آليات الحكم في تونس اليوم


بشير الحامدي
الحوار المتمدن - العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

هذا مقال يفكك آليات الحكم في تونس اليوم ويخاطب كل من يرى أن عقله ووعيه يستحقان أكثر من سرديات الشعبوية البالية ومن فكرة «العدو المتخيّل» الهلامية.

حين يصبح العدو بديلاً عن الإنجاز

حين تعجز السلطة عن تقديم إنجاز فإن أسهل ما يمكن أن تقدمه هو عدو. إذا لم تستطع تحسين حياة الناس قل لهم إن هناك من يريد تخريبها. وإذا عجزت عن تفسير ارتفاع الأسعار تحدث عن المحتكرين. وإذا فشلت في إدارة أزمة ابحث عن مؤامرة. وإذا ضاقت مساحة النقد سمِّ المعارضين "متآمرين". هكذا يتغير السؤال من: ماذا أنجزت السلطة؟: ممّن تحمينا؟ وهذه ليست مجرد حيلة خطابية. إنها آلية حكم. منذ صعود قيس سعيد إلى الرئاسة سنة 2019 ثم خصوصاً منذ 25 جويلية 2021 أعيد بناء الخطاب السياسي حول ثنائية بسيطة: الشعب في مواجهة المنظومة والوطن في مواجهة المتآمرين. في هذه الرواية لا يعود «الشعب» مواطنين مختلفين لهم حقوق متساوية ولا تعود الدولة مجموعة مؤسسات يفترض أن تراقب بعضها بعضاً بل يصبح «الشعب» كتلة واحدة ويصبح الرئيس التعبير السياسي عن إرادته. ومن يختلف معه؟ يختلف مع الشعب. ومن ينتقده؟ يفتح الباب أمام المتآمرين. ومن يطالب برقابة المؤسسات؟ يُتهم بالدفاع عن منظومة فاسدة. وهكذا تضيق السياسة حتى تختفي تقريباً.

الخوف يصنع الحماية

يمكن فهم هذه الآلية من خلال مفهومين: «ابتزاز الحماية» عند تشارلز تيلي و«الأمن الوجودي» في أدبيات كاتارينا كينفال: الفكرة في جوهرها بسيطة: حين يشعر الناس بأنهم مهددون يصبحون أكثر استعداداً للبحث عن حامٍ حتى لو كان ثمن الحماية مصادرة حقوقهم وحرياتهم. ولهذا تحتاج السلطة إلى خطر دائم. فليس ضرورياً أن يكون الخطر محدداً. بل ربما يكون أفضل لها عندما يكون غامضاً.
"الغرف المظلمة".
"الخونة"
"اللوبيات"
"المحتكرون"
"الخارج"
"الإملاءات الأجنبية"
"المتآمرون"
عدو بلا وجه.
وكلما كان العدو غامضاً أصبحت السلطة قادرة على تفسيرأي شيء.

الحنفية لا تكذب

هناك مشكلة واحدة في هذه الاستراتيجية فيمكن للخطاب أن يعيد تفسير الأزمة لكنه لا يستطيع إلغاءها. المواطن الذي يفتح الحنفية ولا يجد ماء لا يحتاج إلى نظرية سياسية كي يعرف أن هناك مشكلة.
والذي يجلس في الظلام أثناء انقطاع الكهرباء لا يحتاج إلى خطاب عن السيادة.
والذي يدخل المتجر ويجد الأسعار ترتفع أو بعض المواد غائبة لا يحتاج إلى درس في المؤامرة.
السؤال الذي يطرحه بسيط:
أين الدولة؟
وهنا تتحول الأزمة من فرصة للتعبئة إلى امتحان للسلطة.
فالماء ليس قضية أيديولوجية.
والكهرباء ليست قضية سيادة.
والدواء ليس قضية مؤامرة.
إنها خدمات عامة.
والمسؤول عنها في النهاية هو من يحكم.

الهجرة تكشف التناقض

أوضح مثال هو الهجرة.
تحولت الهجرة غير النظامية القادمة من جنوب الصحراء إلى جزء أساسي من خطاب «التهديد الوجودي» حتى أصبحت تُقدَّم باعتبارها خطراً على التركيبة الديمغرافية والهوية الوطنية. لكن ماذا عن التونسيين الذين يغادرون؟
الشاب الذي يركب البحر.
والطبيب الذي يغادر.
والمهندس الذي يبحث عن وظيفة في أوروبا.
والباحث الذي يجد مستقبله في جامعة أجنبية.
هناك من يغادر لأنه فقد الأمل.
وهناك من يغادر لأنه لم يعد يرى أن له فرصة.
هجرة اليأس عبر البحر وهجرة الكفاءة عبر المطار. كلاهما يقول الشيء نفسه: هناك أناس لا يرون مستقبلهم في بلدهم. وهذه مفارقة يصعب على أي خطاب سياسي إخفاؤها.
كيف يمكن أن يكون المهاجر القادم من الجنوب «تهديداً وجودياً» بينما يغادر أبناء البلاد أنفسهم بحثاً عن وجود اقتصادي ومهني أفضل؟

عندما يصبح النقد تآمراً

في الوقت نفسه تقلصت مساحة المعارضة والنقد.
أصبح «التآمر» عنواناً واسعاً يمكن أن يستوعب السياسي والصحفي والناشط وكل من يقع في موقع المواجهة مع السلطة.
ومع المرسوم 54 وقضايا التوقيف والمحاكمات لم تعد المشكلة فقط في الذين دخلوا السجن. المشكلة في الذين لم يعودوا يجرؤون على الكلام.
فالسلطة لا تحتاج إلى إسكات الجميع. يكفي أن تجعل الآخرين يخافون من الكلام. وهكذا يتحول الخوف من أداة لحماية النظام إلى أداة لإعادة تشكيل المجتمع نفسه.
سوسة
05 سبتمبر 2026