشجيرات والاعشاب النهرية بضع دقائق، وما ان تمر الدورية حتى اسارع بعبور النهر نحو الضفة الأخرى، وعندها ينتهي كل شيء، وأكون في بلادي وأعود لبيتي" ص121، رغم ان المسافة قصيرة إلا أن قطعها بحاجة إلى وقت وظرف خاص، فعبور النهر يعني العبور إلى الوطن، ورغم قرب المسافة إلا أن "عدنان" لم يستطع قطعها، فهي أبعد من أي مكان على الأرض، لهذا يتيه أربعين عاما بعيدا عن وطنه.
العنوان، الكبسولة
إذا ما توقفنا عند "الكبسولة" سنجد فيها فكرة الأمانة، وقد أكد هذا الأمر "أبو ثائر" عندما ذكر "عدنان" بالآية "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72" ص123، لكن لها مدلول آخر، يتمثل مع الوطن: "ـ أن محتواها هام وخطير، وهي مسألة حياة أو موت" ص98، بهذا القول تحدث "أبو أسعد" عن الكبسولة.
لكن للكبسولة تأثير على بطلي الرواية "عدنان وسميرة" وهي من فرقت بينهما: "كنت احدق بجهة الغرب من الحدود بينما السيارة التي نستقلها تبتعد بالتدريج نحو الشمال الشرقي، وشيئا فشيئا اختفت الحدود، وتلاشى معها أي أمل لي بالعودة إلى الوطن.
... حدقت بالكبسولة وخاطبتها قائلا: أنت لعنة. أقسم أنك لعنة" ص145، إذا ما توقفنا عند فكرة الأمانة، فهل يمكننا القول أن الأمانة هي سبب عذاب "عدنان" وغربته؟، إذا أجبنا بنعم، فإننا نؤكد ضرورة التصدي للمحتل، مهما كان الثمن، وإذا قلنا لا، فإننا نؤكد على ضرورة القبول بما هو واقع/حاصل، وهنا نكون مشاركين في الجريمة الخنوع والقبول ما حصل، فرغم أن "عدنان" دفع حياته ثمنا للكبسولة/للوطن/الأمانة فأنه كان بهذا الثمن يعبر عن انسجامه مع المرأة، مع الطبيعة، مع الشعر، مع نفسه، بضرورة أن نكون صادقين مع مبادئنا/أفكارنا.
وتأكيدا على أن الكبسولة تمثل "الوطن" نجدها تنقذ "عدنان" من الإعدام رميا بالرصاص بعد أن (تحرش) بالفتاة الراعية، وكانت من الدعائم التي اعتمدها "أبو زهدي" لعفو عنه: "ـ شفعت لك الكبسولة، وهي التي انقذتك من الهلاك، لقد أذهلتني حكايتك معها، بعد ان تسترد عافيتك، أريدك أن تحدثني عن هذه الحكاية الظريفة" ص170.
وبعد أن يتم أسر "عدنان" في سجن الخيام في لبنان، تبقى "الكبسولة" محفوظة في أمان، فهي أمانة لا بد أن يحافظ عليها: "كانت الكبسولة طوال فترة الأسر في مكانها أسفل شفتي العليا" ص210، وبعد أن يتعرض للضرب المبرح في جميع انحاء جسمه، يفقد الوعي وتخرج "الكبسولة" من فمه، ومع هذا يبقى هاجس "الاحتفاظ بها هو المهيمن عليه، وليس هاجس التخلص من التعذيب: " اكتشفت كم هو جبار الإنسان، حتى في قلب غيبوبتي كنت أدافع عنها" ص212.
سميرة الأبنة وعودة عدنان
اثناء وجود "عدنان" في الأردن، يتعرف على "خزامى" الفتاة المهتمة بالتاريخ، تنشأ بينهما علاقة اعجاب تتحول إلى حب، يتزوجان، وينجبان طفلة يسميها عدنان "سميرة" ليتخلص ولينهي وجود الحبيبة سميرة، تكبر الفتاة وتدخل الجامعة، تتزوج من "خالد"، تقضي أمها بحادث سير، يصاب "عدنان" بالعزلة والوحدة، إلى أن يقرر أن يعود إلى فلسطين من نفس المكان الذي خرج منه، لكنه قبل أن يذهب، يكتب مجموعة اوراق يبقيها لابنته "سميرة"، لتقرأها وتعرف حقيقة ما جرى ويجري ـ أثناء القراءة ـ لوالدها "عدنان".
