قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السابع والثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 09:52
المحور: الادب والفن     

في وسط الصفحة (430)، تناول الكاتب ارتساماته عن علاقته بالشخصية السياسية المعروفة باسم عبد الرحمن اليوسفي، واصفا إياه بأنه شخص نرجسي حقود، يظهر تواضعاً ظاهرياً لكنه يحمل رغبة في الزعامة وفي أن يكون موضوع تقديس من قبل المحيطين به. الكاتب يوضح أن اليوسفي كان يفتقر إلى أفق سياسي حقيقي، وكان يستغل مواقف بسيطة مثل فتح باب السيارة أو حمل المحفظة ليشعر بالراحة والهيمنة.
كما أشار سي الأخ عبد الجليل إلى بعض الادعاءات غير الدقيقة التي كان يروج لها اليوسفي، مثل وصفه بالمجاهد وادعائه تأسيس فريق الاتحاد البيضاوي "الطاس"، بينما الحقيقة أن المؤسس هو عبد السلام بناني، كما أكد ذلك شهود من داخل الأوساط الرياضية. وذكر الكاتب تصرفات اليوسفي أثناء توليه مسؤولية برنامج "صوت التحرير" في ليبيا، حيث كان يفرض رقابة لصالح قضايا حزبية محددة، ولم يعبر عن معارضة حقيقية للنظام، بل كان يركز على انتقاد شخصيات معينة فقط.
خلال فترة التناوب السياسي، ارتفعت عند اليوسفي صفات سلبية مثل الدهاء والمكر، وكان يتحرك في سرية مع القصر ليهيئ نفسه لمنصب الوزير الأول. في هذا السياق، ورد أن الفقيه البصري لما سأله عن سبب قطيعة الكاتب معه وصفه بأنه "صادق ونزيه لكن تنقصه الأناقة السياسية"، ويشرح الكاتب أن الأناقة السياسية تعني في قاموس اليوسفي الدهاء والمكر والمصالح الخاصة، والتملق، والمحافظة على الوضع القائم دون نقد أو إعادة نظر.
في نهاية هذه الشذرة من شذرات الكشف عن المستور التي يعج بها الكتاب، عبر مؤلفه عن امتنانه لله لعدم تأثره بنظرية "لابرويير" التي ترى أن الأناقة السياسية هي التملق والمحافظة على الأمر الواقع، مؤكدا تمسكه بقيم الشهيد عمر بنجلون الذي كان قدوة في الأخلاق والسلوك.
وإذا أردنا تفكيك هذا النص إلى نقاطه الرئيسية، نجد أن اليوسفي شخصية نرجسية تحمل رغبة في الزعامة وفي أن يكون موضوع تقديس، وأن ادعاءاته حول جهاده وتأسيسه لفريق رياضي غير صحيحة، وأن تحكمه في برنامج "صوت التحرير" كان لصالح قضايا حزبية محددة وليس معارضة حقيقية، وأنعةوصف الكاتب بأنه "صادق ونزيه لكن تنقصه الأناقة السياسية".
وبعد بحث عن معنى الأناقة السياسية وجد أنه قريب من الدهاء، المكر، التملق، والمحافظة على الوضع القائم، بينما هو يفضل القيم الأخلاقية والصدق على الأناقة السياسية بمعناها السلبي.
إلى حد الآن كل شيء تمام وعلى ما يرام. هناك فقط أمر ما استوقفني في الفقرة الأولى وأثار انتباهي كشيء غير عاد. يتعلق هذا الأمر بهذه الجملة: "ولكن تسكنه الزعامة والرغبة في التقديس من لدن المحيطين به". الشطر الأول من هذه الجملة (ولكن تسكنه الزعامة) تحقق فيه شرط الوضوح والدقة بنسبة عالية، لكن الشطر الثاني (الرغبة في التقديس من لدن المحيطين به) يعاني من لبس لم يتفوق الكاتب في رفعه في حينه؛ ذلك أن المصدر "تقديس" يقوم أحيانا مقام فعل قدس" الذي اشتق منه، ويؤدي دوره، وكلاهما يحتاجان إلى شيء يمارسان أو يقعان عليه إما كفعل وإما كمصدر، وبالتالي فإن غياب هذا الذي يقع عليه المصدر من الجملة يوحي للقارئ بأن اليوسفي يريد من المحيطين به أن يمارسوا التقديس، ولهذا اقترحت هذا الإمكان في التعبير: "تسكنه الرغبة في الزعامة وفي أن يكون موضوع تقديس من لدن المحيطين به". وهكذا تتضح الرؤية وتستقيم العبارة!
في وسط الصفحة (431)، يطالعنا عنوان صيغ كما يلي: "مؤتمر ك.د.ش. وإدريس البصري". وتحت العنوان الفرعي " الأموي يخذل نساء ورجال التعليم".
