قراءة عاشقة وناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء السادس والثلاثون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8749 - 2026 / 6 / 27 - 08:47
المحور: الادب والفن     

اعتلى عنوان "مهرجان خريبگة" مساحة قياسها صفحتان تقريبا. قبل عرض التفاصيل بنوع من الإيجاز، يجدر بي تقديم ملخص عنها على النحو التالي: مهرجان خريبكة 1995 كان مناسبة سياسية مهمة لإحياء ذكرى انتفاضة وادي زم، لكنه كشف أيضًا عن الانقسامات والصراعات داخل الاتحاد الاشتراكي، خاصة حول دور الفقيه البصري الذي رفض الانضباط الكامل للحزب رغم الاتفاقات السابقة، محافظًا على صورته كمناضل مستقل ومتمسك بمشروع سياسي خاص به، مما أزعج قيادة الحزب وعلى رأسها عبد الرحمن اليوسفي.
بخصوص خلفية المهرجان وأهميته، قال سي باحدو إن حزب المهدي بن بركة نظم يوم 20 غشت 1995 مهرجانًا شعبيًا حاشدًا في خريبكة، بمناسبة مرور أربعين سنة على أحداث وادي زم (1955)، التي كانت جزءًا من انتفاضة جماهير المغرب العربي ضد الاستعمار.
أشرف على تنظيم المهرجان المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي. حمل المهرجان عنوانًا أعادت توظيفه مجلة "السؤال": "20 غشت 1955: ماذا تبقى من انتفاضة جماهير المغرب العربي؟"
أنجز أحمد الجواهري ملصقًا شعاريًا للمناسبة، يبرز الوفاء والالتزام بتضحيات الجماهير من وادي زم إلى سكيكدة، من أجل التحرر والديمقراطية والوحدة والتحديث والتنمية.
وفي ما يتعلق بالحضور والتوترات السياسية، فقد حضرت المهرجان جماهير غفيرة من مناضلي الاتحاد الاشتراكي، ورجال المقاومة، وجيش التحرير، مع تغطية إعلامية وطنية ودولية. ثبت أن هناك حضورا أمنيا واستخباراتيا مكثفا، حيث كان الجميع يترقب موقف الفقيه البصري، الذي كان من المتوقع إدماجه في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي.
وعن موقف الفقيه البصري في المهرجان، قال الكاتب إن اتفاقا حصل تكليف الفقيه البصري بإلقاء كلمة معدة من قبل محمد عابد الجابري، تدعو إلى انضباط الفقيه في الحزب والتحاقه بالمكتب السياسي.
لكن الفقيه البصري تخلى عن النص المتفق عليه وارتجل كلمة غامضة لم تعبر عن التزامه، بل أشار إلى عدم رغبته في الالتحاق بقيادة الحزب. وفي رده على سؤال عن سبب حضوره، تحدث بأسلوب عام ونظري عن الديمقراطية، مؤكدًا أنه سيبقى مناضلًا مع الشعب، لكنه لم يعلن انضمامه الفعلي.
ومن خلفيات الصراع السياسي الذي خاضه الفقيه البصري، ذكر سي باحدو أن المعني بالأمر يعيش على حلم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ولم يعترف بشرعية المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي.
كانت هناك جهات في النظام تشجعه على تأسيس حزب جديد، ما خلق حساسية بين المقاومين. لذلك ظل على اتصال بمحجوب بن الصديق وعبد الله إبراهيم، واعتبر نفسه متمسكًا بثوابت الاتحاد.
سعى الفقيه إلى الحفاظ على صورته كمناضل مقاوم صلب أمام الأجيال الجديدة، متحدثًا بلغات سياسية متعددة، مستحضرًا الفكر الماركسي اللينيني رغم عدم تمكّنه الكامل منه. دعا إلى تشكيل "الكتلة التاريخية" التي تضم الاتحاد الاشتراكي، حزب الاستقلال، والتنظيمات الإسلامية، بما فيها العدل والإحسان، وكان محمد عابد الجابري من داعمي هذا المشروع.
أما علاقته مع عبد الرحمن اليوسفي فقد اتسمت متابعته لتحركات الفقيه بقلق، خاصة بسبب تقلباته السياسية وهلاوسه، لكن الجابري ضمن له عدم ممارسة نشاط سياسي خارج الاتحاد الاشتراكي. لم يكن بالإمكان القطيعة مع الفقيه بسبب شعبيته الكبيرة التي تفوق شعبية اليوسفي نفسه.
لم أعبر الفضاء المحدد أعلاه دون ملاحظة عيوب في الفقرة الأولى أتت على جمالية النص المقروء وعرقلت سلاسته وانسيابيته. من مجالي هذا الاختلال ورود عبارة "هيأة المكتب السياسي بإشراف اليوسفي" وسط الفقرة دون مراعاة لا الإيقاع ولا السياق. والأفظع من ذلك تلك الفوضى التي تخللت الشعارات المستحضرة هنا والتي تتمثل في قلة العناية ـ أو انعدامها ـ بعلامات الترقيم الكفيلة وحدها بضمان نظام الخطاب وبنائه.
وعن حجز مجلة "السؤال"، قال الكاتب إن اليوسفي اتصل بمحمد برادة، مدير مؤسسة "سبريس" لتوزيع الصحف، وطلب منه عدم توزيع العدد الخاص من مجلة "السؤال" على نطاق واسع، والاقتصار على بعض نقاط البيع في وسط الدار البيضاء. فما كان من الشركة إلا أن أعادت رزم المجلة كما سلمتها.
تبين أن اعتراض اليوسفي كان بسبب نشر قائمة "الخونة" التي ضمت أسماء بعض أبناء منتمين للاتحاد الاشتراكي أو يشغلون مناصب في الدولة، ومن بينهم ابن خليفة للباشا لكلاوى المعروف بتسلطه، وأسماء أخرى لعائلات معروفة مثل البياز، الكثيري، اليازغي، المنوني، عواد، برادة، الكتاني، الفاسي، الورزازي، المالكي، بنسودة، العراقي، كسوس، الحجوي، اشماعو، الشرايبي.
رئيس الحكومة المقبل (اليوسفي) لم يرغب في إثارة الجراح أو التذكير بماضي بعض المناضلين الذين تعاون آباؤهم مع الاستعمار، رغم أن في القرآن الكريم جاء ذكر مبدإ "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (سورة فاطر، آية 18). ولتنوير الأجيال الحالية والمقبلة، أعيد نشر هذه القائمة ترحماً على روح المناضل عبد الرحمن اليوسفي. ولا يليق بي بتاتا في هذا المقام عدم تنبيه الكاتب إلى أن كلمة "نكء" تكتب فيها الهمزة هكذا (فوق السطر) مثل "دفء" و"عبء"... وليس فوق الياء.
(يتبع)