وهنا كانت الرواية في ذروة التألق والإدهاش، سميرة تقرأ، وعدنان يفعل، يقوم بالأحداث والأقوال، وهنا يتداخل ويتشابك زمانان، زمن/وقت قراءة الأوراق، وزمن/وقت حدوث الأحداث،
ونتوقف قليلا عند مجرى الأحداث، لماذا لم يجعل "السارد" عدنان" يعود مع العائدين أثناء "أوسلو" وجعله محروما من فلسطين؟، ولماذا ترك "عدنان" سميرة ابنته في الأردن، وقرر العودة إلى فلسطين، رغم يقينه أن الحبيبة سميرة تغيرت ولم تعد تلك الفتاة التي عرفها؟. هل لهذا الامر علاقة بشخصية السارد؟، أم أن مسار الأحداث في الرواية جعلها تأخذ هذا المنحى، بعيدا عن (سلطة) السارد؟.
هناك قول لأبنة سميرة: "آه يا أبي العزيز ما أروعك، ما تركته لي في هذه الأوراق كان أجمل هدية أتلقاها في حياتي" ص349، اعتقد أن ما جاء على لسان "سميرة" يتماثل مع ما سيقوله أي قارئ للرواية، فمن خلال هذه الأوراق أخذت الرواية شكلا جديدا، وازدادت تألقا، ما أحدث متعة لدى القارئ، وهذا كاف لنقول أن بناء الرواية جاء بشكل خارج (سيطرة الراوي وسلطته) وهي عمل مستقل عن أي هيمنة أو سطوة، وعلينا التعامل معها كما جاءت، بعيدا عن الخوض في أمور تربكنا وترهقنا دون فائدة.

سنأخذ نموذجا من هذا التداخل والتشابك في الزمانين، زمن قراءة الأوراق وزمن حدوث الفعل: "...أنهض على قدمي... أغادر أسفل الشجرة .. أتنفس ملء رئتي وانطلق ... وقلبي يسبقني دائما..
تحاول سميرة الإسراع في تصفح الأوراق المتبقية، قبل قليل انفجرت ضاحكة وهي تطالع بين السطور عن والدها وهو يراقبها أثناء تعارفها مع أحد ابناء الجيران في عمر المراهقة" ص349، الزمن الماضي والحاضر تراه سميرة، وفي ذات الوقت يقوم "عدنان" برحلة العودة التي تشاهدها "سميرة" وتطلع على تفاصيلها تباعا.
ومن النماذج وتداخل الزمن وتشابكه: "أعادة مطالعة السطور ثانية كي تتأكد أنها لا تحلم.. إذن هو الآن في طريق عودته .. لفد رأى عودته في لحظة إلهام، فقرر أن يترجم ما رآه بحذافيره .. علي أن أسرع فوالدي سيقطع النهر .. ربما يتعرض للخطر، نظرت إلى ساعتها كانت تشير إلى السادسة والنصف.
عقارب ساعتي تشير إلى السادسة والنصف، نصف ساعة متبقية لملامسة الحلم" ص350و351، فالأحداث تصف سميرة الآن، أثناء قرأتها للأوراق، وايضا هي تشاهد/تتعرف على تفاصيل عودة والدها لحظة بلحظة، وفي الوقت ذاته نجد ثلاثة رواة للأحداث، السارد، وسميرة، وعدنان، وهم يتفاعلون ويتأثرون بمجراها.
"يا إلهي والدي سجل كل لحظة وكأنه يكتب قصة.. حتى قبل أن يضع لي الأوراق اسفل الوسادة.. كان يعرف أن ذلك سيحدث.. وها هو يسجل قصته من البداية حتى النهاية ويضعها بين يدي .. ليس لما حدث معه فحسب بل أيضا لما سيكون .. ما الذي يجري .. هذا يعني أن والدي سجل ما سيحدث له بناء على ما رآه.. أو تصوره .. أو هيء له في السقف .. إذن انتهى كل ما كان.. وها أنا أطالع ما سيكون من رحلته أو ما تبقى منها.. الدقائق القادمة ستكون حاسمة ..علي أن أعجل في القراءة.
صوت خرير الماء ونقيق الضفادع من حولي... حواسي كلها متحفزة.. عيناي تراقبان الضفة الأخرى وأذناي ترهفان السمع، عشرون دقيقة وأكون على موعد مع هناك، بضعة امتار حاسمة، خمسة أمتار هي عرض النهر" ص352، عبقرية السارد تتمثل في الجمع بين سميرة والأحداث الماضية من جهة، وبين سميرة ومشاعرها الآن وهي ترى والدها يعبر النهر، وبين "عدنان" المنهمك في العودة إلى فلسطين.
