أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - التعليم في تونس: هل هو هرم مقلوب؟















المزيد.....

التعليم في تونس: هل هو هرم مقلوب؟


محمد كشكار

الحوار المتمدن-العدد: 2961 - 2010 / 3 / 31 - 11:55
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


استوحيت هذه الخواطر من معاناتي في القسم كأستاذ تعليم ثانوي في ضواحي تونس. أدرس علوم الحياة و الأرض بالفرنسية للسنة الأولى من التعليم الثانوي. في الثلاثي الثاني من السنة الدراسية 2009-2010 , طلبت من تلامذتي واجبا منزليا يتمثل في انجاز تمرين عدد 3 صفحة 73 من الكتاب المدرسي بعد ما شرحت لهم كتابيا في القسم تمرين عدد 1 صفحة 62 من نفس الكتاب. تشجيعا و ترغيبا لهم و رفعا لمعنوياتهم المتردية لتدني معدلاتهم في علوم الحياة و الأرض في الثلاثي الأول, وعدتهم بإسناد 20 على 20 في فرض الأشغال التطبيقية لكل تلميذ يقوم بواجبه المنزلي. في الحصة الموالية, لم يقم بالواجب إلا ثلاثة تلامذة من بين 15 في المجموعة الواحدة في كل الأقسام. لم يتفطن إلا التلميذ الأعلى معدل في القسم أن التمرينين, المشار إليهما أعلاه, متشابهان تماما. قلت لهم معاتبا: لن تجدوا أستاذا يشجعكم و يرغّبكم في العمل أكثر مني و لن أجد أنا, تلامذة أذكى منكم في الضرر بأنفسهم.
لماذا لا يعمل التلميذ التونسي؟ هل هو كسول بطبيعته؟ هل هو المسؤول الوحيد على تردي مستواه التعليمي؟ هل الأستاذ يفهم أن تلامذته لا يفهمون؟ هل الوزير يعرف مستوى التلاميذ؟ هل الدولة تستشرف مستقبل التعليم في تونس؟
تخصّص الدولة ميزانية ضعيفة جدا للمرحلة الأولى من التعليم الأساسي: في أكثر المدارس: أقسام مكتظة, لا يلعبون الرياضة, لا يستعينون بالحاسوب, لا توجد مخابر و وسائل إيضاح و مجسّمات لتدريس العلوم, لا يوجد معلم مختص في مجال معين, لا توجد في بعض المدارس لا آلة ناسخة و لا أنترنات ولا قاعة معلمين و لا حتى بيت راحة خاص بهم, لا يوجد مقياس علمي للنجاح فالارتقاء أصبح تقريبا آليا. ألغي امتحان "السيزيام", الغربال الوحيد في الابتدائي. ينجح التلميذ إلى السابعة أساسي و هو لم يتملّك كفاءات الابتدائي الأساسية الثلاثة و هي التعبير الشفوي و التعبير الكتابي بالعربية و الفرنسية و الحساب. يفشل أكبر عدد من التلامذة في السنة الأولى إعدادي لعدم تأهيلهم في الابتدائي لهذه المرحلة.
ترتفع ميزانية المدرسة الإعدادية و المعهد كثيرا بالمقارنة مع المدرسة الابتدائية لكن تصرف في استهلاك الإضاءة و الماء و الطباشير و الطباعة و تسخين مكاتب الإداريين. ألغي امتحان "النوفيام", الغربال الوحيد في الإعدادي. ينجح التلميذ إلى الأولى ثانوي فتنزل عليه الصاعقة الكبرى ألا و هي تدريس كل المواد العلمية بالفرنسية بعد ما كان يدرسها بالعربية لمدة تسع سنوات تعليم أساسي. في السنة الأولى ثانوي, ألاحظ أن النجاح الآلي و تدريس العلوم بالعربية أوصل إلينا تلميذا لا يستوعب الدرس