قراءة في بيان جدة واعلان هيروشيما


منذر خدام
الحوار المتمدن - العدد: 7642 - 2023 / 6 / 14 - 14:00
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

قراءة قراءة في إعلان جدة وبيان هيروشيما
بدعوة من العاهل السعودي انعقد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة في جدة بتاريخ 19/5/2023 وشارك في اعماله لأول مرة منذ نحو اثني عشرة سنة الرئيس السوري بشار الأسد. لقد سبق انعقاد القمة رهانات كثيرة حول مشاركة الرئيس السوري فيها، وكان يغلب عليها رهان عدم مشاركته مراعاة لاعتراض بعض الدول العربية مثل الكويت وقطر والمغرب وحتى مصر. غير أن تدخل الأمير محمد بن سلمان قطع الشك باليقين ولبى الرئيس السوري الدعوة وحضر شخصيا. كان طبيعيا أن يرحب اغلب المتحدثين بالقمة بالرئيس السوري، في حين رحب أخرون بعودة سورية لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية. ربما المفاجأة الوحيدة التي حصلت تمثلت في تبادل المصافحة بين الرئيس السوري وأمير قطر، وبينه وبين الرئيس المصري، مع أن المطلعين على البروتوكول السعودي يرون ان كل ذلك كان معدا مسبقاً. لم يتسرب أي شيء عما دار في الخلوات القصيرة التي أعقبت المصافحة بين الرئيس السوري وكل من الرئيس المصري وأمير قطر، مع أنه يمكن التكهن بان الرئيس السوري قال لكل منهما ان سورية تتطلع نحو المستقبل، في قراءة للموقف الرسمي السورية المعلن. ما يمكن عده مفاجأة حقيقية هو خروج امير قطر من قاعة المؤتمر قبل أن يلقي الرئيس السوري كلمته، مما يمكن عده نوعا من الاعتراض على وجود الرئيس السوري في المؤتمر، مع ان بعض وسائل الاعلام حسبت خروج أمير قطر من المؤتمر مع الوفد المرافق دون أن يلقي كلمته فيه جاء نتيجة مشاغل خاصة مستجدته استدعت حضوره سريعا إلى الدوحة.
لقد اقتصر المؤتمر على جلسة وحيدة علنية، في خروج عن السياقات المعتادة لاجتماعات القمم العربية، وفي مخالفة عما نشر عن جلسات التحضير للمؤتمر من أنه بعد الجلسة العلنية سوف تتلوا جلسات مغلقة. لقد استمرت جلسة المؤتمر العلنية الوحيدة نحو ساعتين ليعلن في نهايتها الأمير محمد بن سلمان انتهاء المؤتمر بعد الموافقة على القرارات التي أعدها وزراء الخارجية، وعلى اعلان جدة.
وبالعودة إلى "اعلان جدة"، الوثيقة الوحيدة التي نشرت عن اعمال المؤتمر، نقرا في مقدمته: " تأكيدا على أهمية تعزيز العمل العربي المشترك المبني على الأسس والقيم والمصالح المشتركة والمصير الواحد، وضرورة توحيد الكلمة والتكاتف والتعاون في صون الأمن والاستقرار، وحماية سيادة دولنا وتماسك مؤسساتها، والمحافظة على منجزاتها، وتحقيق المزيد من الارتقاء بالعمل العربي والاستفادة من المقومات البشرية والطبيعية التي تحظى بها منطقتنا للتعاطي مع تحديات العصر الجديد بما يخدم الأهداف والتطلعات نحو مستقبل واعد لشعوبنا والأجيال القادمة". الجديد في هذا المقتطف الطويل نسبيا من مقدمة الإعلان هو الحديث عن صون " الأمن والاستقرار، وحماية سيادة دولنا وتماسك مؤسساتها"، في استجابة واضحة لما يعانيه أغلب الدول العربية من فوضى حصلت في سياق ما سمي بالربيع العربي. وفي فقرة أخرى من مقدمة الإعلان جرى الربط بين "التنمية" و "الاستقرار" وعد الأمن "مفتاح الاستقرار". ما نود قوله إن المطالب الرئيسة للشعوب العربية في "الحرية والديمقراطية"، والتي دفع بعضها ثمنا باهظا من أجلها تم تجاهلها تماما في الإعلان.
فيما يخص سورية وبعد الترحيب باستئناف " مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعات مجلس الجامعة والمنظمات والأجهزة التابعة لها" ركز البيان على دعم " استقرار" الدولة وعلى المحافظة على " وحدة أراضيها" وعلى " مساعدتها لتجاوز أزمتها" (انتبه) اتساقا مع "المصلحة العربية المشتركة، والعلاقات الأخوية التي تجمع الشعوب العربية كافة"، وليس مع مطالب الشعب السوري. ومن خلال متابعتي لكلمات رؤساء الوفود لاحظت أن الرئيس المصري، ورئيس الوفد الكويتي كانا الوحيدين الذين ذكرا بضرورة حل الأزمة السورية بما ينسجم مع القرار الدولي 2254.
وهكذا أسقط الاعلان كل الرهانات التي بنيت على التفاهمات التي نص عليها اعلان عمان (1/5/2023) وقبله بيان جدة (2/4/2023)، وبعده قرار الجامعة العربية رقم 8914 بتاريخ 6/5/2023 الخاص بعودة سورية إلى الجامعة العربية، بأن يتم حل الأزمة السورية بما ينسجم مع القرار الأممي 2254 ونهج "الخطوة خطوة" التي اقرها اعلان عمان. بل على العكس شدد الإعلان على "وقف" التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية العربية، وعلى "الرفض التام" لدعم تشكيل الجماعات المسلحة الخارجة عن نطاق مؤسسات الدولة، في اتساق شبه تام مع الخطاب الرسمي للنظام السوري.
على المقلب الآخر، وبعيداً إلى الشرق في اليابان كان لسورية حضورها في البيان المشترك الذي صدر عن اجتماع الدول السبع في مدينة هيروشيما اليابانية، في الفترة ذاتها من شهر أيار لعام 2023 فيما يبدو وكأنه على الضد مما جاء في اعلان جدة. لقد ورد في البيان بان الدول السبع ما تزال ملتزمة " التزاما راسخًا بعملية سياسية شاملة تسهلها الأمم المتحدة بما يتفق مع قرار مجلس الأمن 2254 في سوريا". وأكثر من ذلك فقد تم الربط بين " التطبيع والمساعدة في إعادة الإعمار" وإحراز تقدم "حقيقي ودائم نحو حل سياسي"، فيما بدى وكأنه تحذير للدول العربية التي تطبع مع النظام.
كلمة أخير، يلفت الانتباه في كل النشاط الدبلوماسي الجاري عربيا وإقليميا ودولية والمتعلق بالأزمة السورية تجاهل المعارضة السورية. يبدو لي أنه المكافئ المستحق لعدم قدرتها على تشكيل طرف فاعل ومقنع في معادلة الأزمة السورية بسبب تشرذمها وتعدد ولاءاتها.