الخوف و خفايا الكورونا -بساطة 10-


لمى محمد
الحوار المتمدن - العدد: 6521 - 2020 / 3 / 23 - 23:36
المحور: ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

الخوف هو سرطان الجهاز المناعي الأول.. كلما كثرت خلايا الخوف.. أكلت الجهاز المناعي أكثر..
لا يقتل الجهاز المناعي شيء كالخوف.. يقتله بثبات وتدريجياً حتى يقضي عليه…

ما يحدث اليوم من تخويف للعامة من الفيروس.. يحمل نتائج عكسية على الصحة، في المقالين السابقين حول الموضوع تحدثت كفاية عن الأثر الألماسي للنظافة في الوقاية، ولن أعيد هذا هنا.. لكن أن تقي نفسك لا يعني أبداً أنك ستنجو إلى الأبد.. ماذا أقصد؟

-هل سبق لك أن عانيت من (الكريب) أو ما يسمى في أماكن أخرى ( الرشح)… (البرد) .. (الانفلونزا).. و في بعض الثقافات يلقب بالكذب الأبيض لأنه يمر على الجميع؟

-جوابك حتماً هو نعم.

وهذا أكثر ما يشبه فيه الكورونا صديقه الانفلونزا.. أجل غالبيتنا الساحقة ستصاب.. الغالبية منها ستكون بلا أعراض و ستشفى دون أن تعرف أنها أُصيبَت.. قسم سيصاب و سيظن أن لديه (الكريب) أو (البرد).. القسم الأقل سيحتاج عناية طبية غير السوائل، الراحة و كثير من الخضروات و الفواكه.. القسم الأندر سيموت -غالباً لديهم أمراض مضعفة مناعياً و غير معتنى بها-…


ما يحدث اليوم من محاولات للحد من انتشار الفيروس، هي ببساطة محاولات للحد من ازدحام المشافي لأن لأية مشفى في العالم قدرة استيعاب خاصة للحالات الحرجة… لذلك من الذكاء بمكان أن نحاول تقليل حدة ارتفاع معدل الإصابات.

**********

هل صحيح أن الطب في بلاد العرب أسوأ منه في الغرب؟

لا.

لماذا؟

بغض النظر عن اتهامات الكثيرين لبلدانهم بسوء الخدمات الطبيّة.. لا يوجد أشجع، و لا أكثر كفاءة و لا مهنية من غالبية أطباء و ممرضي المنطقة العربيّة…
يعتمد التعليم الطبي في البلدان العربيّة على رؤية المرضى و تشخيصهم و إعطاء العلاج.. بينما تحتل مرحلة التوثيق وكتابة كل شيء في ملف المريض مكانة غير مذكورة…
يقضي الطبيب العربي وقت الزيارة المرضيّة مع مريضه، بينما في غالب دول الغرب يقوم الطبيب باستخدام (الكمبيوتر) و التوثيق في ذات وقت المعاينة.. هذا طبعاً يؤثر سلباً على جودة العناية الطبية و يؤدي إلى إرهاق الكوادر الطبية…

أيضاً الطب الدفاعي، وقد عرّفته في مقال سابق بالتفصيل.. وببساطة هو أن يُجبَر الطبيب على تدوين كل شيء لأن المريض قد يقاضيه لأي سبب…
هذا انتشر كثيراً في الغرب بسبب فتح مجالات كثيرة لمقاضاة الأطباء، مما جعل الكثيرين منهم يطلبون تحاليل لا داع لها، وصور أشعة ليست ضرورية.. يعني من باب " في حال كان هناك شيء آخر، فالطبيب طلب كل شيء ممكن و لن يقاضيه أحد". مثال آخر: أن يفصّل الطبيب في القصص المرضيّة لأن المريض يريد دفعه لوصف مسكنات ألم مخدرة و الطبيب لا يعتقد أنها لازمة للمريض.. الخ…

في بلدان العرب تسود ثقافة احترام رأي الطبيب و الوثوق به غالباً لذلك ترى الغالبية العظمى من الأطباء يعالجون المريض و لايكترثون للتوثيق و لا للطب الدفاعي…