باللغة الفرنسية و لا يفهم منه شيئا و في هذه الحالة يلجأ التلميذ مكرها إلى تعطيل سير الدرس و التشويش و العنف ليفرض نفسه بعد ما أخرجه النظام التعليمي الجديد من المنظومة التعليمية. هنا يندرج تشكي الأساتذة من عنف تلامذتهم و يتهمونهم بشتى التهم من غباء و عدم تربية و قلة انضباط و استهتار بالقيم. أنا لا أنزّه التلميذ و لا الولي بل أحاول فقط تسليط نظرة شاملة على المشكل فتبين لي أن التلميذ ضحية و مسؤول في نفس الوقت. التلميذ هو نتاج ما صنعت أيدينا من سياسة تربوية فاشلة سنها و طبقها كهول و ليس مراهقون, فعلينا, إذا قبل أن نلوم التلميذ و الولي, أن ننقد أنفسنا و وزارتنا و المبرمجين و المتفقدين و الإداريين و الأولياء. أما مسؤولية التلميذ فتتمثل في عدم قدرته على التأقلم مع هذا الوضع السيئ و إهماله لدروسه, السهل منها و الصعب. بقي امتحان "الباكلوريا" شكليا و ألغي فعليا باحتساب الـ25%. قد يتحصل التلميذ عل شهادة "الباكلوريا" بـ 8 معدل. يرتقي التلميذ إلى الجامعة و هو لم يستعد لها في الثانوي.
ترتفع ميزانية الجامعة كثيرا بالمقارنة مع الابتدائي و الإعدادي و الثانوي لكن لا تصرف في البحث العلمي و تجهيز المخابر. رغم بناء عشرات الكليات و المعاهد العليا في كل الولايات التونسية ما زالت جامعات السبعينات تستوعب بنفس الفضاءات آلاف الطلبة في 2010 ككلية العلوم و كلية الحقوق و كلية الهندسة بالمركب الجامعي بتونس العاصمة.
خلاصة القول: حسب وجهة نظري كغير مختص في تقييم أداء وزارة التربية, أرى أن فشل التلميذ التونسي في الدراسة مسؤولية يتحملها البنك العالمي و الوزير و المدير و الأستاذ و المعلم و الولي و التلميذ. تهتم الدولة بالتعليم الجامعي أكثر من اهتمامها بالثانوي و الابتدائي و حسب اجتهادي, لو عكست لأصابت. تبني الدولة هرما تعليميا مقلوبا و الذي يقلب الهرم التعليمي يحذر يوم ما من سقوطه.
سمي التعليم الابتدائي تعليما أساسيا لأنه يمثل قاعدة الهرم و نقط ارتكازه. توفر الدولة لتلامذة الثانوي أساتذة أصحاب شهائد عليا و تجهز القاعات ببعض الحواسيب و بعض السبورات البيضاء و بعض وسائل الإيضاح و تبخل بكل هذا على تلامذة الابتدائي و هم أحوج الناس لمثل هذه التجهيزات. في أمريكا يطالب المعلم بشهائد أعلى من شهائد الأستاذ. إذا أهملنا التكوين في الابتدائي فلا نستطيع تدارك الخطأ في الثانوي لأن التصورات غير العلمية لا تنتزع بسهولة لكن إذا أكسبنا التلميذ مهارات و كفاءات في الابتدائي نستطيع أن نظيف و نبني على أساسها المتين في الثانوي و الجامعي.
أذكّر دائما بمثال التعليم في كوريا الجنوبية أين استقر الهرم التعليمي و ثبت على قاعدته العريضة فدولتهم عكس دولتنا تخصص ميزانية اكبر للتعليم الأساسي. نهضت كوريا الجنوبية و أقلعت في ظرف عشريتين و أصبحت من الدول المتقدمة بعد ما كانت تصنف كثالث أفقر دولة في العالم. حققت نجاحا بفضل استثمارها الوطني في التعليم و العبرة لمن يعتبر.