تستمر الاحداث بهذا الشكل إلى أن يتم اللقاء بين "سميرة الحبيبة وعدنان"، فبعد غياب اربعين سنة لا بد أن يكون رهبة لهذا اللقاء، ليس لعدنان وسميرة فحسب، بل لسميرة الابنة" المشاهدة للحدث: " تتسارع دقات قلب سميرة الصغيرة وهي تقلب صفحة أخرى.. بعدما وصلت الحكاية إلى الذروة، قلبت الصفحة وتابعت:" ص374، انفعال سميرة ملازم لانفعال القارئ الذي يتابع الاحداث كما تتابعها "سميرة"، فهو في لهفة لمعرفة تفاصيل هذا اللقاء، فهو لقاء أكثر من حميم، وما بين "سميرة وعدنان" أبعد من أن يتصوره العقل، من هنا ندخل إلى تفاصيل هذا اللقاء وحيثياته: " أقترب أكثر ورائحة سميرة تعود، رائحة سميرة، أشمها كما كنت أشمها بالحضور والغياب، مشاعر عاصفة متناقضة تعصف بي وعلى خطوات أتوقف عن المسير، إنها في الداخل، قلبي يحدثني أنها على بعد خطوات فقط، أخطو خطوتين وأقف على بعد استدارة واحدة لليمين سأكون قبالتها تماما، وقبل الاستدارة اقف محتارا من جديد، هي لحظات الحيرة البالغة السحر والجمال يقودها مركب الشوق الجليل، أكاد أختنق افتتانا بالحظة، استنشقت هواء ملء رئتي، استدارة وأكون مواجها لها، إنها استدارة الحياة والعمر الضائع، وقبل الاستدارة أتسلح بالشعر ليقتل في الحيرة:
فررت من اللقاء إلى الفراق فحسبي ما لقيت وما ألاقي
فيا برد اللقاء على فؤادي أجرني اليوم من حر الفراق
... اقف على حافة البكاء .. فثمة جلالة ورهبة للقاء يستحق أن تجثو أمامه.. ومن خلف رذاذ الدموع أراها ..تحدق بي.. تتقاطع نظراتها كما تتقاطع السواقي امتزاجا... آه سميرة .. عدت .. عدت يا وجعي بمركب الحب يحمله بحر من لدموع ومساحة شاسعة من ألم اللهفة" ص ص373و374، إذا ما توقفنا عند هذه التفاصيل نجدها منسجمة مع حالة الشوق التي تحدثت عنها الابنة سميرة، والتي يشعر بها القارئ، فكلاهما يرغب وفي شوق لمعرفة هذا اللقاء، فكان السارد على دراية ومعرفة بهذا الشوف فقدمه لنا بهذه التفاصيل وهذه الدقة.
الرواية من منشورات مؤسسة الامة العربية للنشر والتوزيع، جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى 2017.
















عقدة اليتم في رواية "وجع بلا قرار" كميل أبو حنيش

عقدة اليتم في رواية
"وجع بلا قرار"
كميل أبو حنيش
نحن بخير ما دام فينا من يكتب ادبا، من يحدثنا عما نحمله في العقل الباطن من حاجات/رغبات، من يكشف لنا مكامن العاطفة التي تحركنا/تجعلنا نتجه هنا أو هناك، من يتناول الأحداث/الشخصيات من أكثر من زاوية، من يقدمنا من الواقع لنفهمه، من يستطع الدخول إلى نفسية المهزوم ليعرفنا على الألم الذي يتعرض له، والسياط التي يجلد بها نفسه، من يكتب عن الوفاء والإخلاص في زمن أوسلو والعولمة.
هذه الرواية الثانية بعد رواية "باسم خندقجي" "نرجس العزلة" التي يكتبها أسير فلسطيني يكون فيها عقله الباطن هو سيد الموقف، فيحدثنا عما يحمله من عاطفة، بعيدا عن صورة البطل المطلق، ف "علاء" إنسان، يفرح ويحزن، فاعل وساكن، لهذا هو قريب جدا منا، لقد استطاع "كميل أبو حنيش" أن يقدم عملا أدبيا بصيغة جديدة، يحمل بين ثناياه عقدة اليتم وأثرها عليه، فنجد بطله "علاء" يميل إلى أخته "كوكب" كرد فعل لا شعوري عن فقدانه الأم، ونجد أثر هذا اليتم من خلال علاقته ب"أنهار" التي أرادها شريكة حياته، فعلاقة "علاء بالمرأة علاقة حميمة، حتى أنه تجاوز كل الظلم والقهر الذي سببته له "سهام" زوجة الأب.
ونجد هذا الأثر من خلال موت/استشهاد ثلاثة ممن أثروا عليه، رفيقه "رامي" الذي استشهد هو ما زال فتى، و"سامر" الذي استبسل معه في المقاومة، ومعلمه "أيمن" الذي مات في دبي، بعد أن غير مسار حياته من النضال إلى جمع المال، من الثورة إلى الثروة، ويمكننا أن نضيف أن موت حبيبته "أنهار" أنه ناتج عن عقدة اليتم، وكأن السارد ـ في العقل الباطن ـ يريد أن يستمر في تألمه لفقدانه المرأة، فقد تكيف مع هذا الأمر منذ ولادته مباشرة.
