قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الثامن والثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 08:18
المحور: الادب والفن     

امتدت تفاصيل العنوان/الشعار: "هذا عار هذا عار، الجلاد في المؤتمر" على مساحة تقدر بصفحتين (433، 434) مضافا إليهما الجزء الأعلى من الصفحة (435) والمكون من ستة أسطر. يبدو من خلال ذلك العنوان أن الكاتب أراد التذكير بتلك الفضيحة التي تمثلت في تكريم الجلاد في مؤتمر الضحايا.
فبعد 11 سنة من التأخير، عُقد المؤتمر الثالث للكونفدرالية الديمقراطية للشغل. حدثت الصدمة والمفاجأة بمجرد استدعاء وتكريم إدريس البصري - وزير الداخلية المسؤول عن قمع إضرابات 1979، 1980، 1981، 1990. اعتبر الكاتب ذلك التكريم عارا وخيانة لتضحيات نساء ورجال التعليم والصحة والفوسفاط الذين تعرضوا للفلقة، مع ما رافقه من حلق رؤوس النساء، وطرد الأساتذة، وتوقيف الأجور لمدة 18 شهرا، وسجن 400 مناضلا. وحتى يعطي سي باحدو ما تستحقه المفارقة من أبعاد وتوترات، استحضر وصف إدريس البصري لضحايا 20 يونيو 1981 بـ"شهداء كوميرا"، وكذا منع قراءة كلمة عبد الرحمان اليوسفي.
حرصا منه على تاكيد علاقة الأموي بالبصري الوطيدة، أتى الكاتب على ذكر صفقة مقر النخيل بالدار البيضاء. فقبل المؤتمر، ساعد البصري النقابة على شراء مقرها المكون من 7 طوابق بـ1.1 مليار سنتيم. دفعت النقابة 300 مليون والباقي عبارة عن قرض من بنك (BCM).
توقف أداء الأقساط الشهرية للمؤسسة المانحة وتراكمت الفوائد، وعندما تولى عبد الكريم العزيز الأمانة المالية تفاوض لإلغائها. وهكذا نلاحظ أن الكاتب ربط بين شراء المقر و"رد الجميل" للبصري باستدعائه للمؤتمر الوطني.
وانطلاقا من هيمنة الأموي وجنوحه إلى تصفية المعارضين، اتهمه الأخ باحدو بالسلطوية والانفراد بالقرار. وبين كيف حضّر مبادرة استدعاء البصري بسرية تامة ولم يخبر المكتب التنفيذي إلا في آخر لحظة. كان في القاعة 400 شرطيا سريا، لكن المناضلين لم يجدوا بدأ من أن يهتفوا ملء حناجرهم: "هذا عار هذا عار، الجلاد في المؤتمر"، واتفقوا على التشويش على كلمته التي لم تجد طريقها إلى النشر.
ورأى الكاتب أن الأموي سار على نهج المحجوب بن الصديق، فخرب نقابة الفوسفاطيين التي كان يقودها الحسين الكافوني - منافسه الأقوى - واستبعد مؤسسي الكونفدرالية: شناف، العزوزي، بنعمرة، الكافوني.
وحتى يبرز انحراف الأموي عن الخط النضالي، ذكر أن عبد السلام بنصالح اتهم الأموي بفتح باب الكونفدرالية في وجه التيارات اليمينية والرجعية "بدعوى التنوع" ومحاربة المناضلين الأصلاء. وكاد يعلن "سياسة الخبز" وفصل النقابي عن السياسي كرسالة موجهة إلى الاتحاد الاشتراكي، مفادها أن القرار في النقابة له وحده.
باختصار، وثق الكاتب للحظة انكسار رمزي في الحركة النقابية المغربية من خلال الحديث عن مؤتمر تأسس على دماء وتضحيات المناضلين طالما استدعي إليه جلادهم بصفقة عقارية، وأقصيت القيادات التاريخية لصالح هيمنة فردية. تريد شعار "هذا عار" جاء كرد فعل المناضلين على تحويل النقابة من أداة نضال إلى أداة مساومة.
وفاء للطريقة التي اخترت اتباعها وأنا أقوم بقراءة كتاب عبد الجليل باحدو: "كنت اتحاديا"، أجدني ملزما بتناول معمار النص بالنقد والفحص عبر إبداء ملاحظات في هذا الشأن، أولاها هي أن الجملة: "وصدرت في حقهم أحكام بالحبس والسجن"، الموزعة بين السطرين التاسع والعاشر من الصفحة (433)، تتضمن تكرارا لكلمتين مترادفتين (الحبس، السجن) والحال أن سي باحدو كان في غنى عن هذا التكرار المعيب لو اكتفى باستعمال إحديهما. وقد كان من حقه استعمالهما معا لو تعلق الأمر بالحبس الاحتياطي الذي يسبق عادة المثول أمام المحكمة والنطق بالحكم.
ثانية الملاحظات هي انه في السطر السابع من نفس الصفحة، نجد تكرارا مشينا آخر لكلمة الإضراب: "(...) وتنديدهم بأوخم العواقب إن هم انخرطوا في الإضراب، بعد الإضراب كان الجلد على طريقة الفلقة". ولإصلاح هذا الخلل، أقترح إعادة صياغة العبارة على النحو التالي: "(...) وتهديدهم بأوخم العواقب إن هم انخرطوا في الإضراب الذي تم الجلد على إثره بطريقة الفلقة".
ثالثة الملاحظات ذات طابع شكلي محض، وتهم سوء التعامل مع الاقتباس. ففي السطرين الثاني عشر و الثالث عشر من الصفحة (434)، نقرأ ما يلي: "وقال (محمد الفلاحي) "بأن الأموي كلفني، وأحمد لحصايني بالتنسيق مع السلطة الأمتية". ويبدو سوء الاستعمال في إدراج حرف الجر "ب" وسط المزدوجتين، ويا ليته لم يفعل! لو اكتفى بصيغة "قال إن" وأردفها بالكلمات المقتبسة لكان أنسب وأجمل!
أما الملاحظة الرابعة فهي على قدر من الأهمية، وإن كانت جزئية. إنها تتعلق باختلاف كيفيات كتابة اسم "الكافوني". مرة يرسمها الكاتب هكذا، ومرة يكتبها بدون أداة تعريف وألف الوسط. وبما أن الكتاب مليء بمثل هذه الهنات والأخطاء فقد أصبحت الحاجة إلى مراجعة شاملة لمتن الكتاب بأكمله ماسة.
(يتبع)