أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - -جمنة- الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنائية للأطفال.















المزيد.....

-جمنة- الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنائية للأطفال.


محمد كشكار

الحوار المتمدن-العدد: 2953 - 2010 / 3 / 23 - 00:19
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


حسب مقاربته "البنائية" [ le constructivisme ] في اكتساب المعرفة لدى الطفل, يقول "بياجي", عالم معرفة نمو الطفل السويسري (Épistémologue génétique de l’enfant), أن الطفل يتملك المعرفة عندما يتفاعل مع محيطه المادي. أما "فيقوتسكي" عالم البيداغوجيا الروسي فيقول, حسب مقاربته "البنائية الاجتماعية" [ le socioconstructivisme ], أن عامل التفاعل مع المحيط المادي غير كاف لاكتساب المعرفة و يضيف عاملا ثانيا يتمثل في التفاعل البشري مع الآخرين أندادا و بالغين.
سكان قرية "جمنة" الخمسينات لم يقرؤوا لا "بياجي" و لا "فيقوتسكي" و لا يعرفون شيئا عن نظريات علوم التربية الحديثة لكن يطبقون ما جاء فيها أحسن تطبيق: كنا أبناء حي واحد. كلنا ذكور صغار لم نتجاوز سنّ السادسة. نغادر بيوتنا صباحا دون كهل مرافق. نتجمع بكل حرية في مكان فسيح غير بعيد عن أهالينا. بستان فيه نخل و ظل دون زرع. نبقى فيه بالساعات, نلعب و نلهو كما يحلو لنا دون كهل رقيب. نتشاجر بعض الأحيان و لكن سرعان ما نتصالح حتى يستمر اللعب. نصنع لعبنا بأنفسنا من معلبات سمك "السردين" و معجون الطماطم, سيارات و شاحنات مصغرة تنقل الرمل و تفرغه آليا. نتقمص أدوارا متنوعة بالتداول, البائع و الشاري, السائق و الشرطي, الأب و الابن, الفائز و الخاسر, الغالب و المغلوب. لباسنا خفيف و أقدامنا حافية و أرضنا حنون و مناخنا حار. لمجتنا تنزل دون سابق إعلام من السماء بلحا أخضرا و أصفرا أو "نرمي من كان عن الأحقاد مرتفعا فيتساقط علينا رطبا جنيا" و عندما نجوع فعلا, نعود إلى ديارنا. نجد أما حنونا في انتظارنا لا تلومنا و لا تنهرنا بل تقدم لنا ما جنت و طحنت و طبخت بأيديها الربانيتين, وجبة بيولوجية صحية خالية من الأغذية المصنعة المغشوشة باهظة الثمن. في المساء, نعيد الكرّة مع تغيير "وضعيات التعلم" التي نختارها بأنفسنا مثل صيد الطيور أو الجري وراء إطار عجلة دراجة حديدي أو القفز داخل مربعات أو الاحتفاء بسحابة أمطرت في غير موضعها. عرفت بعد خمسين عاما و أنا أدرس دكتورا علوم تربية في جامعة كلود برنار بفرنسا أن هذه الطريقة من اكتساب المعرفة و المهارات و الكفاءات تسمى "البنائية الاجتماعية". كبرنا قليلا, أخذونا للكتّاب "الخلوة" لتعلم القرآن الكريم في الجامع الكبير. الفناء كان مظلما في النهار و المؤدب-المعلم جالس و عصاه تتنقل فوق رؤوسنا برأفة و حنان. نردّد وراءه لساعات ما ينشد من كلام حلو و موزون. نحفظه عن ظهر قلب دون شرح أو تفسير و نستوعب حسن نطقه و بلاغته و نطرب لموسيقاه. عرفت بعد خمسين سنة أن هذا النوع من التلقين يسمى "حمّاما لغويا"(Bain de langue). هذا الحمّام يطهّرك من الداخل و يغمرك بالمفاهيم و يكسبك في مرحلة الاستيعاب زادا لغويا ثمينا و نطقا سليما تستثمره في مرحلة الفهم في شرح و تفسير أي أثر مكتوب, قرآنا كان أو نثرا أو شعرا.