هذا ما يقدمه لنا الراوي في رواية "وجع بلا قرار" فالعنوان يوحي بوجود ألم بلا نهاية، ألم مستمر، يعيش مع "علاء" وهو ما اشار إليه عندما استحضر ملحمة الإله "بعل: والإله "تموزي" وكأنه أريد من خلالهما أن يؤكد على طبيعة الصراع في الحياة، وعلى حالة الألم التي تلازمنا.
وهنا نطرح مجموعة أسئلة: ما الداعي لمثل هذا الطرح، إن كان بوعي من السارد أم بغير وعي؟، وما هي الفكرة التي يمكننا أن نستفيد/نصل إليها من خلال طرح موضوع اليتم والحرمان؟، وهل لهذه الفكرة علاقة بواقع الأسير في المعتقل؟.
اعتقد بأن الجوانب الإنسانية التي يقدمها الراوي من خلال "وجع بلا قرار" هي الأهم في العمل، كما أنه طرحها/قدمها بشكل غير مباشر، بشكل مخفي، مستتر وراء الأحداث وطبيعة شخصية "علاء" التي جاءت مركبه وتحمل في داخلها فكرة الصراع الوطني التحرري من جهة، وفكرة الحاجة/الرغبة بالحياة السوية، فالراوي، إنسان، يعيش في المعتقل، معزولا عن أحبته، خاصة الأم، لهذا نجدها تفجر فيه هذا الشعور باليتم، وكأن الراوي ـ من خلال سرد الاحداث ـ يؤكد على إنسانيته، على حقه في الحياة، فهو لم يقم بأي فعل غير إنساني، حتى أنه عندما تحدث عن مقاومته للمحتل لم يذكر لنا أنه قتل أحدا منهم، وهذا يشير إلى أنه "علاء" شخصية إنسانية بامتياز.
من خلال هذا يمكننا أن نقول أن الرواية غير بسيطة، وتحمل فكرة مركبة، وإذا استطعنا أن نسبر أغوارها نكون قد حصلنا على الفكرة في أولها، واستمتعنا بقدرتنا على التحليل ثانيا، وتعلمنا كيف نواجه ذاتنا ثالثا.
عقدة "علاء"
تنويه: هناك سارد للأحدث وهو مجهول الاسم، وهناك بطل الرواية "علاء" احيانا يحدثنا السارد بصوته، واحيانا أخرى يترك بطله علاء يتحدث.
تكمن عقدة "علاء" بأن أمه ماتت خلال ولادته، فأخذوا من حوله يصفونه بقاتل أمه، "وما أن بدأ يتفتح وعيي لازمني شعور دائم بأنني قاتل أمي،... لقد ظلوا يعيرونني بأنني قاتل أمي" ص28، أن يحمل طفل هذا العبء لهو شيء ثقيل جدا، ولا يمكن تحمله، لهذا سنجد "علاء" يقوم بأول ثورة في حياته، من خلال تفجره في غرفة الدرس فيقوم بهذا الفعل بعد أن سمع أحد زملائه في الصف يقول عنه "قاتل أمه"، "تقدمت من مقعدي وتقدمت صوب ذلك التلميذ ولطمته بيدي ولم أكن أعي لحظتها بأن ثمة قلما كان بين أصابعي المرتعشة، فتسبب بجرح غاثر في وجهه وسط دهشة وذهول المعلم والتلاميذ" ص29، بداية التخلص من الفكرة جاءت بهذا الفعل المتمرد، والذي سيكون له توابع لاحقة، تجعل من "علاء" حالة فريدة في مواجهة الظلم الواقع عليه كفرد أو كشعب.
السارد يحدثنا عن الأم بأكثر من موضع، فهي الطاقة التي تمده ليسرد لنا هذا العمل الأدبي، يقول عنها: "مجرد حضور الأم في حياتك يمنحك السكينة والأمان تغدق عليك بحنانها الذي لا ينضب... كم هو رائع أن يكون لك أم تتفقدك... تحمل همك.. وتقطع المسافات كي تزورك.... تهتم بتفاصيل ماذا تأكل أو تشرب أو تلبس... ولا تيأس من تقريعك حتى لو صرت كهلا، هي لعبة الأمومة الأزلية تمارسها عليك بشكل عفوي... الحب الأمومي لا يتجزأ" ص30و31، بهذا الكلام ينحاز السارد إلى بطله "علاء" ويوضح العقدة التي أثرت وتؤثر عليه، فكل من يفقد أمه، بالتأكيد سيكون عنده نقص، ويكون غير سوي.
