أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرَة أُخرى 3















المزيد.....

سيرَة أُخرى 3


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 4997 - 2015 / 11 / 26 - 13:42
المحور: الادب والفن
    


1
بحلولي في مدينة الاسكندرية، قررت أن أتذوق أولاً الفول والطعمية؛ وهما من أكثر الأكلات شعبيةً بحسب ما كنا نراه في الأفلام المصرية. في مساء اليوم الأول، وبعدما ارتحت قليلاً في الفندق، خرجت في جولة ضمن دروب المدينة الجميلة. لحُسن الحظ، أن بائع طعمية ( الفلافل ) كان يفرد بسطته بالقرب من أحد المقاهي. وعلى الرغم من أن رائحة القلي كانت غريبة وغير مألوفة، إلا أنني اشتريت سندويشة ثم جلست في ذلك المقهى. فيما بعد، علمتُ أن سببَ الطعم غير المستساغ للطعمية هو خلطتها المعتمدة على الفول لا الحمّص.
في يوم آخر، تكرّمَ مدير المعهد السويدي في الاسكندرية فدعى مجموعتنا إلى محل الفول الأشهر؛ المُكنى باسم صاحبه " محمد أحمد ". قادونا إلى الطابق الثاني، هناك حيث رصفوا لنا عدة طاولات بنسق واحد. على طاولة أخرى، في متناول يدنا، كانت توجد أوعية فخارية يتصاعد منها البخار. وقد جاء صاحب المحل للترحيب بنا، ثم راح يذكر أنواع الفول الموجود في ذلك البوفيه. وكما فعل غيري، فإنني وضعت عدة أنواع من الفول بصحني. إلا أنني لم أستسِغ طعمَ أيّ منها. سألتُ صاحب المحل وأنا أشير إلى صحني الغارق بسائل أسود كثيف: " يا معلّم، لماذا زيت الزيتون لونه بهذا الشكل الغريب؟ ". أجابني مبتسماً: " نحن لا نستعمل زيت الزيتون للفول ". فقلت له: " وهل تستعملون إذاً زيت السيارات؟! ".

2
كما سبق الحديث، فقد كنت ضيفاً ذات مرة على المعهد السويدي بالاسكندرية. الوجبات في مطعم المعهد كانت رائعة ( مع أن الطباخين مصريون )، وخصوصاً أكلات البحر. على ذلك، فإنني توقعت أن يكون الأمر أكثر من رائع حينما تمت دعوتنا إلى العشاء في أشهر مطعم أسماك بالمدينة. المطعم، كان بناء مهيباً ومشرفاً على البحر، وقد زيّن مدخله بصوَر مشاهير عالميين أرتادوه؛ كياسر عرفات وملكة اسبانية. انتقينا الأسماك الطازجة بأنفسنا، ثم جلسنا إلى المائدة ننتظر على أحرّ من جمر الشوي. ولكن، يا للخيبة. قدموا لنا بعد قليل الأسماك محترقة من الخارج ونيئة من الداخل، ولم يكن فيها بهار سوى الكمون.
لدى عودتنا إلى القاهرة، تمهيداً للسفر من مطارها، نزلنا بفندق أنيق يقع على طرف ساحة التحرير. صباحاً، مضينا نبحث عن مطعم بما أن وجبة الفندق لم تكن تكفي معدة عصفور. في مطعم شعبي، وضعوا لنا عدة أصناف على المائدة. وكم دهشت، حينما طلب " المعلّم " بضع جنيهات فقط ثمن كل ذلك الأكل. أما الخيبة، فما أسرع أن جاءت مع الغداء. ففي مطعم آخر، سياحي، يقوم على مدخل " خان الخليلي "، طلبنا شيش كباب مع مشهيات السلطة والمتبل. جاءت المشهيات، وإذا السلطة خلطة سوائل مريعة. ثم أحضروا لنا " الشيش كباب "، ولم يكن سوى كبدة مشوية.