أريد أن أوضّح للقراء الأعزاء أنني, و إن كنت ضد الارتقاء الآلي و ضد توسيع ثقوب الغرابيل في الامتحانات, لست مع الرسوب المجاني و لا أأيد سياسة الانتقاء المجحفة. تابعت أخيرا برنامجا تلفزيا مهمّا, بالفرنسية طبعا, لأن كل البرامج بالعربية تقريبا تشترك في اللغة و اللسان الخشبيان. يتحدث هذا البرنامج على المدرسة "الفنلندية" أين لا يرسب التلاميذ و مع ذلك حققت نجاحا باهرا بفضل الدعم و التشجيع الفعال للتلاميذ المحتاجين لذلك. أما المدرسة "الفرنسية" أين يرسب 50 في المائة من التلامذة خلال مسيرتهم الدراسية عاما على الأقل [و العهدة على الراوي], فهي أسوأ المدارس بالنسبة للأوربيين و هي في نفس الوقت قدوة و قبلة بالنسبة لنا. كنا نحن الأساتذة النقابين و اليساريين نعارض سياسة الانتقاء التي طغت في تونس و حرمت العديد من أبنائنا من مواصلة تعليمهم في السبعينات من القرن العشرين. أنا لا أملك البديل التربوي لهذه السياسة الديمقراطية في ظاهرها و الفاشلة في داخلها و لا أملك أيضا البديل البشري لتعويض جمهور الأساتذة و المعلمين غير المؤهلين للقيام بواجبهم [لا أستثني شخصي طبعا رغم اجتهادي العصامي لتكوين نفسي علميا و ثقافيا] و على سبيل الذكر لا الحصر أذكر ببعض عيوب تكوينهم: لم يتلقوا تكوينا أكاديميا لا في علم نفس الطفل و لا في علم التقييم و لا في علم التواصل و لا في فلسفة المعرفة و لا في البيداغوجيا و لا في التعلمية, فكيف تطلب منهم النجاح في مهمتهم و هم لا يفقهون منها إلا الجانب المعرفي و هذا لا يكفي. البنك العالمي و زمرة الخبراء و المبرمجين لا يملكون البديل أيضا و لن يستنبطوه و حدهم مهما استعانوا بخبراء أجانب مرتزقة مأجورين. مهما نقدت زملائي و نقدت نفسي لا نستطيع أن نستغني عن الخبراء الحقيقيين, أعني المعلمين و الأساتذة و الأولياء و التلاميذ رغم ضعف مستواهم العلمي و الثقافي لأن الإنسان الوطني الصادق يتعلم من أخطائه و يتطور إلى الأفضل و لا يكررها مثلما يكرر العرب هزائمهم لا بل يزيفونها و يحولونها بشعوذتهم و سحرهم إلى انتصارات مزلزلة.
أوجه ملاحظة أخيرة إلى بعض القراء الذي يلومونني على إغفال بعض الجوانب أو عدم ذكر بعض الأسباب: كل علم و كل خطاب منقص [ réduit] بطبيعته لأنه يقوم بتحول منهجي من حقل معرفي إلى آخر أخص و أكثر أصالة [ réductionnisme] فما بالك بمقال تحسيسي في صفحة. لذلك أرى أن المقاربة الشاملة [ approche systémique ] أفضل من المقاربة التحليلية [ approche analytique] في تناول أي مسألة مهما كانت بسيطة. تتضافر و تتكامل العلوم مجتمعة في تفسير أي ظاهرة. لذلك أطالب بتكوين شامل للمدرس و لا نقتصر على المعارف فقط [ les connaissances ] بدعوى حياد العلم بل نركز أيضا على القيم [ les valeurs ] و التطبيقات الاجتماعية [ les pratiques sociales]. لم يكن العلم يوما محايدا في تاريخه مثل صانعيه البشر. تهتم برامج تعليمنا في كل مراحله بالمعرفي النظري أكثر من اهتمامها بالتطبيقي و تهمل تماما القيم و السلوكيات الاجتماعية.
MA SIGNATURE: « POUR L’AUTEUR, IL NE S’AGIT PAS DE CONVAINCRE PAR DES ARGUMENTS
OU DES FAITS, MAIS, PLUS MODESTEMENT, D’INVITER A ESSAYER AUTRE CHOSE »
« A UN MAUVAIS DISCOURS, ON REPOND PAR UN BON DISCOURS ET NON PAR LA VIOLENCE NI VERBALE NI PHYSIQUE»
Mohamed KOCHKAR Docteur en Didactique de la biologie. 2007.
Université de Tunis & Université Claude Bernard-Lyon1.