في المقابل يحدثنا "علاء" عن أثر غياب للأم من خلال قوله: "اليتم يورثك الشعور بالحرمان والنقص، الحرمان الذي يشعرك بالجوع وسط التخمة" ص32، إذا ما قارنا بين ما قاله السارد، وبين ما قاله علاء، نعلم حجم الضغط الذي يقع على كاهله، فهو الوحيد بلا أم، الكل يستمتع بحضورها إلا هو وحيد، فاقد لهذا الكائن الخاص.
"علاء" الطفل لا يفتقد لأم فحسب، بل هناك زوجة أب قاسية في تعاملها معه، "دأبت على ملاحقتي بلسانها السليط بعينيها الجامحتين غضبا بلعناتها وتذمرها وتلك الكراهية اليومية التي اعتادت أن تشيعني بها... لقد استحالت إلى كابوس ينغص علي حياتي كانت تميز أبناءها عني وعن كوكب تخصهم في كل شيء وتحرمنا من كل شيء" ص32، لهذا فكر في التخلص منها وقتلها، لكنه لم يستطع ذلك، لماذا؟، أليس هو من قام بالتمرد في غرفة الصف، وتجاوز المعلم والطلاب وأوجع من أهانه؟.

يجيبنا "علاء" على هذا السؤال: "...يخضر بذهني ابناءها الصغار الذين سيغدون ايتاما مثلي فأعود وأتراجع عن مخططاتي، لقد كان اليتم نقطة ضعفي الصارخة" ص33، إذن هناك ضغط خارجي تمكن علاء من إزالته والقضاء عليه تماما، من خلال ضربه لأحد التلاميذ، فكان عبرة لهم، وهناك ضغط من داخل الأسرة لا يمكن إزالته، وعليه أن يتعايش معه غصبا ومكرها.
الظلم الذي تربى عليه "علاء" اقترن بزوجة الأب، جعله يشعر/يجد في كل ظالم زوجة أب، "لقد كانت حياتي بعمومها أكبر زوجة أب شمطاء" ص34، بعد كل هذه القسوة لا بد من البحث عن ملجأ/متنفس يستطيع من خلاله "علاء" التخفيف من وطأة الألم الذي يتعرض له، فكانت "الانتفاضة" مخرجا ايجابيا له، يستطيع من خلالها الهروب من ظلم "سهام"، وتفريغ الظلم الواقع عليه وعلى شعبه من خلال عمل عنيف، لهذا وصف الانتفاضة: "ما جاءت إلا لتخلص الجميع من رحى الظلم والاستعباد فانشددت لها بكل جوارحي، لقد صارت بمثابة أمي" ص38، بهذا المشهد نجد إنسانية "علاء" فهو لم يمل للعنف إلا بهدف إزالة الظلم عنه وعن الآخرين، وليس حبا في العنف، كما أن الظلم الذي تعرض له، جعلنا نبرر له ردة الفعل العنيفة التي ابدها، فهو أولا وأخيرا إنسان.
إذا ما توقفنا عند آخر كلمة "بمثابة أمي" التي قالها "علاء" يتأكد لنا عقدة الأم التي تسيطر عليه، لهذا نجد هذا الوصف لحاله عندما يحدثنا عن ردة فعل أم رفيقه "رامي" الذي استشهد أثناء قيامهم بإلقاء الزجاجات الحارقة على دورة جيش الاحتلال، "كنت أخشى عتابا مرا من والدته لكنها بدلا من ذلك احتضنتني راح نشيجها يغلغل وجعا في قلبي، لحظتها شممت رائحة الأمومة واستشعرت حنانا يملأ روحي، ... ما أروع تلك اللحظات تمنيت لو يطول بقائي على صدرها كي أروي ظمأي المتأجج للأمومة" ص44و45، لأول ومرة يتم حضن "علاء" لهذا سنجد أثر هذه الحضنة عليه لاحقا، من خلال علاقته ب"أنهار" التي أرادها أن تعوضه عن حنان الأم المفقود أصل، والعاطفة اتجاه "كوكب" التي تزوجت ولم تعد تمنحه ذلك الشعور السابق.
يحدثنا "علاء" عن حادثة ثانية وجد فيها ذاته الباحثة عن الأم، من خلال "سهام" زوجة الأب القاسية، ها هي تبدي مشاعر حانية عندما وجدت فيه ذلك الشاب الحساس النابض بالحيوية المشاعر الإنسانية: "...وقبل أن تمضي أدارت وجهها نحوي وحدقت بوجهي في الظلام وقالت: مالك يا بني؟ إلي أنا هتفت الكلمة الحميمة؟ أأنا من تخاطبني بها؟ لأول مرة اسمعها من سهام بل لأول مرة أسمعها على لسان امرأة تخاطبني بلغة الأمومة التي لا أعرفها، ما أروعها، ما أجملها، ما أخصبها من كلمة، سقطت في فؤادي كالندى، كالياسمين، كرائحة الأمومة المفقودة، آه كم أحتاجها في زمن الاغتراب واليأس" ص87، الأثر الذي تركته كلمة "بني" أزاحت كل الألم منه، وجعلته يستخدم تعابير ناعمة وسلسة تلامس الفرح والحياة، فإذا كانت الكلمة الدالة على الأم فعلت فيه كل هذا، فماذا سيحدث له لو كانت الأم بكليتها حاضرة؟.