3
" اسم كبير على خرابة "؛ هذا المثل، على رأيي البسيط، ينطبق على المطبخ المكسيكي. في إحدى المناسبات النادرة، قرر رفاق العمل أن نتغدى في بوفيه المطعم المكسيكي. هناك، فوجئتُ بأن كل الأكلات كان أساسها الباذنجان؛ وكأنما لا يعرفون من نِعَم الله سواه. الأدهى، أن خبزهم عبارة عن شيبس مصنّع من الذرة. في مناسبة أخرى، كنتُ مع صديق وعائلته في زيارة مدينة " سيغتونا " التاريخية، بضواحي ستوكهولم. لم يستمع صديقي لنصيحتي، حينما شاء أن نجرّب الأكل المكسيكي. والنتيجة، أننا بعد الوجبة الهزيلة هُرعنا إلى محل بيتزا لنشبع بطوننا.
في مدريد، التي نزلت فيها ذات مرة ( ترانزيت )، سألتُ موظفة الفندق عن مطعم قريب. وبحسَب الإشارة، رأيتني بعد قليل في ساحة منمنمة تظلل مركزها شجرةُ زيتون. كان الوقت مساءً، فبدا منظر الساحة رائعاً تحت الأضواء وخصوصاً المطعم القائم على طرفها. كان الجو دافئاً أيضاً، مع أن الوقت شتاء، فقررت أن أجلس خارجاً وأتمتع بمنظر الزيتونة اليتيمة. حينما أحضرتْ لي النادل الوجبة، انتبهتُ لشكلها الموحي بأنها من لاتين أمريكا. ألقيت نظرة مستطلعة على طبق الطعام، وإذا به لخابيط من باذنجان وطماطم وفليفلة ولحمة ناعمة، وطبعاً مع قطع الشيبس. قمتُ من فوري، فألقيت نظرة أخرى على اسم المطعم، وإذا به مكسيكي.

4
في الأندلس، تشعر كأنك في الشام وليس في بلد غريب؛ أشكال الناس، سلوكهم، عمارتهم وأطعمتهم. في أكبر مدن ذلك الإقليم الساحر، " ملقة "، نزلتُ ذات صيف بفندق جيّد. الطريف، أنه في مطعم هذا النزل كانت الخدمة ذاتية بما في ذلك جلي الصحون. ولأن المرحوم " بيكاسو " كان ابن المدينة، فقد نصبوا له تمثالاً بالحجم الطبيعي في ساحة قريبة من الفندق. الساحة، كانت تتراصف فيها الطاولات وحولها المواطنين المحتفلين بالعشاء المشترك صحبة النبيذ والموسيقى. الحق، فإنني حسدتُ الفنان الراحل على حضوره اليومي لتلك العشاءات الجماعية، الرائعة.
في مدريد هذه المرة، حصلت مشكلة مع حجز الطائرة المغربية المفترض أن تنقلنا إلى الدار البيضاء. إلا أن موظفاً اسبانياً شهماً، يعمل في استعلامات المطار، تمكّن من تغيير حجزنا إلى طائرة أخرى ستقلع في صباح اليوم التالي. ليسَ ذلك فحسب، بل أعطونا أيضاً اقامة مجانية في فندق " ايبيز " الممتاز. هناك، على العشاء، كان البوفيه متخماً بأفخر أصناف المأكولات البحرية والمشروبات الروحية. ولأنني كنتُ وحيداً على الطاولة، فقد أتيتُ على زجاجة نبيذ كاملة. صباحاً، ولحُسن الحظ، انتبه جيراني من رفاق الرحلة ( وكانوا عائلة فرنسية ) إلى تأخري بسبب استغراقي العميق بالنوم. قالوا لي ضاحكين أمام باب حجرتي: " توقعنا أن يحصل ذلك معك، أيها الشرّيب الأصلي! ".

5
هناك مثل مصري، معروف " ايه جمّع الشامي عالمغربي؟ ". وقد ينطبق المثل على اللهجة والعادات والتقاليد وخلافها. إلا أن المطبخ المغربي، وهذا ما يهمنا، لا يقل غنى عن مثيله الشامي سواء من ناحية الوجبات أو السلطات أو المعجنات والحلويات. مع أن نوع الأكل، هنا وهناك، يختلف لدرجة كبيرة. فمثلاً، الفطور في بلاد الشام يعتمد على النواشف المالحة؛ كالزيتون والمكدوس واللبنة والجبنة والزعتر. أما في المغرب، فإنه يشبه فطور الفرنسيين لناحية غلبة المعجنات والحلوى. أيضاً بعد الغداء، يعود المغربي ليتناول مع الشاي أصنافاً أخرى من الحلوى. على ذلك، نعرف سببَ وجود مريض بالسكري على الأقل بين كل عشرة مواطنين.
ومثلما الأمر في بلادنا، فالخبز ضيف دائم على المائدة المغربية. ولكن الخبز لديهم ليسَ رخيصاً فحسب، بل وأنواعه عديدة وجيدة. فخبز الغداء، غالباً، هو غير خبز الفطور وخصوصاً مع أكلة ( الطاجين ). هذه الأكلة، الشبيهة بمنزّلة البطاطا، تعدّ على إناء فخاري يشتعل تحته الفحم. وعلاوة على الخضار، فإن الطاجين يمكن أن يُطبخ مع اللحم المقدد أو الدجاج أو السمك. أكلة ( الكسكس )، مثلما هو معروف، مرتبتها في صدارة المطبخ المغربي. وأنا شخصياً لا أنصح بتجربة الكسكس في المطاعم، لأنها ستنتهي بالخيبة. أما لو كنتَ مدعواً عند صديق، فمن الممكن أن تأكل بدون وعي طالما أنّ الطبق الرئيسَ موجودٌ على المائدة.