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
https://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,015,254,541
- الإسلام المقاتل: من يقاتل, أين يقاتل و لماذا يقاتل ؟
- تبسيط المفاهيم العلمية قد يجر التلميذ إلى الخطأ.
- هل يستطيع التلميذ بناء معرفة علميّة جديدة فوق معرفته غير الع ...
- التصوّرات غير العلمية لا تزول بسهولة.
- حذار من مرض السكر(Diabète) .
- -جمنة- الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنا ...
- التربية الصحية بين المطلوب و الممكن.
- خواطر في التعليم بلغة لو...
- هل يوجد لدى الطفل مستويان من النموّ الذهنيّ ؟
- يبدو أنّ مهنة الأستاذ المباشر في القسم في طريق الانقراض !
- -جمنة- الستينات تعطي درسا في الطب النفسي الحديث: -الساسي بن ...
- جمنة- الستينات تعطي درسا في التنمية المستديمة: النظام الغذائ ...
- نساء مناضلات في -جمنة- الستينات
- إرهابنا و إرهابهم؟
- ماذا جنيت بعد ثلاث عشرة سنة تعليم عالي؟
- نقد بسيط للديمقراطية الغربية
- وجهة نظر في الجانب الدنيويّ من خطبة الجمعة
- و شهد شاهد من أهلها.
- تجربة اليابان مع الاحتلال الأمريكي.
- القائد المهيب صدام حسين.


المزيد.....




- ما علاقة زلازل إيطاليا بمأساة طبق -المعكرونة- الشهير؟
- بايدن مهدداً روسيا والصين وإيران: سيدفعون الثمن إذا فزت
- ما الفرق بين الحزن والكآبة؟
- من انتصر بمناظرة بايدن وترامب الأخيرة؟ استطلاع CNN يكشف
- الجيش الروسي يستخدم طائرات النقل العملاقة للتعامل مع الأهداف ...
- مصر تستعد لانتخابات تشريعية لن تحمل تغييرا
- عقوبات أمريكية على كيانات إيرانية على خلفية "محاولات تد ...
- واشنطن تفرض عقوبات على سفير إيران في بغداد وقياديين في حزب ا ...
- مصر تستعد لانتخابات تشريعية لن تحمل تغييرا
- الرئيس الصيني: لن نسمح بتقويض سيادة بلادنا وأمنها


المزيد.....

- من أجل نموذج إرشادي للتوجيه يستجيب لتحديات الألفية الثالثة / عبدالعزيز سنهجي
- الجودة وضمانها في الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية 20 ... / حسين سالم مرجين، عادل محمد الشركسي ، مصباح سالم العماري، سالمة إبراهيم بن عمران
- مدرس تحت الصفر / إبراهيم أوحسين
- مقترحات غير مسبوقة لحل أزمة التعليم بالمغرب / المصطفى حميمو
- معايير الامن والسلامة المهنية المتقدمة وأساليبها الحديثة / سفيان منذر صالح
- التربية على القيم في المدرسة / محمد الداهي
- أصول التربية : إضاءات نقدية معاصرة / د. علي أسعد وطفة
- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - التعليم في تونس: هل هو هرم مقلوب؟