"كوكب" اخته تأذت معه بالمقدار نفسه، من زوجة الأب، لهذا يميل إليها بشكل غير عادي، فهي تعرضت للظلم معه، وعانت ما عانى هو من قهر "سهام"، كما أنه يحمل في داخله حاجة للأم التي لا يفتقدها ، والأنثى بطبيعتها تحمل/تمنح شيئا من الأمومة، إن كانت أختا أو حبيبة.
لهذا نجد "علاء" يرفض أن يتخلى عنها، فيريدها إلى جانبه، كتأكيد ـ لا شعوري ـ على حاجته للأم/للأخت/للحبيبة، فالمرأة هنا هي المحرك للعاطفة وللسلوك، فعندما يأتي أحد الاشخاص لخطبتها نجده يحدثنا عن مشاعره بهذا الشكل: "...رغبت لحظتها بالبكاء فكوكب هي أجمل ما يربطني بهذا العالم وأكثر براءة، ولا أدري طبيعة المشاعر التي داهمتني ساعتئذ، أهي فرح من أجل كوكب أم حزن على فراقها" ص46، بهذه المشاعر يتأكد بأن هناك رابطا بين "علاء وكوكب" هناك علاقة إنسانية تجعله يشعر بهذا الشعور، فهذا الاضطراب في المشاعر يشير إلى الحالة النفسية غير المستقرة عند "علاء" وعلى المكانة التي تحتلها "كوكب: في حياته، لهذا سيرفض طلب العريس المتقدم لأنه غير أهل للاقتران بها.
لكن بعده يأتي خطيب جديد، وليس فيه عيوب الأول، ومع هذا نجد "علاء" يرفضه أيضا، عارضت في البداية متذرعا بأن العريس ينتمي لفصيل آخر غير فصيلي لكنني لم أوفق في الدفاع عن رأيي" ص47، نجد هنا أيضا ـ في العقل الباطن ـ حاجة "علاء" للأنثى، فهو يعمل بكل السبل لكي تبقى عنده أخت/أنثى التي تعوضه عما يفتقده من حنان ورغبه بالأنثى.
عندما يفتقد "علاء" رسائل حبيبته "أنهار" نجده يبدي مشاعره اتجاه أخته "كوكب" بهذا الشكل: "كتبت لكوكب ذات مرة رسالة غاصة بالتوتر كنت اتصرف كطفل فقد كل من حوله وأخذ يبكي بحثا عن الأمان والحنان أردت من كوكب أن توضح لي حقيقة ما يجري وأن تفصح لي ما تعرفه من أنهار " ص128، الوصف الذي قدم لنا يشير إلى أن كاتبه ما زال يعاني من عقدة الأم، لهذا أراد البكاء كالطفل الباحث عن صدر يحضنه، يشعره بالحنان والأمان، فعقدة الأم ما زالت فاعلة ومؤثرة فيه.
ونستشف من المشهد أيضا، حالة البؤس التي تفاقمت عند "علاء" عندما شعر بأنه يفقد "أنهار" وأنها لم تعد كما عهدها، مما جعله يتوتر أكثر ويشعر بشدة الحصار الذي هو فيه.
أما "أنهار" فقد جعلها الراوي تحمل مشاعر "علاء" وإحساسه، لكن بشكل مقلوب، بمعنى أنها تميل إلى الذكر، وتبحث عن مخرج لما ألم بها من فجيعة استشهاد أخيها، فوجدت في :علاء" شيئا يمكن أن يزيل تلك العوالق التي احدثها فقدان الأخ: "بعد أن التهمت كتبه ومدوناته الخاصة، أنهار انبهرت بشقيقها وهو ملاحق وكانت في سرها تتمنى العثور على رجل يشبهه في كل شيء ولكنها لم تجده، مع أنها لمحت لي بأن بي لوثة من جنونه وعفويته وشجاعته" ص104، العقل الباطن للراوي يميل للأنثى، ولهذا جعلها تشاركه هذا الميل.
الصراحة والوضوح حاضرة في هذا الاتجاه، وهناك دوافع تجعله يتوحد معها، فيجعلها تتحدث بصوته/بمشاعره/بحاجاته، وكأنه يريد أن يؤكد على العلاقة التي تربط الرجل بالمرأة، فأحدهما لا يمكن أن يكون بدون الآخر، لهذا نجده يتحدث بهمومه هو على لسانها.
