قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الخامس والثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8747 - 2026 / 6 / 25 - 08:26
المحور: الادب والفن     

قبل الانتقال إلى مواضيع أخرى، لابد من الإشارة إلى بعض مظاهر الإهمال التي ظهرت لي في الصفحات الخمسة التي انتهينا لتونا من قراءتها. مثلا، في الصفحة (415) نجد أن الكاتب لا يحترم مواضعات التمييز بين الخطاب المباشر والخطاب غير المباشر. نقرأ في نفس الموضع: "قال عنه (باهي) الأستاذ عبد الجبار السحيمي، لو كان في مصر حيث للصحفي الكبير مقعده المحجوز له في القمة برضى كل الأطراف واعتزازها لأمكن أن يكون لنا هيكل المغربي باسم باهي محمد".
ما يلاحظ على الطريقة التي سيق بها كلام السحيمي كاستشهاد هو غياب نقطتي التفسير التي عادة ما تأتي بعد فعل قال ومشتقاته وعدم وضع الاستشهاد بين مزدوجتين". وقد لا أبالغ أن هذا الإهمال منتشر بين ثنايا الكتاب. نفس الإهمال نقف عليه في الصفحة (417) لكن بمستجد مذموم هذه المرة. يورد الكاتب قولا لمسؤول الإعلام بالخارجية الفرنسية دون نقتطي تفسير تتبعان فعل "قال"، ودون إقفال قول المسؤول بمزدوجتين، ودون استعمالهما لحصر جواب باهي وتمييزه عما يؤول إلى سي باحدو من كلام.
في الصفحة (414)، نلاحظ مرة أخرى كتابة الهمزة المتطرفة على الياء فيما سنن اللغة العربية يفرض أن تكتب على السطر لأن الكلمة المهموزة مفعول به منصوب. وحتى لا نظلم الكاتب العبارة التي يكمن فيها الخطأ: " (...) عبد الكريم المراني الذي كان يعلن عدائه لباهي جهارا من خلال مقالاته".
ولم يبق سوى استئناف فعل القراءة بما بتضمنه من تلخيص وتحليل ونقد، فأنتقل إلى الصفحة (421) والجزء العلوي من الصفحة التي تليها وكلاهما امتداد لمضمون الصفحة السابقة الخاصة لجريدة "الأحداث المغربية".
تحت عنوان "أية علاقة؟"، انتظمت ثلاث فقرات احتوت أولا على اعتراف بالتدخل في إنقاذ الجريدة. ففي رسالة مفتوحة، خاطب الدكتور مصطفى عزيز المنصوري ياسين المنصوري - مدير الإدارة العامة للدراسات والمستندات - وذكره بتكليفه بملف "الأحداث المغربية" بناء على طلب "الجهات العليا" لإنقاذها من الإفلاس. عقد لقاءات مع البريني ويوسف بنجلون بسرية تامة، لكن إلياس العماري سرب الموضوع إلى "الجهة المعلومة"، فتنكر ياسين لكل ما قاله ودفع مصطفى الثمن. المنصوري نصح بأنقاذ الجريدة بدل إنشاء أخرى جديدة واقترح المختار الغزيوي رئيس تحرير.
كما وقفنا، ثانيا، في نفس الحيز على الأسئلة الثلاثة المطروحة حول الجريدة، وهي كالتالي:
1. كيف تفلس جريدة تدعي بيع 80 ألف نسخة يوميا؟
2. لماذا تتدخل "الجهات العليا" لإنقاذ جريدة "مستقلة" أسسها اليازغي؟
3. ما طبيعة علاقة البريني وبنجلون بالمخابرات العسكرية؟ مع العلم بأن من المفروض أن تبقى هذه العلاقة سرية.
في هذا السياق، سبق لعبد الكريم المراني، رئيس تحرير "الأحداث"، أن أقر بأن "الصحافة المغربية كلها خاضعة للأجهزة". ففي القضايا الحساسة مثل الصحراء والأمن، يستدعى صحافيون ومؤثرون من جهة رسمية، تُعطى لهم "المعلومات والتوجيه والخطوط الحمراء والخضراء والصفراء"، ويغادرون ومعهم "أظرفة الإكرامية" حسب مكانة كل واحد.
في هذا الموضع من الكتاب، يكشف المؤلف العلاقة المباشرة بين جريدة "الأحداث المغربية" وأجهزة الدولة، ويفك أسطورة "الاستقلالية". الجريدة اللي ولدت من صراع حزبي، وصلت للإفلاس رغم أرقام التوزيع الوهمية، فتدخلت المخابرات لإنقاذها. والدرس المستفاد هو أن "السياسة أخذ وعطاء" كما يقول الكاتب، ويبقى خطاب الاستقلالية في الإعلام مجرد قناع، والواقع الحاصل هو التوجيه والتمويل من الجهات الرسمية مقابل ضبط الخط التحريري.
تلخيصا لما جاء في الصفحة (422) والتي تليها تحت عنوان: "وثيقة للذكرى - المتعاونون يحرمون من التصرف في أملاكهم"، أشير إلى أن عبد الرحمن اليوسفي ملف الكاتب، في يوليوز 1995، بإعداد عدد خاص من مجلة "السؤال" يربط نضال الشعبين المغربي والجزائري عبر انتفاضتي وادي زم وسكيكدة 1955. السبب المعلن: إدماج الفقيه البصري في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي وإحياء فكرة المغرب العربي. لكن الهدف الخفي حسب الكاتب هو "تكبيل الفقيه البصري" بربطه بالحزب.
شارك في العدد: محمد السكتاوي، أحمد صبري، صالح شكاك، حسن العلوي، محمد العربي المساري، المؤرخ الفرنسي غي مارتيني، ومحاضرة لعبد الرحيم بوعبيد. أُدرجت "وثيقة للذكرى" تتضمن لائحة "لجنة تطهير الخونة" الصادرة بظهير 27 مارس 1958، التي حرمت المتعاونين مع الاستعمار، بمن فيهم رجال سلطة وعلماء وإقطاعيون وقعوا عريضة نفي محمد الخامس، من الحقوق السياسية والتصرف في أموالهم المكتسبة بغير مشروع.
أشاد اليوسفي بالعدد لكن طلب حذف الوثيقة بحجة أنها "متجاوزة ولا ضرورة للتذكير بها". الكاتب رفض وقال "بهذا المنطق كل مواد العدد تاريخ" وأصر على النشر رغم تحذير محمد السكتاوي أن "الرجل مريض بالعظمة".
أدرج المؤلف البلاغ الصادر في جريدة "العلم" عدد 2647 بتاريخ 4 شتنبر 1957، بناء على أمر ملكي وظهير 20 يوليوز 1957. المجلس الوزاري اتفق على اللائحة الأولى لأسماء المتعاونين مع الاستعمار الذين يُمنعون من التصرف في أملاكهم وعقاراتهم إلا بإذن خاص.
هنا نقف على صراع الذاكرة داخل الاتحاد الاشتراكي. اليوسفي أراد استخدام التاريخ كرمز سياسي لاستيعاب الفقيه البصري، لكنه رفض نشر وثيقة محاسبة المتعاونين مع الاستعمار. الكاتب اعتبر حذفها تزييف، وأصر على نشرها كـ "وثيقة للذكرى" رغم علمه بـ"التبعات التأمرية" التي ستترتب على ذلك.
(يتبع)