هنا تناول الكاتب فترة مهمة من تاريخ النقابة الوطنية للتعليم في المغرب خلال سنة 1996، ورصد صراعات داخلية وخارجية أثرت على مسار النقابة وعلاقاتها مع الحكومة وبعض الشخصيات السياسية المؤثرة في ذلك الوقت.
شهدت سنة 1996 توترات حادة بين النقابات الوطنية للتعليم والحكومة المغربية، بالإضافة إلى صراعات داخلية في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث كان الأموي (شخصية سياسية ونقابية) يعارض النقابة الوطنية للتعليم ويعمل على عرقلة مطالبها ونضالاتها.
هكذا يصف لنا سي باحدو الأموي كشخصية معادية للنقابة الوطنية للتعليم، يسعى لتخريب إنجازاتها، ويعمل على عرقلة الملف المطلبي للنقابة. وبما أنه كان عضواً في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، فقد خلق أزمة داخل الحزب لاستبعاد عبد الرحمان شناف من منصبه ككاتب عام للنقابة نفسها، ولذلك كان هدفاً لحقد الأموي ومحاولاته لإضعاف النقابة. وشارك وزير الداخلية آنذاك، وصديق الأموي، في تنظيم الإضراب العام المعلن عنه يوم 5 يونيو 1996، بوصفه راعياً لاتفاق مع الحكومة. وعرض عبد العزيز النويضي، أستاذ القانون وعضو في النقابة، الذي رافق الأموي في لقاء مع إدريس البصري، تفاصيل الحوار الاجتماعي الذي دار بينهم.
من جانبه، كتب الأستاذ والشاعر أحمد الطود قصيدة عن النقابة عبر فيها عن خيبة الأمل من النقابة التي اتهمها النص بأنها تواطأت مع الحكومة.
أفضى الحوار الذي جرى آنذاك بين الحكومة والنقابة الوطنية إلى اتفاق يقضي بحصولها على غلاف مالي قدره 35 مليون درهم لحل ملفات عالقة. لكن الأموي لم يرضَ بهذا الإنجاز، وسعى إلى نسفه، وأعلن إضراباً عاماً في 5 يونيو 1996 بالتنسيق مع إدريس البصري والاتحاد العام للشغالين بالمغرب، مطالباً بتسوية ملفات مطلبية شاملة لكل القطاعات.
الإضراب فتح الباب أمام حوار اجتماعي ثلاثي بين الحكومة والنقابات وأرباب العمل، انتهى باتفاق غشت 1996 قضى بتوزيع الغلاف المالي على القطاعات وتوزيع المستحقات على ثلاث سنوات.
كما أطلعنا الكاتب على اللقاء بين الأموي وإدريس البصري في الرباط، حيث جرت مفاوضات تناولت ملفات اجتماعية مختلفة، مع إشراف البصري الذي كان يحدد ما يمكن وما لا يمكن تغييره. كما نعلم أن الأموي خذل نساء ورجال التعليم، وحرمهم من مكاسب هامة، بهدف سحب البساط من النقابة الوطنية للتعليم وعبد الرحمان شناف، وفي الوقت نفسه قدم خدمة لإدريس البصري.
هذه المناورة كانت مدخلاً لتحالف جديد بين أبناء الشاوية الكبرى، ومهدت لحضور إدريس البصري في المؤتمر الثالث للكونفدرالية الديمقراطية للشغل.
يصف سي باحدو ما حدث كأنه مؤامرة ضد النقابة الوطنية للتعليم، حيث تم استغلال الإضراب والاتفاقات لصالح جهات معينة على حساب مصالح الطبقة العاملة. وعبرت قصيدة أحمد الطود عن استياء من النقابة التي اتهمها الشاعر بأنها "متلبسة في فراش الحكومة" أي متواطئة معها، وأنها تسعى إلى امتصاص ألم العمال بالنيابة، وتعمل تحت أوامر وزارة الداخلية.
بعبارة أخرى، يضعنا الكاتب أمام واقع سياسيا ونقابي معقدا في المغرب خلال التسعينيات، حيث كانت النقابات تواجه تحديات كبيرة من داخلها ومن الحكومة، مع تدخلات سياسية واضحة. كما تظهر لنا جلية الصراعات الشخصية والسياسية التي أثرت على مسار النضال النقابي والاجتماعي، ويبدو لنا بنفس القدر من الوضوح دور الدولة ووزارة الداخلية في التحكم في الحركات النقابية. كما نلمس التوتر بين النضال النقابي والمصالح السياسية، ونرى كيف يمكن أن تؤدي المناورات السياسية إلى إضعاف مطالب الطبقة العاملة.
باختصار شديد، شهدت النقابة الوطنية للتعليم المغربية، عام 1996، أزمة حادة بسبب تدخلات الأموي وإدريس البصري، حيث تمت عرقلة مطالب النقابة وتحريف مسار نضالاتها، مما أدى إلى اتفاقات لم تحقق المكاسب المرجوة للعمال، وفتح الباب لتحالفات سياسية جديدة على حساب مصالح النقابة وسائر أعضائها.
(يتبع)