بعد أن تمرض "انهار" بمرض السرطان تعمل على جعل "علاء" يشعر بابتعادها عنه، من خلال تقنين الرسائل التي تبعثها له، حتى انقطعت، لكي يكرهها، ولا يتحسر على فراقها، فهي لا تريد أن تسبب له ألما، عندما يعرف بموتها بالمرض وهي ما زالت تحبه ومتعلقة به، بل تريده أن يمر عليه خبر رحيلها بشكل عادي، لهذا نجد الراوي يحدثنا عما يمكن أن يحدث لعلاء إذا ما عرف عن مرضها: "هل سيفجع علاء بخبر موتها أم سينبثق شعاع فرح سري بداخله لأنه اكتشف موت حبيبته وذلك أقل وقعا في نفسه من اكتشاف خبر حياتها بسعادة في احضان رجل آخر؟" ص176، هناك اسئلة أخرى كثيرة يطرحها الراوي حول هذا الأمر، وكلها تجعل المتلقي يشعر بحاجة "علاء" للمرأة وحاجتها له.

عقدة "أيمن"
هناك تأثيرات أخرى وقعت على الراوي تتمثل بموت العديد من الأصدقاء، مقتل "رامي و سامر" بشكل مباشر على يد جنود الاحتلال، وموت "أيمن" المعلم والقائد، فبعد أن تم سقوطه عن طريق "العصافير" أثناء التحقيق، وبعد توقيع أوسلو نجده يوقع على وثيقة "عدم القيام بأعمال إرهابية" ما جعله يشعر بفداحة السقوط الذي اقدم عليه، فنجده يجلد نفسه بقسوة مفرطة، حتى أنه بدأ بالبحث عن حياة جديدة في دبي، محاولا من خلالها أن يهرب/يتجاوز/يتجاهل الماضي.
مشاعر الألم والندم التي تصاحب فعل السقوط تشير إلى نبل إنسانية الفاعل، وتؤكد على وجود حياة لبذرة الخير فيه، فهو على كل حال إنسان، قابل للوقوع في الخطيئة:
"ـ لا شيء إطلاقا. افكر بالسفر إلى الخارج، لم أعد أطيق البقاء هنا.
ـ لماذا تستمر بجلد ذاتك؟ ما حدث قد حدث، بوسعك أن تعيش كما يعيش الآخرون، خطيئتك ليست بأكبر من خطايا هذه المرحلة.
ـ هذا تبسيط سخيف لخطيئتي يتعين علي الاعتراف بأنني ثوري فاشل" ص84و85، أعتقد أن هذا المشهد يدفع المتلقي لكي لا يقع بما وقع به "أيمن" فالشعور بالذنب أكبر وأشد ألما من سياط الجلاد، ولا يمكن أن تمحى الخطيئة إلا بالتقدم من جديد إلى الأمام، أو من خلال قتل المشاعر والتحول إلى شخص آخر يفكر بطريقة جديدة.
صوت الراوي
كما قلنا في البداية هناك راو للأحداث، مجهول الاسم، وهناك أحداث يرويها أو تروى على لسان "علاء، الراوي يحدثنا عن علاقته ب"جنان" التي فارقته بطريقة عادية، و"علاء" الذي فارقته "أنهار" مجبرة، فكلاهما مر بتجربة الحب، لكن مأخذنا على هذا الأمر أنهما يتحدثان بصوت واحد، وبهم واحد، فهما شخصية/صوت واحد لكن بشخصين، ولتأكيد هذا الأمر نأخذ هذا المقطع على لسان الراوي:
"بدا أمامي مستغرقا بأفكاره التي تنمو وتتكاثف كما قال لي" ص21، مشهد يشير إلى أن الراوي يعرف تماما ما يجول في نفس "علاء" من أفكار وهواجس.
يقول على لسان "علاء" أضناني البحث عن رائحة أمومة تطفئ ظمأي وتخصب روحي" ص229، ونجد الراوي يقول في الصفحة التي تليها: "يبحث عنها في كل محطة يمر بها وقد أضناه البحث عن دفء" ص30، فالراوي وعلاء كلاهما يستخدمان لفظ "أضناني" نفسه.
ويقول الراوي عن علاء: "أعود وأشتغل بتصفح أوراقه فقد غمرني إحساس أنه يكتب عني كل جملة خطها على أوراقه استفزت ذاكرتي" ص107، هذا يؤكد على وجود توحد/انسجام بين الراوي وعلاء، وإلا لماذا جعل "علاء" الراوي يقرأ أوراقه ويخبرنا بما فيها، لماذا لم يحدثنا علاء مباشرة عن نفسه بدون وساطة الراوي؟.