6
المطبخ المغربي، معروفٌ بأطباقه الشهية وتنوعها. ولكن، غالباً ما يصاب زائر هذا البلد الجميل بالخيبة عند دخوله إلى المطعم. ظاهرة جشع أصحاب المطاعم واحتيال مستخدميها، كتبت عنها الصحافة المحلية مراراً. إلا أن الواجب يحتم التذكير، بأن ذلك يحصل عموماً في المطاعم الراقية لا الشعبية. في مدينة " الصويرة "، يمكن أن تطلب في محل شعبي كيلوغراماً من ثمار البحر الطازجة المشوية ( مع السلطة والشراب )، بما يعادل 10 أورو تقريباً. ولكن، عليّ كان في أحد المرات أن أقع ضحية إغراء الجلوس في مطعم فخم يشرف من علو على منظر البحر الساحر: مقابل قطعتين من سمك فيليه بحجم الأصبع ( لشخصين ) وصحن سلطة، دفعتُ ما يعادل 40 أورو.
في المطاعم الراقية بمدينة " مراكش "، بدلاً عن السلطة يضعون لأربعة أشخاص صحناً يحتوي على عشر حبات زيتون بالعدد. بعد انتهاء الوجبة الهزيلة، تأتي الفاتورة بأكثر من 60 أورو. وسيدرك المرء مدى الجشع، حينما يعلم بأن الخضار والزيتون هما برخص التراب في الأسواق. ذات مرة، أخبرتني مسؤولة الرياض ( النزل ) أنه بمقابل 10 أورو ممكن أن تطبخ لي أي وجبة محلية أرغبها مع السلطات والشراب. في مناسبة أخرى، شئتُ تناول الغداء في رياض مجاور للأول. بعد الانتهاء من الأكل، تقدم النادل الأنيق فوضع أمامنا صحناً فضياً عليه غطاء. رفعتُ الغطاء، وإذا ورقة فاتورة ب 45 أورو. عندما سألته عن التسعيرة المفترضة ( وكانت 5 أورو لطبق الكسكس )، فإنه أجابني بخفّة: " هناك أيضاً 10 % خدمة! ".

7
اللحمة بالصينية، هي من الأكلات الشعبية في سورية. اليوم، اشتهيتها وتمنيت لو أنكم شاركتوني بها. عندما كنا صغاراً، لم يكن الفرن المنزلي معروفاً بعد. فكان يتم تحضير اللحمة بالصينية عند اللحام، أو في مطبخ الدار، ثم يُعهد إلى أحدنا بحملها إلى فرن الحارة. وعادةً، تقدّم اللحمة بالصينية وأمامها سلطة اللبن بالخيار.
ومن ذكرياتي عن اللحمة بالصينية، واقعة لا أنساها. إذ اشتهيتُ هذه الأكلة بعدما تعافيت من انفلونزا حادة وكان عمري بحدود العاشرة. آنذاك، كنت لا أستسيغ أي نوع من اللحوم غير تلك الناعمة. والدي، اتجه إلى اللحام كي يُحضّر المطلوب. لما عاد إلى البيت من الفرن، إذا بي أفاجأ بأن اللحمة مفرومة وليست ناعمة. هنا، امتنعت عن الأكل وبدلاً عن ذلك استغرقت في بكاء مرير. الوالد، أُحرجَ كثيراً وراح يدافع أمام والدتي الغاضبة عن وجهة نظره المعروفة؛ وهيَ أن اللحمة الناعمة لا يعوّل عليها عند أكّيلة ال Gosht..!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,471,950,541
- مجنون عبّاد الشمس
- قانون فرعوني
- مثير الغبار
- سيرَة أُخرى 2
- الطليعي
- البطة الطائشة
- أدباء وعملاء
- سيرَة أُخرى
- تحت شجرة بلوط
- الفلك
- الفخ
- الإختيار
- صداقة
- ابن حرام
- مولانا
- البهلول
- جمال الغيطاني؛ ختامُ الكلام
- ذكرى
- بسمة ساخرة
- الحرية


المزيد.....




- سيرة شعرية مليونية.. ماذا بقي من تغريبة بني هلال؟
- -دخل للمعسكر وسحبه بعيدا-.. دب يقتل فنان فرنسي
- موسيقى في العالم الافتراضي
- شاب لبناني يضيف ابتكارا جديدا لعالم التصوير السينمائي
- تأسيس أكاديميتين للفنون في السعودية
- هل كان جد بوريس جونسون خائنًا أم بطلاً عثمانيًّا؟
- رئيس فنلندا يرحب ببوتين باللغة الروسية
- فيلم -ماتريكس- يعود بجزء جديد
- القاهرة.. مهرجان الموسيقى والغناء
- الموت يغيب الشاعر والكاتب حبيب الصايغ 


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - سيرَة أُخرى 3