في التسعينات هبّت علينا ريح التحضر و التمدن المشوه فانبطحنا لها دون مقاومة و فتحنا دكاكين تبيع تربية مسمومة للملائكة و سميناها رياضا للأطفال و سجننا فيها فلذات أكبدتنا داخل فضاء ضيق و حرمناهم من متعة حرية اللعب و التعلم مجانا في مساحات شاسعة, هبة من رب العالمين. هل صادفت في حياتك من يغش أو يتاجر بالملائكة؟ من اغتصب حقوق طيور الجنة فهل يا ترى يدخل الجنة؟ تخلينا عن دورنا التربوي و أوكلناه لـمربين غير مختصين في التربية, فاشلين في مسيرتهم الدراسية أو ينتظرون وظيفة عمومية, يتقاضون أجورا زهيدة, ناقمين على أنفسهم و على ظروف عملهم, يصبون جام غضبهم على أبرياء رضع أو أكبر قليلا. لا يعلّمونهم شيئا و لا يتركونهم يتعلمون بأنفسهم أو بمعية أترابهم. يفرضون عليهم الانضباط المحبط للإبداع ليتجنبوا حركيتهم التلقائية. قتلوا فيهم الخلق و التخيل و زرعوا في قلوبهم الخوف و الجبن و الامتثال للأوامر حتى و لو كانت نابعة من جاهل و ظالم. يعلّمونهم لغة ركيكة لا يستوعبونها في صغرهم و لا تنفعهم في كبرهم. يجهّزون روضاتهم بالرديء و الرخيص و المضرّ صحيا من اللعب و الأدوات المدرسية و يطعمونهم وجبة غير متوازنة مطهية على نار الربح الحرام. يدرّسون البرنامج الدراسي الرسمي للسنة الأولى أساسي و هم يظنون أنهم أحسنوا فعلا و قد صح عليهم قول " يفعل الجاهل بأولاد الجاهل أو المكره ما يفعل العدو بعدوه". عندما أردت مرة مكرها إدخال ابني, البالغ من العمر خمس سنوات, للروضة لأن أمه تعمل 14 ساعة في المعمل الأجنبي الملكية, سألت المروض أو المروضة و ما أبشع هذه الصفة التي توحي بترويض الوحوش في "السرك": هل تلقنون قرآنا؟ هل تتركون الأولاد يلعبون بحرية؟ أجابتني بالنفي بكل فخر و جهل و اعتزاز كأنها تتبرأ من تراثها و ثقافتها و دينها. أبشّركم أنه من حسن حظنا و من محاسن التخلف الاقتصادي في تونس أن الروضات لم تنجح و لم تتكاثر حتى الآن و هي لا تستوعب إلا القليل من أبنائنا.
خلاصة القول لو فهمتم مقصدي و هدفي من سلسلة "وجهة نظر مبتكرة" و هي في حلقتها السابعة, أنا لا أدعو لرفض العلم الحديث و لا للرجوع إلى الوراء بل أدعو إلى إحياء عاداتنا الجيدة و إعادة صقلها من جديد و غربلة تراثنا علّنا نجد فيه ما يتلاءم مع التطور الحقيقي لا المزيف. لم يأتي علم الغرب من فراغ أو نزل من السماء و لم يكتشفوه صدفة بل صنعوه بعقولهم و تجاربهم حسب حاجتهم و وفق ثقافتهم و تراثهم و دينهم فأصابوا و أخطؤوا. وصل "بياجي" إلى نظرياته في "البنائية" بدراسة نمو أبنائه البيولوجيين و توصّل "فيقوتسكي" إلى "البنائية الاجتماعية" بعد تجارب عديدة في المدرسة الروسية. هيا تعالوا نفعل مثلهم و ننبش التراب عن تراثنا و تقاليدنا لنطورها و نستنبط منها نظريات في التربية السليمة تتناسب مع واقعنا الاقتصادي و لا تتناقض مع مبادئنا و جغرافيتنا و مناخنا الاجتماعي و الطبيعي.
 "جمنة": قرية جميلة في الجنوب الغربي التونسي, أعشقها, ولدت فيها سنة 1952 و ترعرعت في مائها و ترابها و شمسها و ظلها و درست في جامعها و مدرستها الابتدائية. تنشقت عطرها و تحممت بتراثها و تنشفت بنورها و ما زالت تلاوة البردة في الجامع ترن في أذني و تسكن قلبي.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التربية الصحية بين المطلوب و الممكن.
- خواطر في التعليم بلغة لو...
- هل يوجد لدى الطفل مستويان من النموّ الذهنيّ ؟
- يبدو أنّ مهنة الأستاذ المباشر في القسم في طريق الانقراض !
- -جمنة- الستينات تعطي درسا في الطب النفسي الحديث: -الساسي بن ...
- جمنة- الستينات تعطي درسا في التنمية المستديمة: النظام الغذائ ...
- نساء مناضلات في -جمنة- الستينات
- إرهابنا و إرهابهم؟
- ماذا جنيت بعد ثلاث عشرة سنة تعليم عالي؟
- نقد بسيط للديمقراطية الغربية
- وجهة نظر في الجانب الدنيويّ من خطبة الجمعة
- و شهد شاهد من أهلها.
- تجربة اليابان مع الاحتلال الأمريكي.
- القائد المهيب صدام حسين.
- العلم و الدين. المواطن العالمي
- الجيوش العربيّة الرسميّة: من تقاتل’ أين تقاتل و لماذا تقاتل؟
- وجهة نظر: تعريف العلمانيين.
- هل المقاومة المسلّحة هي السبيل -الوحيد- لتحرير الأرض و الموا ...
- هل الإيمان بالله وراثيّ أم مكتسب ؟
- مخ المرأة ليس أقلّ من مخ الرجل و ليس مماثلا له


