حبال الأمل- اسمها محمد 2-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6660 - 2020 / 8 / 28 - 23:46
المحور: الادب والفن
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

رسائله إليّ لم تتوقف، وصلتها كلها بحبال من أمل، علقتها فوق سريري.. ونشرت عليها أحلامي ببناء حياة مع رجل حقيقي، لا يشبه ذكور الافتراض.

ضحكت عليّ سنيّة عندما قلتُ لها ذلك.. قالت:
-نحن العوانس.. نحتال على الحقائق بحبال الغسيل.. لا حبال الأمل…

-لا أعترف بكلمة عانس.. أُفضِّل البقاء وحيدة مئة مرة على اختيار خطأ…

ضحكت سنية:
-ليس المهم أن تعترفي بها.. المجتمع يقدسها وخاصة هنا في مصر.. الناس يشيرون بالبنان للعانس..

-نحن في زمن العولمة يا سنية.. زمن يكشف حقائق الناس بيسر وسهولة.. في مصر وأية دولة عربية أو غربية.. للنساء اليوم الفرصة الذهبيّة في التحرر، في كشف المستور من الفجور الممارس عليهنّ.. سواء كان لفظياً.. اجتماعياً أو في صورة عنف جسدي وجنسي..
كلمة عانس.. وكلمات مطلقة، أرملة، بشعة، بدينة.. كلماتٌ بالية يجب أن تستخدم النساء وعيهنّ في محاربة إيقاعاتها.. إن لم تفعل المرأة هذا من أجلها، فمن أجل طفلتها، أو حفيدتها…
-تملأين المكان ثورة يا عليا.. لكن لوجودك في أمريكا حظ في قدرتك على النطق.. النساء هنا مغلوبات على أمرهن.. يغلبهنّ الواقع، التاريخ، الجغرافيا وحتى القانون…
-أعلم ولهذا السبب تماماً.. من تستطيع النطق، فصمتها جريمة!
*********

المساء في بيروت يشبهه تماماً في اللاذقيّة.. النسمة الرطبة كرذاذ أجنحة ملاك مبتل تطير في المكان..
الناس يشبهون الناس.. الجمال الشرقي ذاته، العيون الحلوة الطيبة، الابتسامات الموصولة بشرايين القلوب…
فرح الأشياء البسيطة يدور في المخ كقهوة اشتراها علي من عربة بثلاث عجلات تقف في جوار البحر..
فرحٌ يغسل الحزن في المتوسط الهادئ الجميل.. وما البحر إلّا أمنية الله المتحققة في أن يجعل الحياة أخف وطأة على البشر…

تنهد علي بحسرة، مضى على وجوده مع الأطفال في لبنان أسبوع، ، وبسبب فيروس كورونا لا يستطيع السفر…
لم يكن علي يعتقد أن التبني في زمن الحرب يشبه حمل سيزيف لصخرة حقيقته، وأنّ منحه أوراقاً رسميّة لأطفال لا سند لهم حرب فوق الحرب…

-القوانين في بلدان العرب وُضِعَتْ لغاية تكريس المعاناة على الشعوب المغلوبة على أمرها، هكذا يبقى الملوك في أمان.. فأية ثورة يقوم بها شعب مغلوب على أمره هي ثورة مسروقة من قبل الأقوياء…

-أتفق معك تماماً.. في بلدان الشرق تغلبنا قوانين الملوك (المحتاجة إلى قانون).. أما في بلاد الغرب فتغلبنا قوانين الإنسان الآلي: ساعات العمل المتعبة الطويلة.. وعدم وجود أي وقت حقيقي للعائلة، للأصدقاء وحتى للأبناء…
في كل الحالات البشريّة بعيدة جداً عن السلام، و ما فيروس الكورونا إلّا مقدمة لما صنعه الظلم ودعمته الأنانيّة لسنوات طوال…
-هذا الفيروس كذبة كبيرة يا عليا.. كبيرة جداً.. كذبة إصلاح اقتصادات منهارة، وسيادات دول تعيش على خيرات شعوب يقتل بعضها بعضاً.
*********


في يوم خريفي ملوّن يشبه ألوان الرب التي لوّن بها البشر، فجعل من صورهم متحدةً صورةً عنه..
صورةُ الله الكاملة.. فيها من الجمال ما يكفي ليملأ الريش في أجنحة الملائكة ويمنحهم القدرة على الطيران.. كطيران دكتور محمد فرحاً وهي تدخل الجامعة الأكبر في تلك الولاية الأمريكية الجميلة .. قسم الطب النفسي.. نظرت إلى إعلان الحائط بودّ: “حارب الوصمة”..
في لمحة سريعة تذكرت الوصمة ضد الأمراض النفسيّة في شرق المتوسط.. تلك الوصمة التي أبعدتها عن الطب النفسي هناك، وفتحت لها أبواب طب الجلد.. زفرت ذكريات برائحة عطرة عن مشفى الأمراض الجلديّة الجامعي الضخم في دمشق ثم ابتسمت…

دخلت غرفة السكرتيرة، ابتسمت لها:
-صباح الخير، عندي موعد مقابلة مع البروفسور..
نظرت السكرتيرة باستغراب، تأملت شعر دكتور محمد، ثم طقمها الأبيض مع بلوزة سوداء بياقة عالية.. تمعنت في حذائها الأنيق.. في النهاية نظرت في وجهها من دون تأمل:
-هل أنت دكتور محمد؟
-هي بذاتها…
-لم أكن أعلم أنك جميلة هكذا!..سوريا في الشرق الأوسط أليس كذلك؟
تفاجأت دكتور محمد.. ليس فقط لأنها تتوقع تعليقاً آخر مثلاً سؤال متواضع عن معنى اسمها الأول، وكيف يُلفَظُ بطريقة صحيحة، أو عن اهتمامها بالطب النفسي..ولا لأنها اعتادت جمالها حتى لم تعد تره، بل لأن لحن الجُمَل عُزِفَ بطريقة لا تخلو من عنصريّة خفيّة…

رفعت السكرتيرة سماعة الهاتف، وأخبرت البروفسور بأن دكتور محمد وصلت في موعدها تماماً…



يتبع…


من رواية"اسمها محمد" بقلم: لمى محمد
-تحمل بين صفحاتها الجزء الثالث من رواية عليّ السوري.

الجزء الأول: علي السوري-الحب بالأزرق
الجزء الثاني: بغددة_سلالم_القُرَّاص