نعود إلى لعبة الراوي و"علاء" من خلال الحديث عن الرسالة التي بعثتها "أنهار" من امريكيا،:
"ـ لا أقدر يا علاء أرجوك لا تلح علي ربما أكون متلهفا لمعرفة محتواها لكنني اخشى أن أرث أوجاعك بدلا منك لذا اعفني من هذه المهمة.
ـ كلا لن اعفيك انت صديقي ورفيقي وأخي وكاتم اسراري." ص163، نستشف من هذا الحوار أنه يدور داخل "علاء" فقط، لكن الراوي أراد أن يجعله مبررا لنا، فأدخل نفسه في حوار مع بطله "علاء" وخلق لنا هذا الحوار.
الحكم
تجربة الاعتقال والحياة لا بد أن تترك أثرا وافكارا معينة على الكاتب، من هنا نجده يقدم لنا خلاصة تجربته في هذا العمل، لنستفيد منها:
"الحزن يا صديقي هو شيفرتنا السرية ومعطفنا الداخلي الذي نرتديه بوقار كي يقينا من برد ذواتنا من منا ليس له أحزان؟" ص24
"ثمة مكان للصفح وينبغي للمرء لأن يعفو عند المقدرة" ص35
"أن تكون مناضلا يعني أن تكون أشبه بنبي يبشر البشر برسالة الثورة بين الجماهير" ص73
"أسوأ ما في الآتي أنك تبدأ من جديد" ص78
"الانتظار هو نار تنضج الحب على لهيب هادئ" ص112
"منذ قرن ونحن نتوارث الهزائم جيلا تلو آخر نحن أمة مثقلة بأوجاعها وخيباتها" ص145
"إن الحياة أعظم من أن يختزلها الموت.... لا ينبغي التنازل عنها بسهولة" ص154


هناك اخطاء مطبعية في الرواية ، جاءت في الصفحات 21"بافكارة" بدا بأفكاره، 79 "غنقاذ" بدل إنقاذ، و144 "جل" بدل أجل، و152 "شزرات" بدل شذرات، و155 "أر" بدل "أن ترى"

الرواية من منشورات المكتبة الشعبية ناشرون، نابلس، فلسطين، الطبعة الأولى 2017.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,225,131,248
- رواية سراج عشق خالد للكاتب معتز الهيموني
- كميل أبو حنيش -العالم البنيّ-
- عبود الجابري ▪غودو
- رواية عندما تزهر البنادق (دير ياسين) بديعة النعيمي
- ارتدادات الحزن في ومضة أسامة المغربي
- مركزية المكان في رواية -الجد الثاني السيد هاشم بن عبد مناف- ...
- الحروف والكلمات والمعنى في ومضة محمد مشيه
- كميل ابو حنيش الحلقة الثامنة -بشائر-
- البدايات المتعثرة في رواية حب حيفا دنيا سنونو
- المسيح والبعل في قصيدة -هو الصوت- إسماعيل حج محمد
- -غسان قلبي صلاح حزين
- مكونات الهوية الوطنية الفلسطينية في السيرة الذاتية ناهض زقوت
- السعيد عبد الغني إلى خليل حاوي
- السرد الشعبي في رواية حارة القطط نبيل العريني
- حضور المرأة في قصيدة -ما زلت تحلم- كميل أبو حنيش
- كميل أبو حنيش الحلقة السابعة -خبر عاجل
- حرية الشخصيات في رواية -ولو بعد حين أو موت مؤجل- بسام أبو شا ...
- -امرأةٌ كانتْ عتمةْ- سمير التميمي
- لسجن مذاق آخر أسامة الأشقر
- نذر مفلح --إلى أمي


المزيد.....




- لفتيت للبرلمانيين :وزارة الداخلية لا تتدخل أو توجه الانتخابا ...
- استقالة جماعية لأعضاء المكتب الإقليمي لحزب الوحدة والديمقراط ...
- فيلم مؤثر عن حب الأم يحرر دموع الصينيين...وعواطفهم
- مصر.. الكشف عن مستجدات الحالة الصحية للفنان يوسف شعبان
- -آلو ليزامي- .. جديد الفنان المغربي حاتم عمور
- شائعة وفاتها تهدد الفنانة المصرية صفاء مغربي بالترحيل من كند ...
- الكشف عن آخر تطورات الحالة الصحية للفنان يوسف شعبان
- فنانة مصرية تواجه أزمة الترحيل من كندا
- القضاء المصري يصدر حكمه النهائي على الفنانة قاتلة زوجها
- مغني الراب مروان بابلو يتراجع عن الاعتزال ويعود بـ-غابة-


المزيد.....

- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزءالثاني / مبارك وساط
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- خواطر وقصص قصيرة / محمود فنون
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- قصة المايكرو / محمد نجيب السعد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رائد الحواري - كميل الدراسات (كتاب)