المزيد.....




- شاهد كيف تغير شكل المغنية أديل قبل وبعد المكياج
- رغم ظهور “أوميكرون” الجديد.. خبراء الصحة يقولون إن “متغير دل ...
- تونس تغير تاريخ -ثورتها- .. فما الذي سيتغير؟
- مقتل 30 شخصا على الأقل على أيدي مسلحين وسط مالي
- هفوةٌ أم أن السنّ له أحكام؟ جو بايدن يخلط بين نكسة حزيران 67 ...
- مصرع طالب فلسطيني وإصابة آخرين في شجار أمام الجامعة الأمريكي ...
- فرار جماعي بعد ثوران مفاجئ لبركان في إندونيسيا (فيديو)
- ماكرون في دار بن سلمان.. دبلوماسية الأيدي المتشابكة
- كسوف الشمس الكلي في القارة القطبية الجنوبية
- مجلس النواب الأردني ينظر الاثنين في طلب لمناقشة -اتفاق النوا ...


المزيد.....

- الذكاء البصري المكاني Visual spatial intelligence / محمد عبد الكريم يوسف
- أوجد الصور المخفية Find The Hidden Pictures / محمد عبد الكريم يوسف
- محاضرات للكادر الطلابي - مكتب التثقيف المركزي / الحزب الشيوعي السوداني
- توفيق الحكيم الذات والموضوع / أبو الحسن سلام
- التوثيق فى البحث العلمى / سامح سعيد عبد العزيز شادى
- نهج البحث العلمي - أصول ومرتكزات الاجتهاد البحثي الرصين في أ ... / مصعب قاسم عزاوي
- ظروف وتجارب التعليم في العالم / زهير الخويلدي
- تطور استخدام تقنية النانو / زهير الخويلدي
- من أجل نموذج إرشادي للتوجيه يستجيب لتحديات الألفية الثالثة / عبدالعزيز سنهجي
- الجودة وضمانها في الجامعات والأكاديميات الليبية الحكومية 20 ... / حسين سالم مرجين، عادل محمد الشركسي ، مصباح سالم العماري، سالمة إبراهيم بن عمران


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - -جمنة- الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنائية للأطفال.