في بداياتي في الولايات المتحدة، قمت بتشخيص مرض بورفيريا عند مريض مصاب بالذهان .. تمّ تشخيصه سابقاً بالفصام.. كانت هذه إحدى الحالات التي فتحت لي أبواب المشافي الأمريكية، في حين الفضل في تشخيصها يرجع إلى أساتذتي في كلية الطب في سوريا.. الذين علموني في المشافي، رحبوا بي خلال العطل الصيفية.. تعاملوا مع الطب كرسالة نبيلة و علمونا كيف نحترم الرسالة…

في بلاد العرب نحتاج: تجهيزات مشافي أفضل هذا صحيح.. و نحتاج قانونا ًيسري على الجميع فيصبح الشخص المناسب في المكان المناسب. هذا أيضاً صحيح .. لكننا نمتلك كوادراً طبية و تمريضية من الأفضل في العالم.

***********


هل صحيح أن بلدان العرب أكثر عرضة للإصابة بالكورونا؟

لا.

لماذا؟

لسبب واحد و لكثير من الاحتمالات ، أهمها:
1-تاريخ التعرض للكثير من الأمراض و الأوبئة، أكسب المناعة ضد الكثير من الأمراض..
ستقولون لكن هذا المرض جديد.. أجل ولكنك تحمل أضداداً لأمراض أخرى قد تستغل ضعف جسمك بسبب الكورونا وتهاجمك في حالات الأوبئة و الجوائح…

مثال فيروس التهاب الكبد الوبائي أ .. الغالبية الساحقة من سكان بلاد العرب لديهم أضداد لهذا الفيروس لأنهم أصيبوا به سابقاً.. فيما يجب على أي زائر من كثير من دول الغرب أخذ اللقاح لهذا المرض قبل زيارته بلاد الشرق… باختصار في حال أصابتك الكورونا،فاحتمال استغلال فيروس أو مرض آخر لجسمك بسبب ضعفه أقل بكثير…

2-التعوّد على محاربة الفيروسات و الأمراض في بلاد الشرق يسرع حتماً من حالة التأقلم مع التنظيف الجيد.. والوقاية الجيدة…
في أمريكا مثلاً تباع السلطات والخضروات في كثير منها مغسولة و جاهزة للاستخدام..
يشيع عدم غسل الفواكه لأنها نظيفة في الغالب.. الناس غير متعودة على تعقيم المُعَقّم.. لذلك تنتشر الأوبئة بطرق سريعة لأنها تغيّر عادات البشر.. و كل عادة تحتاج إلى وقت حتى تتغير…


في بلاد العرب نحتاج حكومات نظيفة تعتني بالشعوب الطيبة البسيطة.. هذا صحيح.. نحتاج قانوناً يسري على الجميع و يحمي حقوق البسطاء هذا صحيح.. لكن الشعوب هي الشعوب حول العالم، لا و أزيد عليه للشعوب العربيّة خبرة مكافحة الأمراض كما سوء إدارة الحكومات…
ببساطة إن لم تكن معدلات الإصابة في بلاد العرب أقل من غيرها، فهي حتماً ليست أكثر..

ولمن ينتظر السبب الواحد: فهو أنه كل شخص على هذه الأرض غالباً سيصاب بالكورونا يوماً.. لكن في الغالب وبسبب الاحتمالات السابقة نسبة الإصابة اللاعرضيّة -غير المصحوبة بأعراض- في بلدان الشرق ستكون أكبر.


لا تجعلوا عقد النقص تقتنص أمانكم.. و لا تسمحوا للمزاودين أو الجاهلين بتخويفكم.. ستمر هذه الجائحة كما مرت غيرها.. و “ قلْ لن يصيبنا إلّا ما كتب الله لنا”..
فكلّ ما علينا هو: “ اعقلها و توّكلْ”.


يتبع…


* بساطة : مجموعة مقالات في غاية البساطة..
تناقش مفاهيم بسيطة.. أفكار بسيطة.. أحلام بسيطة في عصر التعقيد.. التشريد و المفاهيم المتشعبة.